العلامة الإمام أحمد بن محمد بن أحمد المقري التلمساني المكنى بأبي العباس والملقب بشهاب الدين المقري:

ولد بتلمسان سنة 986 هجرية، وأصل أسرته من قرية مقرة - بفتح الميم وتشديد القاف المفتوحة -.
أما عن صلة الأسرة بتلمسان وصلته هو بها فقد قال (في المجلد السابع): "وبها ولدت أنا وأبي وجدي وجد جدي، وقرأت بها ونشأت إلى أن ارتحلت عنها في زمن الشبيبة إلى مدينة فاس سنة 1009 ثم رجعت إليها آخر عام 1010 ثم عاودت الرجوع إلى فاس سنة 1013 إلى أن ارتحلت عنها للمشرق أواخر رمضان سنة 1027… " .
وفي أواخر رمضان عام 1027 غادر مدينة فاس متوجهاً إلى المشرق فوصل تطوان (تطاون) في ذي

القعدة من ذلك العام، ومن هناك ركب السفينة التي عرجت به على تونس وسوسة حتى وصلت الإسكندرية،

ومنها إلى القاهرة فالحجاز بحراً، فوصل مكة في ذي القعدة من العام التالي وبقي فيها بعد العمرة ينتظر موسم الحج، ومنها توجه إلى المدينة ثم عاد إلى مصر (محرم 1029) وفي شهر ربيع زار بيت المقدس وأخذ يتردد إلى مكة والمدينة حتى كان في عام 1037 قد زار مكة خمس مرات والمدينة سبع مرات، وقد أوفى هذا الجانب تفصيلاً في كتابه ((نفح الطيب))، قال: ((وحصلت لي بالمجاورة فيها مكة المسرات، وأمليت فيها على قصد التبرك دروساً عديدة، والله يحيل أيام العمر بالعود إليها مديدة، ووفدت على طيبة المعظمة ميمماً مناهجها السديدة سبع مرار، وأطفأت بالعود إليها ما بالأكباد الحرار، واستضاءت تلك الأنوار، وألفت بحضرته صلى الله عليه وسلم بعض ما من الله به علي في ذلك الجوار، وأمليت الحديث النبوي بمرأى منه عليه الصلاة والسلام ومسمع… ثم أبت إلى مصر مفوضاً لله جميع الأمور، ملازماً خدمة العلم الشريف

بالأزهر المعمور، وكان عودي من الحجة الخامسة بصفر سنة 1037 للهجرة)).
وقد أسهب في ذكر حاله بدمشق وما تلقاه به أهلها من حسن المعاملة، ويكفي هنا أن ننقل بعض ما قاله المحبي : ((وأملى صحيح البخاري بالجامع الأموي الكبير تحت قبة النسر بعد صلاة الصبح، ولما كثر الناس بعد أيام خرج إلى صحن الجامع، تجاه القبة المعروفة بالباعونية، وحضره غالب أعيان علماء دمشق، وأما الطلبة فلم يتخلف منهم أحد، وكان يوم ختمة حافلاً جداً، اجتمع فيه الألوف من الناس، وعلت الأضواء بالبكاء، فنقلت حلقة الدرس إلى وسط الصحن، إلى الباب الذي يوضع فيه العلم النبوي في الجمعيات من رجب وشعبان ورمضان، وأتي له بكرسي الوعظ فصعد عليه، وتكلم بكلام في العقائد والحديث لم يسمع نظيره أبدا ً، وتكلم على ترجمة البخاري وكانت الجلسة من طلوع الشمس إلى قريب الظهر ونزل عن الكرسي فازدحم الناس على تقبيل يده، وكان ذلك نهار الأربعاء سابع عشري رمضان سنة 1037، ولم يتفق لغيره من العلماء الواردين إلى دمشق ما اتفق له من الحظوة وإقبال الناس)). وكانت إقامته بدمشق دون الأربعين يوماً، وقد خرج جمهور كبير من علمائها وأعيانها في وداعه، عندما اعتزم العودة إلى مصر.

عاد المقري إلى مصر رغم إعجابه بدمشق وأهلها، وكان أثناء إقامته الطويلة بمصر قد تزوج امرأة من عائلة السادة الوفائية، رزق منها بنتاً، توفيت عام 1038، ويبدو أن العلاقة بينه وبين زوجته لم تكن موشحة بالوفاق، مما اضطره إلى تطليقها؛ وفيما كان يزمع الهجرة من مصر ليستوطن الشام و يقيم فيها ،ولكن وافته منيته في جمادي الآخرة سنة 1041فدفن رحمه الله بالقاهرة .