الاختيار والقهر

قال: (اعلم ومن أسمائه تعالى القهار، ومن جملة قهره سبحانه أن جعل الإنسان ترد عليه أحوال يسلكها وهو كاره لها، ولا يقدر أن ينقذ نفسه منها ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ [ الأنفال: 24 ]، وذلك أن مولك أعرف منك بما يصلح لك، قال تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ البقرة: 216 ]، ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ [ المؤمنون: 71 ]، صدق الله العظيم ). وقال: (اعلم ومما قال لي الشيخ رحمه الله قال لي: يا ولدي لا تختار حالًا مع حال، أنت مع ما أقامك مولاك، وإذا كان ولا بد من الاختيار اختر الضيق على التاسيع، يعني الضيق في الظاهر هو عين التاسيع في الباطن. انظر قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ (1 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ (2 ) لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [ القدر: 1 - 2 - 3 ]. قال بعض المفسرين: القدر هو الضيق )، وقال: (اعلم أن كل ما هو حكمة اختيارًا فهو شريعة، وكل ما هو قدرة قهرًا فهو حقيقة، وكل ما تغرسه شريعة اختيارًا لا يثمر لك إلا حقيقة قهرًا. مثله أنك إذا غرست الذل اختيارًا في ظاهرك شريعة فإن ثماره تكون عزًا حقيقة قهرًا، وإذا غرست العز في ظاهرك اختيارًا شريعة فإن ثماره تكون ذلًا حقيقة قهرًا، لأن أفعال العبد كلها شرائع اختيارًا، وأفعال المولى كلها حقائق قهرًا، مع أنه في الحقيقة الكل فعله تعالى لكن من فضله تعالى خلق الفعل ونسبه إليك وجعل فعلك يوجد فعله، إن غرستها حسنة ينبتها هو لك حسنة، وإن غرستها سيئة ينبتها هو لك سيئة، وحكم على نفسه بقوله: ﴿ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ [ إبراهيم: 34 ]. جعل غرس الخير والشر بيدك لتكون حجتك عليك ). وقال: (اعلم أن كل من لم يأت لباب مولاه حكمة اختيارًا، لا بد أن يأتي لبابه قدرة قهرًا. من لم يجب داعي الإحسان، حتمًا يجيب داعي السلطان. الحكمة حكمته تعالى، نسبها الحق لخلقه هبةً وفضلًا منه عليهم، وإن كان في الحقيقة هو الفاعل بها منه به إليه، كذلك القدرة قدرته تعالى نسبها الحق لنفسه عدلًا منه به إليه، كأن الحكمة شريعة والقدرة حقيقة، والحكمة والقدرة كلهم أوصاف الحق )

* من كتاب في أنوار الطريقة وأسرار الحقيقة لمولانا علي العمراني الملقب بالجمل