خصال كريمة تمحو صغائر الذنوب

من بينها تجنب الكبائر والصفح عن المسيئيين


بقلم د. عبد الفتاح الشيخ

كثيراً ما يحثنا القرآن الكريم على مكارم الأخلاق والتحلي بالخصال الطيبة التي تجلب لنا رضا الله سبحانه وتعالى وكريم جزائه، وتحمينا من كل ما يلحق بنا الضرر في الدنيا ويجلب لنا عقاب الله وعذابه في الآخرة .


من بين هذه الآيات الكريمة التي تكشف عن بعض الصفات الطيبة والمناقب الحميدة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم ما جاء في سورة الشورى: “والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون . والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون . وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين . ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل . إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور” .


في الآية السابقة على الآية الأولى يؤكد لنا الحق سبحانه أن ما عنده من ثواب في الآخرة خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون . وفي هذه الآية يوضح لنا أن من خصال هؤلاء المؤمنين الصادقين أنهم يجتنبون ارتكاب كبائر الآثام كقتل النفس وأكل أموال الناس بالباطل ويجتنبون كذلك ما فحش وعظم قبحه من الذنوب كالزنى والبخل بما آتاهم الله من فضله .


وليس المراد من هذه الآية الكريمة كما يقول د . عبد الفتاح الشيخ الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر فتح الباب لارتكاب صغائر الآثام والذنوب، بل المراد بيان فضل الله تعالى على عباده ورحمته بهم، وبيان أن اجتناب كبار الآثام والفواحش يؤدي بفضل الله وكرمه إلى غفران صغائر الذنوب . . كما أكد الحق سبحانه هذا المعنى في قوله: “إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً” .


كظم الغيظ


ومن صفات هؤلاء المؤمنين الذين يغفر الله سبحانه وتعالى ذنوبهم ويتجاوز عن صغائر آثامهم “وإذا ما غضبوا هم يغفرون” أي أنهم متسامحون حريصون على مودة الناس والتجاوز عن الأمور التي تغضبهم . وهذه صفة كريمة لا يتحلى بها إلا القليل من الناس، إذ المعروف أن الإنسان في حالة غضبه كثيراً ما يفقد صوابه، ويغلب عليه عدم السيطرة على مشاعره، فإذا ما استطاع أن يكظم غيظه في حالة غضبه، كان ذلك دليلاً على قوة إيمانه وعلى ملكه لنوازع نفسه .


ثم ذكر سبحانه صفات كريمة لهؤلاء المؤمنين المخلصين الصادقين في إيمانهم فقال: “والذين استجابوا لربهم” أي أطاعوه في كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه “وأقاموا الصلاة” أي حافظوا عليها وأدوها في أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين . . “وأمرهم شورى بينهم” أي إذا حدث بينهم أمر مهم يحتاج إلى المراجعة والمناقشة تجمعوا وتشاوروا فيما هو أنفع وأصلح . . وقوله “ومما رزقناهم ينفقون” أي ومن صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين أيضاً أنهم مما أعطيناهم من الرزق يتصدقون على غيرهم من المحتاجين .


وهؤلاء المؤمنون الصادقون الذين يسيطرون على أنفسهم وقت الغضب ويتجاوزون عن أخطاء الآخرين ليسوا ضعفاء ولا أذلاء كما قد يتوهم البعض فهم أقوياء ينتصرون لأنفسهم إذا ما بغى عليهم باغ .


دفع الظلم


يقول سبحانه: “والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون” أي أن من صفاتهم كذلك أنهم إذا بغى عليهم باغٍ أو ظلمهم ظالم أو اعتدى على كرامتهم أو على دينهم معتدٍ، فإنهم لا يخضعون له ولا يذلون أمامه، وإنما هم ينتصرون لدينهم ولكرامتهم، بل يقابلون بغيه وعدوانه بما يردعه ويجعله يخشى إصابته بأذى .


وقوله تعالى: “وجزاء سيئة سيئة مثلها” بيان لوجوب عدم تجاوز الحد عند دفع الظلم . . أي أن الله تعالى يأمركم أنكم إذا أردتم الانتصار من الباغي فعليكم أن تقابلوا بغيه وظلمه وعدوانه بمثله من دون زيادة منكم على ذلك . كما قال سبحانه في آية أخرى: “وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين” .


قال الشوكاني في تفسيره لهذا الآيات: لقد ذكر سبحانه المغفرة عند الغضب في معرض المدح فقال: “وإذا ما غضبوا هم يغفرون” كما ذكر الانتصار على الباغي في معرض المدح أيضاً لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل الله سبحانه وتعالى له العزة حيث قال سبحانه: “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين” فالانتصار عند البغي فضيلة كما أن العفو عند الغضب فضيلة .


ولكن هذا الانتصار كما يقول د . الشيخ مشروط بالاقتصار على ما جعله الله تعالى له، وعدم مجاوزته كما بينه سبحانه عقب ذلك بقوله: “وجزاء سيئة سيئة مثلها” فالله سبحانه يؤكد على العدل في الانتصار .


العفو عند المقدرة


ثم بيّن سبحانه ما هو أسمى من مقابلة السيئة بمثلها فقال: “فمن عفا وأصلح فأجره على الله . إنه لا يجب الظالمين” .


أي: فمن عفا عمن أساء إليه وأصلح فيما بينه وبين غيره فأجره كائن على الله تعالى وحده وسيعطيه سبحانه من الثواب ما لا يعلمه إلا هو عز وجل . إنه تعالى لا يحب الظالمين بأي لون من ألوان الظلم . وفي الحديث القدسي: “يا عبادي أني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا” . ثم أكد سبحانه ما سبق أن بينه من أن دفع بغي الباغي أمر محمود فقال تعالى: “ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل”، أي أن من انتصر لدينه وعرضه بعد ظلم الظالم له، فأولئك الذين يفعلون ذلك لا يؤاخذون من أحد ولا يلامون من غيرهم لأنهم باشروا حقهم الذي شرعه الله تعالى لهم وهو مقابلة السيئة بمثلها .


ثم بيّن سبحانه على من تقع المؤاخذة والمعاقبة فقال: “إنما السبيل الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق” .


أي: إنما المؤاخذة والمعاقبة كائنة على الذين يظلمون غيرهم من الناس ويتكبرون ويتجاوزون حدودهم في الأرض بغير الحق .


“أولئك لهم عذاب أليم” أي: أولئك الذين من صفاتهم الظلم والبغي لهم عذاب أليم بسبب ما ارتكبوه من ظلم وبغي .


ثم ختم سبحانه هذه الصفات الكريمة للمؤمنين فقال: “ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور” أي وللإنسان الصابر على الأذى الذي يصفح عمن أساء إليه، الثواب الجزيل .