الشيخ بدر الدين محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الحسني البيباني(أشعل الحسني شرارة الثورة السوريّة، وحضّ الناس على عدم دفع الضرائب للفرنسيين والتعامل معهم وأعلن فرضيّة الجهاد)
(1264/1848 _ 1354/1934)
بقلم: محمد علي شاهين
محدّث الديار الشاميّة الأكبر، وشيخ علمائها في عصره، بقيّة السلف الصالح، عالم مصلح .
أصله من محلة (ورياد العروس) بمراكش، نزل والده دمشق وكان محدّثاً، فقيها،ً شاعراً بليغاً متضلّعاً، ولد في دمشق من أب مغربي، وأم دمشقيّة من آل الكزبري، حفظ القرآن، وقرأ على والده مبادئ العلوم حفظاً وفهماً، وعلى الشيخ أبي الخير الخطيب، وانكبّ على المطالعة وأولع بها منذ صغره في مكتبة والده في (دار الحديث الأشرفيّة) التي اتخذها مقراً له، مثلما كانت مقراً لوالده، توفي والده وهو في الثانية عشرة من عمره، فأشرفت على تربيته وتوجيهه والدته السيدة عائشة الكزبري، ومما ساعده على حياته العلميّة اختلاؤه نحو تسع سنين في مدرسة دار الحديث، حيث تخلّص من آثار بيئته وعصره، واستظهر متون مختلف العلوم، كما استظهر صحيح البخاري ومسلم بأسانيدهما، والمسانيد والسنن، وكان ولوعاً بجمع الكتب واقتنائها، محيطاً بالمعارف، ماترك النظر في الكتب ساعة من نهار عمره كلّه، وما ترك الإقراء قط .
فكان علمه عجيباً، وكانت سيرته أعجب من علمه، عاش بالعلم وللعلم، وكان عجباً في إحاطته، واستقامة ذاكرته، وكانت كلماته قليلة، ولكنها كانت تفعل فعل السحر في نفوس الشاميّين .
درس في دار الحديث العلوم الرياضيّة على اختلاف فروعها، والحديث في الجامع الأموي، وفتح داره للوافدين، وتتلمذ عليه خلق كثير من نجباء الشام، ومصر، والعراق .
وكان مقبلاً على العبادة، متواضعاً صائماً، متحرّراً من عادات الناس اليوميّة، ملتزما بالسنّة، داعياً بالحكمة، مترفّعاً عن الحكّام، قال تلميذه محمد المبارك: كان أكثر دهره صائماً، قلما يتكلم إلا بعلم أو ذكر، يمنع الناس من القيام له، ومن تقبيل يده، ويغضب لذلك، وكان يعلن في دروسه فرضيّة الجهاد لإخراج الأجنبي الكافر المستعمر، وكان على صلة بالثائرين على فرنسا في سوريّة.
أشعل شرارة الثورة السوريّة، ومهّد لها بجولته في مدن سورية مع الشيخ علي الدقر، والشيخ هاشم الخطيب، بما دعي (نهضة المشايخ) فكان يعظ الناس، ويأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، ويحث على الجهاد .
وعندما احتل الفرنسيّون دمشق جعلوا من جامع تنكز مدرسة عسكريّة، فذهب الشيخ ووراءه تلامذته والأمة من ورائهم إلى المسجد فقال لهم: هذا مسجد، والمساجد للصلاة، وقد جئنا نصلي فيه، فكم يكفيكم من الأيام لتخلوه لنا ؟ فأخلي وعاد مسجداً كما كان.
وحض الناس على عدم دفع الضرائب للفرنسيين، أو التعامل معهم، وأعلن فرضية الجهاد، في مجالسه الخاصّة والعامّة.
وكانت دمشق تلجأ إليه كلما ادلهمت الخطوب، وتفزع إليه كلما حاق بها اليأس .
ومن أبرز ما ينسب إليه في هذا الميدان، تفقده أحياء الملل والطوائف غير الإسلاميّة في أيام الثورة، في وقت شاعت فيه شائعة خبيثة روّجها دعاة السوء، وأبواق الإفرنسيّين، وهي أن الثوار يريدون الاعتداء على الحي المسيحي، فكان لزيارته معنى رائعاً يرمز للتضامن بين المسلمين والمسيحيين.
نقل إلى الشام مواريث العلوم الإسلاميّة من تراث الأندلس، الذي انتهى إلى المغرب والجزائر وما حولهما، مع الخصائص التي ميّزت بناة ذلك التراث، من شمولية الثقافة التي لاتعرف الانغلاق.
قال الشيخ بهجة البيطار: كان علم محدث الشام، علم حفظ ودراية، وكتب ودراسة، أما الحديث فلا نعلم له نظيراً في حفظه، ولا في ضبط رجاله، ومعرفة سنده، وحسبه له روايته له في الجامع الأموي تحت قبة النسر، من بعد فريضة الجمعة، إلى صلاة العصر، وقد دأب على ذلك نحو ثلاثة أرباع القرن .
وكان يقيم الأدلّة الشرعيّة على أن الدين الإسلامي لا ينافي العلوم الكونيّة على اختلاف مواضيعها وهي تؤيده، وهو لا يحظرها، بل إنه يؤكّد على أهميتها، وأنّه لا حياة للتديّن إلا بهذه العلوم التي تسير مع الدين جنباً إلى جنب .
وكان يزور المدارس، ويدخل قاعات الدرس، ويزور السجن، ويتفقّد أحوال المسجونين .
ألف كتباً في التوحيد والفرائض، وكتب (حاشية على تفسير الجلالين) و(شرح مغني اللبيب لابن هشام) في النحو، و(شرح الخلاصة) في الحساب، و(رسالة في سنده لصحيح البخاري) و(إعراب القرآن) و(شرح الشمائل المحمدية) و(حاشية على العقائد النسفية) و(شرح على نظم التلخيص) و(حاشية على رسالة الوليديّة) و(حاشية على المطوّل) و(شرح على الطوالع) و(شرح على لاميّة الأفعال) وغيرها .
وأنجب الشيخ تاج الدين الحسني الذي تسلّم الحكم في البلاد ثلاث مرّات آخرها رئاسة الجمهورية السورية سنة 1941 وكان عالماً بالشريعة والحقوق، ترك منشآت عمرانيّة رائعة، إلاّ أن الأحزاب الوطنيّة العلمانيّة حرّضت عليه الغوغاء، وأظهرته كسياسي مفرّط بحقوق الشعب السوري .
توفى الشيخ بدر الدين في دمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير، ولم تعرف جنازته في دمشق مثيلاً، سوى جنازة ابن تيميّة.
وكتب في سيرته تلميذه الشيخ محمود الرنكوسي (الدرر اللؤلؤيّة في النعوت البدريّة لخاتمة الحفاظ المحقّقين وفخر العلماء العاملين سيدنا محمد بدر الدين الحسني) ويسرى دركزنلي (المحدّث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني) .
__________________________________________________ ________________
(1) مجلة حضارة الإسلام س 4 ع 6 مقال محمد المبارك . (2) معجم المؤلفين ج 12 ص 139 عمر رضا كحالة . (3) علماء ومفكرون عرفتهم ج 3 ص 229 محمد المجذوب . (4) رجال من التاريخ ص 381 علي الطنطاوي . (5) ذكريات علي الطنطاوي ج 1 ص 76و219 وج 3 ص213 (6) الدعاة والدعوة الإسلامية المعاصرة م2 ص803 محمد حسن الحمصي . (7) راجع مقالة المؤلّف المنشورة في صحيفة اللواء الأردنية بتاريخ 19/8/1998 . (8) المجلة العربية ع 3 س 3 ربيع أول 1399/1979 مقال: الشيخ محمد بدر الدين الحسني علامة الشام ومحدثها الأكبر ، لفخري نورس الكيلاني .
أعلام الصحوة الإسلاميّة .