النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: صاحب أكبر نهضة علمية في بلاد الشام الشيخ علي الدقر

  1. #1
    كلتاوي فضي

    الحاله : Omarofarabia غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    رقم العضوية: 448
    المشاركات: 706
    معدل تقييم المستوى : 93
    Array

    افتراضي صاحب أكبر نهضة علمية في بلاد الشام الشيخ علي الدقر

    اعلام علماء الشام



    الشيخ علي الدقر

    صاحب أكبر نهضة علمية في بلاد الشام

    بقلم الأستاذ الأديب : عبد الله الطنطاوي

    تمهيد:

    (من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه) منهم، فيما أحسب، ولا أزكي على الله أحداً، العالم الرباني، والشيخ التقيّ النقي الداعي إلى الله على بصيرة، بالحكمة والموعظة الحسنة، علامة الشام وواعظها وباعث نهضتها العلمية في النصف الأول من القرن الماضي، الشيخ علي الدقر، والد الشيخين العالمين الجليلين:

    أحمد وعبد الغني الدقر، رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة.

    نشأته:

    ولد الشيخ علي في دمشق عام 1294هـ - 1877م لأب تاجر صالح محسن، ومن أسرة دمشقية عريقة، ولأمّ صالحة محسنة، تنفق من مالها، كما ينفق زوجها التاجر الثري عبد الغني الدقر من ماله الكثير.

    وقد ورث الشيخ علي من أبيه خصلتي الصلاح والكرم، فقد كان الولد سرّ أبيه في هاتين الخصلتين اللتين سارت الأحاديث بهما فملأت ديار الشام؛ فقد كانت له مزرعتان في المزّة وداريّا، يؤمّهما الفقراء والمحتاجون، ليأخذ كل واحد منهم ما يحتاجه منهما، من دون استئذان، فقد أذن الشيخ مسبقاً لمن يريد، أن يأخذ منهما ما يريد، كما كانوا وطلبة العلم الفقراء يزورونه في بيته، وكانوا عندما يخرجون، يأخذون حاجتهم من أكياس الحنطة، والدقيق، والسكر، والزبيب، والعدس، والأرز، والشاي، ومن السمن، والزيت.. وعندما يمد الموائد، يفرح بازدحام المساكين عليها.

    وكان لا يدخل إلى جيبه شيئاً من المعاش الذي يأتيه من الأوقاف، ولا يخلطه بماله، بل كان ينفقه على طلابه الفقراء بأريحية تذكّرنا بأجواد العرب في بوادي العرب، وكانت أيام الحرب الكونية الأولى وما تلاها من سنين عجاف، أشبه ما تكون بتلك البوادي القاحلة، وكان فيها الجواد.

    صفته:

    وصفه الشيخ علي الطنطاوي الذي رآه وتتلمذ عليه، وأعجب به، بقوله:

    "وكان الشيخ علي الدقر- كالشيخ بدر الدين الحسني- جميل الصورة، ناصع البياض، أزرق العينين، حلو التقاسيم، له لحية بيضاء كبيرة تزيده جمالاً، وكان كلاهما يتخذ العمامة التجارية من القماش الهندي المطرّز، لا العمامة البيضاء، عمامة العلماء«. وهذه العمامة يسمّونها في الشام: (لفَّة لام- ألف) وهي التي كان يتخذها ولداه من بعده: أحمد وعبد الغني، مع أنها عمامة التجار، وليست عمامة العلماء البيضاء التي يُلَفُّ شاشها الأبيض، على طربوش أحمر.

    تعليمه:

    كدأب الناس في زمانه (القرن الرابع عشر الهجري) تعلّم في ( الكتّاب) القراءة والكتابة وشيئاً يسيراً من القرآن الكريم، ثم انتقل إلى مدرسة الشيخ عيد السفرجلاني، وأمضى فيها بضع سنين، أفاد منها شيئاً من علوم اللغة العربية، وعلوم الدين، ثم لازم الشيخ محمد القاسمي، وقرأ عليه من علوم العربية والدين ما أهّله لتدريس شيء من علم النحو ومن الفقه الشافعي، وشيخه سعيد بما يراه من نجابته وعلمه وورعه.

    وصحب المحدّثَ الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني، وكان من أحبّ تلاميذه إليه، وأقربهم منه، وقرأ عليه الكتب الخمسة، كما قرأ على غيره من علماء الشام كالشيخ أمين سويد، ما جعله عالماً فقيهاً يشار إليه بالبنان.

    وعظه:

    وقد جمع الشيخ بين العلم والعمل، فكان نشاطه الدعوي مشهوداً حيثما حلّ وارتحل، في مساجد دمشق وغيرها من المدن والقرى السورية، وكان له تأثير كبير فيمن يلقاه من الناس، فازدحم على دروسه العلمية والوعظية كبار تجار دمشق وصالحوها، وكان يدعوهم إلى التعاون والتحابب والإيثار، ويحرّم عليهم وينهاهم عن الغش والاحتكار، ويرسخ قواعد التعامل بينهم في سائر علاقاتهم الأسرية والاجتماعية والتجارية، ويحضّهم على التمسّك بتعاليم الإسلام العظيم.. كل ذلك بأسلوب فريد من نوعه، وصفه الشيخ علي الطنطاوي بقوله:

    "الرجل الذي هزّ دمشق، من أربعين سنة، هزّة لم تعرف مثلها من مئتي سنة، وصرخ في أرجائها صرخة الإيمان، فتجاوبت أصداؤها في أقطار الشام، واستجاب لها الناس، يعودون إلى دين الله أفواجاً، يبتدرون المساجد، ويستبقون إلى حلقاتها..

    وهو علامة الشام.. بل هو في الشام علم الأعلام، أعطي من التوفيق في العمل، والعمق في الأثر، ما لم يعط مثله الشيخ بدر الدين ولا غيره من مشايخ الشام في تلك الأيام."

    كان المسجد الذي يدرس فيه الشيخ علي الدقر "يمتلئ كله، ويقف الناس على أبوابه وأمام نوافذه، ولم يكن في الدرس علم غزير، ولكن كان فيه شيء لا يجده سامعه عند ذوي العلم الغزير. فيه الموعظة التي تخرج من القلب، لتقع في القلب، فتحرك فيه خامد الشعور، وتثير فيه كامن الإيمان.. فيه يملأ بالدموع المآقي، ويبكي من الخشوع العيون، فيه ما يقيم ويقعد، ويلين أفئدة كانت أشدَّ من الصخر، ويستخلص من أيدي الشيطان نفوساً كان قد تملّكها وتحكّم فيها الشيطان. فيه ما يشعره حاضره أنه انتقل من هذه الدنيا، إلى مجالس الجنان.

    فيه مالا أستطيع أن أعرّف القارئين به، لأنه شيء يُرى ولا يوصف،ويذاق ولا يُعرف، وكان الشيخ يُسأل: من أين يأتي بهذا الكلام الذي يلقيه على الناس؟ ومن أيَّ كتاب ينقله؟ فما كان يجيب، ولو أجاب لقال: إنه ينقله من الصلاة في ظلمات الليالي، ومن المناجاة في هدآت الأسحار، ومن حلاوة الإيمان التي يذوقها في ساعات الخلوة بالله، والتوجّه إليه، والقيام بين يديه.."

    "إنه، إنْ وعظ، لم يأت بألفاظ حلوة تقرع الأذن، ثم لا تتجاوزها، بل بمعان تصل إلى القلوب، قبل أن تصل الألفاظ إلى الآذان."

    عندما يقرر الدرس، ما كان يقتصر على عبارة الكتاب الذي يدرسّه، بل كان ينطلق لسانه بكلمات ترّقق القلوب، وتذكّر بالآخرة.. كان فيها روعة من التذكير، وشدة التأثير، ما ليس له نظير.

    كان يخشع هو، فيخشع السامعون، ويبكي فيبكون..

    وكان يرى إقبال الناس عليه فيعجب ويتساءل: نحن نحن، ما تبدّل فينا شيء، فما الداعي لهذا الإقبال والازدحام؟

    ويعجب تلاميذه وإخوانه من كلامه هذا، ولسان حالهم يقول: إنه الإخلاص.. إنه الورع والتقوى.. إنه صفاء القلب والعقل والنفس.. إنه حبّ الله وحّب رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي ملك عليه أقطار قلبه وعقله.. إنه الخشية التي جعلتك تقول: إن كلَّ علم لا يورث خشية، لا يزيد صاحبه إلا بعداً من الله تعالى، فوازنتَ بين العلم والعمل، وكنتَ مخبتاً لله، زاهداً، متقشّفاً، وقد أورثك هذا وسواه، إقبال الناس عليك، وازدحامهم على دروسك، وتأثّرهم بمواعظك، وامتثالهم لأوامرك وتعليماتك المستمدّة من كتاب الله وسنّة رسوله، البعيدة عن الهوى،العاملة على سرد الخرافات والبدع من حياة المبتدعين وأتباعهم الجهلة، حتى لا يفسدوا على الناس دينهم وعقيدتهم.

    النهضة العلمية

    أستطيع أن أؤكد أن الشيخ علي الدقر هو صاحب أضخم نهضة علميّة في بلاد الشام في القرن الرابع عشر الهجري، العشرين الميلادي.

    وسبب هذه النهضة التي دُعيتْ بنهضة العلماء، أن الشيخ علياً كان محبّاً للعلم، شغوفاً به شغفاً جعل أباه التاجر الكبير يأسى لحاله، ويشكو إلى بقّال صديق ما قد يؤول إليه مصير ولده عليّ الذي ترك التجارة، ولحق المشايخ ودروسهم في المساجد، وترك المال والعزّ والجاه الذي يرتع هو وأولاده الآخرون في نعيمه، فيما الشيخ علي زاهد في كلّ ذلك، مقبل على طلب العلم، والجلوس بين أيدي المشايخ.

    وشاء الله أن يمتدّ العمر بذلك البقال، ليرى ما وصل إليه الشيخ علي من العزّ، وهو يراه من دكانه، وقد حفّ به أصحاب العمائم، فيتذكّر شكوى أبيه الحاج عبد الغني، وخوفه الفقر والعوز على ولده، يتذكّر هذا فيهتف بأعلى صوته:

    "أين أنت يا أبا صادق، لترى العزّ الحقيقي لابنك الشيخ علي."

    وثمة سبب آخر، هو ما كان عليه التعليم الرسمي من بُعْدٍ عن الله وعن تعاليم الإسلام ومبادئ الأخلاق، وتأثر بالغرب وعلومه.

    فكّر الشيخ عليّ مليّاً فيما يعمل، واستخار الله تعالى، ثم هداه تفكيره إلى البديل عن تلك المدارس ذات المناهج العلمانية.. والبديل في إنشاء مدارس ومعاهد شرعيّة، تعلّم العقيدة، وأحكام الإسلام، والعلوم الشرعية، والعلوم العربية التي هي مفتاح العلوم الشرعية.

    ولا بدّ لإنشاء المدارس والمعاهد من أموال، ورجال، ونظام، وهذا يتطلب إنشاء جمعية، فقرّر، بالتعاون مع التجار الذين يحبّونه، ويثقون به، وبصلاحه، وبسداد رأيه، وبتوفيق الله إياه لما فيه خير الأمة في دينها ودنياها، وبالتعاون مع بعض العلماء أيضاً، كالشيخ هاشم الخطيب، وبمباركة محدّث الشام الشيخ بدر الدين الحسني.. قرّر إنشاء (الجمعية الغرّاء لتعليم أولاد الفقراء) ثم انطلق يحشد الطلاب لدراسة العلم الشرعي من أولاد الفقراء في حوران، والأردن، وبعض المدن والقرى السورية.

    الجمعية الغرّاء

    كان لهذه الجمعية التي تأسست عام 1343هـ - 1924م آثار في النهضة العلمية في بلاد الشام، وقبل أن تتخذ لها مقراً تجتمع فيه إدارتها، ويرتاده الناس، أنشأت مدرسة في بناء المدرسة السميساطية لطلاب المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، وصار مقرّ إدارة المدرسة مقرّاً لإدارة الجمعية، وانطلق تلاميذ الشيخ علي إلى قرى حوران، يأخذون من كل قرية واحداً أو أكثر من أبنائها الذين يتوسمون فيهم الذكاء والنجابة، حتى كثر الطلاب من الجنسين، وضاقت بهم المدرسة السميساطية، فبادرت الجمعية إلى اعتماد مراكز للتدريس في جامع العدّاس، والتكيّة السليمانية، والمدرسة الخيضرية، والمدرسة السباهية، وقد توزعت على عدد من أحياء دمشق القديمة، من الباب الشمالي للجامع الأموي، إلى باب الجابية، إلى سواهما.

    "وفي سنة 1353هـ تقريباً - أواخر أيام الانتداب الفرنسي - استولت الجمعية على جامع تنكز بشارع النصر، فصار مقراً لها، وفيه أسست ثانوية شرعية سُمِّيت: معهد العلوم الشرعية الإسلامية. تكفّلت الجمعية لطلابها بالطعام، والكساء، والمبيت... وقامت بتعليم الفقراء مجاناً.. واهتمت بتعليم علوم الدين، والدنيا، والتوجيه الخلقي العام."

    وكان يتبع لها من المدارس الابتدائية التي أنشأتها:

    1 - مدرسة سعادة الأبناء. للذكور. فيها مئات الطلاب.

    2 - مدرسة وقاية الأبناء. للذكور. فيها مئات الطلاب.

    3 - مدرسة هداية الأبناء. للذكور. فيها مئات التلاميذ.

    4 - مدرسة روضة الحياء. للإناث. فيها مئات التلميذات.

    5 - مدرسة زهرة الحياء. للإناث. فيها أكثر من مئة تلميذة.

    كما أسست من المدارس الثانوية ست مدارس ومعاهد للذكور والإناث منها:

    1 - معهد العلوم الشرعية. للذكور. فيه مئات الطلاب.

    2 - ثانوية السعادة. للذكور. فيها مئات الطلاب.

    3 - معهد العلوم الشرعية. للإناث. فيها مئات الطالبات.

    قال الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته 168/1:

    " لقد أثمرت - الجمعية الغراء - خيراً كثيراً، وخرّجت علماء ودعاة، وأحيا بها الله أرض حوران والبلقاء – الأردن".

    بل خرّجت مئات الدعاة، والعلماء، والخطباء، والأدباء، والوعاظ، والمعلمين، والمدرّسين، وأساتذة الجامعات، والمفكرين، أذكر منهم بعض العلماء الذين علّمونا في معهد العلوم الشرعية، وكانوا من فطاحل العلماء الذين سعدت بهم دمشق:

    1 - الشيخ حسن حبنكة (العلامة المجاهد المربي).

    2 - الشيخ عبد الوهاب الحافظ (دبس وزيت) (مفتي الأحناف بدمشق).

    3 - الشيخ نايف عباس (علامة التاريخ والفرائض).

    4 - الشيخ أحمد الدقر (مدير المعهد).

    5 - الشيخ عبد الغني الدقر (الأديب، النحوي، الفقيه، المحدّث).

    6 - الشيخ عبد الكريم الرفاعي (العالم الرباني).

    7 - الشيخ أحمد منصور المقداد (الشافعي الصغير).

    8 - الأستاذ محمد الدقر (محام وقاض).

    9 - الشيخ خالد الجباوي (سيبويه الصغير).

    10 - الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق (الخطيب المفوَّه).

    11 - الدكتور الشيخ محمد أديب الصالح.

    12 - الشيخ عبد الرحمن الزعبي (الطيبي) - المفسّر والمحدّث -.

    13 - الدكتور محمد خير عرقسوسي.

    14 - الشيخ عز الدين الحايك.

    15 - الشيخ عبد الوهاب الصلاحي.

    16 - الشيخ محمد كامل الخطيب.

    17 - الشيخ محمد السيد.

    18 - الشيخ عبد الله الراشدي.

    19 - الشيخ محمد علي المصري.

    20 - الشيخ عبد الرحمن بركات.

    21 - الدكتور فتحي النحلاوي. طبيب المعهد.

    وأمّا مئات العلماء الذين تخرجوا في معاهد الجمعية الغراء، فأكثر من أن يُحْْصَوا، وهم منتشرون في المدن والأرياف السورية والأردنية والفلسطينية والتركيّة واللبنانية و.. تخرجوا في معاهد الجمعية الغراء ومدارسها، وملؤوا الآفاق، منذ أوائل القرن الماضي وحتى يوم الناس هذا.

    وقد شاركت الجمعية الغراء في الحياة الاجتماعية والسياسية، والجهادية، وكان مقرّها يغصّ برجال السياسة، وعلماء الدين، ووجهاء دمشق، وكانت قوائم المرشحين للانتخابات النيابية يُتَّفَقُ عليها فيها، وقد حقَّقت نجاحات باهرة في الحياة العامة، والعلمية خاصة، فأثارت نجاحاتها حسد الحاسدين، وتآمر العلمانيين، ومن يسير في ركابهم من أدعياء التدين والدين، فاتّهموها باستغلال الدين من أجل مصالح سياسية ومالية، واتّهموا مؤسسها بما ليس فيه ولا في تلاميذه ومريديه، وأظهروا أشياء وأبطنوا أشياء، وكان الله لهم بالمرصاد، ففضح ما بيّتوا وتآمروا، وبرْأ الرجل الصالح، والعالم الربّاني الشيخ علي الذي كان ينفق من حُرّ ماله، وينأى بنفسه عن المناصب والأضواء، فقد كان أزهد الناس بها إلى أن وافاه الأجل عام 132هـ - 1934م، وكذلك استمرّت جمعيته تسير على خطاه، حرباً على الفساد والمفسدين، وحرباً على البدع والخرافات والمبتدعين، وتصدّياً لمدارس التبشير والتنصير التي وفدت مع الجيش الفرنسي المحتل، وحرباً على التعصب المذهبي.

    لقد أسسها الشيخ علي، وأرسى دعائمها على أسس قويمة من الإسلام الصحيح، من أجل النهوض بالعلم الشرعي، ونشر الدين الحنيف كما جاء في الكتاب والسنة، وكان له ما أراد، بفضل الله المطّلع على نيّة الرجل الصالح، وعلى إخلاصه وتقواه وورعه.

    بقي أن نعرف ونتأمل هذه الحادثة..

    قلنا: إن الجمعية الغراء تأسست عام 1343هـ - 1924م ولم يكن لها مقر معروف، سوى ذلك الذي اتخذته مقراً في أول مدرسة أسستها، وبقي الأمر هكذا إلى أن جاءت سنة 1353هـ فاستولت الجمعية على مدرسة جامع تنكز في شارع النصر، قلب دمشق، فصارت مقراً لها، وأسست في رحاب المسجد وبنتْ معهد العلوم الشرعية الذي تخرج فيه عدد كبير من العلماء، وثانوية السعادة.

    كانت هذه المدرسة (مدرسة صف الضباط) مدرسة عسكرية يشغلها الفرنسيون المحتلون، فتحيّنت الجمعية فرصة غياب الطلاب (ضباط الصف) في رحلة خارج المدينة، وأوعزت إلى طلابها أن يحتلوها، ووضعت لهم خطة محكمة يجري تنفيذها بعد صلاة العشاء، فجمع الطلاب حوائجهم وكتبهم، واقتحموا المدرسة، واحتلّوها، ووضعوا المسؤولين من الفرنسيين المحتلين تحت الأمر الواقع.

    المجاهد

    أكثر الذين أرّخوا للكفاح الدامي، والثورات المتلاحقة لتحرير سورية من الاستعمار الفرنسي (1920 - 1946) أغفلوا دور علماء الدين والمشايخ وطلاب العلم الشرعي في تلك الثورات، والحقيقة أن الدور الأكبر كان للعلماء وتلاميذهم ومريديهم في تحميس الناس، وحضهم على الجهاد بالأنفس والأموال، والخروج على المحتلين المستعمرين ومقاومتهم في ميسلون، والغوطة، وحمص وحماة وحلب وجبل صهيون وسواها، وقد تحدثنا في حلقة سابقة عن جهاد الشيخ عز الدين القسام وتلاميذه في شمال سورية، وفي فلسطين، وسوف نتحدث في حلقة لاحقة عن جهاد الشيخ المجاهد كامل القصاب، إن شاء الله تعالى، ولنستمع الآن إلى ما كتبه الشيخ علي الطنطاوي في (رجال من التاريخ) عن دور المشايخ عامة، والشيخ بدر والشيخ علي الدقر خاصة. قال:

    "وأنا أحبّ أن أعرض صفحة مطوية من تاريخ الشيخ بدر الدين، هي رحلته في سنة 1924 مع الشيخ علي الدقر، والشيخ هاشم الخطيب، من دمشق إلى دوما، إلى النبك، إلى حمص، إلى حماة، إلى حلب، هذه الرحلة التي طافوا فيها بلاد الشام (سورية) كلها، وكانوا كلما وصلوا بلدة أو قرية، خرج أهلها على بكرة أبيهم، لاستقبالهم بالأهازيج والمواكب، ثم ساروا وراءهم إلى المسجد، فتكلموا فيه ووعظوا وحمّسوا، وأثاروا العزّة الإسلامية في النفوس، وذكّروا بالمجد الغابر، وحثّوا على الجهاد لإعلاء كلمة الله، فكانت هذه الرحلة هي العامل الأول والمباشر لقيام الثورة السورية التي امتدّتْ سنتين، وأذهلت ببطولتها أهل الأرض.

    والثورة.. قد قامت في الغوطة - غوطة دمشق - قبل أن تقوم في الجبل - جبل الدروز - وقد بدأت بخروج طلبة العلم، بدافع الجهاد ".

    كانت تلك الجولة في المدن السورية، هي الشرارة التي أشعلت الثورة، كما جاء في تقرير رسمي لمندوب المفوَّض السامي الفرنسي، نشرته جريدة ( الأحرار) في بيروت، في العدد 678 الصادر في الثاني من شهر شعبان 1354هـ. وقد بدأت الثورة في الغوطة عقب عودة المشايخ من حلب، فقد خطب الشيخ علي الدقر في مسجده (مسجد السنانّية) بدمشق، وكان مما قال: "يا إخواننا!. اللصّ دخل الدار، وهو يطلب منكم ثلاثة أشياء: دينكم، ومالكم، وعرضكم."

    ولما سئل الشيخ: من هو هذا اللص يا شيخنا؟

    أجاب: إنه فرنسا.

    وعرف الفرنسيون المستعمرون دور الشيخ علي الدقر وتلاميذه في اندلاع الثورة، فأحرقوا مقرّ الجمعية الغراء، وجامع تنكز معاً، قبيل جلائهم عن سورية، انتقاماً وإجراماً، ولكن الجمعية أعادت بناء مقرها، مع معهد العلوم الشرعية، وثانوية السعادة التابعين لها، على طراز حديث، وجمعت في هذا المعهد سائر طلابها الشرعيين، كما عملت على إعادة بناء جامع تنكز بناء حديثاً جميلاً.

    رحم الله الشيخ علي الدقر، فقد كان منارة علم، وفضل، وكرم، كما كان عالماً عاملاً بما علم، ساعياً إلى نشر العلم الشرعي الذي يورث الخشية من الله، فيبني الرجال، ويدفعهم إلى الجهاد في سائر ميادين الحياة، لينشروا نور الإسلام، وتعاليمه الخالدة، وأخلاقه الكفيلة ببناء المجتمعات على أسس سليمة، وتنفي منها الخبث والدنس.

    لقد كان الشيخ علي شيخ شيوخ الشام، وعلم أعلامها الكبار، ولئن ندر الكاتبون عنه، فلم تتجاوز شهرته بلاد الشام إلا قليلاً، إنه لفي مقام كريم في قلوب العلماء الصالحين، ونحسبه عند الله مع المجاهدين، والعلماء والعاملين، وحسن أولئك رفيقاً.
    التعديل الأخير تم بواسطة Omarofarabia ; 19-Sep-2010 الساعة 08:16 AM

  2. #2
    كلتاوي فضي

    الحاله : Omarofarabia غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    رقم العضوية: 448
    المشاركات: 706
    معدل تقييم المستوى : 93
    Array

    افتراضي رد: صاحب أكبر نهضة علمية في بلاد الشام الشيخ علي الدقر

    العالم الداعية والمربي الكبير

    الشيخ علي الدقر رحمه الله تعالى

    الأستاذ : خالد عالولا

    20/06/2006



    نحن اليوم مع عَلم آخر من أعلام العلم والدعوة في بلاد الشام ، ذلكم هو فضيلة العالم العامل الناصح ، والداعية المؤثر ، الشيخ علي الدقر رحمه الله تعالى ورضي عنه وهو الأستاذ الأول ، والمربي صاحب التأثير الأكبر في حياة الشيخ عبد الكريم الرفاعي رحمه الله ، والذي كان يذكره في معظم مجالسه ، ويردُّ ماحققه من نجاح في حياته إلى الله عزوجل أولاً ، وإلى شيخه ومربيه الشيخ علي الدقر ثانياً .

    1ً- مولده :

    ولد الشيخ علي الدقر في دمشق حوالي عام 1294 هجرية الموافق لسنة 1877 ميلادية من أسرة صالحة ، وكان والده يعمل بالتجارة بهمة ونشاط ، وقد حصل منها على ثروة طائلة .



    2ً- نشأته العلمية وأساتذته :

    كان الشيخ يحب عم أبيه حباً كبيراً ، وعلى يديه بدأت حياته العلمية والدينية ، ولازمه ملازمة تامة ، وتعلم القراءة والكتابة في الكتاتيب ، ثم انتقل إلى مدرسة الشيخ عيد السفرجلاني ومكث عنده سنوات ، وخلال ذلك كان يقصد مسجد ( سنان باشا ) مع عم أبيه يصلي فيه مع الجماعة ، ويحضر بعض دروس في الفقه والنحو .

    لازم بعد ذلك الشيخ محمد القاسمي ، فقرأ عليه علوم العربية ، وعلوم الدين والأصول والتوحيد ، وبقي عنده زمناً طويلاً حتى صار من خاصته ، يستعين به على التعليم ، فبدأ التدريس في عهد شيخه ، وثابر على العلم والتعليم ، إلى أن بلغ مبلغاً من العلم مكَّنه من تدريس الكتب الكبار في النحو والفقه الشافعي .

    كذلك لازم المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني ، وقرأ عليه الكتب الخمسة في الحديث ، وكان من خُلَّص طلابه وله عنده منزلة سامية من الحب والتقدير ، وكان يختاره إماماً لصلاة العشاء في الدرس الخاص الذي كان يقام في منزل الشيخ بدر الدين على الرغم من وجود كبار العلماء .

    وقرأ أيضاً على الشيخ أمين سويد بعض العلوم الشرعية ، لاسيما علم التصوف والأخلاق .



    3ً- النهضة العلمية والدعوية التي قام بها :

    أسفر الجد والاجتهاد وملازمة العلماء مدة طويلة من الزمن ، عن عالم جليل وداعية غيور هو الشيخ علي الدقر رحمه الله تعالى ، الذي ما اتخذ من العلم وسيلة لتصدر المجالس ، ولاطريقاً لنيل الجاه والمنزلة ، بل كان يعتقد أن هذا العلم الذي أكرمه الله به ينبغي أن يبذل في خدمة دين الله عزوجل ، وفي نشر الوعي والمعرفة في صفوف الأمة التي أنهكها الجهل ، وأودى بها إلى دركات المهانة والتقهقر .

    وهبَّ الشيخ ينشر ماآتاه الله من علم ، وما وهبه من معرفة ليُبصِّر بها أفراد أمته الجاهلين اللاهين وليبعث في مجتمعه نهضة علمية دينية وأخلاقية رائعة ، عمَّت معظم أنحاء مدينة دمشق ، ودخلت بيوتها وأثرت في نسائها ورجالها ، وراح يحث الناس على طلب العلم ، وخاصة الشرعي عندما رأى انصرافهم عنه لقلة جدواه المادية فكان يبث في نفوس طلابه اليقين بالله ، وأن الرزق محتوم ، وأن أعظم خدمة تقرب إلى الله هي خدمة الدين ونشره .

    ابتدأ ذلك في جامع( سنان باشا) في حي باب الجابية ، وذلك أثناء الحرب العالمية الأولى وبعد وفاة شيخه محمد القاسمي ، واستمر على ذلك رغم العدد البسيط من الطلاب ، الذين كانوا يؤمون دروسه فقد انشغل الناس في تلك الفترة بتحصيل قوتهم لأن البلاد كانت تمر بمرحلة قاسية وشديدة ، وصبر الشيخ على التعليم والدعوة من غير كلل ولا ملل زمناً طويلاً ، ثم توافد الناس لحضور دروسه حتى أصبح الإقبال عليه عظيماً .

    ولما وقعت سوريا في قبضة المستعمر الفرنسي ، قام الشيخ بما يجب أن يقوم به كل عالم صادق يشعر بمسؤوليته تجاه أمته ودينه ، فأخذ يحضُّ الناس على الجهاد ضد المحتلين ، بكلام فيه نبرة الإخلاص الشديد والغيرة العارمة ، وكان لذلك أثره البالغ في السامعين والحاضرين ، ولم يكتف بذلك بل رحل مع أستاذه المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين في جولة على المحافظات السورية ، يحثون الشعب على الثورة ضد المحتل الغاشم ، فكان لتلك الجولة صداها وأثرها الفعال في التحضير للثورة .

    ومن أبرز أعماله في خدمة العلم ونشر المعرفة اهتمامه بتعليم أطفال المسلمين دينهم وأخلاق سلفهم الصالح فأنشأ في سبيل ذلك ( الجمعية الغراء ) سنة 1343هجرية بمعونة الوجهاء والتجار ممن يتصلون به ، وكانت جمعية مهمة ، لها قدرها ومكانتها في دمشق ، ووُضع لها قانون أساسي يوضح أهدافها ، ويذكر أعضاءها ، ويحدد مهماتهم ووظائفهم ، ولما قامت الجمعية لم يكن لها مركز معين ، ثم لم تلبث أن افتتحت لها مدرسة في المدرسة السميساطية لطلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية ، وكان مركز الجمعية في المدرسة ، ولما كثر الطلاب الوافدون وضاقت بهم مدرستهم على رحابتها ، اعتمدت الجمعية مراكز للتدريس ، في جامع العداس ، والتكية السليمانية ، والمدرسة الخيضرية وسواها وفي سنة 1353هجرية أسست الجمعية في جامع تنكز ، بشارع النصر ثانوية شرعية تسمى ( معهد العلوم الشرعية الإسلامية ) وكانت الجمعية تقدم لطلابها ، الطعام والكساء ، والمبيت ، وتعلم الفقراء مجاناً ، وتهتم بعلوم الدين والدنيا والتوجيه الخلقي العام ، وقد بلغ مجموع معاهد الجمعية الغراء للعلوم الشرعية ، ستة تضم نحواً من أربعمائة طالب من شتى البلدان والقرى ، وبلغت مدارسها الابتدائية للذكور ثلاثة ، وللإناث اثنتين تضم أكثر من ألف وخمسمائة تلميذ وتلميذة .

    واتسع نشاط الشيخ وامتد نفعه خارج دمشق ، ليصل إلى القرى السورية الجنوبية وإلى الأردن ، وإلى البقاع في لبنان وغيرها ، فكان الشيخ يرسل طلابه المقتدرين إلى هناك يرغبونهم في طلب العلم ، فانهال عليه التلاميذ من القرى ، وخصوصاً قرى حوران وتخرج منهم القضاة ، والمفتون ، والمدرسون ، والخطباء والوعاظ ، وتخرج في معهد العلوم الشرعية الإسلامية أكثر من أربعة آلاف طالب ، كان يرسل منهم المئات إلى الجهات المختلفة البعيدة والقريبة وخاصة في رمضان يعلمون الناس أمور دينهم



    4ً- لمحات من صفاته وأخلاقه :

    لقد كان الشيخ علي الدقر رحمه الله تعالى يستشعر مسؤولية العلم ، وأنه حجة على حامله ، فما كان العلم عنده غاية يبتغي الوصول إليها فحسب ، بل كان يعتقد أن العلم وسيلة للغاية الكبرى ، وهي معرفة الله عزوجل معرفة صحيحة ، ومعرفة شريعته ومعرفة أخلاق الإسلام التي جسدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليسعد هو بها

    وليُسعِد كلَّ مَن حوله ولينقلها للآخرين صافية نقية ، فيعم الخير وتهتدي الأمة إلى مافيه صلاحها في دنياها وآخرتها . ومن هنا فقد أخذ الشيخ نفسه بأخلاق الدين والتمسك بآدابه يثور لانتهاك الحرمات ، بل ولترك سُنة من السنن ، ولايخشى في الله لومة لائم ، جريء بقول الحق ، وكانت هذه تربيته لأهله وجيرانه ، وخاصته وتلاميذه وعامة الناس ، فلا يترك إرشادهم ووعظهم ، لافي السوق ولا في البيت لافي النزهة ولافي الطريق ، لايفرق في هذا بين صغير أو كبير ، أمير أو مأمور يرى أن كل علم لايُورِّث خشية لايزيد صاحبه من الله إلا بعداً ، ولهذا حرص على التوازن بين العلم والخشية .

    وكان مخلصاً يبتغي وجه ربه في عمله . زهد في المال ورأى الدنيا عرضاً زائلاً ولمع اسمه مرشداً واعظاً ، وكان كلامه وحديثه ينبع من تقواه وإخلاصه ، فيؤثر في السامعين لايكادون يترددون إليه مرات قليلة ، حتى يتغير سلوكهم سريعاً وقد سئل أكثر من مرة ، عن سر تأثيره في الناس ، وإقبالهم عليه ، فكان لايحب أن يجيب على ذلك لئلا يصيبه الرياء والعجب ، ولكن في مجلس من المجالس أفصح عن ذلك لبعض أحبابه ومريديه ، فقال إنه في كل يوم قبيل الفجر في ساعة السحر يقرأ بعضاً من أجزاء القرآن الكريم على نية أن يُغير الله حال سامعيه وأن يكتب لهم الهداية والنفع لذلك لاعجب أن تنجذب له العقول ، وتهفو إلى كلامه القلوب ، وتذرف عند سماعه العيون . وكان حركة دائبة لاتتوقف منذ الفجر وإلى آخر اليوم ، يقضي ذلك بين صلاة وذكر ، أو تعليم وإشراف على دروس طلابه ، الذين امتلأت بهم المساجد أو في درس توجيه ووعظ ، أو دروس علمية متخصصة في الفقه والأصول والتفسير والحديث والفرائض ، واستمر على ذلك سنين طوالاً إلى آخر حياته .

    ولقد أثمرت هذه الأخلاق وهذا الدأب ، عدداً كبيراً من طلاب العلم الذين بلغوا الآلاف والذين نبغ منهم الكثيرون ، فكانوا من خيرة علماء دمشق ، وسار بعضهم على طريقته كالشيخ عبد الكريم الرفاعي وغيره رحمهم الله تعالى والذين ساهموا في إعادة البلاد إلى ملامحها المسلمة الأصيلة .



    5ً - وفاته :

    توفي الشيخ يوم الثلاثاء 25صفر من سنة 1362 هجرية والموافقة لسنة 1943 ميلادية ، وصُلي عليه في الجامع الأموي بجنازة حافلة ، حضرها كبار العلماء والوجهاء وعامة الناس ، وكلٌّ يبدو عليه التأثر والحزن ، ثم دفن في مقبرة الباب الصغير ، وأقيم له هناك حفل تأبيني ألقيت فيه الكلمات المؤثرة .

    رحم الله الشيخ علياً الدقر ، وجزاه عن علمه ودعوته ونهضته ، خير الجزاء وأجزل له العطاء ، وجمعنا به مع علمائنا الأبرار تحت لواء سيدنا ومصطفانا محمد صلى الله عليه وسلم .



    -------------------

    مصادر الترجمة :

    ـــــــــــــــــــــــ

    كتاب ( تاريخ علماء القرن الرابع عشر الهجري ) لمؤلفيه نزار أباظة ومطيع الحافظ
    التعديل الأخير تم بواسطة Omarofarabia ; 21-Jun-2010 الساعة 07:02 AM

  3. #3
    كلتاوي نشيط
    الصورة الرمزية الحسن عبدالله إبراهيم

    الحاله : الحسن عبدالله إبراهيم غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Oct 2007
    رقم العضوية: 350
    الدولة: سوريا ـــ حلـــــــــــــــب
    الهواية: بالثقافة الدينية والقراءة
    السيرة الذاتيه: شهادتي الثانوية من / الشعبانية / والآن طالب في جامعة الأزهر سنة رابعة
    العمل: حاليا ً خطيب
    العمر: 35
    المشاركات: 106
    معدل تقييم المستوى : 90
    Array

    افتراضي رد: صاحب أكبر نهضة علمية في بلاد الشام الشيخ علي الدقر

    بارك الله فيكم أطلعونا على عنوان المرجع

  4. #4
    كلتاوي فضي

    الحاله : Omarofarabia غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    رقم العضوية: 448
    المشاركات: 706
    معدل تقييم المستوى : 93
    Array

    افتراضي رد: صاحب أكبر نهضة علمية في بلاد الشام الشيخ علي الدقر

    الشيخ علي الدقر ..رجل أحيا الله به أمة
    تأليف: د. نزار أباظة
    الموضوع التراجم والسير والأنساب



    توصيف
    *يعيش كثير من صلحاء الناس حياته، لا يفيض من صلاحه إلا على أهله ومن يحيط به من الأصدقاء.
    *ومن الناس ناس نشروا الدعوة في الآفاق من دون قصد لذلك، سوى أنهم قدّموا في حياتهم وتعاملهم نموذجاً يدفع الآخرين للاقتداء بهم.
    *أما الشيخ علي الدقر فقد أصّل لوضع أسس لمذهب في الحياة، لا يقوم على الأخذ بالعلم فحسب، ولا على العناية بالعربية أيضاً.. وإنما خرّج أعلاماً أضافوا إلى ما عند العلماء حُرقة تنبع من القلب، جعلتهم دعاة حالٍ ومقال، نذروا أنفسهم لهداية الناس، فكانوا من الفئة التي حازت قصب السبق من المصطفين الأخيار.
    *خرّج الشيخ علي الدقر جيلاً متشبعاً بروح الإخلاص، متمثلاً برسالة يحملها، يبذل من نفسه للآخرين، لا يطلب منهم جزاء ولا شكوراً.
    ولذلك أحيا الله به وبأمثاله من العلماء الأعلام أمماً أنقذوا الناس من الضلال.

  5. #5
    كلتاوي نشيط

    الحاله : فراج يعقوب غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Aug 2009
    رقم العضوية: 5407
    العمر: 60
    المشاركات: 173
    معدل تقييم المستوى : 77
    Array

    افتراضي رد: صاحب أكبر نهضة علمية في بلاد الشام الشيخ علي الدقر

    رحم الله الشيخ علياً الدقر ، وجزاه عن علمه ودعوته ونهضته ، خير الجزاء وأجزل له العطاء ، وجمعنا به مع علمائنا الأبرار تحت لواء سيدنا ومصطفانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

  6. #6
    كلتاوي فضي

    الحاله : Omarofarabia غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    رقم العضوية: 448
    المشاركات: 706
    معدل تقييم المستوى : 93
    Array

    افتراضي رد: صاحب أكبر نهضة علمية في بلاد الشام الشيخ علي الدقر

    الشيخ علي الدقر ..رجل أحيا الله به أمة
    تأليف: د. نزار أباظة


    الشيخ علي الدقر من الذاكرة
    الأستاذ محمد عدنان سالم
    جنازة صامتة تتهادى وسط حشد كبير من الرجال والولدان، ورذاذ مطر خفيف، كأنه دموع السماء تنثرها فوق رؤوس المشيعين.. تلك هي الصورة التي ما زالت تقفز إلى ذهني كلما ذكر اسم الشيخ علي الدقر، ولما استقر في ذاكرتي؛ طفلاً يتأهب لامتحانات الشهادة الابتدائية لعام 1363هـ/1943م، وكانت تلك الشهادة يومها تمنح على رأس خمس سنوات من الدراسة الجادة، إثر امتحانات تحريرية وأخرى شفهية، يمثُل الطالب ذو الاثني عشر عاماً فيها أمام لجنة من كبار المتخصصين في كل فنٍّ؛ لا يسألونه ماذا حفظ من الكتاب المدرسي، بقدر ما يحاولون أن يتعرفوا ماذا وعى من المادة الدراسية خارج الكتاب المقرر، ليقرروا بعد ذلك ما إذا كان قد خرج من التعليم الأساسي بحصيلة تشهد له بأنه قد أصبح راشداً ومؤهلاً لمتابعة دراسته في المراحل التالية.
    كانت (سعادة الأبناء) التابعة للجمعية الغرَّاء التي أسسها الشيخ علي الدقر في جامع تنكز بدمشق، هي المدرسة التي احتضنت طفولتي وإخوتي، والتي كنا نباهي بها لداتنا من أبناء الأقرباء والجيران، لما كانت تحظى به من سمعة تسابق بها المدارس التبشيرية كالفرير والفرنسيسكان.
    لم يكن نظام معلم الصف - الذي يعلم كل شيء - مطبقاً في أيامنا، بل كنا نتلقى كل مادة من كبار أساتذتها المتخصصين؛ فمعلم للحساب (الرياضيات)، وآخر للإملاء، وثالث للقواعد، ورابع للقراءة، وخامس للقرآن، وسادس لدروس الدين، وسابع للغة الفرنسية، ومدربون للخط وللرسم وللرياضة البدنية، ومشرفون على حصص المكتبة، ونشاطات المطالعة الحرة والخطابة، وأكثر ما كان يسعدنا أن يتم اختيار أحدنا لإلقاء كلمة أمام ندوة أوليائنا في لقائهم الدوري المنتظم شهرياً.. ولم يكن كل ذلك متاحاً لطلبة المدارس الرسمية.. حتى تدريس اللغة الفرنسية كان يبدأ عندنا في سعادة الأبناء من السنة الثالثة قبل سنة من بدء تدريسها في المدارس الرسمية.
    وعلى الرغم من كل هذا الرقي لمناهج التعليم في سعادة الأبناء الذي كان بتوجيه وتخطيط من مؤسسها الشيخ علي الدقر، فإننا لم نسعد بلقائه في المدرسة، إذ كان المرض قد أقعده في بيته.. بضع مرات فقط كان والدي يصطحبني فيها لزيارته، فأراه شيخاً جليلاً مضطجعاً على أريكة؛ يتحدث إلى زواره من تلاميذه الذين غدوا كبار علماء دمشق، ومن محبيه ومريديه من أعيانها ودعاتها، وكان تقبيل يد الشيخ وطلب دعائه حين يتاح لي، يشعرني بسعادة غامرة، هي كل ما أذكره من مجلسه المهيب.
    بعد اجتيازي امتحانات الشهادة الابتدائية بنجاح، قام والدي بإجراءات تسجيلي في (التجهيز الأولى) كما كانت تسمى آنذاك، ثم أطلقوا عليها اسم ثانوية جودت الهاشمي فيما بعد، وكان يشار إليها بالبنان، إذ خرَّجت معظم النخب التي كانت تقارع الاستعمار الفرنسي، وتتأهب لإدارة الدولة والمجتمع بعد رحيله، ثم خلا والدي بي ليضع في يدي وثيقة تسجيلي في تلك الثانوية، وليسرّ إلي بسرٍّ ظلّ دفيناً في صدره كل هذه الأعوام؛ قال: كنت - عندما رزقني الله تعالى بك - قد دعوتُ الشيخ علي الدقر وتلاميذه لعقيقتك، وكان يوماً مباركاً مشهوداً؛ علت فيه الأصوات بالمدائح النبوية، والكلمات الإرشادية، والأدعية الربانية، ولفرط تأثري بمشهد طلبة العلم المعممين قلت للشيخ عند وداعه: أشهدك أني قد نذرتُ ولدي هذا للعلم الشرعي، فكان هذا نذري الذي يلزمني ولا يلزمك، فإن شئت أن تمضيه لي فأنت بالخيار، وهذه وثيقة تسجيلك في التعليم العام بيدك.
    قلت لوالدي على الفور: بل أنفذه، وأعُدُّ نذرك نذري، فلم أرَ بعد ذلك - في حياتي - أكثر بركة ونجاحاً من هذا الخيار، وفقني الله تعالى فيه للجمع بين الحسنيين وزيادة، إذ حصلت على الشهادة الثانوية في التعليم العام قبل سنة من تخرجي في معهد العلوم الشرعية، وانتسبت للجامعة، فكنت في الوقت ذاته طالباً في السنة الأولى من كلية الحقوق، وطالباً في السنة الأخيرة من المعهد الشرعي. وأفاء عليَّ تعليمي الشرعي ملكةً في علوم العربية والدين، مازالت تطبع ثقافتي، وتمدني بفكرٍ يسَّر لي الله فيه أن أبصر مستقبل أمتي بعينين، إحداهما مفتوحة على التراث تستدعيه وتدرك عمقه وجذوره، وأخرى متطلعة إلى مستجدات العلوم وآفاق المستقبل؛ تحللها وتصهرها في بوتقة التراث ومعاييره الراسخة.
    ولقارئي هنا أن يتساءل: هل أنا أكتب له مقدمة لسيرة الشيخ علي الدقر، أم أكتب سيرة ذاتية لأحد تلامذته؟!
    لا بأس فما أنا إلا فسيلة من غرس الشيخ، تنتمي إلى الجيل الذي لم يتح له أن يتلقى مباشرة عنه، فأكرمه الله تعالى بالتلقي عن تلامذته من الجيل الأول.. الجيل المبارك الذي لم ينهل من الشيخ علي الدقر علمه فقط، بل نهل منه أخلاقه وإخلاصه وحرقته وتفانيه وزهده وإيثاره، وبذل - بدوره - جهده في رفد تلامذته بذلك كله.
    ولم أدرك حجم هذا الجيل إلا بعد خوضي معترك الحياة العلمية، فما توجهت إلى بلد من البلدان المجاورة في سورية وخارجها إلا وجدت فيها غراساً من غرس الشيخ، تنشر العلم، وتنشر معه الفضيلة والأخلاق لمرضاة الله ونهضة المجتمع، تدريساً على المقاعد، وخطابة على المنابر، ومشياً في إصلاح الناس وإصلاح ذات بينهم.
    وثمة أمر آخر لم أكتشفه إلا بأخَرَةٍ، وبعد تعدد مدارس العلم الشرعي، هو إتقان التحدث باللغة العربية الفصيحة، حتى صرت أحدد المدرسة التي تخرج بها المتحدث، فإن كان متقناً لها ملتزماً بقواعدها في حديثه، نسبتُه إلى مدارس الشيخ علي الدقر، فلا يخيب ظني، لما أعرف من كَلَفِ هذه المدارس باللغة العربية، تعدها مدخلاًً لسائر العلوم، لا يصح الدخول إليها إلا من بابها.
    عجبت لهذا العدد الكبير من تلامذة الشيخ الذين تفرقوا في الأمصار، في بقاع لبنان والأردن وحوران، كيف اكتشفوه وكيف اجتمعوا عليه، ثم علمت أن الشيخ هو الذي اكتشفهم.
    لقد أرَّق الشيخ ما رآه من إدبار أهل المدن عن العلم الشرعيِّ، وأشعره ذلك بخطر خلو مقاعد الدرس الديني ومنابره من الأكفياء المؤهلين لشغلها، فكان اجتذاب طلبة العلم هاجسه الذي يبذل له ماله وراحته، ويجوب القرى والأرياف بحثاً عنهم، فلا يعود منها إلا بحفنة تلو حفنة، يوفر لهم المأوى والزاد، يبذل لذلك من ماله، ومن أموال الخيرين الذين التفوا حوله.. يدرِّسهم في المساجد، ومنها تخرج الجيل الأول، متشبعاً بروحانية المساجد، متمثلاً رسالتها، ثم كانت الجمعية الغراء بمدارسها المتعددة للبنين والبنات، تسير على المناهج التي رسمها لها.
    يعيش كثير من صلحاء الناس حياته، لا يُفيض من صلاحه إلا على أهله ومن يحيط به من الأصدقاء، ومن هؤلاء أناسٌ نشروا دعوة الإسلام في الآفاق من دون قصد لذلك سوى أنهم قدموا في حياتهم وتعاملهم مع الناس نموذجاً يدفع الناس للاقتداء بهم.
    لكن الشيخ علي الدقر ومن تخرج بمدرسته أضافوا إلى النموذج حُرقة، جعلتهم دعاة حالٍ ومقالٍ؛ نذروا أنفسهم لهداية الناس متمثلين قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النَّعَم»[(1)]، فكانوا من الفئة التي حازت قصب السبق من عباد الله المصطفين الأخيار: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 35/32] .
    محمد عدنان سالم
    2 /10/1429هـ = 2/10/2008م






    مقدمة
    الحمد لله حمد الشاكرين على نعمة الظاهرة والباطنة، والصلاة والسلام على رسول الهداية محمد صلى الله عليه وسلم .
    وبعد:
    فأنا واحد من المدينين لسيدي الداعية المربي الشيخ علي الدقر مؤسس الجمعية الغراء، أعلى الله منزلته في الفردوس الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً؛ مدين له بطريق تلامذته الذين قرأت عليهم، فساروا على نهجه، وتابعوا مسيرته وظلوا أوفياء له، رحمهم الله وأجزل لهم المثوبة.
    أذكر منهم من كان لهم عليّ فضل مباشر في التربية والتوجيه والعلم، وبما أفاضوا على روحي من روحانيتهم، سيدي الشيخ عبد الرحمن الطيبي الزعبي، وسيدي الشيخ أحمد نصيب المحاميد، وسيدي الشيخ خالد الجباوي أنزل الله عليهم شآبيب رحماته ورضوانه.
    ثم تهيأت لي جلسات لزمتها مع معلّم من نوع آخر، هو المفكر الأستاذ محمد عدنان سالم شيخ الناشرين بدمشق مدّ الله في عمره وأمتعه بسربال العافية، وهو بعد من تلاميذ مدارس الجمعية الغراء، الذين نشؤوا على تربيتها وتأثروا بما غرست فيهم من أفكار صافية، فعملتُ بمعيته زمناً وما زلت، وأخذت عنه فكراً نيراً، وتأدبت بآدابه، نفعني الله بها في أسلوب تفكيري.
    وهو - حفظه الله - وإن كان مجلسه مجلس علم في إصدار الكتب ونشرها، إلا أنه كثيراً ما كان يخلطه بأحاديث تطول في موضوعات هامة ودقيقة حول التراث، ومسائل الحداثة، وقضايا الساعة وآراء المفكرين المعاصرين والمحدثين.. فتهيأ لي بصحبته ما لم يتهيأ لكثيرين، فخلطت التراث بالمعاصرة، والقديم بالجديد، والأصالة بالجدّة.. مما يستلزم مني مداومة الشكر حتى آخر العمر[(2)].
    كان هؤلاء الأعلام على ذروة الإخلاص، لم يطلبوا دنيا لذاتها، ولم يسعوا إليها، دأبوا على نشر العلم بصدق، ما وسعهم الجهد، فكان كل واحد منهم مدرسة في العلم والزهد والعمل والتصوف والاستقامة، كما كان لكل منهم طعم خاص ومشرب متميز، مع أنهم متحوا من معين واحد.
    وكان هؤلاء الشيوخ فهموا حقيقة الإسلام على أنه دين الوسط والاعتدال، البعيد عن الغلو والشطط والمصادمة والمجافاة والتنفير، وعلى أنه شريعة نزلت للتطبيق في الدنيا من أجل حياة هانئة، وللفوز في الآخرة برضوان الله تعالى.
    ولم يكن شيوخي هؤلاء وحدهم في طريقهم الذي اختاروه لأنفسهم، بل كان زملاؤهم في الطلب آخرون على نهجهم من تلاميذ الشيخ علي الدقر، وربما كان بعضهم أبعد أثراً منهم. تشرفت بهم، وإن لم أكن في حلقاتهم، من أمثال سادتي الشيخ عبد الكريم الرفاعي، وقد كنا نزوره أحياناً بصحبة شيخنا الشيخ عبد الرحمن، وكذلك الشيخ نايف العباس، جار أستاذنا الشيخ خالد جباوي في غرفته بجامع باب المصلى، وهو من بلده، والشيخ حسن حبنكة الميداني الذي قامت الميدان لأجله قومة رجل واحد، وتلاميذه كثيرون.. وقائمة من أعلام التقى ونجوم الهدى، أشرنا إليهم في كتاب علماء دمشق وأعيانها في القرن الرابع عشر الهجري[(3)].
    ولقد تساءلت وأنا أستعرض سيرة هؤلاء الهداة رحمهم الله جميعاً: أي مورد ذلك الذي صدروا عنه؟ ما سره؟ ما شأنه؟ أهو العلم الذي رفع أقدارهم؟ أم الإخلاص الذي غلّف أعمالهم؟ أم الزمن المواتي؟ أم الأسلوب الموفق؟.. أم كل أولئك معاً؟!
    إن نهضة سيدي الشيخ علي الدقر - أعلى الله منزلته في الفردوس - بالنجاح الذي أصابته في مدى سنوات قصار، والاستمرار الذي استمرته على تراخي عقود متتابعة لأمرٌ يلفت النظر، ويحتاج إلى وقفة متأنية تجسد هذا السر الذي ما تزال آثاره باقية إلى اليوم، ويحتاج إلى قلم يؤرخ له، فلا يُنسى.
    وحينما شرعت بالكتابة - بعدما أَجَلْتُ الموضوع في خاطري، وكنت عزمت عليه من زمان طويل - اجتمعت إلي مصادر قليلة، كتبتْ عن نهضة الشيخ، وعن الجمعية. مصادر تحتاج - على أهميتها - إلى روافد أخرى تغذيها، لأنها تضع بين يدي المؤرخ أسئلة شتى عن تفاصيل ضرورية، ليُكمل بها صورة ناقصة من صور العرض، أو يصحح أخرى شوهتها الأيام..
    ولهذا وجدتني أجمع إلى هاتيك النثارات التي وقعت عليها مما كُتب، أحاديث كان شيوخنا - جزاهم الله عنا أوفر الجزاء - يتحدثون بها عرضاً في مجالسهم، وبين طلابهم. يذكرون تلك الأيام التي انقضت بالوفاء لها.
    ووقعتُ مع تلك الأحاديث على بقايا من حقائق تحتاج إلى تنسيق وحمع وترتيب.. وإلى خيط بعد ذلك ناظم.
    رتبت ذلك كله، ثم استعنت بما عند ناس كبار، وعت ذواكرهم أحداثاً مهمة أفدت منها، ليكون هذا البحث. وربما كانت تلك المشافهات من أهم ما في هذا الكتاب من معلومات.
    وقد توضع على رأس القائمة من أسماء الذين رفدوني بالمهم من المعلومات الصديق الأستاذ منذر الدقر، قدم لي أشياء كثيرة كانت لباباً في الموضوع، ولم يدخر وسعاً فيما قدّم، وقد فتح صدره لي بما حفظ من أخبار وما نقله من معلومات عن أبيه أحد أعمدة النهضة، الشيخ أحمد الدقر.
    ثم كانت جلسات مفيدة مع الأستاذ فاروق الطباع[(4)]، فأكمل تفاصيل دقيقة نقلها كذلك عن رجال من آل الطباع الذين كانوا يكتنفون شيخ النهضة ويكونون معه. وأعانني بوثائق هامة جلّت لي جوانب الموضوع، وأجابني عن أسئلة اعتملت في نفسي من خلال البحث فأضاء الصورة وزادها وضوحاً.
    فمن هو الشيخ علي الدقر؟
    وماذا كان وراء نهضته؟
    ما سر نجاحه؟
    وما كانت أعماله؟
    هذا الكتاب يضيء صفحات من تلك الأيام الحافلة بالعطاء، أقدمها وفاء لأولئك الشيوخ الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وعاشوا حياة مبرورة، وماتوا راضين مرضيين.. رحمهم الله وأجزل لهم المثوبة.
    والحمد لله رب العالمين
    نزار أباظة
    دمشق 5 صفر الخير 1430هـ
    31 كانون الثاني 2009م





    الحياة العامة بدمشق
    خلال النصف الأول من القرن العشرين
    أتى على دمشق منذ نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أحداث صعبة، ونزلت بها مصائب أثرت فيها تأثيراً سيئاً، فأحلّت بالناس ضيقاً شديداً، وفتكت بهم.. فابتلاهم الله بنقص من الأموال والأنفس والثمرات.. وعاشت المدينة عيش الصابرين حقبة مديدة من الزمان.
    تسلّط عليها في الحكم أواخر أيام الأتراك حزب الاتحاد والترقي الذي أذلّ العباد، وحارب العربية، وطغى وبغى.. وعلق المشانق وتعقب الناس على الهفوات. وعلى عهده ذاك قامت الحرب العالمية الأولى التي استنزفت خيرات البلد، وأفقرت أهله، وجندت شبابه في معارك بعيدة قضوا فيها.. ثم جنى الحزب بعد ذلك خسراناً مبيناً في نتائج الحرب التي انسحب على أثرها من بلاد الشام نهائياً.. وحوّل الإمبراطورية المهابة الجانب إلى دولة لم يعد يحسب لها عدوها حساباً.
    ورافق ذلك العهد الأسود ويلات وخيمة، فقد اكتسح البلاد موجات من الجراد أتت على الأخضر واليابس، وتفاقمت من وراء ذلك مجاعة فظيعة، هلك بسببها ناس كثيرون لقوا حتفهم.
    ولم تنعم البلاد بالحرية إلا قليلاً مع مجيء الحكم العربي عام 1337هـ/1918م حتى جاءها بلاء الاستعمار الفرنسي عام 1339هـ/1920م. ولم يتقبل السوريون هيمنة الانتداب، فثاروا ثورتهم الشاملة، وبذلوا من أجلها أموالهم وراحتهم ودماءهم، وبقوا يجابهون مراوغة الفرنسيين حتى جلا هؤلاء عن البلاد بعد ست وعشرين سنة من الجهاد المستمر.
    قام بالثورة ناس كثيرون من الشرفاء، وكان المحرّض عليها والداعي لها أهل العلم والصلاح، على رأسهم محدّث الشام وشيخها الشيخ بدر الدين الحسني والشيخ علي الدقر والشيخ هاشم الخطيب، كان لهم تخطيطهم وأثرهم في جميع المحافظات السورية لتقوم قومة رجل واحد.
    على أن الحركة الوطنية كانت حاضرة أيام الاحتلال تجابه الظلم، وتماحك الفرنسيين من خلال العمل السياسي والتحريض الشعبي.. فتألفت أحزاب وطنية جاهدت بإخلاص. كما قامت نزعات، اقتصر بعضها على أفكار هجينة، لم تلق قبولاً شعبياً، أو ربما دعا فريق منها إلى دعوات ضيقة إقليمية.
    استقطبت الأحزاب كلها طبقة معينة من الشعب، وشريحة منه، أو شرائح بذاتها، إلا أن دعوة علماء الشريعة جمعت إليها قاعدة جماهيرية واسعة، وأدت واجباً عظيماً في تخريج علماء انتشروا في البلاد، ونشروا علم الشريعة واللغة العربية، وارتقوا بكثير من الطلاب، وقدموا إليهم مع العلم تهذيباً وهدياً، وأخلاقاً تعرفُ الحلال والحرام.. وربطوهم بتاريخهم القديم ولغتهم. وغدا لكل عالم حلقته الخاصة وطلابه الذين يأخذون عنه العلم، ثم يتصدرون للتدريس في حياة شيخهم أو بعد وفاته، وعلى طريقته.
    وحين جلا الفرنسيون عام 1946م قام في البلاد حكم ديمقراطي اعتمد على أساس الانتخابات سنوات قليلة، تصارع خلالها الحزبيون من مختلف النزعات، وكان فيهم مخلصون للبلد.. لكن هؤلاء كلهم فوجئوا ببدعة ليست لها سابقة.. بدعة أول انقلاب عسكري، قام به حسني الزعيم عام 1369هـ/1949م، فأطاح بالحكومة الشرعية، واستبد بالسلطة، وفعل المضحكات، إذ لم يكن أهلاً لحكم ولا لسلطان.. ولكنه سنّ سنة الانقلابات السيئة التي عانت منها البلاد، وأخرت نهضتها بكل جوانبها.
    ومنذ أيام الانتداب الأولى عمل الفرنسيون على استنزاف الذهب والفضة من البلاد، وفرضوا عليها التعامل بالليرة الورقية، وكانت قبلُ لا تعرفها إلا قليلاً[(5)]، فتأثر الاقتصاد، وضعف رصيد المصرف المركزي، وقلّ ما بأيدي الناس من خيرات، وعاش كثير من الدمشقيين على الكفاف، بل دون الكفاف، وانتشرت البطالة. وكان همُّ رب الأسرة تأمين لقمة العيش لعياله.. وشاع الفقر.
    ولم يكن في دمشق من المدارس ما ينبغي أن يكون.. وكان القليل القليل من الناس من يصل إلى الثقافة الجامعية[(6)] إلى جانب ذلك أدى العلماء دورهم في نشر العلم كما أشرنا آنفاً.
    ومع هذا بالطبع فقد تأخرت أدوات الثقافة، وكانت الجرائد القليلة الصادرة تجاهد لتستمر، وما كانت جرائد قويّة وإنما تصدر وتتوقف، اللهم إلا بعض جرائد كانت لزمن الشيخ علي الدقر أول بزوغ دعوته، وهي أربع: المقتبس لمحمد كرد علي، والشعب لتوفيق جانا، وألف باء ليوسف العيسى، وفتى العرب لمعروف الأرناؤوط[(7)] ومنها جرائد هزلية ناقدة ساخرة تتوفر على نقد الحياة عموماً، والحياة السياسية خصوصاً[(8)].
    وقلما كان يصدر إلى جانب هذه الصحف كتب محققة من التراث أو بأقلام العلماء. وما كان يحتاجه طلاب العلم كان يستورد على الأغلب من مصر.. وكذلك المصاحف تفد منها ومن تركية، ثم صارت تطبع هنا[(9)].
    ومن ثم فلم تقم دور للنشر بالمعنى الصحيح إلا في خمسينات القرن العشرين. وكانت المكتبات التي تبيع الكتب المستوردة قليلة، محصورة في سوق المسكية قرب الجامع الأموي[(10)]. ومع هذا فإن الكتب التي ترد إلى دمشق كانت محدودة المواضيع، تلبي حاجات الحلقات والمدارس، وتركز على جانب معين من الثقافة[(11)].
    ولم يكن بدمشق أواخر القرن التاسع عشر مكتبة وطنية عامة تتولى الدولة شأنها، حتى نهض بعض العلماء، وعلى رأسهم الشيخ طاهر الجزائري (-1920م)، فاستعان بقوة أحد الولاة المتنورين، فجمع مخطوطات الأوقاف المتناثرة، المعرّضة للسرقة، فأنشأ منها ومن كتب مطبوعة دار الكتب الظاهرية، كانت نواة لأول مكتبة وطنية، وأول مركز ومنتدى ثقافيين رسميين.
    ثم قام إلى جانبها في المدرسة العادلية صرح المجمع العلمي العربي الذي أسس عام 1338هـ/1919م، فنهض باللغة العربية، وأحياها بعدما حجر عليها الأتراك الاتحاديون.
    والحق أن المجتمع في دمشق كان متحمساً للغة العربية، يؤمن بها كل الإيمان، لأنها لغة القرآن، فلم تمض مدة بعد انسحاب الأتراك حتى تحول الناس إلى العربية بسهولة ويسر[(12)]، ولا يخفى في هذا الجانب أثر العلماء في حلقاتهم.
    وقد عرف اهتمام الشيخ علي الدقر بعلوم العربية، إذ كان دافعه إلى العناية بها دافعاً دينياً، وكانت كتب النحو والصرف والبلاغة واللغة مقررة في مناهجه إلى جانب مصنفات الشريعة. ومنذ بدايات الحلقات عنده؛ الأمر الذي ميّز تلامذته بتمكنهم الفائق باللغة الأم.
    ولعل الغيرة على العربية كذلك دفع الشباب المتحمسين إلى إقامة مشروع مكافحة الأمية الذي قام على أيدي الأهالي، وتخلّص بسببه كثيرون من أميتهم، اندفعوا في مشروعهم قبل أن تفكر الدوائر الثقافية الرسمية به.
    وكانت دمشق بلدة محافظة متمسكة بالتقاليد في حياتها اليومية، والنساء قلما يغادرن بيوتهن، فإن خرجن لحاجة ضرورية ظهرن متسترات متجلببات بالثياب السود، مستورات الوجه بالمناديل، لا يختلطن بالرجال.
    وكان الناس يؤدون الفرائض من صلاة وصيام، وكان الدين غضاً شائعاً، وجمهور العامة من المحافظين، مع سيطرة عادات وتقاليد تبعد عن الدين يظنها كثير من العامة منه، وهي ليست من أصوله. وكان من أراد من الشباب أن يزيغ في الضلال اقترف المآثم بالستر، ولم يجاهر بالمعصية.. خوفاً من أن يجلب السمعة السيئة لأسرته. ولم يكن يُعرف الفحش ولا التفحش حتى ابتدع الفرنسيون بيوت الدعارة، وسمحوا بها في مكان معين بشارع البدوي، الذي كان مقصد المنحرفين، وهي بيوت قلدت الأوروبيين..
    وعمت الطرق الصوفية؛ فقد أدخل الشيخ خالد النقشبندي الطريقة النقشبندية لما استقر بدمشق مهاجراً إليها من بلاد الأكراد في القرن التاسع عشر[(13)].. وجاءت الطريقة الشاذلية مع المغاربة الذين توطنوا هذه البلدة قبل مجيء الأمير عبد القادر الجزائري[(14)].. وكان هو يأخذ بجانب عظيم من التصوف، ويعنى بكتب الشيخ محيي الدين بن عربي.. وعرفت دمشق طرقاً صوفية أخرى.
    وسنتعرض بشيء من التفصيل للحديث عن الطريقة التجانية التي أخذ بها الشيخ علي الدقر، وما جرّت على المدينة من فتنة نجاها الله منها بعد شدّة.
    ومع أن المجاعة والفقر اجتاحا دمشق أيام الحرب العالمية الأولى، كما أشرنا آنفاً إلا أن الصبر كان ديدنها، وكانت تحضِّر منذ ذلك الوقت للخروج من الأزمة، والتخطيط لحركة تجارية كانت تقودها غرفة تجارة دمشق التي نشطت نشاطاً غير عادي في عشرينات القرن الماضي.
    وقد قادت الغرفة مشروعات حيوية منها إدخال مياه عين الفيجة في منتصف العشرينات إلى البيوت التي كانت تشرب من نهر بردى المكشوف غير الصحي[(15)]. وشجعت على زراعة شجر التوت لتربية دود القز وصناعة الحرير، ووفرت المواصلات التجارية بين دمشق وميناء بيروت، وحرّكت عملية الاستيراد والتصدير. كما أسست الغرفة مدرسة الصنائع لنشر الحرف المفيدة، والمدرسة التجارية لتخريج طلاب مضطلعين بأمور التجارة والحسابات على الوجه الصحيح.
    وشهد القرن العشرون في أربعيناته نهضة اقتصادية شاملة، قامت بها شركات هامّة، غالبها بمساهمة المواطنين[(16)]، فأقيمت مصانع لمواد استهلاكية ضرورية انتعشت لها البلاد، وضاهى كثير منها البضائع الأجنبية، وحافظت على جزء كبير من أموالها. وأتاحت فرص العمل لقسم كبير من المتبطلين، ورفعت مستوى الدخل القومي[(17)].. كما انتعشت البلاد من قبل بصناعات النسيج اليدوية والآلية التي وفرت احتياجات البلاد، وفاض منها فوائض أخذت دمشق تصدر منه وتجني أرباحاً مفيدة. كذلك راجت تجارة تصدير الفواكه والخضار، آنذاك. لكن هذه المعامل ما لبث أن تعثرت في أواخر الخمسينات حين دخلت سورية أنظمة التأميم التي لم تجن من ورائها ما كان خطط له..
    وكانت تجتاح البلدة كل حين جائحات الهيضة (الكوليرا) أو الملاريا، أو غيرها.. لكن الأمراض العارضة كانت تعالج لدى الأطباء المعروفين الذين يتخرجون في المعهد الطبي الذي أسس في نهايات القرن التاسع عشر[(18)]. إلى جانب الطب الشعبي الذي يمارسه العطارون والمجبرون الشعبيون، والقابلات الجاهلات.. مما رفع معدّل الوفيات عموماً.
    ولا ينكر جهود الأطباء الدمشقيين الذين خرَّجهم المعهد المذكور، ولا فضل معامل الأدوية التي قام بها بعض المواطنين وعلى رأسهم الصيدلاني الفذ عبد الوهاب القنواتي الذي أسس معمله عام 1348هـ/1929م، وقريبه عبد الرحمن القنواتي وكذلك الدكتور صلاح الدين الكواكبي، إلى جانب الصيدليات التي كانت في الحقيقة معامل صغيرة للأدوية.
    أما الحركة الفنية في دمشق فقد كانت في ركود، نشطت في القرن التاسع عشر بظهور أبي خليل القباني ومسرحه المبتكر، فلقي حرباً من بعض العلماء والأعيان للخوف من الجديد، ورأت الحكومة أن تتقرب إليهم، فأمرت بإغلاقه، ورحل الرجل إلى مصر، وكان من أمره ما كان، ثم عاد إلى دمشق فمات بها في أوائل القرن العشرين. قال محمد كرد علي: وتأخر ظهور المسرح بعده أكثر من أربعين عاماً. وكانت فرق مسرحية من لبنان ومصر تفد إلى دمشق تقدم عروضها.. ولم تكن هناك مظاهر فنية غير المسرح لتظهر على السطح إلا على قلّة؛ لا تشكل شيئاً ذا بال.
    هذا هو الوضع العام الذي قامت فيه نهضة الشيخ علي الدقر، سقناه بإيجاز شديد لإلقاء الضوء على البيئة المحيطة، وقد تجاوزت النهضة كل المصاعب.. وأنشأت جيلاً يؤمن بالله والوطن، ويحمل رسالة تقوم على أخلاق الإسلام.. وغيرت في المجتمع تغييراً هاماً.. وإليها يعود الفضل في تحريك الركود وتجاوز كثير من التخلف الاجتماعي وخصوصاً في الأطراف.

    %1
    الشيخ علي الدقر
    سيرة حياة

    ما أدري والله كيف سيعيش هذا الولد، وكيف سيصير إذا كبر؟
    (والد علي الدقر)
    وما درى أن القدر خبأ له حياة عريضة لن تكون لكل أحد
    (علي الطنطاوي)
    التعديل الأخير تم بواسطة Omarofarabia ; 15-Oct-2010 الساعة 08:22 PM

  7. #7
    كلتاوي الماسي
    الصورة الرمزية فياض العبسو

    الحاله : فياض العبسو غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2007
    رقم العضوية: 119
    الدولة: حلب
    الهواية: دينية أدبية تاريخية
    السيرة الذاتيه: طالب علم
    العمل: مدرس
    المشاركات: 2,900
    معدل تقييم المستوى : 107
    Array

    افتراضي رد: صاحب أكبر نهضة علمية في بلاد الشام الشيخ علي الدقر

    ما أدري والله كيف سيعيش هذا الولد، وكيف سيصير إذا كبر؟
    (والد علي الدقر)
    وما درى أن القدر خبأ له حياة عريضة لن تكون لكل أحد
    (علي الطنطاوي)

    رحمه الله تعالى ، وجزاه عما قدم لدينه وأمته خير الجزاء ـ وشكرا لكم .
    [align=center][/align]

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 04-Apr-2011, 06:34 AM
  2. الإسلام يتحدى
    بواسطة يوسف ( أبومحمد) في المنتدى المكتبة العلمية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 06-Nov-2007, 04:06 PM
  3. الشيخ محمد سعيد الإدلبي رحمه الله
    بواسطة أبوأيمن في المنتدى منتدى التراجم
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 21-Oct-2007, 02:19 AM
  4. الشيخ عمر ابن الشيخ محمد ملاحفجي حفظه الله
    بواسطة حمزة في المنتدى منتدى التراجم
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 16-Sep-2007, 09:05 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •