النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: الرفق في الأخذ بأحكام الدين

  1. #1
    مشرف
    الصورة الرمزية الخنساء

    الحاله : الخنساء غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2007
    رقم العضوية: 127
    المشاركات: 3,593
    معدل تقييم المستوى : 122
    Array

    الرفق في الأخذ بأحكام الدين

    الرفق في الأخذ بأحكام الدين

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ان هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فان المنبت لا أرضاً قطع ، ولا ظهراً أبقة " رواه أحمد من حديث أنس والبيهقي من حديث جابر .

    يعبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث عن أهم حكم من الأحكام الكلية التي تقوم عليها شرعة الاسلم . فهو يوضح أن عزائم الدين شديدة وكمالاته كثيرة غير متناهية ، فمن أصر على أن يستبق عزايمه كلها ويسع في نيل كمالاته جميعها ، انقطع به الطريق وانهدت منه القوى ، وربما عاد بسبب ذلك الى شر مما كان عليه . ولذلك كان من الواجب على المسلم أن يأخذ نفسه في أحكام الله تعالى بمبدأ التدرج ، وأن يروض نفسه على الانسجام مع أحكام الشريعة الاسلامية برفق وعلى مهل .
    ويشبه النبي عليه والصلاة والسلام ذاك الذي أسرع يخترق الطريق الى كمالات الدين وعزائمه بطفرة ومن غير رفق ـ بذاك الذي انبتت به دابته أو وسيلة نقله ( أي انقطع به في منتصف الطريق ) فلا هو وصل ال الغاية التي كان يسعى اليها ، ولا هو استبقى وسيلته التي أراد أن يتبلغ بها !
    وهذا الحكم الذي هو في حقيقته قانون تربوي عظيم ، ينطوي على حكمة ما ينبغي أن تخفى على أي مسلم . فمن المعروف أن التكاليف الاسلامية شاقة على النفس والجسم ، والمطلوب من المسلم أن يروض كلاً من نفسه وجسمه عليها حتى يتم نوع من الانسجام والتوافق بينهما ، وليس المطلوب أن يحكم على كل من نفسه وجسمه بعقوبة صارمة تتمثل في تحميله ما لا يطيق ولا يصبر عليه .
    أي المطلوب من المسلم في شرعة الاسلام أن يربى نفسه على الانقياد في الطريق الأصلح لها وعلى ائتلاف ذلك الطريق والأنس به . وليس المطلوب منه أن يبتليها بكل عنف وضيق لا لشيء الا لأن يكيدها بذلك ، فما جاء الاسلام بشيء من هذا وما كلف الله ـ باجماع علماء المسلمين ـ أحداً من عباده أن يتقرب اليه بشيء من المشتقات لذاتها .
    ولذلك كان المتوخى في تكليف الله عباده بالمبادىء والأحكام أن يعودوا أنفسهم عليها ويخضعوا حياتهم لنظامها ، لما في ذلك من الخير لنفوسهم والسعادة لحياتهم . ومثل هذا لا يتم الا بالتدرج والتمهل ونقل النفس في مدارج الدين خطوة فخطوة بحيث تكون السابقة هي الدافعة لتحقيق التي تليها . وبذلك تتكامل الخطى سليمة ثاتبة يشد بعضها من أزر بعض ، لا يخشى معها نكسة الى الوراء أو ردة من جراء ضيق غير محتمل ، وخير نموذج لهذا الرفق المتهمل ، التدرج الذي سار عليه التشريع في بدء نزوله .
    وفي المسلمين كثير ممن كانوا يجهدون أنفسهم أشهد الجهد في تحمل عزائم الدين وكمالاته ، ثم ارتدوا فجأة الى حالة أصبحوا يهملون فيها اهم شعائر الاسلام . ولو نظرت ، لرأيت أن سبب ذلك على الغالب ـ أنهم لم يكونوا يعودون نفوسهم على أحكام الدين تعويداً ولكنهم كانوا يعاقبونها بمشاقة للتعذيب فقط . والنفس قد تخضع لما يصادم طبيعتها وشأنها حيناً من الوقت ولكنها سرعان ما تتمرد مرتدة في أسرع حين الى أسوء من النقطة التي سيقت منها .وعن مثل هذه الحال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد الا غلبه " .
    وكم رأينا من معلمين وآباء ، حملوا أبناءهم أو تلاميذهم من أعباء الاسلام وكمالاته ما لا يطيقون ، وظنوا أنهم قد نجحوا في ذلك عندما استاقوهم بعصا الرهبة والزجر ، ثم تمردوا فجأة وانطلقوا ملتفتين لا يلوون على شيء ، فكان شأنهم مع معلميهم كما يصور رسول الله صلى الله عليه وسلم : كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى . وكم رأينا من شبان أسهرو ليالهم الى الفجر ركعاً وسجداً ، يحملون أنسفهم ـ طفرة واحدة ـ على سلوك سبيل الواصلين من أولي العزم ، ثم آل أمرهم الى ترك الصلوات المفروض وارتكاب المحرمات الكبيرة.
    غير أن هذا كله لا يعني مشروعية التساهل في القاسم المشترك من الواجبات الأساسية . ان بين التساهل غير المشروع ، والتشدد غير المشروع فارقاً كبيراً لا يخفي على من تأمل في طبيع الاسلام وهديه وللشيطان بين هذا وذاك جولات يحاول أ يلبس فيها على المسلم الطريق ، فليستعن المسلم على ذلك بقبس من العلم يقيه من تلبيس الشياطين .

    من كتاب (من اسرار المنهج الرباني) - الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله
    التعديل الأخير تم بواسطة الخنساء ; 13-Dec-2007 الساعة 12:50 AM

  2. #2
    كلتاوي الماسي
    الصورة الرمزية د.أبوأسامة

    الحاله : د.أبوأسامة غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jun 2007
    رقم العضوية: 165
    المشاركات: 2,033
    معدل تقييم المستوى : 115
    Array

    افتراضي رد: الرفق في الأخذ بأحكام الدين

    [align=center]الأخت الخنساء
    جزاكِ الله خيراً على هذا النقل الجميل
    [/align]

    كل متنطع في الدين ينقطع, فإنه لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب؛ وليس المراد منع طلب الأَكمل في العبادة فهو من الأمور المحمودة، ولكن المراد هو منع الإِفراط المؤدي إلى الملال, أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأَفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة؛ ومن التنطع أيضا الأخذ بالعزيمة في مواضع الرخصة، كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر.

    فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا فَأَقْبَلَ فَقَالَ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا..)(رواه البخاري)

    وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ مَا هَذَا الْحَبْلُ قَالُوا هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا ؛ حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)(رواه البخاري)

    وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ)(رواه أحمد).

    فخير الأعمال ما كان لله أطوع ، ولصاحبه أنفع ، وقد يكون ذلك أيسر العملين وقد يكون أشدهما فليس كل شديد فاضلاً ولا كل يسير مفضولاً ، بل الشرع إذا أمرنا بأمر شديد فإنما يأمر به لما فيه من المنفعة لا لمجرد تعذيب النفس ، وأما مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة فليس هذا مشروعا لنا بل أمرنا الله بما ينفعنا ونهانا عما يضرنا وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ) (متفق عليه).

    وعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنْ الْآخَرِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ )( متفق عليه ).

    [align=center]الدين يسر ، والخلافة بيعة * * * والأمر شورى والحقوق قضاء [/align]

    كن كشجر الصنوبر يعطر الفأس الذي يكسره

  3. #3
    مشرف
    الصورة الرمزية الخنساء

    الحاله : الخنساء غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2007
    رقم العضوية: 127
    المشاركات: 3,593
    معدل تقييم المستوى : 122
    Array

    افتراضي رد: الرفق في الأخذ بأحكام الدين

    إضافة رائعة وماتعة ومرور كريم تشرفت به أخي الفاضل

  4. #4
    المشرف العام
    الصورة الرمزية أبوأيمن

    الحاله : أبوأيمن غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Apr 2007
    رقم العضوية: 3
    الدولة: أبوظبي
    الهواية: القراءة والتصفح
    العمر: 42
    المشاركات: 5,392
    معدل تقييم المستوى : 10
    Array

    افتراضي رد: الرفق في الأخذ بأحكام الدين

    يقول الله تعالى : يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر
    وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال : من هذه ؟ قالت : فلانة تذكر من صلاتها قال : مهْ ! عليكم بما تطيقون فوالله لايمل الله حتى تملوا وكان أحب الدين إليه ماداوم صاحبه عليه . متفق عليه .
    والنبي صلى الله عليه وسلم قال : هلك التمنطعون . قالها ثلاثاً .
    والمتنطعون هم المتشددون في غير موضع التشديد .

    موضوع رائع وغاية في الأهمية . بارك الله فيك

  5. #5
    كلتاوي ذهبي

    الحاله : أبوعمار غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2007
    رقم العضوية: 46
    الدولة: الإمارات_أبو ظبي
    الهواية: الأبحاث والقراءة
    العمر: 43
    المشاركات: 929
    معدل تقييم المستوى : 110
    Array

    افتراضي رد: الرفق في الأخذ بأحكام الدين


    قَالَ السُّيُوطِيُّ سَمَّاهُ يُسْرًا مُبَالَغَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَدْيَان قَبْله
    لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّة الْإِصْر الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلهمْ
    وَمِنْ أَوْضَح الْأَمْثِلَة لَهُ أَنَّ تَوْبَتهمْ كَانَتْ بِقَتْلِ أَنْفُسهمْ
    وَتَوْبَة هَذِهِ الْأُمَّة بِالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْم وَالنَّدَم
    [justify]إذا فتحَ لكَ وِجْهةً من التَّعرُّفِ فلا تبالِ معها إن قلَّ عملُكَ فإنه ما فَتَحَها لك إلا وهو يريد أن يتعرَّفَ إليكَ . ألم تعلم أن التَّعَرُّفَ هو مُورِدُهُ عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين ما تُهديه إليه مما هو مُورِدُهُ عليكَ [/justify]

المواضيع المتشابهه

  1. الشيخ محمد بهاء الدين المعروف بـ ((شاه نقشبند
    بواسطة حمزة في المنتدى منتدى التراجم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 19-Nov-2007, 07:43 PM
  2. حياة فضيلة العلاّمة الشيخ محمود بعيون الرنكوسي
    بواسطة Omarofarabia في المنتدى منتدى التراجم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 18-Nov-2007, 06:21 PM
  3. الإسلام يتحدى
    بواسطة يوسف ( أبومحمد) في المنتدى المكتبة العلمية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 06-Nov-2007, 03:06 PM
  4. رسائل جامعية حديثية حصراً
    بواسطة د.أبوأسامة في المنتدى السنة النبوية وعلومها
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 25-Oct-2007, 09:26 PM
  5. مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 03-Sep-2007, 04:43 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •