صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 11

الموضوع: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

  1. #1
    كلتاوي الماسي
    الصورة الرمزية د.أبوأسامة

    الحاله : د.أبوأسامة غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jun 2007
    رقم العضوية: 165
    المشاركات: 2,033
    معدل تقييم المستوى : 121
    Array

    أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

    [align=center]أمير المؤمنين يزيد بن معاوية [/align]

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد :

    يزيد بن معاوية – رحمه الله – لم يكن بذلك الشاب اللاهي ، كما تصوره لنا الروايات التاريخية الركيكة ؛ بل هو على خلاف ذلك ، لكن العجب في المؤلفين من الكتاب الذين لا يبحثون عن الخبر الصحيح ، أو حتى عمّن يأخذوه ، فيجمعون في هذه المؤلفات الغث و السمين من الروايات و الكلام الفارغ الملفق ، فتراهم يطعنون فيه فيظهرون صورته و يشوهونها ، بأبشع تصوير .

    و للأسف فإن بعض المؤرخين من أهل السنة أخذوا من هذه الروايات الباطلة و أدرجوها في كتبهم ، أمثال ابن كثير في البداية و النهاية ، وابن الأثير في الكامل ، وابن خلدون في العبر والإمام الذهبي في تاريخ الإسلام و في غيرها من الكتب .

    و المصيبة في هؤلاء الكتاب المعاصرين أنهم يروون هذا الطعن عن بعض الشيعة المتعصبين أمثال أبي مخنف و الواقدي و ابن الكلبي و غيرهم ، و غير هذا أن معظم هذه الكتب ألفت على عهد العباسيين ، وكما هو معروف مدى العداء بين الأمويين و العباسيين ، فكانوا يبحثون عمّن يطعن في هؤلاء فيملؤون هذه الكتب بالأكاذيب .

    و هناك أمور و أشياء أخرى و طامات كبرى في غيرها من الكتب ، رويت لتشويه صورة و سيرة يزيد رحمه الله و والده معاوية رضي الله عنه ، و كان على رأس هؤلاء الطاعنين بنو العباس وأنصار ابن الزبير حين خرج على يزيد و الشيعة الروافض عليهم غضب الله ، و الخوارج قاتلهم الله و أخزاهم .

    منقبة ليزيد بن معاوية :

    أخرج البخاري عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت و هو نازل في ساحة حمص و هو في بناء له و معه أم حرام ، قال عمير : فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا ، فقالت أم حرام : قلت يا رسول الله أنا فيهم ؟ قال : أنت فيهم . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ، فقلت : أنا فيهم قال : لا . البخاري مع الفتح (6/120) .

    فتحرك الجيش نحو القسطنطينية بقيادة بسر بن أرطأ رضي الله عنه عام خمسين من الهجرة ، فاشتد الأمر على المسلمين فأرسل بسر يطلب المدد من معاوية فجهز معاوية جيشاً بقيادة ولده يزيد ، فكان في هذا الجيش كل من أبو أيوب الأنصاري و عبد الله بن عمر و ابن الزبير و ابن عباس وجمع غفير من الصحابة ، رضي الله عنهم أجمعين .

    و أخرج البخاري أيضاً ، عن محمود بن الربيع في قصة عتبان بن مالك قال محمود : فحدثتها قوماً فيهم أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته التي توفي فيها ، ويزيد بن معاوية عليهم – أي أميرهم - بأرض الروم . البخاري مع الفتح (3/73) .

    و في هذا الحديث منقبة ليزيد رحمه الله حيث كان في أول جيش يغزوا أرض الروم .

    بعضاً من سيرة يزيد :

    و لنقف قليلاً ، على بعض من سيرة يزيد بن معاوية رحمه الله قبل أن يرشحه والده لولاية العهد ، و ما هي الحال التي كان عليها قبل توليه الخلافة ، و مدى صدق الروايات التي جاءت تذم يزيد وتصفه بأوصاف مشينة .

    عمل معاوية رضي الله عنه جهده من البداية في سبيل إعداد ولده يزيد ، و تنشئته التنشئة الصحيحة ، ليشب عليها عندما يكبر ، فسمح لمطلقته ميسون بنت بحدل الكلبية ، و كانت من الأعراب ، و كانت من نسب حسيب ، و منها رزق بابنه يزيد ، - أنظر ترجمتها في : تاريخ دمشق لابن عساكر - تراجم النساء - (ص397-401) - ، و كان رحمه الله وحيد أبيه ، فأحب معاوية رضي الله عنه أن يشب يزيد على حياة الشدة و الفصاحة فألحقه بأهل أمه ليتربى على فنون الفروسية ، و يتحلى بشمائل النخوة و الشهامة والكرم و المروءة ، إذ كان البدو أشد تعلقاً بهذه التقاليد .

    كما أجبر معاوية ولده يزيد على الإقامة في البادية ، و ذلك لكي يكتسب قدراً من الفصاحة في اللغة ، كما هو حال العرب في ذلك الوقت .

    و عندما رجع يزيد من البادية ، نشأ و تربى تحت إشراف والده ، و نحن نعلم أن معاوية رضي الله عنه كان من رواة الحديث ، - أنظر : تهذيب التهذيب لابن حجر (10/207) - ، فروى يزيد بعد ذلك عن والده هذه الأحاديث و بعض أخبار أهل العلم . مثل حديث : من يرد الله به خيراً يفقه في الدين ، و حديث آخر في الوضوء ، و روى عنه ابنه خالد و عبد الملك بن مروان ، و قد عده أبوزرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة ، و هي الطبقة العليا . البداية و النهاية لابن كثير (8/226-227) .

    و قد اختار معاوية دَغْفَل بن حنظلة السدوسي الشيباني (ت65هـ) ، مؤدباً لولده يزيد ، و كان دغفل علامة بأنساب العرب ، و خاصة نسب قريش ، و كذلك عارفاً بآداب اللغة العربية . أنظر ترجمته في : تهذيب التهذيب لابن حجر (3/210) .

    هذه بعضاً من سيرة يزيد رحمه الله قبل توليه منصب الخلافة ، و قبل أن يوليه والده ولاية العهد من بعده .

    توليه منصب ولاية العهد بعد أبيه :

    بدأ معاوية رضي الله عنه يفكر فيمن يكون الخليفة من بعده ، ففكر معاوية في هذا الأمر و رأى أنه إن لم يستخلف و مات ترجع الفتنة مرة أخرى .

    فقام معاوية رضي الله عنه باستشارة أهل الشام في الأمر ، فاقترحوا أن يكون الخليفة من بعده من بني أمية ، فرشح ابنه يزيد ، فجاءت الموافقة من مصر و باقي البلاد و أرسل إلى المدينة يستشيرها و إذ به يجد المعارضة من الحسين و ابن الزبير ، و ابن عمر و عبد الرحمن بن أبي بكر ، و ابن عباس . انظر : تاريخ الإسلام للذهبي – عهد الخلفاء الراشدين – (ص147-152) و سير أعلام النبلاء (3/186) و الطبري (5/303) و تاريخ خليفة (ص213) . و كان اعتراضهم حول تطبيق الفكرة نفسها ، لا على يزيد بعينه .

    و تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤرخين والمفكرين المسلمين قد وقفوا حيال هذه الفكرة مواقف شتى ، ففيهم المعارض ، و منهم المؤيد ، و كانت حجة الفريق المعارض تعتمد على ما وردته بعض الروايات التاريخية ، التي تشير أن يزيد بن معاوية كان شاباً لاهياً عابثاً ، مغرماً بالصيد و شرب الخمر ، و تربية الفهود والقرود ، و الكلاب … الخ . نسب قريش لمصعب الزبيري (ص127) و كتاب الإمامة والسياسة المنحول لابن قتيبة (1/163) و تاريخ اليعقوبي (2/220) و كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي (5/17) و مروج الذهب للمسعودي (3/77) و انظر حول هذه الافتراءات كتاب : صورة يزيد بن معاوية في الروايات الأدبية فريال بنت عبد الله (ص 86- 122 ) .

    و لكننا نرى أن مثل هذه الأوصاف لا تمثل الواقع الحقيقي لما كانت عليه حياة يزيد بن معاوية ، فالإضافة إلى ما سبق أن أوردناه عن الجهود التي بذلها معاوية في تنشئة وتأديب يزيد ، نجد رواية في مصادرنا التاريخية قد تساعدنا في دحض مثل تلك الآراء .

    فيروي البلاذري أن محمد بن علي بن أبي طالب - المعروف بابن الحنفية - دخل يوماً على يزيد بن معاوية بدمشق ليودعه بعد أن قضى عنده فترة من الوقت ، فقال له يزيد ، و كان له مكرماً : يا أبا القاسم ، إن كنت رأيت مني خُلُقاً تنكره نَزَعت عنه ، و أتيت الذي تُشير به علي ؟ فقال : والله لو رأيت منكراً ما وسعني إلاّ أن أنهاك عنه ، وأخبرك بالحق لله فيه ، لما أخذ الله على أهل العلم عن أن يبينوه للناس ولا يكتموه ، وما رأيت منك إلاّ خيراً . أنساب الأشراف للبلاذري (5/17) .

    و يروي ابن كثير أن عبد الله بن مطيع - كان داعية لابن الزبير - مشى من المدينة هو و أصحابه إلى محمد ابن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم ، فقال ابن مطيع : إن يزيد يشرب الخمر و يترك الصلاة و يتعدى حكم الكتاب ، فقال محمد ما رأيت منه ما تذكرون ، قد حضرته و أقمت عنده فرأيته مواظباً على الصلاة متحرياً للخير يسأل عن الفقه ملازماً للسنة ، قالوا : ذلك كان منه تصنعاً لك ، قال : و ما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع ؟ ثم أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر ، فلئن كان أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤه ، و إن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا ، قالوا : إنه عندنا لحق و إن لم نكن رأيناه ، فقال لهم : أبى الله ذلك على أهل الشهادة ، و لست من أمركم في شيء . البداية و النهاية (8/233) و تاريخ الإسلام – حوادث سنة 61-80هـ – (ص274) و قد حسّن الأخ محمد الشيباني إسناده انظر مواقف المعارضة من خلافة يزيد بن معاوية (ص384) .

    كما أن مجرد موافقة عدد من كبار الشخصيات الإسلامية ، من أمثال عبد الله بن الزبير و عبد الله ابن عباس و ابن عمر و أبو أيوب الأنصاري ، على مصاحبة جيش يزيد في سيره نحو القسطنطينية فيها خير دليل على أن يزيد كان يتميز بالاستقامة ، و تتوفر فيه كثير من الصفات الحميدة ، ويتمتع بالكفاءة والمقدرة لتأدية ما يوكل إليه من مهمات ؛ وإلا لما وافق أمثال هؤلاء الأفاضل من الصحابة أن يتولى قيادتهم شخص مثل يزيد .

    و بالرغم من كل ما سبق أن أوردناه من روايات ، فإن أحد المؤرخين المحدثين قد أعطى حكماً قاطعاً بعدم أهلية يزيد للخلافة ، دون أن يناقش الآراء التي قيلت حول هذا الموضوع ، أو أن يقدم أي دليل تاريخي يعضد رأيه ، ويمضي ذلك المؤرخ المحدث في استنتاجاته ، فيرى أن معاوية لم يبايع لولده يزيد بولاية العهد ، إلاّ مدفوعاً بعاطفة الأبوة . أنظر كتاب : موسوعة التاريخ الإسلامي لأحمد شلبي (2/46-47 ، 51 ) .

    لكننا نجد وجهة النظر التي أبداها الأستاذ محب الدين الخطيب - حول هذه المسألة - جديرة بالأخذ بها للرد على ما سبق ، فهو يقول : إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما ، فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام ، ولا عمر بن عبد العزيز ، و إن طمعنا بالمستحيل و قدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر و عمر آخر ، فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر و عمر ، و إن كان مقياس الأهلية ، الاستقامة في السيرة ، و القيام بحرمة الشريعة ، والعمل بأحكامها ، و العدل في الناس ، و النظر في مصالحهم ، والجهاد في عدوهم ، وتوسيع الآفاق لدعوتهم ، والرفق بأفرادهم و جماعاتهم ، فإن يزيد يوم تُمحّص أخباره ، و يقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته ، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم ، و أجزل الثناء عليهم . حاشية العواصم من القواصم لابن العربي (ص221).

    و نجد أيضاً في كلمات معاوية نفسه ما يدل على أن دافعه في اتخاذ مثل هذه الخطوة هو النفع للصالح العام و ليس الخاص ، فقد ورد على لسانه قوله : اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله ، فبلغه ما أملت و أعنه ، و إن كانت إنما حملني حبّ الوالد لولده ، وأنه ليس لما صنعت به أهلاً ، فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك . تاريخ الإسلام للذهبي – عهد معاوية بن أبي سفيان – (ص169) و خطط الشام لمحمد كرد علي (1/137) .

    و يتبين من خلال دراسة هذه الفكرة – أي فكرة تولية يزيد ولاية العهد من بعد أبيه - ، أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما كان محقاً فيما ذهب إليه ، إذ أنه باختياره لابنه يزيد لولاية العهد من بعده ، قد ضمن للأمة الإسلامية وحدتها ، و حفظ لها استقرارها ، و جنبها حدوث أية صراعات على مثل هذا المنصب .

    و قد اعترف بمزايا خطوة معاوية هذه ، كل من ابن العربي ، أنظر: العواصم من القواصم (ص228-229 ) .

    و ابن خلدون الذي كان أقواهما حجة ، إذا يقول : والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه ، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس ، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل و العقد عليه - و حينئذ من بني أمية - ثم يضيف قائلاً : و إن كان لا يظن بمعاوية غير هذا ، فعدالته و صحبته مانعة من سوى ذلك ، و حضور أكابر الصحابة لذلك ، وسكوتهم عنه ، دليل على انتفاء الريب منه ، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة ، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم - كلهم - أجلّ من ذلك ، و عدالتهم مانعة منه . المقدمة لابن خلدون (ص210-211) .

    و يقول في موضع آخر : عهد معاوية إلى يزيد ، خوفاً من افتراق الكلمة بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم ، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه ، مع أن ظنهم كان به صالحاً ، ولا يرتاب أحد في ذلك ، ولا يظن بمعاوية غيره ، فلم يكن ليعهد إليه ، و هو يعتقد ما كان عليه من الفسق ، حاشا لله لمعاوية من ذلك . المقدمة (ص206) .

    قلت : و قد رأى معاوية رضي الله عنه في ابنه صلاحاً لولاية خلافة الإسلام بعده و هو أعلم الناس بخفاياه و لو لم يكن عنده مرضياً لما اختاره .

    و أما ما يظنه بعض الناس بأن معاوية كان أول من ابتدع الوراثة في الإسلام ، فقد أخطأ الظن ، فدافع معاوية في عهده لابنه يزيد بالخلافة من بعده ، كان محمولاً على البيعة من الناس و ليس كونه محمولاً على الوراثة ، و لو كان ما رآه هو الأخير لما احتاج إلى بيعتهم بل لاكتفى ببيعته منه وحده .

    فإن قيل : لو ترك الأمر شورى يختار الناس ما يرونه خليفة من بينهم ؟
    قلنا : قد سبقه بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه من بيعته لأبي بكر يوم السقيفة ، و سبقه أبو بكر أيضاً في وصيته لعمر بولاية العهد من بعده ، و ما فعله عمر حين حصر الخلافة في الستة .

    و الغريب في الأمر أن أكثر من رمى معاوية و عابه في تولية يزيد و أنه ورثّه توريثاً هم الشيعة ، مع أنهم يرون هذا الأمر في علي بن أبي طالب و سلالته إلى اثني عشر خليفة منهم .

    و ليس افضل - قبل أن ننتقل إلى موضوع آخر - من أن نشير إلى ما أورده ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم من رأي لأحد أفاضل الصحابة في هذا الموضوع ، إذ يقول : دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استخلف يزيد بن معاوية ، فقال : أتقولون إن يزيد ليس بخير أمة محمد ، لا أفقه فيها فقهاً ، ولا أعظمها فيها شرفاً ؟ قلنا : نعم ، قال : و أنا أقول ذلك ، و لكن و الله لئن تجتمع أمة محمد أحب إلىّ من أن تفترق . العواصم من القواصم (ص231) .

    و هل يتصور أيضاً ما زعم الكذابون ، من أن معاوية رضي الله عنه كان غير راض عن لهو يزيد وفسقه ، و شربه ، و أنه أكثر من نصحه فلم ينتصح ، فقال – لما يئس من استجابته - : إذاً عليك بالليل ، استتر به عن عيون الناس ، و إني منشدك أبياتاً ، فتأدب بها و احفظها ، فأنشده :

    [align=center]انصب نهاراً في طلاب العلا * واصبر على هجر الحبيب القريب

    حتى إذا الليل أتى بالدجى * واكتحلت بالغمض عين الرقيب

    فباشر الليل بما تشتهي * فإنما الليل نهار الأريب

    كم فاسق تحسبه ناسكاً * قد باشر الليل بأمر عجيب

    غطى عليه الليل أستاره فبات في أمن و عيش خصيب

    و لذة لأحمق مكشوفة * يشفي بها كل عدو غريب
    [/align]

    كذا قال الكذابون الدهاة ، و لكن فضحهم الله ، فهذه الأبيات لم يقلها معاوية رضي الله عنه ولم تكن قيلت بعدُ ، ولا علاقة لها بمعاوية ولا بيزيد ، ولا يعرفها أهل البصرة ، إلا ليحيى بن خالد البرمكي ، أي الذي عاش زمن هارون الرشيد ، أي بعد معاوية و ابنه بنحو مائة عام . أنظر : تاريخ دمشق لابن عساكر ( 65/403) .

    بعض من الأحاديث المكذوبة في حق يزيد :

    و قد زورت أحاديث في ذم يزيد كلها موضوعة لا يصح منها شيء فهذه بعضها ، و إلا فهناك الكثير :-

    منها قول الحافظ أبو يعلى : عن أبي عبيدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يزال أمر أمتي قائماً بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد . هذا الحديث و الذي بعده منقطعة بل معضولة ، راجع البداية و النهاية (8/231) .

    و حديث آخر أورده ابن عساكر في تاريخه ، بلفظ : أول من يغير سنتي رجل من بني أمية يقال له يزيد . تاريخ دمشق (18/160) ، و قد حسن الشيخ الألباني سنده ، و قال معلقاً عليه : و لعل المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة ، و جعله وراثة ، و الله أعلم . الصحيحة (4/329-330) . قلت : الحديث الذي حسنه الشيخ الألباني دون زيادة لفظة ( يقال له يزيد ) ، أما قوله بأن المراد تغيير نظام اختيار الخليفة و جعله وراثياً ، فإن معاوية رضي الله عنه هو أول من أخذ بهذا النظام و جعله وراثياً ، إذاً فالحديث لا يتعلق بيزيد بن معاوية بعينه ، و الله أعلم .

    و منها أيضاً قول : لا بارك الله في يزيد الطعان اللعان ، أما أنه نُعي إلي حبيبي حسين . تلخيص كتاب الموضوعات لابن الجوزي ، للإمام الذهبي ( ص159) .

    علاقة يزيد بآل البيت رضي الله عنهم :

    و لم يقع بين يزيد و بين أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعكر العلاقة و القرابة بينهما سوى خروج الحسين و بعض أهله و مقتلهم على يد أهل العراق بكربلاء و مع هذا فقد بقيت العلاقة الحسنة بين يزيد و آل البيت و كانوا أولاد عمومته و نراهم قد اجتنبوا الخروج عليه أيام الحرة و مكة بل كانت صلته بعلي بن الحسين و عبد الله بن العباس و محمد بن الحنفية أيام الحرة جيدة . أما عبد الله بن جعفر فقد كانت صلته بمعاوية و يزيد من بعده غاية في المودة و الصداقة والولاء و كان يزيد لا يرد لابن جعفر طلباً و كانت عطاياه له تتوارد فيقوم ابن جعفر بتوزيعها على أهل المدينة ، و كان عبد الله بن جعفر يقول في يزيد أتلومونني على حسن الرأي في هذا . قيد الشريد في أخبار يزيد (ص35) .

    موقف العلماء من يزيد بن معاوية :

    و قد سئل حجة الإسلام أبو حامد الغزالي عمن يصرح بلعن يزيد بن معاوية ، هل يحكم بفسقه أم لا ؟ و هل كان راضياً بقتل الحسين بن علي أم لا ؟ و هل يسوغ الترحم عليه أم لا ؟ فلينعم بالجواب مثاباً .

    فأجاب : لا يجوز لعن المسلم أصلاً ، و من لعن مسلماً فهو الملعون ، و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المسلم ليس بلعان ، - المسند (1/405) و الصحيحة (1/634) و صحيح سنن الترمذي (2/189) - ، و كيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم وقد ورد النهي عن ذلك - لحديث عمران بن الحصين قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره و امرأة من الأنصار على ناقة ، فضجرت فلعنتها ، فسمع ذلك النبي صلى الله عليه و سلم فقال : خذوا ما عليها و دعوها فإنها ملعونة ، قال عمران : فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد. جمع الفوائد (3/353) - ، و حرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي صلى الله عليه وسلم - هو أثر موقوف على ابن عمر بلفظ : نظر عبد الله بن عمر رضي الله عنه يوماً إلى الكعبة فقال : ما أعظمك و أعظم حرمتك ، و المؤمن أعظم حرمة منك ، و هو حديث حسن ، أنظر : غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال و الحرام للشيخ الألباني (ص197) - ، و قد صح إسلام يزيد بن معاوية و ما صح قتله الحسين ولا أمر به ولا رضيه ولا كان حاضراً حين قتل ، ولا يصح ذلك منه ولا يجوز أن يُظن ذلك به ، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام و قد قال الله تعالى{اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم }[الحجرات/12] ، و من زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به ، فينبغي أن يعلم أن به غاية الحمق ، فإن من كان من الأكابر والوزراء ، و السلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله و من الذي رضي به و من الذي كرهه لم يقدر على ذلك ، و إن كان الذي قد قُتل في جواره و زمانه و هو يشاهده ، فكيف لو كان في بلد بعيد ، و زمن قديم قد انقضى ، فكيف نعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد ، و قد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب فهذا الأمر لا تُعلم حقيقته أصلاً ، و إذا لم يُعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به . و مع هذا فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلماً فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر ، و القتل ليس بكفر ، بل هو معصية ، و إذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة و الكافر لو تاب من كفره لم تجز لعنته فكيف بمؤمن تاب عن قتل .. و لم يُعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة و قد قال الله تعالى {و هو الذي يقبل التوبة عن عباده ، و يعفوا عن السيئات و يعلم ما تفعلون}[الشورى/25] فإذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين بعينه لم يروه النص ، و من لعنه كان فاسقاً عاصياً لله تعالى . و لو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصياً بالإجماع ، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره مع جواز اللعن عليه لا يُقال له يوم القيامة : لِمَ لَمْ تلعن إبليس ؟ و يقال للاعن : لم لعنت و مِنْ أين عرفت أنه مطرود ملعون ، و الملعون هو المبعد من الله تعالى و ذلك علوم الغيب ، و أما الترحم عليه فجائز ، بل مستحب ، بل هو داخل في قولنا : اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، فإنه كان مؤمناً و الله أعلم بالصواب . قيد الشريد من أخبار يزيد (ص57-59) .

    و قد سئل ابن الصلاح عن يزيد فقال : لم يصح عندنا أنه أمر بقتل الحسين رضي الله عنه والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله إنما هو عبيد الله بن زياد والي العراق إذ ذاك ، و أما سب يزيد و لعنه فليس ذلك من شأن المؤمنين ، و إن ‏صح أنه قتله أو أمر بقتله ، و قد ورد في الحديث المحفوظ : إن لعن المؤمن كقتاله - البخاري مع الفتح (10/479) -، و قاتل الحسين لا يكفر بذلك ، و إنما ارتكب إثماً ، و إنما يكفر بالقتل قاتل نبي من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام .

    و الناس في يزيد على ثلاث فرق ، فرقة تحبه و تتولاه ، و فرقة تسبه و تلعنه و فرقة متوسطة في ذلك ، لا تتولاه ولا تلعنه و تسلك به سبيل سائر ملوك الإسلام و خلفائهم غير الراشدين في ذلك و شبهه ، و هذه هي المصيبة – أي التي أصابت الحق - مذهبها هو اللائق لمن يعرف سِيَر الماضين و يعلم قواعد الشريعة الظاهرة . قيد الشريد (ص59-60) .

    و سُئل شيخ الإسلام عن يزيد أيضاً فقال : افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق طرفان و وسط ، فأحد الطرفين قالوا : إنه كان كافراً منافقاً ، و إنه سعى في قتل سِبط رسول الله تشفياً من رسول الله صلى الله عليه وسلم و انتقاماً منه و أخذاً بثأر جده عتبة و أخي جده شيبة و خاله الوليد بن عتبة و غيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي بن أبي طالب و غيره يوم بدر و غيرها ، و قالوا تلك أحقاد بدرية و آثار جاهلية . و هذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر و عمر وعثمان ، فتكفير يزيد أسهل بكثير . و الطرف الثاني يظنون أنه كان رجلاً صاحاً و إماماً عدل و إنه كان من الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم و حمله بيده و برّك عليه و ربما فضله بعضهم على أبي بكر و عمر، و ربما جعله بعضهم نبياً .. و هذا قول غالية العدوية و الأكراد و نحوهم من الضُلاّل . و القول الثالث : أنه كان ملكاً من ملوك المسلمين له حسنات و سيئات و لم يولد إلا في خلافة عثمان و لم يكن كافراً و لكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين و فُعل ما فعل بأهل الحرة ، و لم يكن صحابياً ولا من أولياء الله الصالحين و هذا قول عامة أهل العقل و العلم و السنة و الجماعة . ثم افترقوا ثلاث فرق ، فرقة لعنته و فرقة أحبته و فرقة لا تسبه ولا تحبه و هذا هو المنصوص عن الأمام أحمد و عليه المقتصدون من أصحابه و غيرهم من جميع المسلمين . سؤال في يزيد (ص26).

    وفاة يزيد بن معاوية :

    في أثناء حصار مكة جاءت الأخبار بوفاة يزيد بن معاوية رحمه الله و البيعة لابنه معاوية .

    و كان ذلك لعشر خلت من ربيع الأول سنة أربع و ستين ، و كانت وفاته بحوران و قيل حوارين من أرض الشام ، قال عبد الرحمن أبي معذور : حدثني بعض أهل العلم قال : آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية : اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه و لم أرده . قيد الشريد (ص50) .

    يزيد رحمه الله قد شوهت سيرته كما قلت تشويهاً عجيباً ، فنسبوا إليه شرب الخمر و الفجور و ترك الصلاة و تحميله أخطاء غيره دونما دليل .

    فيطعنون فيه و في دينه ، فقط لأجل أن يشوهوا و يثبتوا أنه لا يستحق الخلافة ، ولا شك أنه مفضول و أن الحسين و غيره من الصحابة كانوا أفضل منه بدرجات و لهم صحبة و سابقية في الإسلام ، لكن الطعن في دينه أمرٌ غير ثابت ، بدلالة أثر ابن الحنفية الذي ذكرته آنفاً ، و هناك قول مشابه لابن عباس يثبت فيه أن يزيد براء من هذه الأقوال التي يقولونها فيه ، و هو أنه لما قدم ابن عباس وافداً على معاوية رضي الله عنه ، أمر معاوية ابنه يزيد أن يأتيه – أي أن يأتي ابن عباس - ، فأتاه في منزله ، فرحب به ابن عباس و حدثه ، فلما خرج ، قال ابن عباس : إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس . البداية والنهاية (8/228-229) و تاريخ دمشق (65/403-404).

    يقول الله تعالى {يأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين }[الحجرات/6] فأبو مخنف هذا و أمثاله من الرواة الكذابين الغالين ممن ينطبق عليهم لفظ الفاسق ، فلا يقبل لهم قول خاصة إذا كان فيه طعن في أحد من المسلمين ، فما بالك إذا كان هذا المطعون فيه و في دينه خليفة المسلمين و إمامهم ؟! فهذا من باب أولى أن يرد ويرفض .

    أما ما لفقوه بيزيد من أن له يداً في قتل الحسين ، و أنهم فسروا كلامه لعبيد الله بن زياد بأن يمنع الحسين من دخول الكوفة و أن يأتيه به ، يعني اقتله و ائتني برأسه ، فهذا لم يقل به أحد و إنما هو من تلبيس الشيطان على الناس و إتباعهم للهوى و التصديق بكل ما يرويه الرافضة من روايات باطلة تقدح في يزيد و معاوية ، و أن أهل العراق و الأعراب هم الذين خذلوا الحسين و قتلوه رضي الله عنه كما قال بذلك العلماء .

    و يشهد لذلك ما رواه البخاري عن شعبة عن محمد بن أبي يعقوب سمعت عبد الرحمن بن أبي نعيم : أن رجلاً من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب ؟ فقال ابن عمر : انظر إلى هذا يسأل عن دم البعوض و قد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الحسن و الحسين هما ريحانتاي من الدنيا . الفتح (10/440) و صحيح سنن الترمذي (3/224) .

    أما قول الإمام الذهبي في سيره عن يزيد بأنه ممن لا نسبه ولا نحبه و أنه كان ناصبياً فظاً غليظاً جلفاً متناول المسكر و يفعل المنكر . سير أعلام النبلاء (4/36) .

    قلت : إن الإنصاف العظيم الذي يتمتع به الذهبي رحمه الله جعله لا يكتفي بسرد تاريخ المترجم له دون التعليق - غالباً - على ما يراه ضرورياً لإنصافه ؛ و ذلك نحو الحكم على حكاية ألصقت به و هي غاضّة من شأنه ، أو ذكر مبرر لعمل ظنه الناس شيئاً و هو يحتمل أوجهاً أخرى ، أو نقد لتصرفاته نقداً شرعياً ، ثم يحاول أن يخرج بحكم عام على المترجم له مقروناً بالإنصاف .

    و هذا العمل _ أي الإنصاف في الحكم على الأشخاص _ يعطي ضوءاً كاشفاً تستطيع أن تستفيد منه الصحوة المباركة ، فهي صحوة توشك أن تعطي ثمارها لولا ما يكدرها من تصرفات بعض ذوي النظرات القاتمة الذين يرمون العلماء و الدعاة بالفسق و الابتداع و الميل عن مذهب السلف لأي زلة ، لا يعذرون أحداً، و لا يتقون الله في ظنٍّ مرجوح .

    و هناك بعض آخر لا يستطيع العيش إلا بالطعن على المخالف ، و نسيان محاسنه و كتمانها ، فهؤلاء و أمثالهم تكفل الإمام الذهبي بالرد عليهم في سفره العظيم سير أعلام النبلاء .

    و قلت أيضاً : هذا قول و كلٌ يؤخذ من كلامه و يرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    و أما عن تناوله المسكر و غيرها من الأمور قلت : هذا لا يصح كما أسلفت و بينت رأي ابن الحنفية في ذلك - و هذه شهادة ممن قاتل معاوية مع أبيه ، فأحرى به أن يكون عدواً له كارهاً لملكه و ولده - .

    و قلت أيضاً : إن هذا لا يحل إلا بشاهدين ، فمن شهد بذلك ؟ وقد شهد العدل بعدالته ، روى يحيى بن بكير عن الليث بن سعد (ت 147هـ) قال الليث : توفي أمير المؤمنين يزيد في تاريخ كذا ، فسماه الليث أمير المؤمنين بعد ذهاب ملكهم و انقراض دولتهم ، ولولا كونه عنده كذلك ما قال : إلا توفي يزيد . العواصم من القواصم (ص232-234) .

    و هذا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله على تقشفه و عظم منزلته في الدين و ورعه قد أدخل عن يزيد بن معاوية في كتابه الزهد أنه كان يقول في خطبته : إذا مرض أحدكم مرضاً فأشقى ثم تماثل ، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه و لينظر إلى أسوأ عمل عنده فليدعه . أنظر : العواصم من القواصم (ص245) .

    و هذا لا يتعارض مع ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية نقلاً عن الإمام أحمد عندما سُئل أتكتب الحديث عن يزيد ، قال : لا ، و لا كرامة ، أوَ ليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل . سؤال في يزيد (ص27) .

    و كان رفض الإمام أحمد رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ليس دليلاً على فسقه ، و ليس كل مجروح في رواية الحديث لا تقبل أقواله ، فهناك عشرات من القضاة والفقهاء ردت أحاديثهم و هم حجة في باب الفقه . في أصول تاريخ العرب الإسلامي ، محمد محمد حسن شرّاب (ص 152) .

    و هذا يدل على عظم منزلته – أي يزيد بن معاوية - عنده حتى يدخله في جملة الزهاد من الصحابة و التابعين الذين يقتدى بقولهم و يرعوى من وعظهم ، و ما أدخله إلا في جملة الصحابة قبل أن يخرج إلى ذكر التابعين ، فأين هذا من ذكر المؤرخين له في الخمر و أنواع الفجور ، ألا يستحيون ؟! و إذا سلبهم الله المروءة و الحياء ، ألا ترعوون أنتم و تزدجرون و تقتدون بفضلاء الأمة ، و ترفضون الملحدة و المجّان من المنتمين إلى الملة . العواصم من القواصم (ص246) .

    و قد أنصف أهل العلم و العقل و السنة و الجماعة على أن يزيد كان ملكاً من الملوك المسلمين له حسنات و له سيئات و لم يكن صحابياً و لم يكن كافراً .

    و المؤمن الحق يعرف جيداً أن الله تعالى غير سائله عما حصل بين علي و معاوية أو بين يزيد والحسين أو الذين جاءوا من بعدهم إنما العبد يسئل عما قدم لنفسه .

    و أخيراً فالعبد التقي الخفي لا ينشغل بذنوب العباد و ينسى نفسه كما قال صلى الله عليه وسلم : يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه و ينسى الجذع أو الجدل في عينه معترضاً . أنظر : السلسلة الصحيحة (1/74) .

    ــــــــــــــــــــــــــــ
    المصدر

    كن كشجر الصنوبر يعطر الفأس الذي يكسره

  2. #2
    كلتاوي الماسي
    الصورة الرمزية ابراهيم ابومحمد

    الحاله : ابراهيم ابومحمد غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    رقم العضوية: 425
    المشاركات: 1,011
    معدل تقييم المستوى : 113
    Array

    افتراضي رد: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

    [frame="7 80"]مشكور أخي أبو أسامة على هذا الموضوع القيم
    نسال الله ان ينفع بك
    وكل عام وأنتم بخير غير منقطع
    [/frame]

  3. #3
    مشرف
    الصورة الرمزية الخنساء

    الحاله : الخنساء غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2007
    رقم العضوية: 127
    المشاركات: 3,593
    معدل تقييم المستوى : 129
    Array

    افتراضي رد: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

    طرح هام جدا جزيت خيرا أخي الفاضل الأستاذ الدكتور أبا أسامة
    فبعد قرأتي الدقيقة لهذا البحث ولأكثر من مرة رجعت لكتب التاريخ التي أوردت ذكر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ووجدت أنها ظلمت هذه الشخصية العظيمة بما ذكرته عنه ولم أجد سوى في كتاب العواصم من القواصم للقاضي أبو بكر العربي ما أنصف أمير المؤمنين لانه كما قرأت جاء ليس سردا عن حياته بشكل تاريخي فحسب بل جاء كدراسة الشخصية وما نسب إليها في كتب التاريخ من تلفيق وكذب وردها مستندا على أدلة قوية ودامغة وأورد أقوال وشهادات من أعظم الشخصيات من صحابة وأئمة وتابعين عن يزيد بن معاوية ولمن أحب الإطلاع عما ورد عن أنصاف يزيد بن معاوية وسيدنا معاوية بن أبي سفيان فلينظر في (ج1 ص 165حتى ص 186)
    وأما بالنسبة لكتب التاريخ الأخرى التي قد تكون أجحفت بحق أمير المؤمنين يزيد بن معاوية والمؤرخون في ذلك الزمان أشبه بالصحفيين اليوم إن صح القول مهمتهم تسجيل الأخبار وجمعها والبحث عنها وقد لا يتثبتون من صحتها وقد يرد بها الكثير من اللغط أو الأخبار الغير موثقة فلذلك علينا التأكد من صحة لبعض ماورد في كتب التاريخ وما أورده المؤرخين لانهم غير معصومين وليست كتب التاريخ كتبا منزلة حتى نأخذ منها 100% فعلينا جميعا أن نبحث ونتثبت مما ورد وهاهي شخصية أمير المؤمنين يزيد بن معاوية مثلا على وجوب التأكد مما ورد فيها
    التعديل الأخير تم بواسطة الخنساء ; 24-Dec-2007 الساعة 01:07 PM

  4. #4
    كلتاوي الماسي
    الصورة الرمزية فياض العبسو

    الحاله : فياض العبسو غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2007
    رقم العضوية: 119
    الدولة: حلب
    الهواية: دينية أدبية تاريخية
    السيرة الذاتيه: طالب علم
    العمل: مدرس
    المشاركات: 2,900
    معدل تقييم المستوى : 126
    Array

    افتراضي رد: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

    تشكر أخي الكريم أبو أسامة على إثارة مثل هذا الموضوع الحساس ... والذي يحتاج إلى دقة معلومات وتثبت كلام ...
    وحقا لقد ظلم هذا التابعي ... على الرغم من تقصيره في الاقتصاص لسيدنا الحسين السبط الشهيد رضي الله عنه وعن أمه وأبيه وأخته وأخيه ... وعلى الرغم من لهوه ... ولكنه ما أمر بقتل الحسين ولم يكن راضيا بذلك ... بل قبل رأسه وبكى وقال: يرضيني غير هذا ... وأكرم آل البيت وأحسن إليهم ... تنفيذا لوصية أبيه معاوية رضي الله عنه له ، بأن يحسن إلى الحسين وآل البيت رضوان الله عليهم ...
    ظلم اليزيد ... فسبه بعض الناس ولعنوه ... علما بأنه مسلم وتابعي وليس له يد ولا رضا بقتل الحسين ... وفي الحديث الشريف: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " ، " ومن يلعن مؤمنا فهو كقتله " ، " والمؤمن ليس بلعان ولا طعان " ...
    وسئل الإمام الغزالي رحمه الله ، كما في المجلد الثالث من الإحياء ، باب آفات اللسان ، الآفة الثالثة:
    ( اللعن ) ، سئل عن سب اليزيد ؟ فقال: لا يجوز ، لأنه مسلم ، ولم يثبت أنه أمر بقتل الحسين ، أو كان راضيا عن ذلك ...
    ولقد ألف أحد علماء السعودية كتابا بعنوان: يزيد بن معاوية المفترى عليه ...
    كما ألف هزاع الشمري كتابا بعنوان: حقائق في حياة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ... وورد في الحديث الصحيح: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا ، فقالت أم حرام : قلت يا رسول الله أنا فيهم ؟ قال : أنت فيهم . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ، فقلت : أنا فيهم قال : لا . البخاري مع الفتح (6/120) ... وكان بقيادة يزيد بن معاوية .

  5. #5
    كلتاوي مميز
    الصورة الرمزية ابومحمد

    الحاله : ابومحمد غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    رقم العضوية: 428
    الدولة: سوري
    الهواية: رياضة
    السيرة الذاتيه: لايوجد
    العمل: طالب
    المشاركات: 695
    معدل تقييم المستوى : 111
    Array

    افتراضي رد: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية


    شكرا لك اخي ابو اسامة على هذا الموضوع وبوركت وفي الحقيقة قد صنف

    القاضي أبو يعلى كتاباً بيّن فيه من يستحق اللعن وذكر منهم يزيد بن معاوية ، وألف ابن الجوزي كتاباً سمّاه " الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد " ، وقد اتهم الذهبي - رحمه الله- يزيد بن معاوية فقال : " كان ناصبياً، فظاً ، غليظاً ، جلفاً ، يتناول المسكر ويفعل المنكر ، وكذلك الحال بالنسبة لابن كثير – رحمه الله – حينما قال : " وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم ، والحلم ، والفصاحة ، والشعر ، والشجاعة ، وحسن الرأي في الملك ، وكان ذا جمال وحسن معاشرة ، وكان فيه أيضاً إقبال على الشهوات ، وترك الصلوات في بعض أوقاتها ، وإماتتها في غالب الأوقات
    وقد قرأت للبرزنجي كتابه الاشاعة في اشراط الساعة يلعن يزيد

    و الذي يجوز لعن يزيد وأمثاله ، يحتاج إلى شيئين يثبت بهما أنه كان من الفاسقين الظالمين الذين تباح لعنتهم ، وأنه مات مصرّاً على ذلك ، والثاني : أن لعنة المعيّن من هؤلاء جائزة .

    وسوف نورد فيما يلي أهم الشبهات التي تعلق بها من استدل على لعن يزيد والرد عليها :

    أولا: استدلوا بجواز لعن يزيد على أنه ظالم ، فباعتباره داخلاً في قوله تعالى { ألا لعنة الله على الظالمين }

    الرد على هذه الشبهة :

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " هذه آية عامة كآيات الوعيد ، بمنـزلة قوله تعالى { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً }وهذا يقتضي أن هذا الذنب سبب للعن والعذاب ، لكن قد يرتفع موجبه لمعارض راجح ، إما توبة ، وإما حسنات ماحية ، وإما مصائب مكفّرة ، وإما شفاعة شفيع مطاع ، ومنها رحمة أرحم الراحمين " ا.هـ .

    فمن أين يعلم أن يزيد لم يتب من هذا ولم يستغفر الله منه ؟ أو لم تكن له حسنات ماحية للسيئات ؟ أو لم يبتلى بمصائب وبلاء من الدنيا تكفر عنه ؟ وأن الله لا يغفر له ذلك مع قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إن لعن الموصوف لا يستلزم إصابة كل واحد من أفراده إلا إذا وجدت الشروط ، وارتفعت الموانع ، وليس الأمر كذلك "

    ثانياً : استدلوا بلعنه بأنه كان سبباً في قتل الحسين – رضي الله عنه - :

    الرد على هذه الشبهة:

    الصواب أنه لم يكن ليزيد بن معاوية يد في قتل الحسين – رضي الله عنه - ، وهذا ليس دفاعاً عن شخص يزيد لكنه قول الحقيقة ، فقد أرسل يزيد عبيد الله بن زياد ليمنع وصول الحسين إلى الكوفة ، ولم يأمر بقتله ، بل الحسين نَفْسُه كان حسن الظن بيزيد حتى قال دعوني أذهب إلى يزيد فأضع يدي في يده . قال ابن الصلاح – رحمه الله - : " لم يصح عندنا أنه أمر بقتله – أي الحسين رضي الله عنه - ، والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله – كرمه الله – إنما هو عبيد الله بن زياد والي العراق إذ ذاك

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " إن يزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق ، ولما بلغ يزيد قتل الحسين أظهر التوجع على ذلك وظهر البكاء في داره ، ولم يَسْبِ لهم حريماً بل أكرم أهل بيته وأجازهم حتى ردّهم إلى بلادهم ، أما الروايات التي في كتب الشيعة أنه أُهين نساء آل بيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنهن أُخذن إلى الشام مَسبيَّات ، وأُهِنّ هناك هذا كله كلام باطل ، بل كان بنو أمية يعظِّمون بني هاشم ، ولذلك لماّ تزوج الحجاج بن يوسف فاطمة بنت عبد الله بن جعفر لم يقبل عبد الملك بن مروان هذا الأمر ، وأمر الحجاج أن يعتزلها وأن يطلقها ، فهم كانوا يعظّمون بني هاشم ، بل لم تُسْبَ هاشميّة قط " ا.هـ
    قال ابن كثير – رحمه الله - : " وليس كل ذلك الجيش كان راضياً بما وقع من قتله – أي قتل الحسين – بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم ولا كرهه ، والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه ، كما أوصاه أبوه ، وكما صرح هو به مخبراً عن نفسه بذلك ، وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو "ا.هـ.
    وقال الغزالي – رحمه الله - : " فإن قيل هل يجوز لعن يزيد لأنه قاتل الحسين أو آمر به ؟ قلنا : هذا لم يثبت أصلاً فلا يجوز أن يقال إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت ، فضلاً عن اللعنة ، لأنه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق "
    قلت : ولو سلّمنا أنه قتل الحسين ، أو أمر بقتله وأنه سُرَّ بقتله ، فإن هذا الفعل لم يكن باستحلال منه ، لكن بتأويل باطل ، وذلك فسق لا محالة وليس كفراً ، فكيف إذا لم يثبت أنه قتل الحسين ولم يثبت سروره بقتله من وجه صحيح ، بل حُكِي عنه خلاف ذلك .

    قال الغزالي : "فإن قيل : فهل يجوز أن يقال : قاتل الحسين لعنه الله ؟ أو الآمر بقتله لعنه الله ؟ قلنا : الصواب أن يقال : قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله ، لأنه يحتمل أن يموت بعد التوبة ، لأن وحشياً قتل حمزة عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قتله وهو كافر ، ثم تاب عن الكفر والقتل جميعاً ولا يجوز أن يلعن ، والقتل كبيرة ولا تنتهي به إلى رتبة الكفر ، فإذا لم يقيد بالتوبة وأطلق كان فيه خطر ، وليس في السكوت خطر ، فهو أولى
    ثالثا : استدلوا بلعنه بما صنعه جيش يزيد بأهل المدينة ، وأنه أباح المدينة ثلاثاً حيث استدلوا بحديث " من أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله من صرفاً ولا عدلاً "

    الرد على هذه الشبهة :

    إن الذين خرجوا على يزيد بن معاوية من أهل المدينة كانوا قد بايعوه بالخلافة ، وقد حذّر النبي – صلى الله عليه وسلم – من أن يبايع الرجل الرجل ثم يخالف إليه ويقاتله ، فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : " ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع ،فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا رقبة الآخر ، وإن الخروج على الإمام لا يأتي بخير ، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة التي تحذّر من الإقدام على مثل هذه الأمور ، لذلك قال الفضيل بن عياض– رحمه الله - : " لو أنّ لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في إمام ، فصلاح الإمام صلاح البلاد والعباد " ، وهذا الذي استقرت عليه عقيدة أهل السنة والجماعة ، ومعركة الحرة تعتبر فتنة عظيمة ، والفتنة يكون فيها من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل ، حتى لا يتميز لكثير من الناس ، ويكون فيها من الأهواء والشهوات ما يمنع قصد الحق وإرادته ،ويكون فيها ظهور قوة الشر ما يضعف القدرة على الخير ، فالفتنة كما قال شيخ الإسلام : " إنما يعرف ما فيها من الشر إذا أدبرت فأما إذا أقبلت فإنها تُزين ، ويُظن أن فيها خيراً " .

    وسبب خروج أهل المدينة على يزيد ما يلي :

    - غلبة الظن بأن بالخروج تحصل المصلحة المطلوبة ، وترجع الشورى إلى حياة المسلمين ، ويتولى المسلمين أفضلهم .

    - عدم علم البعض منهم بالنصوص النبوية الخاصة بالنهي عن الخروج على الأئمة .

    قال القاضي عياض بشأن خروج الحسين وأهل الحرة وابن الأشعث وغيرهم من السلف : " على أن الخلاف وهو جواز الخروج أو عدمه كان أولاً ، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم والله أعلم " ، ومن المعلوم أن أهل الحرّة متأولون ، والمتأول المخطئ مغفور له بالكتاب والسنة ، لأنهم لا يريدون إلا الخير لأمتهم ، فقد قال العلماء : " إنه لم تكن خارجة خير من أصحاب الجماجم والحرّة " ، وأهل الحرة ليسوا أفضل من علي وعائشة و طلحة و الزبير وغيرهم ، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال ، وهم أعظم قدراً عند الله ، وأحسن نية من غيرهم

    فخروج أهل الحرة كان بتأويل ، ويزيد إنما يقاتلهم لأنه يرى أنه الإمام ، وأن من أراد أن يفرق جمع المسلمين فواجب مقاتلته وقتله ، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وكان علي – رضي الله عنه – يقول : " لو أن رجلاً ممّن بايع أبا بكر خلعه لقاتلناه ، ولو أن رجلاً ممّن بايع عمر خلعه لقاتلناه "

    أما إباحة المدينة ثلاثاً لجند يزيد يعبثون بها يقتلون الرجال ويسبون الذرية وينتهكون الأعراض ، فهذه كلها أكاذيب وروايات لا تصح ، فلا يوجد في كتب السنة أو في تلك الكتب التي أُلِّفت في الفتن خاصّة ، كالفتن لنعيم بن حمّاد أو الفتن لأبي عمرو الداني أي إشارة لوقوع شيء من انتهاك الأعراض ، وكذلك لا يوجد في أهم المصدرين التاريخيين المهمين عن تلك الفترة ( الطبري والبلاذري ) أي إشارة لوقوع شيء من ذلك ، وحتى تاريخ خليفة على دقته واختصاره لم يذكر شيئاً بهذه الصدد ، وكذلك إن أهم كتاب للطبقات وهو طبقات ابن سعد لم يشر إلى شيء من ذلك في طبقاته .

    نعم قد ثبت أن يزيد قاتل أهل المدينة ، فقد سأل مهنّا بن يحيى الشامي الإمام أحمد عن يزيد فقال : " هو فعل بالمدينة ما فعل قلت : وما فعل ؟ قال : قتل أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفعل . قلت : وما فعل ؟ قال : نهبها " وإسنادها صحيح ، أما القول بأنه استباحها فإنه يحتاج إلى إثبات ، وإلا فالأمر مجرد دعوى ، لذلك ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى إنكار ذلك ، من أمثال الدكتور نبيه عاقل ، والدكتور العرينان ، والدكتور العقيلي قال الدكتور حمد العرينان بشأن إيراد الطبري لهذه الرواية في تاريخه " ذكر أسماء الرواة متخلياً عن مسئولية ما رواه ، محملاً إيانا مسئولية إصدار الحكم ، يقول الطبري في مقدمة تاريخه : " فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه ، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً من الصحة ولا معنى في الحقيقة ، فليعلم أنه لم يؤت من قبلنا وإنما أُتي من بعض ناقليه إلينا "ا.هـ.

    قلت : ولا يصح في إباحة المدينة شيء ، وسوف نورد فيما يلي هذه الروايات التي حصرها الدكتور عبد العزيز نور – جزاه الله خيراً – في كتابه المفيد " أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري – والتي نقلها من كتب التاريخ المعتمدة التي عنيت بهذه الوقعة :

    نقل ابن سعد خبر الحرة عن الواقدي . ونقل البلاذري عن هشام الكلبي عن أبي مخنف نصاً واحداً ، وعن الواقدي ثلاثة نصوص ونقل الطبري عن هشام الكلبي أربعة عشر مرة ، وهشام الكلبي الشيعي ينقل أحياناً من مصدر شيعي آخر وهو أبو مخنف حيث نقل عنه في خمسة مواضع .ونقل الطبري عن أبي مخنف مباشرة مرة واحدة وعن الواقدي مرتين واعتمد أبو العرب على الواقدي فقط ، فقد نقل عنه أربعاً وعشرين مرة .ونقل الذهبي نصين عن الواقدي . وذكرها البيهقي من طريق عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن سفيان الفسوي . وأول من أشار إلى انتهاك الأعراض هو المدائني المتوفى سنة 225هـ ويعتبر ابن الجوزي أول من أورد هذا الخبر في تاريخه .

    قلت : ممّا سبق بيانه يتضح أن الاعتماد في نقل هذه الروايات تكمن في الواقدي ، وهشام الكلبي ، وأبي مخنف ، بالإضافة إلى رواية البيهقي التي من طريق عبد الله بن جعفر .

    أما الروايات التي جاءت من طريق الواقدي فهي تالفة ، فالواقدي قال عنه ابن معين : " ليس بشيء " . وقال البخاري : " سكتوا عنه ، تركه أحمد وابن نمير " . وقال أبو حاتم و النسائي : " متروك الحديث " .وقال أبو زرعة : " ضعيف "

    أما الروايات التي من طريق أبي مخنف ، فقد قال عنه ابن معين : " ليس بثقة " ، وقال أبو حاتم : " متروك الحديث . وقال النسائي : " إخباري ضعيف . وقال ابن عدي : " حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين ، ولا يبعد أن يتناولهم ، وهو شيعي محترق ، صاحب أخبارهم ، وإنما وصفته لأستغني عن ذكر حديثه ، فإني لا أعلم له منة الأحاديث المسندة ما أذكره ، وإنما له من الأخبار المكروهة الذي لا أستحب ذكره " . وأورده الذهبي في " ديوان الضعفاء " و " المغني في الضعفاء " وقال الحافظ : " إخباري تالف مناقشة الروايات التي جاء فيها هتك الأعراض :

    أما الروايات التي جاء فيها هتك الأعراض ، وهي التي أخرجها ابن الجوزي من طريق المدائني عن أبي قرة عن هشام بن حسّان : ولدت ألف امرأة بعد الحرة من غير زوج ، والرواية الأخرى التي أخرجها البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان : قال : حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن المغيرة قال : أنهب مسرف بن عقبة المدينة ثلاثة أيام . فزعم المغيرة أنه افتض ألف عذراء ، فالروايتان لا تصحان للعلل التالية:

    - أما رواية المدائني فقد قال الشيباني : " ذكر ابن الجوزي حين نقل الخبر أنه نقله من كتاب الحرّة للمدائني ، وهنا يبرز سؤال ملح : وهو لماذا الطبري والبلاذري ، وخليفة وابن سعد وغيرهم ، لم يوردوا هذا الخبر في كتبهم ، وهم قد نقلوا عن المدائني في كثير من المواضع من تآليفهم ؟ قد يكون هذا الخبر أُقحم في تآليف المدائني ، وخاصة أن كتب المدائني منتشرة في بلاد العراق ، وفيها نسبة لا يستهان بها من الرافضة ، وقد كانت لهم دول سيطرت على بلاد العراق ، وبلاد الشام ، ومصر في آن واحد ، وذلك في القرن الرابع الهجري ، أي قبل ولادة ابن الجوزي رحمه الله ، ثم إن كتب المدائني ينقل منها وجادة بدون إسناد " ا.هـ.

    - في إسناد البيهقي عبد الله بن جعفر ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ( 2/400) وقال : " قال الخطيب سمعت اللالكائي ذكره وضعفه . وسألت البرقاني عنه فقال : ضعّفوه لأنه روى التاريخ عن يعقوب أنكروا ذلك ، وقالوا : إنما حديث يعقوب بالكتاب قديماً فمتى سمع منه؟ "ا.هـ.

    - راوي الخبر هو : المغيرة بن مقسم ، من الطبقة التي عاصرت صغار التابعين ،ولم يكتب لهم سماع من الصحابة ، وتوفي سنة 136هـ ، فهو لم يشهد الحادثة فروايته للخبر مرسلة .

    - كذلك المغيرة بن مقسم مدلس ، ذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين الذين لا يحتج بهم إلا إذا صرحوا بالسماع .

    - الراوي عن المغيرة هو عبد الحميد بن قرط ، اختلط قبل موته ، ولا نعلم متى نقل الخبر هل هو قبل الاختلاط أم بعد الاختلاط ، فالدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال .

    - الرواية السالفة روِيَت بصيغة التضعيف ، والتشكيك بمدى مصداقيتها : " زعم المغيرة – راوي الخبر – أنه افتض فيها ألف عذراء .

    - أمّا الرواية الأخرى التي جاء فيها وقوع الاغتصاب ، هي ما ذكرها ابن الجوزي أن محمد بن ناصر ساق بإسناده عن المدائني عن أبي عبد الرحمن القرشي عن خالد الكندي عن عمّته أم الهيثم بنت يزيد قالت : " رأيت امرأة من قريش تطوف ، فعرض لها أسود فعانقته وقبّلته ، فقلت : يا أمة الله أتفعلين بهذا الأسود ؟ فقالت : هو ابني وقع عليّ أبوه يوم الحرة ا.هـ.

    - خالد الكندي وعمّته لم أعثر لهما على ترجمة .

    - أمّا الرواية التي ذكرها ابن حجر في الإصابة أن الزبير بن بكار قال : حدثني عمّي قال : كان ابن مطيع من رجال قريش شجاعة ونجدة ، وجلداً فلما انهزم أهل الحرة وقتل ابن حنظلة وفرّ ابن مطيع ونجا ، توارى في بيت امرأة ، فلما هجم أهل الشام على المدينة في بيوتهم ونهبوهم ، دخل رجل من أهل الشام دار المرأة التي توارى فيه ابن مطيع ، فرأى المرأة فأعجبته فواثبها ، فامتنعت منه ، فصرعها ، فاطلع ابن مطيع على ذلك فخلّصها منه وقتله "

    - وهذه الرواية منقطعة ، فرواوي القصة هو مصعب الزبيري المتوفى سنة 236هـ ، والحرة كانت في سنة 63هـ ، فيكون بينه وبين الحرة زمن طويل ومفاوز بعيدة .

    فلم نجد لهم رواية ثابتة جاءت من طريق صحيح لإثبات إباحة المدينة
    التعديل الأخير تم بواسطة ابومحمد ; 24-Dec-2007 الساعة 04:58 PM
    جعل الله قلوب أهل الذكر محلاً للإستئناس وجعل قلوب أهل الدنيا محلاً للغفلة والوسواس

  6. #6
    كلتاوي الماسي
    الصورة الرمزية د.أبوأسامة

    الحاله : د.أبوأسامة غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jun 2007
    رقم العضوية: 165
    المشاركات: 2,033
    معدل تقييم المستوى : 121
    Array

    افتراضي رد: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

    [align=center]طالب علم
    الخنساء
    فياض العبسو
    أبو محمد

    بارك الله فيكم لقد أغنيتم الموضوع بتعليقاتكم وردودكم ومروركم الطيب
    وزاد الموضوع رونقاً ... وبهاءاً

    جزاكم الله خيراً
    [/align]

    كن كشجر الصنوبر يعطر الفأس الذي يكسره

  7. #7
    كلتاوي الماسي
    الصورة الرمزية د.أبوأسامة

    الحاله : د.أبوأسامة غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jun 2007
    رقم العضوية: 165
    المشاركات: 2,033
    معدل تقييم المستوى : 121
    Array

    افتراضي رد: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

    [align=center]وثيقة براءة يزيد من دم الحسين رضي الله عنه من كتبهم[/align]



    التعديل الأخير تم بواسطة د.أبوأسامة ; 30-Jan-2008 الساعة 03:53 PM

    كن كشجر الصنوبر يعطر الفأس الذي يكسره

  8. #8
    كلتاوي ذهبي

    الحاله : أبوعمار غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2007
    رقم العضوية: 46
    الدولة: الإمارات_أبو ظبي
    الهواية: الأبحاث والقراءة
    العمر: 44
    المشاركات: 929
    معدل تقييم المستوى : 116
    Array

    افتراضي رد: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

    الأخ الفاضل الدكتور أبوأسامة
    موضوع تاريخي غاية في الدقة والأهميةوينبغي لكل باحث أن يعكف على دراسة هثل هذه الشخصيات التاريخية الإسلامية بعين الإنصاف وأمير المؤمنين يزيد من الشخصيات التي طالتها يد التحريف والتزوير كماطالت هارون الرشيد الخليفة الورع التقي بل إن الحجاج بين يوسف لم يسلم من ذلك وغيرهم الكثيرون فمتى يكون المسلمون غيورين على تاريخهم
    التعديل الأخير تم بواسطة أبوعمار ; 30-Jan-2008 الساعة 04:45 PM
    [justify]إذا فتحَ لكَ وِجْهةً من التَّعرُّفِ فلا تبالِ معها إن قلَّ عملُكَ فإنه ما فَتَحَها لك إلا وهو يريد أن يتعرَّفَ إليكَ . ألم تعلم أن التَّعَرُّفَ هو مُورِدُهُ عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين ما تُهديه إليه مما هو مُورِدُهُ عليكَ [/justify]

  9. #9
    كلتاوي ذهبي
    الصورة الرمزية يوسف ( أبومحمد)

    الحاله : يوسف ( أبومحمد) غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Oct 2007
    رقم العضوية: 372
    الدولة: العين
    الهواية: باحث في الفكر والفلسفة الإسلامية
    السيرة الذاتيه: طالب علم
    العمل: مدرس
    المشاركات: 927
    معدل تقييم المستوى : 112
    Array

    افتراضي رد: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

    [align=center]قد يتسائل البعض لماذا البحث عن براءة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

    وهو ليس من الصحابة والجواب هو :

    1- أن براءة الشخص المظلوم مطلوبة في التدين فإن كالشهادة على الحق بل هي شهادة على الحق.

    2- إذا قلنا أن يزيد كما يقول المجحفون فاسق فاجر ظالم !!!!! ؟؟؟؟؟ فإننا عند ذلك نتهم سيدنا معاوية

    بالظلم لأنه عين ظالماً فاسقاً على الأمة الإسلامية وحاشاه من ذلك .


    شكرا لك أخي على هذا الموضوع الهام الرائع وشكرا للأخوة المشاركين
    [/align]
    [frame="7 80"]وبيقت وحدي مرة أخـــــــرى وقــد
    طافت على الحرم الشريف جراحي[/frame]

  10. #10
    مشرف
    الصورة الرمزية الخنساء

    الحاله : الخنساء غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2007
    رقم العضوية: 127
    المشاركات: 3,593
    معدل تقييم المستوى : 129
    Array

    افتراضي رد: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

    ردُّ من الدكتور/ عبد الحليم عويس على الدكتور/ يوسف القرضاوي

    عن دار الشروق (بالقاهرة) صدر كتاب (تاريخنا المفترى عليه) للدكتور/ يوسف القرضاوي )ط1/5241هـ ـ 5002م) يتضمن نقداً لبعض آراء الدكتور/عبد الحليم عويس حول ما كتبه عن (الدولة الأموية) ... وهذه الدراسة حوار علمي يتضمن رداً من الدكتور/ عبد الحليم عويس على الدكتور/ القرضاوي ؛ تعاوناً على تجلية تاريخنا ، ووصولاً إلى القسمات الكاملة لصفحة من كتاب (تاريخنا المفترى عليه) .


    بالنسبة ليزيد بن معاوية ـ بخاصة ـ فقد شكـَّك في كثير مما نسب إليه كثيرون ـ منهم ـ إلى جانب ابن خلدون ـ الإمام أبو حامد الغزالي ، وابن الصلاح ، وأبو بكر بن العربي ، وشمس الدين أبي عبد الله محمد بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة 359هـ ، والذي كتب كتابه المعروف (قيد الشريد من أخبار يزيد) [تحقيق الدكتور/ كرم حلمي فرحات / نشر دار عين بالقاهرة ط1/2005] ، يدافع فيه عن يزيد ، ويقدم بعض الحقائق حول ما يريد بعضهم تثبيته حول مسئولية يزيد (الكاملة) عن قتل الإمام الشهيد (الحسين بن علي) وشماتته في قتله ، وعبثه برأسه ، ومسئوليته (الكاملة) عن موقعة (الحرّة) وعدم معالجة الأمور بالقسط ، للوصول إلى نسبة محدّدة في المسئولية ...

    (ذلك أن القول بعدم المسئولية نوع من التدليس لا نقبله ولا نقره) فمسئولية يزيد قائمة لا يمكن المماراة فيها .... لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل ظروف الطرف الآخر ومستوى نصيبه من المسئولية .... لأن هذا هو (القضاء العادل) ، وهو (المنهاج الموضوعي) في التقويم التاريخي والعلمي ...!
    ونقدم هنا ـ باختصار ـ بعض النصوص المتـصّلة بيزيد، التماساً لتخفيف الحكم ـ لا لإلغائه ـ وكذلك تعميقاً لمنهجية (العدل والموضوعية والحيدة) في البحث التاريخي ، بعيداً عن ضغط العواطف والأحكام المطلقة والموروثة ، التي يقف وراء كثير منها أصحاب النزعات الباطنية وأعداء بني أمية من أبناء الدول والثقافات التي هزمها بنو أمية .... قادة الفتوحات الكبرى في تاريخ الإسلام .

    ونبدأ بالنص الأول ، أو بالشهادة الأولى ، وهي لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت 505هـ) فقد سُئل حجة الإسلام عمن يصرح بلعن يزيد بن معاوية ، هل يحكم بفسقه أم لا؟ وهل كان راضياً بقتل الحسين بن علي أم لا؟ وهل يسوغ الترحم عليه أم لا ؟ فلينعم بالجواب مثاباً ، فأجاب : لا يجوز لعن المسلم أصلاً ، ومن لعن مسلماً فهو الملعون ، وقد قال ـ عليه السلام ـ (ليس المسلم بلعان) وكيف يجوز لعن المسلم وقد نهينا عن لعن البهائم ، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة ، بنص حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

    وقد صح إسلام يزيد بن معاوية ، وما صح قتله الحسين ، ولا أمر به ، ولا رضاه بذلك ، ولا كان حاضراً حين قتل ، ولا يصح ذلك منه ، ولا يجوز أن يُظن ذلك به ، فإن إساءة الظن أيضاً بالمسلم حرام.

    وقد قال الله تعالى : " اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ " (الحجرات:21)، وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "إن الله حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه ، وأن يُظن به ظن السوء" متفق عليه .

    ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به فينبغي أن يعلم أن به غاية الحماقة ، فإن من قتل الملوك والأمراء والكبراء بحضرتنا لو أردنا أن نعلم حقيقة الأمر : مَنْ الذي أمر بقتلهم، ومن الذي يرضى به ومن الذي كرهه ، لم نقدر على ذلك ، وإن كان قد قتل في جوارنا وزماننا ونحن نشاهده ، فكيف بمن قتل في بلد بعيد ، وفي زمن بعيد (تهذيب الإحياء 2/25 ، عبد السلام هارون) نقلاً عن : (ابن طولون الصالحي ـ قيد الشريد، ص911ـ 121) وهي شهادة علمية تدلّ علي عقلية أبي حامد الغزالي الفذة!! .

    وفي فتاوى الشيخ (تقيّ الدين بن الصلاح) مسألة : هل يعتقد أن يزيد بن معاوية أمر بقتل الحسين بن عليّ ورضي به طوعاً منه لا كرهاً واختار ذلك؟

    ـ أجاب : لم يصّح عندنا أنه أمر بقتل الحسين ( ، والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله (كرمه الله) هو عبيد الله بن زياد والي العراق إذ ذاك .

    وأما سبّ يزيد ولعنه فليس ذلك من شأن المؤمنين ، وإن صحّ أنه قتله أو أمر بقتله (ابن طولون قيد الشريد ، ص321( .

    قال الحافظ أبو القاسم التيمي الطلحي الأصبهاني في كتابه (الحجة في بيان المحجة) فصل في ذكر يزيد بن معاوية وحاله ، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده وقال:إني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة": وإنّا بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله ، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجل على بيعة الله ورسوله ثم ينصب له القتال ، وإني والله لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفصيل (أي القطيعة) بيني وبينه(قيد الشريد ـ ابن طولون ، ص : 921) .

    وقال عبد الرحمن بن أبي مذعور : حدثني بعض أهل العلم قال : آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية : "اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبّه ، ولم أردْه ، واحكم بيني وبين عبيد الله بن زياد" (ابن طولون ـ قيد الشريد ، ص111) ؟!!

    وهذه النقول ـ وغيرها كثير ـ ما أردتُ منها اتـّخاذ موقف معين ، ولا التعصّب لبعض بني أمية أو لكلهم ، وما أردتُ ـ علم الله ـ تبرير أخطائهم وتحويلها إلى قاعدة ، وما أردتُ تفضيل نظام (الأسرات الإسلامية) على النظام الراشدي ، أو على أيّ نظام إسلامي سياسي يصل إليه (الفقه الإسلامي المعاصر) يأخذ بأكبر قدر من الشورى ، ويعبِّر عن أكبر قدر من أبناء الأمة أو الوطن ، ويكون محكوماً بالإسلام لا بضغوط الفكر الليبرالي الديمقراطي الذي افتضح أمره في التجربة الأمريكية المعاصرة (عصر بوش وحربه العالمية الديمقراطية على الإسلام والمسلمين باسم الديمقراطية ، بينما هو أكبر خائن للديمقراطية في داخل أمريكا وخارجها( ...

    كما أن أهل البيت لهم مكانتهم التي لا يمكن مقارنتها بالأمويين أو غيرهم ، (فحبُّهم دين ونحن نتعبّد لله بالصلاة عليهم) .
    وإنما أردتُ من كل ما سُقْتُه الدفاع عن وجهات النظر الأخرى التي يُراد مصادرتها، وإصدار (صكوك حرمان) بشأنها ، فالبحث التاريخي والإنساني لا يعرف هذا الحرمان ... وصفحات التجديد والرأي فيه موصولة دائماً وباقية ما بقى العقلُ يعمل والتطور يتلاحق .

    وكل ذلك يصبُّ في مصلحة تجربتنا الحضارية الإسلامية في التاريخ ، [وهذا بيت القصيد] حتى تبقى بين الخلف والسلف وشائج الحبّ والتقدير في إطار الاعتراف باحتمالات الخطأ والصواب التي تفرضها الطبيعة البشرية !! ..

    المصدر : جريدة اللواء الأردنية الثلاثاء الموافق 24 تموز 2007 العدد رقم : 1769

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. المسابقة القرآنية ( أسئلة وأجوبة)
    بواسطة أبوأيمن في المنتدى القرآن الكريم وعلومه
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 18-Jan-2008, 12:58 AM
  2. المزارات في المدينة المنورة
    بواسطة د.أبوأسامة في المنتدى الحج وأحكامه
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 12-Nov-2007, 02:28 PM
  3. الإسلام يتحدى
    بواسطة يوسف ( أبومحمد) في المنتدى المكتبة العلمية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 06-Nov-2007, 03:06 PM
  4. مناقب أمير المؤمنين عمر لابن الجوزي
    بواسطة د.أبوأسامة في المنتدى المكتبة العلمية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 23-Oct-2007, 01:21 PM
  5. كتاب البرهان المؤيد للامام الرفاعي
    بواسطة الحنفي1900 في المنتدى المكتبة العلمية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 30-Aug-2007, 07:51 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •