(أمة واحدة) تلك هي الفكرة التي قامت عليها الدول الإسلامية الكبرى التي تعاقبت علينا, من دولة الراشدين ولغاية الدولة العثمانية. كانت جنسية الفرد دينه, دون النظر لقوميته, فلا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى, استأثر العرب لأنفسهم بالخلافة والسلطة في العهد الأموي والعباسي الأول كونهم هم من حملوا لواء الدعوة الإسلامية ونشروها, وعلى أنقاض الدولة العباسية قامت دول أخرى لم يكن حكمها للعرب, ولم يكن ذلك ليثير أي استفسار أو تساؤل, طالما كان الحاكم من الأمة الإسلامية الواحدة ويعمل بدين الله, فطاعته واجب عند أفراد الشعب العرب وغيرهم مهما كانت تسميته – سلطان, خليفة أو أمير المؤمنين -...الخ

في دولة إسلامية تمتد لمساحات شاسعة تحوي في جنباتها مختلف الأعراق والأجناس يكون الدين هو الرابط الأوحد بين أفراد الشعب, وعندما يتدهور وضع السلطنة ويخرج حكامها عن دين الله تخرج إحدى فئات هذه الأمة لتشكل حكماً جديداً بغية المحافظة على تطبيق شرع الله وإنقاذ الشعب من أهوال الدولة الزائلة, كما يعلنون دائماً.

نور الدين الشهيد, صلاح الدين الأيوبي, والسلطان الظاهر بيبرس, رموز احتلت مساحة واسعة من الذاكرة الشعبية ومن الإرث التاريخي للأمة العربية والإسلامية, تفخر بهم وبأعمالهم دون النظر لعرقهم أو قوميتهم, أكانوا عرباً أم لا.

جاءت الدولة العثمانية بنفس أسلوب وطريقة الدول التي سبقتها, يقولون السلطان سليم الفاتح خليفة المسلمين, فاتح البلاد ومخلصها من فساد المماليك في أخر أيامهم.

استمرت الدولة العثمانية ي مسيرتها التي تخللها الكثير من الفتوحات الإسلامية في أوروبا الوسطى, وعملت جاهدة على تطوير النظام الإداري للدولة الشاسعة المساحة, إلى أن جاء عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي قاوم بكل قوته مشاريع الصهيونية العالمية لإنشاء دولة قومية لليهود في فلسطين.

رغم العروض المالية المغرية التي قدمت له, ورغم الوضع الاقتصادي الصعب الذي كانت تمر به الدولة العثمانية آنذاك, رفض السلطان عبد الحميد عرض الصهيوني هرتزل بالتنازل عن فلسطين, وكانت جملته الشهيرة:

إن عمل المبضع في جسدي أهون علي من أن أرى فلسطين بترت من الدولة.

كان السلطان يعلم أنه إذا ما قسمت الدولة فإن فلسطين ستذهب مجاناً لليهود, وهذا ما كان.

عام 1908م بدأ تنفيذ الخطة الصهيونية عندما قام يهود الدونمة الذين سموا أنفسهم بالاتحاديين بالإطاحة بالسلطان عبد الحميد ليتسلموا الحكم بأنفسهم, ولينقلب الحكم العثماني الإسلامي إلى حكم ظالم مستبد أشبه بالاحتلال, ميز خلاله الحكام الجدد بين العرب والأتراك, واعتبروا العربي مواطناً من الدرجة الثانية, وشددوا في سياسة التتريك مما دفع بالقياديين العرب لتأسيس أحزاب وتجمعات تسعى لإعادة الحقوق للعرب ومساواتهم بالأتراك وإعادة الوضع كما كان عليه قبل عام 1908م, وعندما لم يجدوا لمطالبهم إجابة, ناضلوا وسعوا لانفصال العرب عن الأتراك وتأسيس دولة مستقلة بهم.

وهنا بدأت المرحلة الثانية من الخطة الصهيونية لتقسيم الدولة, فكانت اتفاقية سان ريمو ووعد بلفور, وكان القائمون على قيادة وتسيير الثورة العربية الكبرى يمهدون طريق التقسيم كما أرادته بريطانيا وحلفاؤها, وكانت مكافئاتهم دولة عربية ملكية لمدة سنتين ثم قذفوهم للبحر, ليحل محلهم احتلال غربي حسب الاتفاق المسبق بين بريطانيا وفرنسا.

كنا دولة واحدة فأصبحنا اثنتين وعشرين دولة, وضاعت فلسطين وتفرق شمل العرب, وأصبحت بلادهم عرضة لجيوش المحتلين من كل حدب وصوب.

وأقنعونا أن العثمانيين كانوا احتلالا واقتنعنا معهم وأصبحنا نرددها.

فلو كان مقياس المحتل آن ذاك قوميته, لكان الأجدر بنا أن نسمي الأيوبيين والمماليك بالمحتلين...! , لكن المقياس كان حتى عام 1908م الدين وليس العرق والقومية التي برزت لدينا عندا قام الاتحاديون باءبراز قوميتهم.

فلنذكر إذاً أن العنصر الحاكم في الولايات العربية كان قبل عام 1908م في معظمهم من العرب لأنهم يشكلون الأغلبية العددية, ولنذكر أيضاً أن السلطان عبد الحميد الثاني ما كانت لتشوه صورته لولا مواقفه المعادية للصهيونية العالمية.

ولا ننسى أن الكثير من الإنجازات المعمارية والاجتماعية والخدمية تدين بها دمشق للولاة العثمانيين الذين تعاقبوا عليها قبل انقلاب الاتحاديين المشؤوم.

واذكروا أن شهداء القومية العربية في أيار كانوا قبل الانقلاب الاتحادي من كبار مسؤولي الدولة وضباط الجيش العثماني, لكن تغيير الوضع السياسي للعرب في عهد الاتحاديين دفعهم للنضال في سبيل استعادة حقوق بني قومهم وسعيهم لتأسيس دولة عربية مستقلة.

ربما علينا أن نعيد قراءة تاريخ الدولة العثمانية وبالأخص عهد السلطان عبد الحميد الثاني والفترة التي تلته من عام 1908م ولغاية عام 1918م عند سقوط الدولة العثمانية الاتحادية وما أعقب ذلك ,لان هذه المرحلة تركت أثاراً عديدة ما زالت ماثلة ليومنا هذا , ولأن لا يأتي مستقبلا من يعلمنا من جديد من هو المحتل ومن هو الصديق , وكما أقنعونا بأن العثمانيين كانوا احتلالا ,أخشى أن يأتي يوم ماً يقنعوننا فيه بأن الصهيونيين في فلسطين الآن ليسوا بالاحتلال .

كاتب الموضوع
سامي الشمعة