النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: هارون الرشيد ..دُرَّة الخلافة العباسية

  1. #1
    كلتاوي فضي

    الحاله : Omarofarabia غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    رقم العضوية: 448
    المشاركات: 706
    معدل تقييم المستوى : 102
    Array

    افتراضي هارون الرشيد ..دُرَّة الخلافة العباسية

    هارون الرشيد ..

    دُرَّة الخلافة العباسية


    هارون الرشيد هو الخليفة العباسي الخامس ، وهو أشهرهم وأعظمهم ، حكم دولة امتدت أراضيها من حدود الصين شرقاً إلى المحيط الأطلنطي غرباً ، وكان لها من المهابة والسطوة في نفوس أعدائها حظ كبير ، وازدهرت فيها الحياة في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والعمرانية بحيث أصبحت قِبلة العالم المتمدن آنذاك ، وبذلك تبوأ هارون الرشيد بين حكام عصره والعصور التي تلته منزلة سامية رفيعة ، ومع ذلك تناولته ألسنة السوء بتشويه صورته والتزوير في مجريات حياته ليطمسوا معالمها المضيئة .

    وسنطوف في هذا المقال مع هذه الشخصية العظيمة ، نستجلي أخبارها من خلال المصادر التاريخية الموثوقة ، ونلقي الأضواء على الجوانب الرئيسية البارزة في حياتها ، لنخرج في النهاية بالرأي المنصف العادل الذي يضع الأمور في مكانها الصحيح .

    اسمه ونسبه :

    هو هارون بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، كنيته ( أبو جعفر ) ولقبه ( الرشيد ) .

    وُلد بالرَّي سنة ( 150 ) هجرية لما كان أبوه أميراً عليها وعلى خراسان ، وتولى الخلافة بعد وفاة أخيه موسى الهادي سنة ( 170 ) هجرية .

    والدته ( الخيزران ) وهي يمنية الأصل متفقهة ، أخذت الفقه عن الإمام الأوزاعي ، وكانت جارية للخليفة المهدي العباسي ، فأعتقها وتزوجها وأنجبت له ابنيه موسى الهادي وهارون الرشيد ، وصفها ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة فقال وكانت عاقلة لبيبة ديِّنة ، كانت تنفق دخلها كله في الصدقات وأبواب الخير .)

    توفيت ببغداد سنة ( 173 ) هجرية , فمشى الرشيد في جنازتها وعليه طيلسان أزرق ، وقد شدَّ وسطه بحزام ، وأخذ بقائمة التابوت حافياً يخبُّ في الطين ،

    رُوي من طريق الخيزران عن زوجها المهدي عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مَن اتقى اللهَ وقاه كل شيء )

    حياته العائلية :

    تزوج الرشيد من زبيدة بنت جعفر بن المنصور سنة ( 165 ) هجرية في عهد أبيه الخليفة المهدي ، وكانت سيدة جليلة ذات يدٍ طولى في الحضارة والعمران والعطف على الأدباء و الشعراء والأطباء ، وكانت عاقلة فصيحة بليغة تحب قراءة القرآن الكريم كثيراً ، وكانت كريمة شملت بعطفها الفقراء وأرباب التقوى والصلاح والعلماء ، ومن آثارها الجليلة التي انتفع بها المسلمون أنها سقت أهل مكة الماء بعد أن كان يُشترى بالمال ، ولها مشاريع عديدة لخدمة الحجاج بقيت آثارها قروناً ، وقد أنجبت ابنه محمداً الأمين .

    وفاته :

    سار الرشيد إلى خراسان سنة ( 193 ) هجرية وفي طريقه مرَّ بطوس فأصابه المرض فيها ويُقال إنه السل واشتدَّ عليه فوافاه الأجل بسببه وكان عمره خمساً وأربعين سنة ، ودامت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة ، ومما قاله عندما حضره الموت اللهم انفعنا بالإحسان ، واغفر لنا الإساءة ، يا مَن لا يموت ارحم مَن يموت ) .

    ملامح من شخصيته :

    إن رجلاً بمنزلة الرشيد حكم دولة مترامية الأطراف ، بلغت في خلافته قمة سامقة في المجد والمهابة لابد وأن يكون قد أوتي شخصية متميزة مكنته من تحقيق تلك الإنجازات العظيمة .

    ـ وأول ما تتميَّز به شخصية الرشيد إيمانه العميق بالله تعالى وخوفه الشديد من حساب اليوم الآخر ، وكم من حادثة رُويت عنه تدل على خشيته من الله عز وجل ورهبته من الوقوف للحساب بين يديه حتى إنه يأخذه البكاء في كثير من الأحيان ، فقد روي أن ابن السماك الواعظ قال للرشيد يوماً : إنك تموت وحدك ، وتدخل القبر وحدك ، وتُبعث وحدك ، فاحذر المقام بين يدي الله عز وجل والوقوف بين الجنة والنار ، حين يُؤخذ بالكظم ، وتزل القدم ، ويقع الندم ، فلا توبة تُقبل ، ولا عثرة تُقال ، ولا يُقبل فداء بمال ) فجعل الرشيد يبكي حتى علا صوته.

    ــ وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس الرشيد تعظيم بالغ ، فقد حجَّ الرشيد ماشياً في سنة من السنين ، وكان سبب حجه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له : يا هارون إن هذا الأمر صائر إليك ، فحُجَّ ماشياً واغزُ ، ووسع على أهل الحرمين ) فأنفق فيهم الرشيد أموالاً عظيمة ، ولم يحجَّ خليفة قبله ولا بعده ماشياً رحمه الله تعالى .

    ــ وكان الرشيد ذا عقل راجح كبير وثقافة عربية واسعة ، يحب الأدب واللغة وله تذوق رائع للشعر وقد ينظمه ، ولا عجب في ذلك فقد نشأ وجِلَّة من العلماء يوجهونه ويعلمونه ، فقد علمه الأدبَ المفضَّلُ الضبي ، وقرأ القرآن الكريم على حمزة الزيات أربع مرات ، واختار لنفسه قراءة صارت إحدى القراءات السبع ، وعلمه الكسائي النحو والعربية وأيام الناس والفقه ، وخرج إلى مجلس الخليل بن أحمد الفراهيدي في البصرة ، وملأه الأصمعي طُرفاً من طرائف العرب الأدبية .

    قال الأصمعي : دخل العباس بن الأحنف على هارون الرشيد فقال له الرشيد : أنشد لي أرقَّ بيت قالته العرب ، فقال قد أكثر الناس في بيت جميل حيث يقول :

    ألا ليتـني أعمى أصم تقودني بثينة لا يخفى عليَّ كلامها

    قال هارون أنت والله أرقُّ منه حيث تقول :

    طاف الهوى في عباد الله كلهم حتى إذا مرَّ بي من بينهم وقفا

    قال العباس : أنت والله يا أمير المؤمنين أرقُّ قولاً مني ومنه حيث تقول :

    أمـَا يـرضيك ِ أنَّـك ِ تملكيني وأنَّ الناس كلـَّهمُ عـبيـدي

    وأنكِ لو قطعت يدي ورجلي لقلت من الهوى أحسنتِ زيدي

    فأعجب بقوله وضحك .

    ويُروى أن الرشيد مرَّ بالمفضل الضبي والمأمون عن يمينه ومحمد الأمين عن يساره ، قال المفضل : فسلمت فأومأ إليَّ بالجلوس فجلست ، فقال لي : يا مفضل ، قلت لبيك يا أمير المؤمنين ، قال كم من الأسماء في قوله تعالى ( فسيكفيكهم ) الله ؟

    فقلت ثلاثة أسماء يا أمير المؤمنين ، قال وما هي ؟ قلت : الياء لله عز وجل , والكاف الثانية لرسول الله صلى الله عليه وسلم , والهاء والميم للكفار ، قال : صدقت ، كذا أفادنا هذا الشيخ ـ يعني الكسائي ـ ثم التفت إلى الأمين فقال له : فهمت قال نعم ، قال : أعد المسألة فأعادها كما قال المفضل .

    وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله : ما أعلم أن لملك رحلة في طلب العلم إلا الرشيد ، فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله .

    ـ وكان الرشيد كريماً معطاءً وقد قالوا عنه في ذلك : كان الرشيد يقتفي أخلاق المنصور ويعمل بها ، إلا في العطايا والجوائز ، فإنه كان أسنى الناس عطيةً ابتداءً وسؤالاً .

    ـ وكان الرشيد حكيماً حازماً في تصريف شؤون رعيته ودولته ، يختار ولاته ويتتبع أخبارهم ، ولا يولي إلا الكفء الأمين منهم ، وكان عادلاً ينتصف للمظلوم ويقف إلى جانب الضعيف ويحاسب المقصر .

    قال قاضي الموصل علي بن مسهر : لما ولاَّني هارون الرشيد قضاء الموصل دخلت عليه فقال لي : يا علي إذا أتاك شاهد زور ما تعمل به ؟ قال قلت : فيه اختلاف يا أمير المؤمنين ، في قول يُقال لأهل الحي هذا شاهد زور فا عرفوه ، وفي قول عمر بن الخطاب أن يُضرب ويُسوَّد وجهه ويُطاف به ، فقال الرشيد : يا علي خذ بقول عمر بن الخطاب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل ضرب الحق على لسان عمر ) .

    وأحضر الرشيد رجلاً ليوليَه القضاء فقال له : إني لا أحسن القضاء ، ولا أنا فقيه ، قال الرشيد : فيك ثلاث خلال : لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة ، ولك حِلم يمنعك من العجلة ، ومَن لم يعجل قلَّ خطؤه ، وأنت رجل تشاور في أمرك ومَن شاور كثر صوابه ، وأما الفقه فسينضم إليك مَن تتفقه به ، فوليَ فما وجدوا فيه مطعناً .

    الرشيد مجاهداً :

    شبَّ الرشيد على حب الجهاد والدفاع عن أرض الإسلام والمسلمين ، فقد ولاَّه أبوه غزو الروم في القسطنطينية ، وبعد استلامه الخلافة تابع مسيرة الجهاد دون كلل أو ملل حتى إنه كان يخرج للجهاد بنفسه إن لم يكن حاجاً إلى بيت الله الحرام ، ومن هنا وصفوه بأنه كان يحجُّ عاماً ويغزو عاماً ، يقول أبو معاوية الضرير : حدثت هارون الرشيد بهذا الحديث ، يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ، ثم أقتل ) , فبكى الرشيد حتى انتحب , ثم قال: يا أبا معاوية ، ترى لي أن أغزو ؟ قلت : يا أمير المؤمنين مكانك في الإسلام أكبر ، ومقامك أعظم ، ولكن ترسل الجيوش ) , ولذلك كانت عنايته بجيوشه عناية ظاهرة بالغة ، فقد أقام (ديوان العرض) ملحقاً بديوان الحرب ومن وظائفه استعراض الجند ، ومعرفة كفاءاتهم ، من قِبَل مشرفين متخصصين وألف بعضهم كراسات في الهندسة الحربية ، كالتعبئة وطرق الاستيلاء على الحصون ، وتشييد القلاع ، وفي الفروسية والحصار .

    غزا الرشيد بنفسه بلاد الروم ففتح هرقلة ، وأخذ الجزية من ملك الروم ، وفي سنة ( 187 ) هجرية نقض صاحب الروم نقفور الصلح الذي كان بين المسلمين وبين الإمبراطورة إيريني بعد أن خلعها الروم وملَّكوه ، وكتب نقفور الذي استبدَّ به الغرور إلى الرشيد فقال ( من نقفور ملك الروم ، إلى هارون ملك العرب أما بعد : فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرُّخ ( وهو أداة من أدوات لعبة الشطرنج ) , وأقامت نفسها مقام البيدق ( وهو أداة أخرى من أدوات الشطرنج وهو في هذه اللعبة أضعف من الرُّخ) , فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثالها إليها لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن ، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قِبَلَك من أموالها ، وافتدِ نفسك بما يقع به المصادرة لك ، وإلا فالسيف بيننا وبينك ) فلما قرأ الرشيد الكتاب ، استفزَّه الغضب حتى لم يمكن لأحد أن ينظر إليه ، ودعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب ( بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم ، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة , والجواب ما تراه لا ما تسمعه ، والسلام ) , ومن فوره جهز جيشه وانطلق به إلى أرض الروم حتى دخل هرقلة وفتحها وغنم منها وحتى اضُّطر نقفور للموادعة على خراج وجزية يؤديها كل سنة فأجابه الرشيد إلى ذلك ، ولما عاد الرشيد إلى بغداد نقض نقفور العهد والميثاق ، وحين علم الرشيد بذلك كرَّ راجعاً مع أن الوقت كان في الشتاء القارص البارد ودخل هرقلة مرة أخرى وأذلَّ نقفور وجنده وعاد بما أراد .

    بعض العوامل التي كوَّنت شخصية الرشيد :

    لا شك أن ما أنجزه الرشيد في مدة خلافته يعود في كثير من أسبابه إلى خصائص الشخصية التي تمتع بها ، وإلى عوامل تكوينها ، ولذا كان من المهم في هذه الدراسة أن نطلع على بعض تلك العوامل التي ساعدت في تكوين شخصية الرشيد .

    فإلى جانب الخصائص الذاتية التي امتازت بها شخصية الرشيد من ذكاء حاد وعقل راجح وجرأة وإقدام ، كانت هناك ثلة من الرجال الأفاضل أحاطت بالرشيد , وكان لها تأثير واضح فيما يُقدم عليه من أعمال وما يتخذه من قرارات ، من هؤلاء :

    ـ أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة ، وهو فقيه راسخ كان قاضي القضاة عند الرشيد ، وكلفه بوضع كتاب ينظم عملية جمع الخراج في الدولة الإسلامية ، وتستمد منهجها وضوابطها من الشريعة الإسلامية الغراء ، ويعتبر من أوائل الكتب التي بحثت في الاقتصاد الإسلامي ، كان أبو يوسف يؤم الرشيد ويحج معه على بعير واحد .

    ـ ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة الثاني ، وقاضي القضاة بعد أبي يوسف قال فيه الشافعي ( ما رأيت سميناً أخف روحاً من محمد بن الحسن ، وما رأيت أفصح منه ، كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته ) .

    ـ والفضيل بن عياض العالم الزاهد والورع الناصح المخلص ، الذي كانت كلماته ومواعظه تنزل قلب الرشيد في المنزلة البالغة المؤثرة فلا يملك الرشيد نفسه من البكاء والخشوع ، ولذلك كان الرشيد يقول لوزيره الفضل بن الربيع إذا سمع مواعظ الفضيل إذا دللتني على رجلٍ فدلني على مثل هذا ، هذا سيِّد المسلمين اليوم ) .

    ـ والإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة صاحب المذهب ، وكان أستاذاً للرشيد يعلمه الفقه والحديث منذ كان الرشيد شاباً يافعاً ، فقد أرسله والده الخليفة المهدي إليه مع أخيه موسى الهادي ليطلبا العلم عنده ، فكان للإمام مالك في نفس الرشيد مكانة الأستاذ الجليل حتى بعد أن استلم الخلافة ، فكان يزوره في المدينة المنورة ويجلس بين يديه كما يجلس الطالب بين يدي أستاذه .

    ـ والإمام الشافعي أحد الأئمة الفقهاء من أصحاب المذاهب الفقهية المتبوعة ، عرفه الرشيد من خلال فتنة الطالبيين والتي اتهم أنه واحد من أركانها ، فلما سمع الرشيد دفاعه عن نفسه وعرف قدره في العلم والفقه بشهادة قاضي قضاته محمد بن الحسن أجلَّه وأحبه ، وقال له بعد عدة لقاءات بينهما ( كثَّر الله في أهل بيتي مثلك ) .

    ـ وعبد الله بن المبارك الفقيه الأديب والمجاهد العابد الزاهد ، الذي قال عنه الرشيد حين أتاه خبر وفاته ( مات سيد العلماء ) ثم جلس للعزاء وأمر الأعيان أن يعزوه فيه .

    هؤلاء الرجال المخلصون والعلماء العاملون هم الذين كان لهم دور كبير في توجيه خطوات الرشيد ، وكانوا من العوامل الرئيسية التي صاغت شخصية الرشيد الخليفة العباسي العادل القوي الذي بسط نفوذ دولته على أراضٍ شاسعة شرقاً وغرباً ، فعاش الناس في أرجائها ينعمون بالأمن والحياة الرغيدة في ظل مجتمع مزدهر في كافة المجالات .

    طعن حاقد ودسٌّ مشبوه :

    ومع ذلك حاولت بعض الأقلام الحاقدة المشبوهة من مستشرقين وشعوبيين أن تشوه صورة هذا الرجل العظيم ، وأن تدنس تاريخه المشرف ، فإذا هي صورة رجل يعيش لشهواته وملذاته فمجالسه مجالس شراب وغناء وراقصات ، كما يبدو ذلك في روايات ساقطة رخيصة هي في الأصل روايات وأساطير هندية وفارسية ألصقت زوراً وبهتاناً بشخصية الرشيد كقصص ألف ليلة وليلة وروايات جرجي زيدان وبعض الروايات الكنسية الأوروبية التي دفعها الحقد الموروث من أيام نقفور ملك الروم المهزوم ، وإذا هي أيضاً صورة حاكم مستبد ظالم يبطش بكل مناوئ لحكمه دون الرجوع إلى أدلة شرعية مقنعة تجيز الجزاء والعقوبة ، كما يظهر ذلك في كتابات بعض المؤرخين قديماً وحديثاً حينما يتحدثون عن قضية الطالبيين الذين حاولوا الثورة على الرشيد دون وجه حق ، وقضية البرامكة الذين حاولوا إنشاء دولة داخل دولته والتمكين للعناصر الفارسية التي تجعل الخلافة رهناً للشعوبية الحاقدة .

    لقد وجهوا سهام الطعن والتشويه إلى هارون الرشيد لأنه كان يمثل قمة سامقة للحضارة الإسلامية الزاهية التي نشرت العدل والأمن والكفاية بل والغنى للأمم والشعوب التي كانت تنضوي تحت رايتها ، ولأن دولة الإسلام قد ظهرت في خلافته متقدمة قوية في كل نواحي الحياة اقتصاداً وعمراناً وحضارة فقد كانت أقوى دولة في العالم حينئذٍ ، فالطعن في شخصية الرشيد طعن في الإسلام ذاته وفي حضارته ، ولكن سيبقى الرشيد في وعينا نحن المسلمين الحاكم العادل والرجل المؤمن القوي المقدام الذي يستمد قوته ونصره من الله العلي القدير الذي كان الرشيد يحسب له ألف حساب ، ولنستمع إليه ماذا يقول كما يروي إبراهيم بن عبد الله الخراساني قال : حججت مع أبي سنة حجَّ الرشيد , فإذا نحن بالرشيد وهو واقف حاسرٌ حافٍ على الحصباء وقد رفع يديه وهو يرتعد ويبكي ويقول : ( يا رب أنت أنت .. وأنا أنا ، أنا العوَّاد إلى الذنب ، وأنت العوَّاد إلى المغفرة اغفر لي ) .

    .................................................. ...........................

    إعداد: أسرة الموقع
    http://www.sadazaid.com/index.php?in...single&ide=381

  2. #2
    كلتاوي ذهبي
    الصورة الرمزية يوسف ( أبومحمد)

    الحاله : يوسف ( أبومحمد) غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Oct 2007
    رقم العضوية: 372
    الدولة: العين
    الهواية: باحث في الفكر والفلسفة الإسلامية
    السيرة الذاتيه: طالب علم
    العمل: مدرس
    المشاركات: 927
    معدل تقييم المستوى : 103
    Array

    افتراضي رد: هارون الرشيد ..دُرَّة الخلافة العباسية

    بارك الله فيك أخي الفاضل عمر على هذه الترجمة الجميلة للخليفة العباسي هارون الرشيد رحمه الله

    وإن من أفضل ما كتب في هذا الموضوع كتاب الدكتور شوقي أبو خليل حفظه الله ورعاه .
    [frame="7 80"]وبيقت وحدي مرة أخـــــــرى وقــد
    طافت على الحرم الشريف جراحي[/frame]

  3. #3
    كلتاوي الماسي
    الصورة الرمزية فياض العبسو

    الحاله : فياض العبسو غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2007
    رقم العضوية: 119
    الدولة: حلب
    الهواية: دينية أدبية تاريخية
    السيرة الذاتيه: طالب علم
    العمل: مدرس
    المشاركات: 2,900
    معدل تقييم المستوى : 116
    Array

    افتراضي رد: هارون الرشيد ..دُرَّة الخلافة العباسية

    رحم الله الخليفة العالم الأديب هارون الرشيد ...
    الذي كان يصلي كل ليلة مئة ركعة نفلا ...
    ويتصدق كل يوم بألف درهم من حر ماله ...
    يحج عاما ويغزو عاما ، وفي العام الذي يحج فيه يصطحب معه مئة رجل يحجون على نفقته ...
    وفي العام الذي يذهب فيه للغزو والجهاد ... يرسل ثلاثمئة رجل يحجون على نفقته ...
    وكان مجلسه مجلس علم وأدب وشعر ...
    وكان كريما وحليما وغيورا على الدين وأعراض المسلمين ...
    ولذلك وجهت له السهام ... لأن السهام دائما توجه إلى الأعلام لا الأقزام ...
    ولكن فما بال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ...
    وهناك كتاب بعنوان: هارون الرشيد الخليفة المظلوم ... للأستاذين: أحمد قطان ومحمد الزين ...
    وكتاب لمؤلف مصري عنوان: هارون الرشيد الخليفة المفترى عليه ...
    بالإضافة إلى كتاب الدكتور شوقي أبو خليل حفظه الله :
    هارون الرشيد أجل ملوك الأرض وسيد خلفاء بني العباس ...
    أما كتاب أحمد أمين عن هارون الرشيد ،
    وكتب جرجي زيدان ورواياته عن التاريخ والرشيد ...
    ففيها السم الزعاف ...
    وقد أجاد الدكتور المؤرخ شوقي أبو خليل في الرد على جرجي زيدان في كتابه :
    جرجي زيدان في الميزان ...
    وشكرا للعاملين المخلصين لهذا الدين ...
    وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ...
    [align=center][/align]

  4. #4
    المشرف العام
    الصورة الرمزية أبوأيمن

    الحاله : أبوأيمن غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Apr 2007
    رقم العضوية: 3
    الدولة: أبوظبي
    الهواية: القراءة والتصفح
    العمر: 41
    المشاركات: 5,392
    معدل تقييم المستوى : 10
    Array

    افتراضي رد: هارون الرشيد ..دُرَّة الخلافة العباسية

    طبعاً أنا أشكرك أخي على نقل هذه الترجمة لعظيم من عظماء الإسلام ولكن ما أثار انتبهاهي هو أن الموقع المذكور لم يذكر أي مرجع اعتمد عليه في هذه الترجمة وهذا نقص في مثل هذه التراجم وشكراً

  5. #5
    كلتاوي فضي

    الحاله : Omarofarabia غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    رقم العضوية: 448
    المشاركات: 706
    معدل تقييم المستوى : 102
    Array

    افتراضي رد: هارون الرشيد ..دُرَّة الخلافة العباسية

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    سلمت أناملك أخي الفاضل على هذا النقل الجميل والمختصر لسيرة أمير المؤمنين هارون الرشيد -رضي الله عنه-, وجزاك الله خير الجزاء في نشرك لهذا الموضوع الذي يذب عن أبناء آل بيت حبيبنا رسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.


    وكم حاول أعداء الإسلام التعرض لسيرة هذا الإمام الجليل بالقال والقيل ,محاولة بائسة منهم للقدح في مسيرة أمتنا الإسلامية ,و من كانوا سببا في رفعتها وسؤددها لقرون مديدة.

    ولعلي أدلي بدلوي زيادة على ماتفضلتم بنقله عن سيرة أمير المؤمنين هارون الرشيد مستشهدا بماذكره الإمام الحافظ السيوطي -رضي الله عنه- في كتابه المسمى تاريخ الخلفاء ولنقرأ رأي الحافظ السيوطي -رحمه الله- في سيرة أمير المؤمنين هارون الرشيد,قال رحمه الله:




    الرشيد هارون أبو جعفر بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس استخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادي ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة قال الصولي: هذه الليلة ولد له فيها عبد الله المأمون ولم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر حدث عن أبيه وعن جده ومبارك بن فضالة وروى عنه ابنه المأمون وغيره وكان من أمير الخلفاء واجل ملوك الدنيا وكان كثير الغزو والحج كما قال فيه أبو المعالي الكلابي:





    فمن يطلب لقاءك أو يـردهفبالحرمين أو أقصى الثغور
    ففي أرض العدو على طمروفي ارض الترفه فوق كور



    مولده بالري حين كان أبوه أميراً عليها وعلى خراسان في سنة ثمان وأربعين ومائة وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهى أم الهادي وفيها يقول مروان ابن أبي حفصة : يا خيزران هناك ثم هنـاك أمسى يسوس العالمين ابناك
    وكان أبيض طويلاً جميلا مليحاً فصيحاً له نظر في العلم والأدب.
    وكان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم.


    وكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام ويبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص.
    وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه سيما إذا وعظ وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجزيلة وله شعر.
    دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ باحترامه فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك ثم وعظه فأبكاه.

    وكان يأتي بنفسه إلى بيت الفضيل بن عياض.
    قال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة فمر هارون فقال فضيل: الناس يكرهون هذا وما في الأرض أعز علي منه لو مات لرأيت أموراً عظاماً.
    قال أبو معاوية الضرير: ما ذكرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي وحدثه بحديثه صلى الله عليه وآله وسلم "ووددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحي فأقتل" فبكى حتى انتحب.


    وحدثته يوماً حديثاً احتج آدم وموسى وعنده رجل من وجوه قريش فقال القرشي: فأين لقيه فغضب الرشيد وقال النطع والسيف زنديق يطعن في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
    قال أبو معاوية: فما زلت اسكنه وأقول يا أمير المؤمنين كانت منه نادرة حتى سكن.
    وعن أبي معاوية أيضاً قال أكلت مع الرشيد يوماً ثم صب على يدي رجل لا أعرفه ثم قال الرشيد تدري من يصب عليك قلت لا قال أنا إجلالا للعلم وقال منصور بن عمار: ما رأيت اغزر دمعاً عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر.


    وقال عبيد الله القواريري: لما لقي الرشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه أنت المسؤول عن هذه الأمة حدثنا ليث عن مجاهد ((وتقطعت بهم الأسباب)) "البقرة: 166" قال الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا فجعل هارون يبكي ويشهق.
    ومن محاسنه انه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء وأمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك.


    قال نفطويه: كان الرشيد يقتفي آثار جده أبي جعفر إلا في الحرص فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه أعطى مرة سفيان بن عيينة مائة ألف وأجاز إسحاق الموصلي مرة بمائتي ألف وأجاز مروان بن أبي حفصة مرة على قصيدة خمسة آلاف دينار وخلعة وفرساً من مراكبه وعشرة من رقيق الروم.
    وقال الأصمعي قال لي الرشيد: يا أصمعي ما أغفلك عنا وأجفاك لنا قلت: يا أمير المؤمنين ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك فسكت فلما تفرق الناس قال ما لاقتني قلت: كفاك كف ما تـلـيق درهـمـاً جوداً وأخرى تعطي بالسيف الدما


    فقال: أحسنت وهكذا فكن وقرنا في الملا وعلمنا في الخلا وأمر لي بخمسة آلاف دينار وفي مروج المسعودي قال رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي الفرما فقال له يحيى بن خالد البرمكي كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز فتركه.


    __________________

    عضو الأمانة العامة للسادة العباسيين

  6. #6
    كلتاوي فضي

    الحاله : Omarofarabia غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    رقم العضوية: 448
    المشاركات: 706
    معدل تقييم المستوى : 102
    Array

    افتراضي رد: هارون الرشيد ..دُرَّة الخلافة العباسية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    هارون الرشيد



    الخليفة المفترى عليه


    هو أكثر من تعرض تاريخه للتشويه والتزوير من خلفاء الإسلام، مع أنه من أكثر خلفاء الدولة العباسية جهادا وغزوا واهتماما بالعلم والعلماء، و بالرغم من هذا أشاعوا عنه الأكاذيب وأنه لاهم له سوى الجواري والخمر والسكر، ونسجوا في ذلك القصص الخرافية ومن هنا كان إنصاف هذا الخليفة واجب على كل مؤرخ مسلم.
    ومن المؤرخين الذين أنصفوا الرشيد أحمد بن خلكان الذي قال عنه في كتابه وفيات الأعيان: "كان من أنبل الخلفاء وأحشم الملوك ذا حج وجهاد وغزو وشجاعة ورأي"
    وكتب التاريخ مليئة بمواقف رائعة للرشيد في نصرة الحق وحب النصيحة وتقريب العلماء لا ينكرها إلا جاحد أو مزور، ويكفيه أنه عرف بالخليفة الذي يحج عاما ويغزو عاما.




    نسبه ومولده

    هو أبو جعفر هارون بن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي، كان مولده بالري حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خرا سان في سنة ثمان وأربعين ومائة وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهى أم الهادي وفيها يقول مروان ابن أبى حفصة:
    يا خيزران هناك ثم هناك *** أمسى يسوس العالمين ابناك
    أغزاه أبوه بلاد الروم وهو حدث في خلافته.




    توليه الخلافة


    ولي الخلافة بعهد معقود له بعد الهادي من أبيهما المهدي في ليلة السبت السادس عشر من ربيع الأول سنة سبعين ومائة بعد الهادي، قال الصولي: هذه الليلة ولد له فيها عبد الله المأمون ولم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر.

    وكان ذا فصاحة وعلم وبصر بأعباء الخلافة وله نظر جيد في الأدب والفقه، قيل إنه كان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم.. قال الثعالبي في اللطائف قال الصولي خلَّف الرشيد مائة ألف ألف دينار.

    وكان يحب المديح ويجيز الشعراء ويقول الشعر، أسند عن معاوية بن صالح عن أبيه قال أول شعر قاله الرشيد أنه حج سنة ولى الخلافة فدخل دارا فإذا في صدر بيت منها بيت شعر قد كتب على حائط:

    ألا أمير المؤمنين أما ترى *** فديتك هجران الحبيب كبيرا

    فدعا بدواة وكتب تحته بخطه:

    بلى والهدايا المشعرات وما *** مشى بمكة مرفوع الأظل حسيرا.

    ولداود بن رزين الواسطى فيه:

    بهارون لاح النور في كل بلدة *** وقام به في عدل سيـرته النهـج

    إمـام بـذات الله أصبح شغله *** فأكثر ما يعنى بـه الغزو والحـج

    تضيق عيون الخلق عن نور وجهه *** إذا ما بدا للناس منظره البلج

    تفسحت الآمال في جود كفه *** فأعطى الذي يرجوه فوق الذي يرجو

    وكان يقتفي آثار جده إلا في الحرص.

    وقال محمد بن على الخرساني الرشيد أول خليفة لعب بالصوالجة والكرة ورمى النشاب في البرجاس و أول خليفة لعب بالشطرنج من بنى العباس.
    قال الجاحظ اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره وزراؤه البرامكة وقاضيه القاضي أبو يوسف وشاعره مروان بن أبي حفصة ونديمه العباس بن محمد عم والده وحاجبه الفضل بن الربيع أتيه الناس ومغنيه إبراهيم الموصلي وزوجته زبيدة.

    حبه للعلماء

    وكان الرشيد يحب العلماء ويعظم حرمات الدين ويبغض الجدال والكلام، وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله.
    ولما بلغه موت عبد الله ابن المبارك حزن عليه وجلس للعزاء فعزاه الأكابر.
    قال أبو معاوية الضرير ما ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي ورويت له حديثه "وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيى ثم أقتل فبكى حتى انتحب"
    وعن خرزاذ العابد قال حدث أبو معاوية الرشيد بحديث احتج آدم وموسى فقال رجل شريف فأين لقيه فغضب الرشيد وقال النطع والسيف زنديق يطعن في الحديث فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول بادرة منه يا أمير المؤمنين حتى سكن.
    وعن أبي معاوية الضرير قال صب على يدي بعد الأكل شخص لا أعرفه فقال الرشيد تدري من يصب عليك قلت: لا. قال: أنا إجلالا للعلم.
    وكان العلماء يبادلونه التقدير، روي عن الفضيل بن عياض أنه قال: ما من نفس تموت أشد علي موتا من أمير المؤمنين هارون ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره، قال فكبر ذلك علينا فلما مات هارون وظهرت الفتن وكان من المأمون ما حمل الناس على القول بخلق القرآن قلنا الشيخ كان أعلم بما تكلم.



    بكاؤه عند سماع الموعظة

    قال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر.
    وقال عبيد الله القواريرى لما لقي الرشيد الفضيل قال له يا حسن الوجه أنت المسئول عن هذه الأمة. وتقطعت بهم الأسباب قال: الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا فجعل هارون يبكى ويشهق.
    روى أن ابن السماك دخل على الرشيد يوما فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكي قال اشرب هنأك الله تعالى فلما شربها قال أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشترى خروجها قال بجميع ملكي قال إن ملكا قيمته شربة ماء وبوله لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا.
    وقال ابن الجوزي قال الرشيد لشيبان عظني قال لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف فقال الرشيد فسر لي هذا قال من يقول لك أنت مسئول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله.



    مواقف لا تنسى

    في سنة سبع وثمانين ومائة جاء للرشيد كتاب من ملك الروم نقفور بنقض الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة ريني ملكة الروم وصورة الكتاب [من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من أموالها أحمالا وذلك لضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها وإلا فالسيف بيننا وبينك]
    فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضبا حتى ما تمكن أحد أن ينظر إلى وجهه فضلاً أن يخاطبه وتفرق جلساؤه من الخوف واستعجم الرأي على الوزير فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه ثم سار ليومه فلم يزل حتى نزل مدينة هرقل وكانت غزوة مشهورة وفتحا مبينا فطلب نقفور الموادعة والتزم بخراج يحمله كل سنة.
    وأسند الصولى عن يعقوب بن جعفر قال خرج الرشيد في السنة التي ولى الخلافة فيها حتى غزا أطراف الروم وانصرف في شعبان فحج بالناس آخر السنة وفرق بالحرمين مالا كثيرا وكان رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال له إن هذا الأمر صائر إليك في هذا الشهر فاغز وحج ووسع على أهل الحرمين ففعل هذا كله.
    وأخرج ابن عساكر عن ابن علية قال أخذ هارون الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي قال له أريح العباد منك. قال فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها ما فيها حرف نطق به قال فأين أنت يا عدو الله من أبى إسحاق الفزارى وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا.



    من أعماله في الخلافة

    حج غير مرة وله فتوحات ومواقف مشهودة ومنها فتح مدينة هرقلة،قال المسعودي في "مروج الذهب": رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي الفرما فقال له يحيى البرمكي كان يختطف الروم الناس من الحرم وتدخل مراكبهم إلى الحجاز.
    وزر له يحيى بن خالد مدة وأحسن إلى العلوية وحج سنة 173 وعزل عن خراسان جعفر بن أشعث بولده العباس بن جعفر وحج أيضا في العام الآتي وعقد بولاية العهد لولده الأمين صغيرا فكان أقبح وهن تم في الإسلام وأرضى الأمراء بأموال عظيمة وتحرك عليه بأرض الديلم يحيى بن عبد الله بن حسن الحسيني وعظم أمره وبادر إليه الرافضة فتنكد عيش الرشيد واغتم وجهز له الفضل بن وزيره في خمسين ألفا فخارت قوى يحيى وطلب الأمان فأجابه ولاطفه ثم ظفر به وحبسه ثم تعلل ومات ويقال ناله من الرشيد أربعمائة ألف دينار.
    وفي سنة 175هـ ولى خراسان الغطريف بن عطاء وولى مصر جعفرا البرمكي واشتدت الحرب بين القيسية واليمانية بالشام ونشأت بينهم أحقاد وإحن.
    وغزا الفضل بن يحي البرمكي بجيش عظيم ما وراء النهر ومهد الممالك وكان بطلا شجاعا جوادا ربما وصل الواحد بألف ألف وولي بعده خراسان منصور الحميري وعظم الخطب بابن طريف ثم سار لحربه يزيد بن مزيد الشيباني وتحيل عليه حتى بيته وقتله ومزق جموعه.
    وفي سنة 179هـ اعتمر الرشيد في رمضان واستمر على إحرامه إلى أن حج ماشيا من بطن مكة.وغزا الرشيد وتوغل في أرض الروم فافتتح الصفصاف وبلغ جيشه أنقرة. ثم حج سنة ست وثمانين الرشيد بولديه الأمين والمأمون وأغنى أهل الحرمين.
    ثم حدثت نكبة البرامكة إذ قتل الرشيد جعفر بن يحيى البرمكي وسجن أباه وأقاربه بعد أن كانوا قد بلغوا رتبة لا مزيد عليها.
    وفي العام نفسه انتقض الصلح مع الروم وملكوا عليهم نقفور فيقال إنه من ذرية جفنة الغساني وبعث يتهدد الرشيد فاستشاط غضبا وسار في جيوشه حتى نازله هرقلة وذلت الروم وكانت غزوة مشهودة، ثم كانت الملحمة العظمى وقتل من الروم عدد كثير وجرح النقفور ثلاث جراحات وتم الفداء حتى لم يبق في أيدي الروم أسير.وبعث إليه نقفور بالجزية ثلاثمائة ألف دينار.
    وفي سنة ست وسبعين ومائة فتحت مدينة دبسة على يد الأمير عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح العباسى
    وفي سنة تسع وسبعين ومائة اعتمر الرشيد في رمضان ودام على إحرامه إلى أن حج ومشى من مكة إلى عرفات وفي سنة ثمانين كانت الزلزلة العظمى وسقط منها رأس منارة الإسكندرية وفي سنة إحدى وثمانين فتح حصن الصفصاف عنوة وهو الفاتح له وفي سنة ثلاث وثمانين خرج الخزر على أرمينية فأوقعوا بأهل الإسلام وسفكوا وسبوا أزيد من مائة ألف نسمة وجرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله مثله
    .




    وفاة الرشيد

    مات الرشيد في الغزو بطوس من خراسان ودفن بها في ثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وله خمس وأربعون سنة وصلى عليه ابنه الصالح قال الصولى خلف الرشيد مائة ألف ألف دينار ومن الأثاث والجواهر والورق والدواب ما قيمته ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار.
    وقيل إن الرشيد رأى مناما أنه يموت بطوس فبكى وقال احفروا لي قبرا فحفر له ثم حمل في قبة على جمل وسيق به حتى نظر إلى القبر فقال يا ابن آدم تصير إلى هذا وأمر قوما فنزلوا فختموا فيه ختما وهو في محفة على شفير القبر ولما مات بويع لوالده الأمين في العسكر وهو حينئذ ببغداد فأتاه الخبر فصلى الناس الجمعة وخطب ونعى الرشيد إلى الناس وبايعوه.

    ولأبى الشيص يرثى الرشيد:


    غربت في الشرق شمس فلها عيني تدمع

    مـا رأينا قط شمسا غربت من حيث تطلع


    وقال أبو النواس:


    جـامـع بيـن العـزاء والهناء جترت جـوار بالسعـد والنحـس

    فنحن في مأتم وفي عرس القلب ضاحكة فنحن في وحشة وفي أنس

    يضـحكنـا القـائـم الأميـن ويبــكينـا وفـاة الإمـام بالأمـس

    بدران بدر أضحى ببغداد في الخــلد وبدر بطـوس فـي الرمـس



    منقول


    مصادر الموضوع :

    ــ الأعلام لخير الدين الزر كلي

    ــ البداية والنهاية للإمام ابن كثير

    ــ تاريخ دول الإسلام للإمام الذهبي

    ــ هارون الرشيد أمير الخلفاء وأجلُّ ملوك الدنيا لشوقي أبو خليل

  7. #7
    كلتاوي نشيط
    الصورة الرمزية حافظ القران

    الحاله : حافظ القران غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Apr 2008
    رقم العضوية: 1325
    الدولة: الحجاز
    العمر: 47
    المشاركات: 302
    معدل تقييم المستوى : 96
    Array

    افتراضي رد: هارون الرشيد ..دُرَّة الخلافة العباسية

    الري

    تقع حاليا في شمال ايران

المواضيع المتشابهه

  1. حقيقة هارون الرشيد
    بواسطة أيمن السيد في المنتدى التــاريخ الإسلامي
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 30-Jan-2008, 10:48 PM
  2. هارون الرشيد أمير الخلفاء
    بواسطة د.أبوأسامة في المنتدى المكتبة العلمية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 08-Oct-2007, 05:31 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •