بسم الله ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين رسول الله

قال تعالى : ( تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) [هود: 49] . والأمر الذي سنعلّق عليه في هذه الآية الكريمة هو صيغة الأمر (فاصبر) .. إذ إنّها تدعو إلى تدبّرها من خلال ورودها هنا دون حرف جرّ ، وورودها في مواضع أخرى مع حروف جرّ .

لقد جاءت في القرآن الكريم مع (على) كقوله تعالى : ( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ) [طه: 130] أي : على ما يقوله قومك من الكلام الذي فيه أذى للرسول بإنكار دعوته وبوصمه بما ليس فيه ، من مثل وصفه بالجنون والسحر والكذب والافتراء ... وقد جاءت هكذا لأنّ الحديث عن قومه بأنّهم لم يتّعظوا من مشيهم في مساكن الذين ظلموا .
وجاءت مع (مع) كقوله تعالى : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) [الكهف: 28] واصبر هنا بمعنى : اجعل نفسك مع الذين يدعون ربّهم ، أو : احبس نفسك .
وجاءت مع اللام كما في قوله تعالى : ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) [الطور: 48] ومعناها هنا : امتثل لحكم ربّك .
ففعل الأمر (اصبر) عُدّي بعلى وباللام وبنفسه مع ورود (مع)
بعد مفعوله ، ولكنه في سياق قَصَص نوح عليه السلام والطوفان لم يلحقه حرف جرّ ولم يُعدَّ بنفسه ، وذلك لاعتبارين :

الأول : أنّه يدلّ على كمال الصبر ، كما قال الرسول : "عجباً لأمر المؤمن كلّ أمره خير ، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له" . وهو بهذا شبيه بقوله تعالى في أول سورة العلق : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) من حيث أنّ الفعل (خلق) يدلّ على كمال الخلق ، ولذلك لم يُعدَّ إلى مفعول به مع أنّه صالح للتعدية .

والثاني : أنّه لم يسبقه في هذا السياق ما سبقه مع (على أو اللام) أو ما أوجب التعدية المباشرة . إنّ القَصَص عن نوح عليه السلام والطوفان جاء لتثبيت فؤاد الرسول ، : ( وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ) [هود: 120] . وعلى هذا تكون صيغة الأمر (فاصبر) مفتوحةً على جميع الاحتمالات : الصبر على أذى قومه ، والصبر لحكم ربّه ، وصبر النفس مع جماعة المؤمنين ، وهذا من غنى الدِّلالة التي يتميّز بها القرآن العظيم .
والله أعلم
منقول