الفرق بين معنى ( يعملون ) ومعنى ( يفعلون ) ومعنى ( يصنعون ) .

نقرأ اللفظات الثلاث في كثير من الآيات القرآنية من مثل ( هم درجت عند الله والله بصير بما يعملون ) آل عمران : 163 . ومن مثل ( قالوا بل وجدنا ءاباءنا كذلك يفعلون ) الشعراء : 74 . ومن مثل ( .. إن الله خبير بما يصنعون ) النور : 30 .
وقد وردت لفظة ( عمل ) ومشتقاتها 359 مرة في القرآن الكريم ، ووردت لفظة ( فعل ) ومشتقاتها 108 مرات في القرآن الكريم ، ووردت لفظة ( يصنع ) ومشتقاتها 20 مرة في القرآن الكريم . وحين نتدبر جميع هذه المرات لهذه اللفظة أو تلك نجد أنه لا يمكن لإحداها أن تحل محل الأخرى ، وذلك لأنها لا تتطابق في المعنى ، بل هناك اختلاف طفيف ومعنى دقيق تؤديه كل لفظة كما يلي :

أولاً – يعملون

من خلال تدبرنا لجميع الآيات التي وردت فيها هذه اللفظة ومشتقاتها ، نلاحظ أن المعنى الذي تؤديه هو معنى شامل لكل حركة مقصودة يؤديها العامل سواء كانت بيده أم كانت قولاً بلسانه ، ونلاحظ أن الإيمان قرن بالعمل الصالح في مثل ( .. الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ) في عشرات الآيات القرآنية ، بينما لم يرد ولا مرة واحدة في صيغة ( الذين آمنوا وفعلوا الصالحات ) ولا ( الذين آمنوا وصنعوا الصالحات ) ، وذلك لأن الصالحات تكون قولاً باللسان فضلاً عن كونها فعلاً وصنعاً باليد ، وهذا يعني أن معنى العمل هو كل فعل وكل قول وكل صنع .
وقد وردت صيغة نفي الغفلة عن الله تعالى مقرونة دائماً ( بعمل ) الناس في عشر آيات كريمة مثل :
( .. وما الله بغافل عما تعملون ) البقرة : 74 ، 85 ، 140 ، 149 . آل عمران : 99 .
( .. وما ربك بغافل عما تعملون ) هود : 123 . النمل : 93 .
( ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون ) إبراهيم : 42 .
ونلاحظ في جميع هذه الآيات أن نفي الغفلة عن الله تعالى ارتبط بعمل الناس وليس بفعلهم ، لأنه لو ارتبط ولو مرة واحدة بالفعل أو بالصنع فجاء في صيغة وما ربك بغافل عما يفعلون أو عما يصنعون ، لذهب الفهم الى أنه يثبت الغفلة عما يقولون ، ولكن دقة القرآن الكريم جعلت نفي الغفلة عن العمل الذي هو الفعل والقول والصنع معاً .

ثانياً - يفعلون

الفعل هو ما يقوم به الإنسان من عمل مستخدماً جوارحه ما عدا لسانه حين يستخدمه في القول ، فالفعل هو نظير القول ، بمعنى أنك حين تغير المنكر بيدك فأنت تفعل ، وحين تغيره بلسانك فأنت تقول .
ولئن كان نفي الغفلة عن الله تعالى قد ارتبط دائماً بعمل الناس لا بفعلهم ، فإن إثبات الخبرة لله تعالى قد ارتبط أيضاً في عشرات الآيات بعمل الناس في مثل ( والله بما تعملون خبير ) ، إلا في آيتين اثنتين لا غير ، إحداهما ارتبط فيها بالفعل ، والأخرى ارتبط فيها بالصنع ، فأما التي ارتبطت بالفعل فهي :
( وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله الذى أتقن كل شىء إنه خبير بما تفعلون ) النمل : 88 . وهذه هي الآية الوحيدة التي ارتبطت فيها خبرة الله تعالى بفعل الإنسان ، ( خبير بما تفعلون ) ، ولعلها ارتبطت هنا بفعل الإنسان لأن سياق الآية يتحدث عن فعل منتظم دقيق منسوب الى الله تعالى وهو صنع الجبال وحركتها الخفية ، فالذي صنعها وأتقن صنعها الى الدرجة التي يحسبها الإنسان جامدة بينما هي تمر مر السحاب ، لخبير بكل فعل يقوم به الإنسان ، فلأن السياق يتحدث عن ( فعل وصنع ) فقد أثبتت خبرة الله تعالى هنا ( لفعل ) الإنسان ، فقالت الآية ( إنه خبير بما تفعلون ) .
ونجد المعنى الذي ذهبنا إليه في معنى ( الفعل ) في جميع الآيات التي ورد فيها الفعل مثل :
( فجعلهم جذذا الا كبيرا لهم لعلهم اليه يرجعون ، قالوا من فعل هذا بءالهتنا انه لمن الظلمين ) الأنبياء : 58 ، 59 . فتساؤل قوم إبراهيم ( من فعل هذا ) مرتبط بقوله ( فجعلهم جذاذاً ) أي أنه ضرب أصنامهم بالفأس حتى تحطمت ، فذلك هو ( فعل ) إبراهيم . ولو أنهم قالوا ( من عمل هذا ) لما استقام المعنى .
( وفعلت فعلتك التى فعلت وانت من الكفرين ) الشعراء : 19 . في هذه الآية يخاطب فرعون موسى ويذكره بأنه قام بقتل أحد رعايا فرعون دفاعاً عن أحد شيعة موسى ، وقد تم القتل باستخدام موسى يده ( فوكزه موسى فقضى عليه ) القصص : 15 . ولذلك جاء التعبير في الآية بلفظة ( الفعل ) .

ثالثاً – يصنعون

الصنع هو الفعل الذي له مقدمات محسوبة وخطوات محددة ونتيجة مقصودة ، وهو كذلك الفعل الذي يتكرر بشكل دوري منتظم ، فنقول مثلاً : اصنع لنا طعاماً ، ولا نقول اعمل لنا طعاماً لأن صنع الطعام يأتي بخطوات محددة ولأنه يتكرر بشكل دوري منتظم . وفي المرات العشرين التي وردت فيها لفظة ( الصنع ) ومشتقاتها في القرآن الكريم نجد دائماً هذا المعنى ، في مثل :
( .. ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتى وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ) الرعد : 31 . تشير الآية الى أن الكفار لسبب وضعهم أنظمة لكفرهم تخالف مراد الله تعالى فإنهم معرضون دائماً لأن تصيبهم قارعة أو تحل قريباً من دارهم . وقد جاء التعبير هنا ( بما صنعوا ) لكي يخصص كون المصيبة تصيبهم جراء تنظيمهم للكفر وصناعتهم التي لا تخدم البشرية .
( ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه .. ) هود : 38 .
( وعلمنه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم .. ) الأنبياء : 80 .
( .. وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ) طه : 69 . نلاحظ هنا قوله ( ما صنعوا ) ، ولم يقل ما عملوا ولا ما فعلوا ، لأنه يريدنا أن نفهم أن ما يفعله السحرة قائم على صناعة فوق كونه عملاً وفعلاً ، حيث صنعوا الحبال والعصي بخطوات دقيقة ومنتظمة كي تتحرك حال إلقائها على الأرض فتوهم من يراها بأنها حيات .
وبناء على ما سبق نستطيع أن نعرف العمل والفعل والصنع منسوبة الى الإنسان كما يلي :
العمل : هو حركة الإنسان في الحياة والتي تشمل الفعل والقول والصنع .
الفعل : هو العمل الذي ينجزه الإنسان باستخدام جوارحه ( ما عدا القول باللسان ) .
الصنع : هو الفعل الذي له مقدمات محسوبة وخطوات محددة ونتيجة مقصودة .

* منقول للفائدة