النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الامام الجليل والزاهد الكبير والصوفي العظيم شيخ الأولياء الشيخ سليم المسوتي

  1. #1
    كلتاوي فضي

    الحاله : Omarofarabia غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    رقم العضوية: 448
    المشاركات: 706
    معدل تقييم المستوى : 96
    Array

    افتراضي الامام الجليل والزاهد الكبير والصوفي العظيم شيخ الأولياء الشيخ سليم المسوتي

    اعلام علماء الشام


    الشيخ سليم المسوتي .. شيخ المتوكلين

    بقلم: الدكتور محمد حسان الطيان
    رئيس مقررات اللغة العربية بالجامعة العربية المفتوحة عضو مراسل بمجمع اللغة العربية بدمشق


    منذ وعيت الدنيا كنت أطالع صورته في بيت جدي لأمي _ بيت المسوتي_ ذلك البيت الذي فيه ولدت، وفيه نشأت وترعرعت، وفيه لعبت وسلوت، وفيه مرابع طفولتي ومواطن هواي وملاعب أحبتي. حتى لقد ظنني كثير من الناس مسوتي النسب _أعني نسب الوالد والشهرة واللقب _ وما أنا كذلك، وإن كنت مسوتي الهوى والرضاع والنزعة والمحبة.

    قلت إني كنت أطالع صورته _صورة الشيخ سليم المسوتي رحمه الله_ بطلعته البهية، وهيبته السنية، وبسمته النورانية، ولحيته التي كنت أرى الطهر تحت كل منبت من منابت شعرها..
    وقد كتب تحتها ذلك البيت الذي كان أول بيت حفظته في الشعر العربي:

    حَلَفَ الزمانُ لَيأتيَنَّ بمثلِهِ حنِثَتْ يمينُكَ يا زمانُ فكفِّرِ

    كنت أردد هذا البيت دون أن أدرك معناه، حتى إذا شببت عن الطوق واستبان لي معناه طفقت أسأل أيَّ رجل كان هذا الجدُّ حتى عصي على الزمان أن يأتي له بنظير؟ وأيَّ علم طوى عليه صدره؟ بل أيَّ خلق اشتملت عليه نفسه؟ وأيَّ نور نشر بين الناس؟ وأيَّ ذكر ترك في أذهانهم؟

    وكانت الإجابات تأتيني من هنا وهناك، فما إن يُسمع لقب المسوتي حتى يذكر الشيخ سليم رحمه الله، وما إن يذكر الشيخ سليم حتى تتوالى الحكايات عنه مشفوعة بالثناء الجميل، والذكر العطر، والمناقب التي ندر أن تجتمع لواحد بمفرده، ولا سيما توكله الذي قيل فيه: لو وزع على أهل بلد لكفاهم.

    من ذلك أن طارقاً طرقه قبل موعد الإفطار في رمضان، يشكو كثرة العيال وقلة المال بل عدمه، فما كان من الشيخ رحمه الله إلا أن أعطاه طنجرة الطعام برمتها، لم يبق منها لأهل الدار شيئاً، على كثرتهم، إذ لم يكن البيت يخلو من أربع نساء ولكل امرأة أولادها، وكلهم من نسل الشيخ ، فعلا الصياح وكثر الاعتراض، والشيخ صامت يسبِّح وهو واثق من عطاء الله مسلم أمره كله لله، وما إن ارتفع أذان المغرب حتى قرع الباب، وإذا وراءه خيرٌ كثير وطعام وفير أمر به الوالي والي دمشق لبيت الشيخ رحمه الله

    فما جازَهُ جودٌ ولا حلَّ دونَهُ ولكن يسيرُ الجودُ حيثُ يسيرُ

    ومن ذلك أن سائلاً سأله كساءً في المسجد, ولم يكن الشيخ رحمه الله يملك إلا ما يلبس, وقوام لباسه جبة تحتها صاية, والصاية ما يلبس تحت الجبة من دثار, وهي أشبه ما تكون بالجلابية أو (الدشداشة) إلا أنها مفتوحة يُرَدُّ طرف منها على الطرف الآخر, ويوضع في الوسط ما يشبه الحزام العريض ويتخذ عادة من قماش فاخر, فما كان من الشيخ إلا أن دخل غرفته في المسجد ليخرج حاملاً صايته ولوازمها ويقدمها للسائل و قد ارتدى جبته على شعاره ( أي ملابسه الداخلية التي تلي الجسد مباشرة). وأكمل نهاره على هذه الشاكلة, وعندما عاد إلى بيته بعد العشاء وافاه ولده بتسع صايات أهديت إليه, فما كان من الشيخ إلا أن طالبه بالعاشرة, وفغر الولد فاه متعجبا من معرفة أبيه خجلا من تصرفه! إذ أخفى عنه واحدة استئثارا بها وخوفا من أن يوزع والده الصايات العشر على أصحاب الحاجات فلا يقع له منها شيء, وسرعان ما اعتذر عن فعله وهو يبدي تعجبه من فطنة الشيخ ومكاشفته! فقص عليه الشيخ رحمه الله قصة السائل الذي سأله مردفا: كنت على يقين بأن الحسنة بعشرة أمثالها.

    كلما قيلَ قد تناهى أرانا كرماً ما اهتدَتْ إليه الكرامُ

    ومن حديث توكله على الله وتسليمه الأمر كله لله , أنه مات له ولد في شرخ الشباب و ميعة الصبا كان يرى فيه نفسه و يعده لخلافته, وقد أرسله إلى مصر ليدرس في الأزهر, ويعود بعلم غزير و خير كثير, إلا أن أجله كان أسبق من أمله, وتوفي بين يدي والده, فما زاد الشيخ على أن قال : إنا لله وإنا إليه راجعون, اللهم منك وإليك, ووسده التراب في مقبرة الدحداح بدمشق الشام , ليلحق به بعد حين و يدفن إلى جواره, ومازال القبران متجاورين, يؤمُّهما الناس من كل مكان، ويدلان على رفعة الشيخ وعلو منزلته.

    على أن الموقف الذي لم أر للشيخ فيه نظيراً هو ذاك الذي كان مع تلميذه ومريده الأثير لديه, الشيخ أبو الخير الميداني, شيخ الشام و رئيس رابطة العلماء فيها , فقد لزم الشيخ سليماً وأخذ عنه وانتفع بعلمه و بحاله , و انقضت على صحبته سنوات, ختمها الشيخ بتوجيه تلميذه إلى شيخ آخر بعد أن نفِد ما عند ه من علم, لما رآه فيه من النجابة الفطنة, وقد ائتمر المريد بأمر شيخه فلزم الشيخ عيسى الكردي , وتزوج ابنته, وتخرج به بعد أن تخرج بالشيخ سليم, فكان بعد ذلك من نوادر العلماء رحمه الله.

    ومن عرف الشيوخ معرفتي بهم، علم علماً لا يخالطه شك أن من أصعب الأمور عند كثير منهم وأقساها على قلوبهم أن يفارقهم تلاميذهم, وأن يحضروا مجالس غيرهم,ولعل فراق الولد عند بعضهم أهون عليه من فراق التلميذ أو المريد! فما بالك بمن يدفع تلميذه دفعاً ليحضر عند شيخ غيره بل ليلزم هذا الشيخ؟

    حلف الزمان ليأتين بمثله إن الزمان بمثله لضنين

    لقد توكل على الله فأحسن التوكل و كان شعاره في الحياة {ومن يتوكل على الله فهو حسبه } أي كافيه وكافله ومعطيه وحارسه،ومن كان الله كافيه فماذا ينقصه؟ ومن كان الله كافله فماذا يعتريه؟ و مم يخاف؟ إلهي ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك؟ لا ريب أن قوة الإيمان تصنع المعجزات. ولو تدبرنا سياق الآية التي مرت لاستبان لنا مبلغ العناية الإلهية لكل من كان هذا شعاره, فالله سبحانه و تعالى يقول:

    ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) الطلاق.

    رحم الله الشيخ السليم المسوتي وجزاه عنا وعن الأمة خير ما جزى عالما عن أمته، ومربيا عن أولاده وتلامذته، ومتوكلا عن إيمانه وعقيدته، وجعل الخير والبركة والعلم في نسله وحفدته. وقدر لهذا الزمان أن يبر بيمينه فينجب الأخيار والأطهار والأبرار الذين يحيون حياة سلفهم، وينشرون الفضيلة والسماحة والتقى، ويثبتون أن الخير موصول في هذه الأمة إلى يوم القيامة. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
    التعديل الأخير تم بواسطة Omarofarabia ; 18-Mar-2010 الساعة 12:26 AM

  2. #2
    المشرف العام
    الصورة الرمزية أبوأيمن

    الحاله : أبوأيمن غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Apr 2007
    رقم العضوية: 3
    الدولة: أبوظبي
    الهواية: القراءة والتصفح
    العمر: 40
    المشاركات: 5,391
    معدل تقييم المستوى : 10
    Array

    افتراضي رد: الامام الجليل والزاهد الكبير والصوفي العظيم شيخ الأولياء الشيخ سليم المسوتي

    رحمه الله تعالى وأدام لنا أهل العلم الذين يقربون العباد من ربهم ويزهدوهم في الدنيا

  3. #3
    كلتاوي الماسي
    الصورة الرمزية أم عبد العزيز

    الحاله : أم عبد العزيز غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Dec 2008
    رقم العضوية: 3540
    المشاركات: 1,662
    معدل تقييم المستوى : 93
    Array

    افتراضي رد: الامام الجليل والزاهد الكبير والصوفي العظيم شيخ الأولياء الشيخ سليم المسوتي

    رحمه الله رحمة واسعة وجزيت خيراً على نقل هذه الدرر الثمينة
    [poem=font="Simplified Arabic,4,black,bold,italic" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/2.gif" border="groove,4,darkred" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    وظن به خيراً وسامح نسيجه =بالاغضاء والحسنى وإن كان هلهلا
    وسلّم لإحدى الحسنيين : إصابة =والاخرى اجتهاد رام صوباً فأمحلا
    وإن كان خرق فادركه بفضلة =من العلم وليصلحه من جاد مقولا
    وقل صادقاً : لولا الوئامُ وروحه=لطاح الأنامُ الكل في الخُلفِ والقِلى
    وقل : رحم الرحمن،حياً وميتاً=فتى كان للإنصاف والحلم معقلا
    عسى الله يدني سعيه بجوازه=و إن كان زيفاً غير خاف مزللا
    فيا خير غفار ويا خير راحم = ويا خير مأمول جَداً وتفضلا
    أقل عثرتي وانفع بها وبقصدها =حنانيك يا الله يا رافع العلا [/poem]

  4. #4
    كلتاوي فضي

    الحاله : Omarofarabia غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Nov 2007
    رقم العضوية: 448
    المشاركات: 706
    معدل تقييم المستوى : 96
    Array

    افتراضي رد: الامام الجليل والزاهد الكبير والصوفي العظيم شيخ الأولياء الشيخ سليم المسوتي

    مقالة رائعة جدا للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله،:قصة الشيخ سليم المسوتي رحمه الله


    مقالة رائعة جدا للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله،
    فهلا قرأناها وإتعظنا بها، والسعيد من إتعظ بغيره، والتعيس من إتعظ بنفسه
    كتب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله مقالة نشرت سنة 1956 في مجلة الإذاعة تقول :

    وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها



    نظرت البارحة فإذا الغرفة دافئة والنار موقدة، وأنا على أريكة مريحة، أفكر في موضوع أكتب فيه، والمصباح إلى جانبي، والهاتف قريب مني، والأولاد يكتبون، وأمهم تعالج صوفا تحيكه، وقد أكلنا وشربنا، والراديو يهمس بصوت خافت، وكل شيء هادئ، وليس ما أشكو منه أو أطلب زيادة عليه> فقلت ' الحمد لله '، أخرجتها من قرارة قلبي، ثم فكرت فرأيت أن 'الحمد ' ليس كلمة تقال باللسان ولو رددها اللسان ألف مرة، ولكن الحمد على النعم أن تفيض منها على المحتاج إليها...
    حمد الغني أن يعطي الفقراء..
    وحمد القوي أن يساعد الضعفاء...
    وحمد الصحيح أن يعاون المرضى..
    وحمد الحاكم أن يعدل في المحكومين..
    فهل أكون حامدا لله على هذه النعم إذا كنت أنا وأولادي في شبع ودفء وجاري وأولاده في الجوع والبرد؟، وإذا كان جاري لم يسألني أفلا يجب علي أنا أن أسأل عنه؟

    وسألتني زوجتي: فيمَ تفكر؟، فقلت لها.
    قالت: صحيح، ولكن لا يكفي العباد إلا من خلقهم، ولو أردت أن تكفي جيرانك من الفقراء لأفقرت نفسك قبل أن تغنيهم.

    قلت: لو كنت غنيا لما استطعت أن أغنيهم، فكيف وأنا رجل مستور، يرزقني الله رزق الطير، تغدو خماصا ًوتروح بطاناً؟ لا، لا أريد أن أغني الفقراء، بل أريد أن أقول إن المسائل نسبية،وأنا بالنسبة إلى أرباب الآلاف المؤلفة فقير، ولكني بالنسبة إلى العامل الذي يعيل عشرة وما له إلا أجرته غني من الأغنياء، وهذاالعامل غني بالنسبة إلى الأرملة المفردة التي لا مورد لها ولا مال في يدها، ورب الآلاف فقير بالنسبة لصاحب الملايين؛ فليس في الدنيا فقير ولا غني فقرا مطلقا وغنىً مطلقا، وليس فيها صغير ولا كبير، ومن شك فإني أسأله أصعب سؤال يمكن أن يوجه إلى إنسان، أسأله عن العصفور:
    هل هو صغير أم كبير؟، فإن قال صغير، قلت: أقصد نسبته إلى الفيل، وإن قال كبير، قلت: أقصد نسبته إلى النملة..

    فالعصفور كبير جدا مع النملة، وصغير جدا مع الفيل،
    وأنا غني جدا مع الأرملة المفردة الفقيرة التي فقدت المال والعائل، وإن كنت فقيرا جدا مع فلان وفلان من ملوك المال..

    تقولون: إن الطنطاوي يتفلسف اليوم .. لا؛ ما أتفلسف، ولكن أحب أن أقول لكم إن كل واحد منكم وواحدة يستطيع أن يجد من هو أفقر منه فيعطيه، إذا لم يكن عندك – يا سيدتي– إلا خمسة أرغفة وصحن ' مجدّرة '
    ( وهو طعام من البرغل أي القمح المجروش مع العدس )، تستطيعين أن تعطي رغيفا لمن ليس له شيء، والذي بقي عنده بعد عشائه ثلاثة صحون من الفاصوليا والرز وشيء من الفاكهة والحلو يستطيع أن يعطي منها قليلا لصاحبة الأرغفة والمجدّرة..

    والذي ليس عنده إلا أربعة ثياب مرقعة يعطي ثوبا لمن ليس له شيء، والذي عنده بذلة لم تخرق ولم ترقع ولكنه مل منها، وعنده ثلاث جدد من دونها، يستطيع أن يعطيها لصاحب الثياب المرقعة، ورب ثوب هو في نظرك عتيق وقديم بال، لو أعطيته لغيرك لرآه ثوب العيد ولاتخذه لباس الزينة، وهو يفرح به مثل فرحك أنت لو أن صاحب الملايين مل من سيارته الشفروليه طراز سنة 1953– بعدما اشترى كاديلاك طراز 1956– فأعطاك تلك السيارة.

    ومهما كان المرء فقيراً فإنه يستطيع أن يعطي شيئا لمن هو أفقر منه، إن أصغر موظف لا يتجاوز راتبه مئة وخمسين قرش، لا يشعر بالحاجة ولا يمسه الفقر إذا تصدق بقرش واحد على من ليس له شيء، وصاحب الراتب الذي يصل إلى أربعة جنيهات لا يضره أن يدفع منها خمس قروش ويقول ' هذه لله '، والذي يربح عشرة آلاف من التجار في الشهر يستطيع أن يتصدق بمئتين منها في كل شهر.

    ولا تظنوا أن ما تعطونه يذهب بالمجان، لا والله، إنكم تقبضون الثمن أضعافا؛ تقبضونه في الدنيا قبل الآخرة، ولقد جربت ذلك بنفسي، أنا أعمل وأكسب وأنفق على أهلي منذ أكثر من ثلاثين سنة، وليس لي من أبواب الخير والعبادة إلا أني أبذل في سبيل الله إن كان في يدي مال، ولم أدخر في عمري شيئاً، وكانت زوجتي تقول لي دائماً: ' يا رجل، وفر واتخذ لبناتك داراً على الأقل '، فأقول: خليها على الله، أتدرون ماذاكان؟!!

    لقد حسب الله لي ما أنفقته في سبيله وادخره لي في بنك الحسنات الذي يعطي أرباحا سنوية قدرها سبعون ألفا في المئة، نعم: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ}، وهناك زيادات تبلغ ضعف الربح: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ}، فأرسل الله صديقا لي سيداً كريماً من أعيان دمشق فأقرضني ثمن الدار، وأرسل أصدقاء آخرين من المتفضلين فبنوا الدار حتى كملت وأنا – والله – لا أعرف من أمرها إلا ما يعرفه المارة عليها من الطريق، ثم أعان الله برزق حلال لم أكن محتسبا فوفيت ديونها جميعا، ومن شاء ذكرت له التفاصيل وسميت له الأسماء.

    وما وقعت والله في ضيق قط إلا فرجه الله عني، ولا احتجت لشيء إلا جاءني، وكلما زاد عندي شيء وأحببت أن أحفظه وضعته في هذا البنك.

    فهل في الدنيا عاقل يعامل بنك المخلوق الذي يعطي 5% ربحاً حراماً وربما أفلس أو احترق، ويترك بنك الخالق الذي يعطي في كل مئة ربح قدره سبعون ألفا؟، وهو مؤمن عليه عند رب العالمين فلا يفلس ولا يحترق ولا يأكل أموال الناس.فلا تحسبوا أن الذي تعطونه يذهب هدراً، إن الله يخلفه في الدنيا قبل الآخرة، وأنا لا أحب أن أسوق لكم الأمثلة فإن كل واحد منكم يحفظ مما رأى أو سمع كثيرا منها، إنما أسوق لكم مثلا واحداً:

    قصة الشيخ سليم المسوتي رحمه الله، وقد كان شيخ أبي، وكان – على فقره – لا يرد سائلا قط، ولطالما لبس الجبة أو ' الفروة ' فلقي رجل يرتجف من البرد فنزعها فدفعها إليه وعاد إلى البيت بالإزار، وطالما أخذ السفرة من أمام عياله فأعطاها للسائل، وكان يوما في رمضان وقد وضعت المائدة انتظاراً للمدفع، فجاء سائل يقسم أنه وعياله بلا طعام،فابتغى الشيخ غفلة من امرأته وفتح له فأعطاه الطعام كله!!، فلما رأت ذلك امرأته ولولت عليه وصاحت وأقسمت أنها لا تقعد عنده، وهو ساكت ..فلم تمر نصف ساعة حتى قرع الباب وجاء من يحمل الأطباق فيها ألوان الطعام والحلوى والفاكهة، فسألوا: ما الخبر؟، وإذا الخبر أن سعيد باشا شموين كان قد دعا بعض الكبار فاعتذروا، فغضب وحلف ألا يأكل أحد من الطعام وأمر بحمله كله إلى دار الشيخ سليم المسوتي، قال: أرأيت يا امرأة؟

    وقصة المرأة التي كان ولدها مسافراً، وكانت قد قعدت يوما تأكل وليس أمامها إلا لقمة إدام وقطعة خبز، فجاء سائل فمنعت عن فمها وأعطته وباتت جائعة، فلما جاء الولد من سفره جعل يحدثها بما رأى ..قال: ومن أعجب ما مر بي أنه لحقني أسد في الطريق، وكنت وحدي فهربت منه، فوثب علي وما شعرت إلا وقد صرت في فمه، وإذا برجل عليه ثياب بيض يظهر أمامي فيخلصني منه ويقول ' لقمة بلقمة '، ولم أفهم مراده، فسألته عن وقت هذا الحادث وإذا هو في اليوم الذي تصدقت فيه على الفقير، نزعت اللقمة من فمها لتتصدق بها فنزع الله ولدها من فم الأسد .

    والصدقة تدفع البلاء ويشفي الله بها المريض، ويمنع الله بها الأذى، وهذه أشياء مجربة، وقد وردت فيها الآثار، والذي يؤمن بأن لهذا الكون إلها هو يتصرف فيه وبيده العطاء والمنع، وهو الذي يشفي وهو يسلم، يعلم أن هذا صحيح، والملحد ما لنا معه كلام.

    والنساء أقرب إلى الإيمان وإلى العطف، وإن كانت المرأة – بطبعها- أشد بخلا بالمال من الرجل، وأنا أخاطب السيدات وأرجو ألا يذهب هذاالكلام صرخة في واد مقفر، وأن يكون له أثره، وأنت تنظر كل واحدة من السامعات الفاضلات ما الذي تستطيع أن تستغني عنه من ثيابها القديمة أو ثياب أولادها، ومما ترميه ولا تحتاج إليه من فرش بيتها، ومما يفيض عنها من الطعام والشراب، فتفتش عن أسرة فقيرة يكون هذا لها فرحة الشهر.ولا تعطي عطاء الكبر والترفع، فإن الابتسامة في وجه الفقير ( مع القرش تعطيه له ) خير من جنيه تدفعه له وأنت شامخ الأنف متكبر مترفع، ولقد رأيت بنتي الصغيرة بنان – من سنين – تحمل صحنين، لتعطيهما الحارس في رمضان قلت: تعالي يا بنت، هاتي صينية وملعقة وشوكة وكأس ماء نظيف وقدميها إليه هكذا، إنك لم تخسري شيئاً، الطعام هو الطعام، ولكن إذا قدمت له الصحن والرغيف كسرت نفسه وأشعرته أنه كالسائل ( الشحاذ )، أما إذا قدمته في الصينية مع الكأس والملعقة والشوكة والمملحة ينجبر خاطره ويحسّ كأنه ضيف عزيز.

    ومن أبواب الصدقة ما لا ينتبه له أكثر الناس مع أنه هين، من ذلك التساهل مع البياع الذي يدور على الأبواب يبيع الخضر أو الفاكهة أوالبصل، فتأتي المرأة تناقشه وتساومه على القرش وتظهر ' شطارتها 'كلها، مع أنها قد تكون من عائلة تملك مئة ألف وهذا المسكين لا تساوي بضاعته التي يدور النهار لييعها، لا تساوي كلها عشرة قروش ولا يربح منها إلا قرشين!

    فيا أيها النساء أسألكن بالله، تساهلن مع هؤلاء البياعين وأعطوهم ما يطلبون، وإذا خسرت الواحدة منكن ليرة فلتحسبها صدقة؛ إنها أفضل من الصدقة التي تعطى للشحاذ.

    ومن أبواب الصدقة أن تفكر معلمة المدرسة حينما تكلف البنات أو تصرعلى شراء الدفاتر الغالية والكماليات التي لا ضرورة لها من أدوات المدرسة، أن تفكر أن من التلميذات من لا يحصل أبوها أكثر من ثمن الخبز وأجرة البيت، وأن شراء الدفاتر العريضة أو ' الأطلس ' أو علبة الألوان نراه نحن هينا ولكنه عنده كبير، والمسائل – كما قلت –نسبية، ولو كلفت المعلمة دفع ألف جنيه لنادت بالويل والثبور، مع أن التاجر الكبير يقول: وما ألف جنيه؟! سهلة! سهلة عليه، وصعبة عليها، كذلك الخمس قروش أو العشر سهلة على المعلمة ولكنها صعبة على كثير من الآباء.

    والخلاصة يا سادة: إن من أحب أن يسخر الله له من هو أقوى منه وأغنى فليعن من هو أضعف منه وأفقر، وليضع كل منا نفسه في موضع الآخر، وليحب لأخيه ما يحب لنفسه، إن النعم إنما تحفظ وتدوم وتزداد بالشكر، وإن الشكر لا يكون باللسان وحده، ولو أمسك الإنسان سبحة وقال ألف مرة ' الحمد لله ' وهو يضن بماله إن كان غنيا، ويبخل بجاهه إن كان وجيها، ويظلم بسلطانه إن كان ذا سلطان لا يكون حامداً لله، وإنما يكون مرائيا أو كذاباً. فاحمدوا الله على نعمه حمداً فعلياً، وأحسنوا كما تحبون أن يحسن الله إليكم، واعلموا أن ما أدعوكم إليه اليوم هو من أسباب النصر على العدو ومن جملة الاستعداد له؛ فهو جهاد بالمال، والجهاد بالمال أخو الجهاد بالنفس.

    ورحم الله من سمع المواعظ فعمل بها ولم يجعلها تدخل من أذن لتخرج من الأخرى....

    بقلم الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله مقالة نشرت سنة 1956 في مجلة الإذاعة.

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 25
    آخر مشاركة: 27-Feb-2016, 07:32 AM
  2. مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 23-Feb-2010, 05:27 AM
  3. وفاة الشيخ الدكتور محمد عوض رحمه الله
    بواسطة فياض العبسو في المنتدى منتدى التراجم
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 26-Oct-2009, 07:39 AM
  4. العلامة الشيخ توفيق الشيرازي الصباغ
    بواسطة Omarofarabia في المنتدى منتدى التراجم
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 18-Oct-2009, 12:46 AM
  5. العلامة الشيخ أبو الخير الميداني
    بواسطة Omarofarabia في المنتدى منتدى التراجم
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 16-Oct-2009, 04:40 AM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •