ما لا بُدَّ لطالب التجويد من معرفته

أرجو أن يقرأ من أوله إلى آخره وبدقة مع التطبيق في الواقع
قال ابن الجزري :
وبعدما تحســن إن تجــــــــودا لابد أن تعـــرف وقفـــاً وابتدأ


المعنى : بعد أن تم الحديث عن إحكام التجويد شرعنا نتحدث عن أقسام الوقف والابتداء لما له أهمية خاصة بقراءة القرآن الكريم . اذ بالوقف تتبين معاني الآيات ويؤمن عن الوقوع في المشكلات .
والوقف والابتداء باب عظيم القدر اهتم به الصحابة والتابعون ومن بعدهم ولكن أهمله الكثير من قراء زماننا ، فإن الصحابة ومن بعدهم يتناقلون مسائله مشافهة ويتعلمونه كما يتعلمون إحكام التجويد ، لأنه لا تتأتي معرفة معاني القرآن معرفة تامة وصحيحة إلا بمعرفة أقسام الوقف فالوقف هو حلية التلاوة وزينة القارئ وفهم للمستمع .
ولقد دلت الأدلة على أهمية مراعاة الوقف والابتداء وثبت واشتهر اعتناء السلف بذلك قال تعالى ( ورتل القرآن ترتيلا ) المزمل ( آية –4) فهذا أمر من الله بترتيل القران ، وندب منه سبحانه للعباد إلى ترتيل كلامه المنزل ، ومراعاة الوقوف داخلة بالإشارة في هذا النص.
قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى ( ورتل القران ترتيلا) يبينه تبينا. وقال الحسن ( اقرأه قراءة بينة ) وقال مجاهد( بعضه على أثر بعض على توؤدة) قال ابن كثير ( اقرأه على تمهل ، فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره ) .
وقد حكي النحاس والداني وغيرهما إجماعَ العلماء على أهمية الوقف والابتداء واستدلوا على ذلك بقول عبدا لله بن عمر رضي الله عنهما ( لقد عشنا برهة من دهرنا وأن احدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن ، وتنزل السورة على محمد eفنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها ، كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن ، ولقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان ، فيقرأ فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زجره ، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه وينثره نثر الدقل ) .والدقل هو رديء التمر و يابسه رواه الطبراني في الأوسط وابن النحاس .
وروى الإمام أبو عمرو الداني عن ميمون بن مهران التابعي قال ( إني لأقشعر من قراءة أقوام يرى أحدهم حتما عليه إلا يقصر عن العشر ، إنما كانتِ القراءُ تقرأ القصص إن طالت أو قصرت ، يقرأ أحدهم اليوم ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) ويقوم الركعة الثانية فيقرأ (ألا إنهم هم المفسدون)
ثم قال أبو عمرو رحمه الله تعالى ( هذا يبين أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتجنبون في قراءتهم القطع على الكلام الذي يتصل بعضه ببعض ويتعلق آخره بأوله لأن ميمون بن مهران إنما حكى ذلك عنهم إذ هو من كبار التابعين وقد لقي جماعة منهم.
وقال ابن الجزري ( صح بل تواتر عندنا تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح ، كأبي جعفر يزيد بن القعقاع إمام أهل المدينة الذي هو من أعيان التابعين وصاحبه الإمام نافع بن أبي تميم وأبي عمر وابن العلاء ، ويعقوب الحضرمي وعاصم بن أبي النجود وغيرهم من الأئمة وكلامهم في ذلك معروف ، ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب ومن ثم اشترط كثير من أئمة الخلف على المجيز أن لا يجيزَ لا يجيز أحدا إلا بعد معرفته الوقف والابتداء وكان أئمتنا يوقفوننا عند كل حرف ويشيرون إلينا فيه بالأصابع ، سنةً أخذوها كذلك عن شيوخهم الأولين ) .
وقد حظّ العلماء على تعلم الوقف والابتداء ، والعمل به وبينوا عظيم فضيلته ، وذلك مذكور في مقدمات كثير من كتب الوقف والابتداء وفي كثير من كتب التجويد فمما قالوه ، قول ابن الانباري رحمه الله تعالى :
( من تمام معرفة القرآن ومعانيه ، وغريبه معرفة الوقف والابتداء فيه ، فيبقى للقارئ أن بعرف الوقف التام والوقف الكافي الذي ليس بتام والوقف القبيح الذي ليس بتام ولا كاف ) .
وقال علم الدين السخاوي رحمه الله ( ففي معرفة الوقف والابتداء الذي دَوّنته العلماء تبين معاني القرآن العظيم وتعريف مقاصده وإظهار فوائده وبه يتهيأ الغوص على درره وفرائده ).
فهذا العلم ينتفع بتعلمه وإعمال الفكر فيه من مقاصد القرآن ومعانيه شيء عظيم ، فالقارئ اذا لم يراع الوقف بِحَسْبِ المعنى فلن يفهم المعنى , ولربما فوتَ على السامع فَهْمَ المعنى وقد لا يظهر بذلك وجه الإعجاز .
ومما يجب التنبه له أن إتقان الوقف والابتداء يتوقف على علوم أخرى فضلاً عن التفكر والتدبر كما أشار إلى هذا المعنى الإمام أبو بكر بن مجاهد رحمه الله ( لا يقوم بالتمام إلا نحوي عالم بالقراءة عالم بالتفسير عالم بالقصص وتلخيص بعضها مع بعض عالم باللغة التي نزل بها القرآن) ..
ولقد جاء عن الصحابة الكرام ومن بعدهم عبارات في الوقف على بعض الآيات وارتباط ما قبلها بها , يستفاد منه اعتنائهم بمراعاة الوقف والابتداء ويستنبط منه فوائد في التفسير فمن ذلك :
ما ورد في تفسير أبي حاتم وغيره بنفس المعنى ، قال ( جاء رجل إلى علي فقال : أرأيت قول الله تعالى ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) قال : الكافر يقتل المؤمن والمؤمن يقتل الكافر , قال علي : ولن يجعل الله للكافرين يوم القيامة على المؤمنين سبيلا . وروي عن أبي مالك وعطاء الخرساني ، نحو ذلك .
أراد سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه إفهام السائل بارتباط ( ولن يجعل الله للكافرين ) بما قبلها فالله يحكم يحكم بينكم يوم القيامة .. والله اعلم .
وورد عن السلف أيضا الاهتمام بالوقف والابتداء فقد قال الشعبي ( اذا قرأت ( كل من عليها فان ) فلا تسكت حتى تقرأ ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) .
تنبيه : مصنفات المتقدمين في الوقف والابتداء ربما سميت بكتب التمام ، وبـ ( المقطوع والمفصول ) حيث قال ابن نهيك الاسدي رحمه الله ( إنكم تصلون هذه الآية وأنها مقطوعة ، ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون أمنا به كل من عند ربنا ) آل عمران (7) .
ومراده أن الوقف تام على ( وما يعلم تأويله إلا الله ) ثم يبدأ ( والراسخون) فهم لا يعلمون تأويل المتشابه ولكنهم يكلون علمه الى الله تعالى وعليه فالواو ليست عاطفة بل هي استئنافية والله أعلم .
بعد ان علمت أهمية الوقف فنقول لك بأن الوقف ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
1. اضطراري : وهو ما يعرض للقاري إثناء قراءته طارئ من عطاس وضيق تنفس .. الخ فيضطر القارئ الوقوف على أن يبدأ بقبل الكلمة الموقوف عليها .
2. اختباري : وهو الذي يطلب من القارئ لإرادة التعليم .
3. أختياري : وهو أن يقف القارئ على كلمة باختياره دون اضطرار أو اختبار .
وللوقف الاختياري عدة أنواع أختلف عليها العلماء في عدها وابن الجزري جعلها اثنان جائز وغير جائز فالجائز ثلاثة أنواع ( تام ، كاف ، حسن ) وغير الجائز ( القبيح ) .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبحه أجمعين