النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الصوم ووسطية الإسلام في التغذية والعبادة

  1. #1
    كلتاوي نشيط
    الصورة الرمزية المعتصم بالله

    الحاله : المعتصم بالله غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Oct 2007
    رقم العضوية: 357
    الدولة: دبي
    الهواية: التجارة
    السيرة الذاتيه: محب للكلتاوية
    العمل: مدير
    العمر: 34
    المشاركات: 403
    معدل تقييم المستوى : 93
    Array

    Arrow الصوم ووسطية الإسلام في التغذية والعبادة

    [justify]الصوم.. ووسطية الإسلام في التغذية والعبادة

    د. محمود عبد الله إبراهيم نجا **

    شهر رمضان بريء من الإفراط في الطعام بعد الإفطار

    تعودنا إخوة الإسلام في كل رمضان على سؤال شهير في أغلب بيوت المسلمين التي لا تكاد تخلو من مريض يقول: "هل أصوم رمضان لأن في الصيام شفاء من كل داء كما نسمع من بعض الدعاة، أم أفطر لأن في الصيام مشقة قد تزيد من شدة المرض؟".

    والمشاهد أن أكثر المرضى المسلمين حتى وإن كان مرضهم شديدا يحرصون على صيام رمضان حبا في الله حتى وإن عرضهم ذلك إلى المخاطر.

    ولذا فان هدفي الرئيسي في هذا المقال بإذن الله أن نحاول معا أن نتعرف على وسطية الإسلام في كيفية التعامل مع المرضى في شهر الصيام وذلك من خلال الإجابة على سؤالين في غاية الأهمية:

    1. هل هناك إعجاز علمي في الربط بين الصيام والشفاء من الأمراض؟

    2. كيف نصل إلى الصحة البدنية والنفسية من خلال الصيام؟

    ومما لا شك فيه أن كل تشريع في الإسلام له من الحكم والفوائد الكثير مما لا يحصيه العقل ولا يستوعبه العلم ولا يحيط بعلمه إلا الله العليم بأحوال الخلق وبما يصلحهم من أمر كما قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك: 14)، وقال تعالى: { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (الأعراف: 54)، وقوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} (فاطر 14).

    ولكن الأصل الأصيل في الحكمة من كل عبادة أن تكون التقرب إلى الله كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 162)، وقال تعالى: {قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي} (الزمر: 14)، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" البخاري؛ ولذا وجب على كل مسلم أن تكون غايته في كل عبادة إرضاء الله أولا وأخيرا وليس تحصيل فائدة دنيوية قد تتحقق أو لا تتحقق.

    وقد عرف الإنسان الصيام من قديم الزمان، فاتخذه المتدين وسيلة لإرضاء الرب، كما مارسه الوثني والكافر طريقا لتهذيب النفس وترويض البدن. وصوم رمضان في شريعة الإسلام ركن من أركان الدين، فرضه الله لحكمة سامية تربط قلوب المسلمين بتقوى الله وليس بالمنافع الدنيوية العاجلة؛ ولذا قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183).

    فالصوم في الإسلام ليس رياضة بدنية الهدف منها إنقاص الوزن وتعذيب النفس وقهرها ليسهل انقيادها والسيطرة عليها، ولا رياضة روحية بالمعنى الذي تمارس به بعض الطقوس الهندية بهدف زيادة التركيز أو الترقي أو غيره من أغراض دنيوية، وإنما الصوم عبادة لله من أجّل العبادات؛ فهو سر بين العبد وربه، والله هو الذي يجزي به فقال: "كُل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" رواه البخاري، وإنما تأتي كافة المنافع الأخرى، تبعا لذلك أو زيادة على ذلك. وإحدى هذه المنافع الدنيوية والحكم الربانية التي بدأت تتكشف للصيام بجلاء في عصرنا الحديث، هو تحصيل الصحة البدنية والنفسية، وبدلا من حمد الله وشكره على هذه النعمة الإضافية للصيام فوق نعمة العبودية، بدأنا نتجادل حول قدرة الصيام على الشفاء من الأمراض، فصار البعض يتحدث عن الإعجاز العلمي في التداوي بالصيام وأنه شفاء لكل داء، وكالمعتاد أنكر البعض وغالبهم من الماديين، أن يكون للصيام أي دور في عملية التداوي من الأمراض، وبيت الإفراط والتفريط وقف المريض حائرا لا يدرى لأي الرأيين يميل.

    وبين الإفراط والتفريط يقف دين الإسلام شامخا بوسطيته المعهودة ليقدم المنهج الوسط للأمة الوسط في كل أحوالها كما قال تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143)، ومع اعترافي التام كطبيب مسلم بأن الصيام قد يساعد على الشفاء من بعض الأمراض، فإنني لا أستطيع أن أسميه إعجازا علمي لأنها حقيقة معلومة في زمن النبي وقبل زمنه ولم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بنص صريح يدل على دور الصيام في الشفاء، والأحسن أن نقول إن من بعض حكم الصيام أنه يساعد على التداوي من بعض الأمراض شريطة الالتزام بنظم التغذية الإسلامية وأوامر الطبيب المعالج. وهذا هو المنهج الوسطى في التعامل مع الصوم، وهو الأولى بالاتباع من الإفراط والتفريط الذي قد يدفع بأعداء الإسلام إلى الانتقاص من عظمة الإسلام إذا قلنا لهم الصيام شفاء من كل داء أو قلنا لهم لا شفاء في الصيام على الإطلاق.

    * لماذا يُعد الحديث عن الإعجاز العلمي في الاستشفاء بصيام رمضان أمر مبالغ فيه بعض الشيء؟

    1. لغياب النص الصريح على كون الصيام شفاء

    فكيف ندخل بالصيام إلى بوابة الإعجاز العلمي بدون دليل واحد يشير إلى أن في الصيام صحة وشفاء كما في العسل وما يخرج من بطون النحل، حيث قال تعالى: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 69).

    ومع العلم بأن حديث (صوموا تصحوا) ضعيف وبعض رواياته منكرة، فلا يعتد به في قضايا الإعجاز العلمي.

    كما أننا إذا بحثنا عن تفسير لقول الله تعالى {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 184)، في كتب أوائل المفسرين نجد أنهم أجمعوا على ذكر خيرية الآخرة فقط لحسن الثواب الذي يحصل عليه الصائم.

    2. الفوائد الطبية للصيام لا تتحقق إلا بالهدوء النفسي واتباع النظم الغذائية الإسلامية العامة المذكورة في القرآن والسنة.

    والمفترض فينا كمسلمين أن نطبق هذه الأمور طوال العام لقوله تعالى: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا}، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "بحسب ابن آدم لقيمات"، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب" و"ليس الشديد بالسرعة..." وغيرها الكثير.

    فالمسلم إذا اتبع القواعد السابقة صح بدنه طوال العام فلا يحتاج إلى الطبيب، وإن كانت هناك من نتائج طبية من الصيام فهي لا تخرج عن الأدلة العامة السابق ذكرها.

    3. الصيام ليس عبادة خاصة بالمسلمين فقط.

    بل فعلها السابقون وبنص القرآن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، وبالتالي فالإسلام ليس أول من شرع الصوم وعرف فوائده الطبية حتى نقول إن في الصوم إعجازا علميا إسلاميا. وحتى نقول إن الصوم معجزة إسلامية على المستوى العلمي ينبغي أن نقوم بتجربة علمية نثبت فيها أن نظام الصوم الإسلامي بالإمساك عن الطعام والشراب والشهوة من الفجر إلى المغرب لمدة شهر باستخدام التقويم الهجري فيصوم المسلم مرة في الحر وأخرى في البرد وهكذا، فنثبت أن هذا النظام الإسلامي هو الأفضل على الإطلاق بين كل نظم الصوم التي عرفتها البشرية، وهذه مسألة تحتاج إلى بحث مضن، ولا يكتفي فيها أبدا بالاطلاع على نتائج الدراسات الأجنبية التي تتكلم عن الصوم؛ فبعد الاطلاع على أغلبها وجدت أن هذه الدراسات لا تستخدم النظام الإسلامي للصوم في تجاربهم بل يستخدمون أنظمة متباينة من التجويع لفترات متباينة لا توافق النظام الإسلامي في مواعيد تناول الطعام ومدة الصيام.

    4. معلوم أن في الصيام مشقة.

    ولذا فرضه الله ككفارة للمسلم في بعض المعاصي كما في قوله تعالى {فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} (المائدة: 95).

    فإذا ثبتت مشقة الصيام شرعا عرفنا أنه قد يضر ببعض الأمراض ولا ينفع فيها؛ ولذا جاء التيسير من الله تعالى برفع مشقة الصوم عن المريض والمسافر كما في قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185).

    5. لا يعقل أن يكون في الصيام شفاء من كل داء ويسكت عن ذلك النبي.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم خيرا قط إلا علمنا إياه، فكيف به لا يخبرنا بأمر الشفاء المترتب على الصيام.

    وهو بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا بالخير كله في وجبة السحور فقال صلى الله عليه وسلم: "تسحروا فإن في السحور بركة" متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم "عليكم بغداء السحور فإنه هو الغداء المبارك" رواه النسائي وصححه الألباني، وقد فسر علماء الحديث هذه البركة بأنها بركة في الدنيا أو الآخرة؛ فالذي يستيقظ لتناول السحور ربما صلى الفجر في المسجد وربما سمع آية قرآنية بعد صلاة الفجر تركت أثرا بليغا في نفسه وربما ذكر الله خاليا ففاضت عيناه بالدموع وربما تلا القرآن فكان ربيع قلبه، فهذه بركة الآخرة. أما بركة الدنيا فتناول طعام السحور يعطي طاقة ووقود للجسم خلال النهار وأعماله الشاقة. ويقول صلى الله عليه وسلم في فضل تأخير السحور "بكروا بالإفطار وأخروا السحور" السلسلة الصحيحة للألباني، وفي هذا لا شك توازن زمني بين الوجبتين التي يتناولهما الصائم، فإذا اقترب السحور من الفطر، طالت فترة الصوم، واضطرب التوازن المطلوب، ومن ثم حتى لا يحدث شبع زائد في فترة، وجوع شديد في فترة أخرى.

    كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم بالخير كله في وجبة الإفطار "من وجد تمراً فليفطر عليه، ومن لا يجد فليفطر على الماء فإنه طَهور" رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وصححه الألباني. والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يفطر على التمر قبل أن يصلي، وفي إفطاره صلى الله عليه وسلم على الرطب أو التمر ما يظهر نور النبوة وذلك لما أثبته العلم في السنوات الأخيرة عن أهمية الإفطار على التمر وذلك لأن الصائم يعتمد على ما يوجد بجسمه من سكر وخاصة المخزون منه في الكبد. والسكر الموجود في طعام السحور يكفي 6 ساعات فقط من السحور وبعد ذلك يبدأ الإمداد من المخزون الموجود بالكبد، ومن هنا فإن الصائم إذا أفطر على التمر أو الرطب والتي تحتوي على سكريات أحادية مثل الفركتوز، فإنها تصل سريعا إلى الكبد والدم الذي يصل بدوره إلى الأعضاء وخاصة المخ فيعطي الجسم الطاقة اللازمة له بعض الإفطار. أما الذي يملأ معدته بالطعام والشراب فيحتاج لمدة من ساعتين إلى ثلاثة ساعات حتى تمتص أمعاؤه السكر ويستفيد منه كطاقة للجسم.

    كما نهانا صلى الله عليه وسلم عن صيام الوصال لما فيه من الضرر البين الذي أثبته العلم الحديث فقال صلى الله عليه وسلم "إياكم والوصال" متفق عليه؛ فالوصال هو حرمان البدن من المواد الغذائية ليوم أو أكثر، وقد دلت التجارب على أن الجسم يحصل على الطاقة أثناء الصيام من مدخراته السكرية أولاً والتي تكون على شكل جليكوجين مدخر في الكبد والعضلات. فإذا طالت مدة الصيام يلجأ البدن إلى مدخراته الدهنية والبروتينية من أجل الحصول على الطاقة، وهذا يعني تخريب الأنسجة وظهور اضطرابات غذائية عصبية في الدماغ المتوسط مما يؤثر على الغدد الصماء وعلى السلوك والانفعال النفسي. ومن هنا نرى أهمية كون الصيام الإسلامي مؤقتا من الفجر إلى الغروب دون تحريم لنوع ما من الأغذية مع طلب الاعتدال وعدم الإسراف في الطعام في فترة الإفطار.

    كما ربط صلى الله عليه وسلم بين الصوم وأثره في الحد من الشهوة الجنسية، فقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" متفق عليه، وقد اكتشف العلماء حديثا قدرة الصيام على تقليل الشهوة من خلال الانشغال النفسي بالتفكير في الطاعة بالإضافة إلى تأثير الصيام على الهرمونات الجنسية.

    وصدق رسول الله العظيم وصدق كلامه الكريم الذي لا ينطق عن الهوى؛ فكل يوم يثبت العلم المزيد والمزيد من الحقائق العلمية التي حدثنا عنها رسولنا الكريم منذ مئات السنين والتي تثبت أن رسولنا حق ورسالته حق وكتابه حق وكلامه حق، {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3-4).

    فهل بعد كل هذا الإعجاز العلمي السابق ذكره في السحور والإفطار والنهى عن الوصال والحد من الشهوة الجنسية بالصيام، نتهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نسي أن يعلمنا أن للصيام فوائد صحية.

    ولعلي لا أكون مغاليا إذا قلت بأن غياب النص الذي يربط بين الصيام والشفاء لهو الإعجاز العلمي بعينه؛ لأن في ذلك دلالة قوية على وسطية الإسلام الذي يراعي أحوال المكلفين فلا يشق عليهم في التكليف. فتخيلوا معي إخوة الإسلام أن الله تعالى قال إن في الصيام نفعا عاما لكل الناس وينبغي أن يصوم كل الناس بما فيهم المرضى، أو قال إن الصيام مشقة بالكامل فلا يصوم إلا الصحيح وينبغي على كل مريض أن يفطر، ثم أتى العلم الحديث ليثبت أن الصيام قد ينفع بعض الأمراض وقد يضر ببعض الأمراض، ساعتها سوف يظهر من يتهم التشريع الإسلامي بالقصور وأنه من صنع البشر.

    وإذا نظرنا إلى آيات الصيام في سورة البقرة نجد أن البيان القرآني العظيم يدعو المرضى بعدم الصيام في شهر رمضان رحمة بهم كما قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة: 184)، وتكررت هذه الآية للتأكيد على تغليب اليسر على حساب العسر في كل زمان {وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185).

    وقد يحتج بعض المرضى بقوله تعالى: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 184)، ولكن أغلب الظن أن المحتج بالآية لم يلحظ معنى قوله تعالى (إن كنتم تعلمون)، والتي يمكن فهمها على الشكل التالي: إن كنتم تعلمون أن في الصيام خير لكم صحيا، وهذا الجزء من البيان الإلهي يتوافق مع المرضى الذين يعتبر الصيام وإنقاص الوزن والتقليل من الطعام وتغليب العمل على التخمة من الطعام علاجا أساسيا لهم، كما هو الحال عند بعض الأنواع من مرض السكري التي سيرد ذكرها لاحقا، وللآية مدلول آخر لبعض من نسميهم مرضى بلغتنا الطبية، بينما هم قادرون على الصيام، مثل المصابين بالإعاقة الجسدية كالأعمى والأعرج والأخرس، فمثل هؤلاء وغيرهم الكثير يمكنهم الصيام وهو خير لهم على الرغم من إصابتهم بمرض مزمن قد لا يزول.

    فهذه هي وسطية الإسلام النافعة لكل البشرية والداحضة لافتراءات أعداء الإسلام ظهرت جلية في قول الله تعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 184)، قال ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: "الآية تدل على الترغيب في الصوم وإن كان فيه المشقة لبعض الناس كالمسن والمريض والمسافر، فيكون التفضيل للصوم على الفطر إلا في المرض ففيه تفصيل يحسب شدة المرض، وقوله (إن كنتم تعلمون) أي إن كنتم تعلمون فوائد الصوم في الدنيا وثوابه في الآخرة. وجيء في الشرط بكلمة (إن) لأن علمهم بالأمرين من شأنه أإلا يكون محققا؛ لخفاء الفائدتين..." انتهى بتصرف.

    وملخص قول ابن عاشور هو وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون أن في الصوم خيرا لكم، ولما كان هذا العلم لا يظهر إلا بالدراسات العلمية، كان للطبيب دوره العظيم في تحديد الذي يستفيد من الصيام والذي يتضرر منه، وهذا هو إعجاز الوسطية في دين الإسلام؛ فالمرضى على درجات فلا ينصحوا كلهم بالفطر لأن الصيام قد يكون فيه النفع والشفاء للبعض، ولا ينصحوا كلهم بالصيام لأن بعض المرضى قد يصيبهم المرض بسبب الصيام؛ فالصيام كالدواء ينفع ويضر، ولا يستطيع تحديد النفع والضرر هنا إلا الطبيب المسلم من أهل الاختصاص. فكلمة "مريض" قد تبدو غير محددة، فقد تبتدئ بأبسط الأمراض، وتنتهي بالأمراض المستعصية التي لا يرجى برؤها، وترك الله تعالى للطبيب الأخصائي المسلم أن يقرر ما إذا كان المريض قادرا على الصوم، أم أن في الصوم ضررا على المريض وحياته. فإذا أخبر الطبيب المسلم مريضه أنه إذا صام أدى صيامه إلى زيادة المرض عليه أو إلى هلاكه، وجب عليه الإفطار، بحيث أنه إذا صام ومات، فإنه آثم كما يذهب إلى ذلك كثير من العلماء والفقهاء.

    ومما لا شك فيه أنه لا ينصح بالصوم في أمراض معينة، في حين هناك أمراض أخرى يكون لها الصيام علاجا، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة حتى يتضح المقال:

    1. مرضى القلب

    لا شك أن في الصيام فائدة عظيمة لكثير من مرضى القلب شريطة تناولهم الدواء بانتظام. ويفيد الصيام في علاج ارتفاع ضغط الدم، فإنقاص الوزن الذي يرافق الصيام يخفض ضغط الدم بصورة ملحوظة. أما المريض المصاب بالذبحة الصدرية فيستطيع الصيام إذا كانت أعراض الذبحة مستقرة بتناول العلاج، ولا يشكو المريض من أي ألم صدري.

    ومع ذلك فلا ينصح المرضى المصابون بالذبحة الصدرية غير المستقرة أو الذين يحتاجون إلى تناول حبوب النيتروجليسرين تحت اللسان بالصيام. كما لا ينصح مرضى الجلطة الحديثة بالصيام إلا إذا تماثل المريض للشفاء، وعاد إلى حياته الطبيعية، فيمكن الصيام مع تناول الأدوية بانتظام. وينصح المريض المصاب بقصور القلب (فشل القلب) الحاد بعدم الصيام، حيث يحتاج إلى تناول المدرات البولية، وربما بجرعات عالية.

    2. مرضى الجهاز الهضمي

    كثيرا ما تتحسن أعراض عسر الهضم بصيام رمضان. وأيضا يستطيع المصابون بقرحة مزمنة الصيام، شريطة تناول الأدوية المثبطة لإفراز الحمض المعدي عند السحور وعند الإفطار. أما إذا كان هناك مضاعفات خطيرة للقرحة كالنزيف، أو كان تعب القرحة يزيد بالجوع ففي هذه الحالة ينصح المريض بالإفطار. كذلك المريض المصاب بالإسهال ينصح بالإفطار وخاصة إذا كان الإسهال شديدا؛ فالمريض في تلك الحالة بحاجة إلى تعويض ما يفقده من سوائل وأملاح بسبب الإسهال.

    3. مرضى السكر

    هناك من المرضى المصابين بالداء السكري من يستطيع الصوم في رمضان دون مشقة تذكر، ومنهم من لا يسمح له أبدا بالصيام. فالمريض المصاب بالسكري الكلي (سكر النضج) الذي يعالج بالحمية الغذائية فقط يستطيع الصيام، بل إن الصيام يفيد في علاج مرضه. كما يستطيع المصاب بالسكري الكلي الذي يعالج بالأقراص الخافضة لكسر الدم صيام رمضان شريطة الانتباه إلى تعليمات الطبيب بشأن تغيير مواعيد وجرعة الحبوب. أما إذا كان المريض يتناول الأنسولين يوميا كعلاج للسكر فإن موضوع الصوم متروك تماما للطبيب المعالج، فإذا سمح بالصوم فينصح بأخذ جرعة الأنسولين قبل وجبة الإفطار مباشرة. ولا ينصح المريض الذي يتعاطى أكثر من 40 وحدة أنسولين يوميا بالصوم أبدا.

    * كيف نصل إلى الصحة البدنية والنفسية من خلال الصيام؟

    الصيام من الناحية البدنية والنفسية له فوائد عظيمة، فمن الناحية البدنية فيه فترة راحة للجهاز الهضمي المسئول عن استهلاك امتصاص الطعام، وبالتالي فالكبد أيضا يأخذ فرصة استراحة كونه معمل الأيض الرئيسي للغذاء في الجسم بالإضافة إلى التخلص من السموم. كما يساعد الصيام على إنقاص الوزن المعتدل من خلال استهلاك السكريات والدهون في النسيج الشحمي لتحويلها إلى طاقة لازمة للجسم، ولهذا يعتبر الصيام فائدة كبيرة لدى زائدي الوزن، وحتى لمرضى السكر المعتدل غير المعتمدين على الأنسولين. كما يساعد الصيام على نقص مستوى كولسترول الدم وانخفاض نسبة ترسبه على جدران الشرايين الدموية، وهذا بدوره يقلل من الجلطات القلبية والدماغية ويجنب ارتفاع الضغط الدموي. ونقص شحوم الدم يساعد بدوره على التقليل من حصيات المرارة والطرق الصفراوية.

    ويساعد الصوم الجهاز الكلوي على الراحة من أجل التخلص من الفضلات. وأما عن الفوائد التربوية والنفسية فيفيد رمضان في كبح جماح النفس وتربيتها بترك بعض العادات السيئة وخاصة عندما يضطر المدخن لترك التدخين ولو مؤقتا على أمل تركه نهائيا، وكذلك عادة شرب القهوة والشاي بكثرة. وفوائد رمضان النفسية كثيرة؛ فالصائم يشعر بالطمأنينة والراحة النفسية والفكرية ويحاول الابتعاد عما يعكر صفو الصيام من محرمات ومنغصات ويحافظ على ضوابط السلوك الجيدة مما ينعكس إيجابا على المجتمع عموما. قال -صلى الله عليه وسلم: "الصيام جُنّة، فإذا صام أحدكم فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم" متفق عليه، وقد أثبتت دراسات عديدة انخفاض نسبة الجريمة بوضوح في البلاد الإسلامية خلال شهر رمضان.

    وهذه الفوائد البدنية والنفسية للصيام لا يمكن أن تتحقق إلا بأن يكون الصيام أولا وأخيرا لله ثم بعدم الإفراط في الطعام والشراب؛ فالتخفف من الطعام والشراب يؤدي إلى إعلاء القدرة البدنية والروحية على طاعة الله ليل نهار؛ فينال الصائم بصومه الخير في الآخرة بمغفرة الله والدخول في رضوانه، وفي الدنيا قد يعجل الله له الأجر بالصحة والعافية في نفسه وبدنه.

    والعجب كل العجب أن نجد المسلم إذا أقبل رمضان وبدأ الصيام انقطع للطعام والشراب من أذان المغرب إلى أذان فجر اليوم التالي، فنجده في رمضان في حالة كسل مستمر لا يقدر على أداء صلاة التراويح ولا على قيام الليل؛ فهو أكول في الليل نوام بالنهار، ثم تجده يتحدث عن الفوائد الصحية للصيام.

    ومن المؤكد أن مثل هذا المسلم الأكول يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره، مما جعل كتاب الغرب الكافر يتحدثون عن كيفية التعامل مع الطعام والشراب في رمضان كما لو كان الإسلام قد غفل عن ذلك؛ ففي دراسة نشرتها "بي بي سي" العربية تحت عنوان "كتاب فرنسي يقدم نظام حمية للمسلمين خلال شهر رمضان"، حيث يقدم هذا الكتاب "تاريخ التغذية: خاص برمضان" نصيحة للمسلمين بشأن كيفية الإبقاء على أنفسهم نحيفين ورشيقين خلال شهر رمضان، وذلك من خلال اتباع نظام حمية بخصوص طريقة الإفطار والسحور.

    يقول مؤلف الكتاب وهو طبيب: "إن المسلمين قد حولوا وجبة الإفطار في رمضان إلى طقس ليلي من الانغماس في الأغذية السكرية يمتد بين غروب الشمس وشروقها، وقد يؤدي هذا الأمر بالبعض إلى إنهاء شهر رمضان بعد أن يكونوا قد اكتسبوا وزنا أكثر مما كانوا عليه قبل بدء صيامهم. أما بالنسبة للبعض فترى عليهم علامات السكري وزيادة الشحوم".

    ولذا ينصح الكاتب المسلمين بقوله: "إن لم يكن الناس حذرين، فيمكن لصيام رمضان أن يسبب لهم شتى أنواع المشاكل المتعلقة بالصحة والوزن؛ لأنك إذا التهمت أطعمة عالية القيمة الغذائية قبيل أن تأوي إلى الفراش فستنتهي إلى السمنة بالتأكيد؛ لأنك عندما ترتاح فإن جسدك يخزن الأغذية. وينصح الكاتب بتناول وجبة سحور كبيرة قبيل الصيام، تتضمن اللحوم والنشويات والجبنة، أما الإفطار، فيجب أن يتضمن وجبة خفيفة من السكريات، وطبق خفيف من الأسماك".

    وأستحلفكم بالله أيها المسلمون هل رأيتم في هذا الكتاب الفرنسي شيئا لا تجدونه في الهدي الإسلامي الذي أضحى غريبا في بلاد المسلمين فصرنا نستورده من غير أهل الإسلام بعد أن صدرناه إليهم ثم أعرضنا عنه وأصبحنا نتغنى بذكراه زاعمين أن في الصيام إعجاز علمي فهو شفاء من كل داء؛ فصرنا نرى بعض الكتاب المسلمين يتحدثون عن الشفاء بالصيام حتى ولو لم يلتزم المسلم بقواعد الإسلام في الطعام والشراب.

    ألم يضع لنا المولى تبارك وتعالى القاعدة الصحية العريضة: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأعراف: 31)؛ فالغذاء في اعتبار القرآن وسيلة لا غاية؛ فهو وسيلة ضرورية لابد منها لحياة الإنسان، دعا إليها القرآن بقول الله: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيبا} (البقرة: 186)، وجعل الله في غريزة الإنسان ميلا للطعام، وقضت حكمته أن يرافق هذا الميل لذة لتمتع الإنسان بطعامه ولتنبيه العصارات الهاضمة وأفعال الهضم؛ فليست اللذة والتمتع في الطعام والشرب هي الغاية؛ فالذين يعيشون من أجل التلذذ بالطعام والشراب شبههم الله سبحانه بالأنعام {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} (محمد: 12).

    أليس نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي سبق العلم الحديث حين قال: "ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بدَّ فاعلاً، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه" رواه النسائي وابن ماجة وصححه الألباني، وحين قال (المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء" متفق عليه. ثم جاء العلم الحديث بعد ذلك ليثبت العلاقة الوطيدة بين الإفراط في الطعام وحدوث الكثير من الأمراض كالتخمة وعسر الهضم وقرح الجهاز الهضمي والسمنة وأمراض القلب كتصلب الشرايين وغيرها الكثير من الأمراض التي لا يسعها مثل هذا المقال الوجيز، والتي يمكن للمسلم وغير المسلم تجنبها بسهولة من خلال تطبيق نظم التغذية الإسلامية المنصوص عليها في القرآن والسنة المطهرة.

    وإلى هؤلاء المسلمين الذين نسوا نظم التغذية الإسلامية المنصوص عليها في القرآن والسنة المطهرة ثم أسرفوا في الطعام والشراب في شهر رمضان، وقد يأكلون في الصيام أضعاف ما يأكلونه في الحياة العادية، زاعمين أن في الصيام دواء لكل داء، لهؤلاء نقول إن سنن الإسلام لا تحابي أحدًا؛ فالإسلام هو دين الوسطية فلا إفراط ولا تفريط، وهذا ما نلحظه في قواعد صيام رمضان مع القواعد العامة للتغذية الإسلامية على مدار العام.

    فالغاية أيها المسلم من الصيام أن تسير في طريق الكمال الجسدي والروحي الذي يجب أن تصوم فيه الجوارح كلها عن معصية الله، لنحصل التقوى وتتخلص من أدران الحياة ومن ترف الدنيا فتتجه الرواح إلى الله خالق السموات والأرض داعية مبتهلة بخشوع وإيمان، لعل الله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يرحمنا ويعتق رقابنا من عذاب النار.[/justify]

  2. #2
    كلتاوي نشيط

    الحاله : فراج يعقوب غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Aug 2009
    رقم العضوية: 5407
    العمر: 60
    المشاركات: 173
    معدل تقييم المستوى : 78
    Array

    افتراضي رد: الصوم ووسطية الإسلام في التغذية والعبادة

    جزاك الله خيرا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

المواضيع المتشابهه

  1. الشورى أكثر عدالة من ديمقراطية الغرب
    بواسطة المعتصم بالله في المنتدى منتدى الفكر الإسلامي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 19-Aug-2010, 03:07 PM
  2. فتاوى رمضانية
    بواسطة المعتصم بالله في المنتدى فتاوى وحوارات
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 07-Aug-2010, 11:26 PM
  3. الالتزام بتعاليم الإسلام يحمي الأسرة من الانهيار
    بواسطة المعتصم بالله في المنتدى الفتاة المسلمة والأسرة السعيدة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 21-Jul-2010, 01:16 AM
  4. الأم في الإسلام
    بواسطة Omarofarabia في المنتدى فتاوى وحوارات
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 23-Mar-2010, 02:28 PM
  5. الإِمام الحافظ شيخ الإسلام النووي رحمه اللّه تعالى
    بواسطة Omarofarabia في المنتدى منتدى التراجم
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 29-Nov-2007, 12:00 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •