محمد أبو زهرة (الخطيب المعروف بمدينة الناضور) ينقد “منهج السلفية المتحجرة”



توصلت ‘التجديد’ بكتاب من الفقيه الداعية محمد أبو زهرة الخطيب المعروف بمدينة الناظور، أفرده مؤلفه ضمن سلسلة ارتأى أن يخصصها لنقد بدع ما أسماه ‘السلفية المتحجرة’ ولأن الكتاب ينبئ عن معرفة واسعة للرجل بالمتن السلفي في المملكة العربية السعودية وفي المغرب،
ولأنه توجه إلى نقد أكثر المتون السلفية شيوعا، ويتعلق بكتابات رموز لهم وزنهم عند السلفيين من أمثال ربيع بن هادي المدخلي ومقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، لاسيما وقد اقتدى بهم جمهور كبير من الشباب السلفي، ولأن الكتاب أيضا اعتمد في منهجه على النقد العلمي المراعي لمواصفات المناقشة العلمية؛ بدءا بذكر مقالة الخصم وتفكيكها وكشف نقاط ضعفها ومجافاتها للأصول الشرعية؛ فضلا عن البعد عن الاتهام، ولأن الهدف من الكتاب ـ أو السلسة ـ كما صرح مؤلفها ـ هي هداية الشباب إلى منهج الوسطية والاعتدال وإنقاذهم وحمايتهم من مواقع الغلو والتطرف، فقد ارتأت ‘التجديد’ إسهاما منها في التعريف بهذا الجهد ـ حتى قبل أن يطبع الكتاب ـ أن تعرف به وبأهم مضامينه، وأن تنبه بذلك على أهمية البعد الفكري والمنهجي ودور العلماء في مواجهة تحدي التطرف والغلو؛ من خلال فتح حوار علمي حول أهم القضايا التي باتت تشكل أعطابا مفصلية في الفكر السلفي. لا يتعلق الأمر فقط بقضية التكفير التي تشكل عطبا مركزيا في فكر الغلو السلفي، ولكن يتعلق الأمر بقضايا كثيرة يحاول هذا الكتاب أن يقف عند بعضها، كما يحاول أن يركز أكثر على الأعطاب المنهجية والأصولية التي يرتكبها العقل السلفي ‘المتحجر’.

في القصد من الكتاب




منذ البدء يؤكد صاحب الكتاب أنه لا يقصد بمؤلفه ما يعرف بالتيار السلفي، وإنما يخص بالذكر والنقد ‘التَّـيَّارَ الذِي تَـحَـجَّـرَ مِنَ السَّلَفِيَّةِ’ أما غيرهم ممن لم يتحجر ‘فَلاَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ’، ومنذ البدء يحسم أبو زهرة مع مصطلح السلفية، مؤكدا أن التعلق بالمصطلح عند عموم السلفيين لا يضر إن كانت تعني حقيقة ‘وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة، والعمل بما جاء فيهما’، شريطة أن يكون ذلك ‘على فهم السلف الصالح’، أما أن تجافي القواعد الشرعية وتقفز على الأصول المرعية في الخلاف، وتطعنه في العلماء وتتلذذ بلحومهم، وتحاول تضييق الواسع وعدم الإقرار بالخلاف المعتبر، ومحاولة فرض الرأي الواحد واجتثاث الخصم واستئصال فركه، فهذا في نظر المؤلف لا يمت بصلة إلى السلفية، فهي أقرب أن تسمى عند المؤلف ‘إيديولوجية من صنع البشر، أكثر من التعلق بالإسلام ذاته الذي هو من وضع الله عز وجل ورسوله’.

ويعتبر المؤلف بهذا الخصوص أن أكبر مشكلة تعترض هذه الفئة المتحجرة من السلفيين أنها تخالف مفهوم السلفية مخالفة واضحة لا غموض فيها! ويفسر الاستنتاج الذي خلص إليه بكون فهم السلف الصالح للكتاب والسنة كان يميز بين القطعي الدلالة وظنيها،’فما كان مناطه ثابتاً فإن حُكْمَهُ يكون ثابتاً بالضرورة، وذلك لأن الله ـ عز وجل ـ ذكر في كتابه الحكيم ‘أدلةً قطعيةً’ بخصوص ذلكم المناط الثابت، وكذلك فعل رسوله المصطفى، لقد سَنَّ ‘سنناً قطعيةً’ للمناطات الثابثة تمثلت في أفعاله وأقواله وتقريراته، وما كان مناطه متغيراً فإن حكمه يكون متغيراً ـ كلما تغير ذلكم المناط ـ بالضرورة’، وأشار المؤلف إلى أن الشارع حتى لا يخرج الحكم عن نطاق الكتاب والسنة، أَوْرَدَ في الكتاب، كما في السنة ‘أدلةً ظنيةً’ كثيرة، وكثيرة جداً، يقوم الفقهاء باسقرائها، ثم يستنبطون منها الأحكام للمناطات المتغيرة؛ وذلك لا يمكن أن يتم إلا بالاجتهاد؛ ويشير المؤلف إلى أن أمة الإسلام ـ سواء في عصر السلف أو في عصر الخلَف ـ كثيراً ما اسْتَجَدَّتْ وتسْـتَجِدُّ فيها مناطات لا توجد بخصوصها أدلة في الكتاب ولا في السنة لا قطعية ولا ظنية؛ واستعمل المؤلف اصطلاح القرضاوي في تسمية هذه المناطات بـ’منطقة العفو’، وأشار إلى أن الشارع أيضا وحتى لا يخرج حُكْمُ مَنَاطَاتِ هذه المنطقة عن نطاق الكتاب والسنة، قد احْـتَـاطَ، لذلك أَوْرَدَ في الكتاب، كما في السنة نصوصاً ‘كُـلِّـيَّـةً’، هي عبارة عن مبادئ وقواعد كلية ثابتة، أو مقاصد شرعية، يقوم الفقهاء بالنظر فيها، ثم يتوصلون إلى الأحكام المطلوبة عن طريق الاستقراء والاستنباط كلما استجد في الأمة مَـنَـاطٌ من النوع الذي نحن بصدده؛ مؤكدا أن ذلك لا يتم إلا بالاجتهاد من العلماء، سواء كان في صورة فردية أو جماعية مؤسسية.

وأكد أبو زهرة أن هذا التمييز المنهجي في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة هو ما ميز فهم السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين للكتاب والسنة، وأنه بفضل هذا خالفقه الصحيحح لم تخرج حياتهم ـ العلمية والعملية ـ عن نطاق الكتاب والسنة؛ سَوَاءٌ كَانَ الْـمَـنَاطُ ثَـابِـتاً أَوْ مُـتَـغَـيِّـراً، سَوَاءٌ دَلَّ عَلَى الْحُكْمِ نَصُّ قَطْعِيٌّ أَوْ ظِـنِـيٌّ؛ أَوْ حَـتَّى فِي حَـالَـةِ مَا إِذَا اسْـتُـخْرِجَ الْحُكْمُ مِن مَّبَادِئَ وَقَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ عَنْ طَرِيقِ الاسْتِقْرَاءِ وَالاسْتِنْبَاطِ، يَبْقَى الْحُكْمُ مَنْسُوباً إِلَى الشَّرْعِ.

وبعد أن يوضح بهذه المقدمات أصول منهج السلف في التعامل مع المتحجرة من السلفيين لا تحترم هذا الفهم الصحيح، ولا تنضبط لأصوله، ‘لقد جالسناهم وخالطنهم، وناقشناهم مراراً وتكراراً، أياماً وشهوراً وسنواتٍ، فما وجدنا عندهم سوى فهم أُحَــــادِيِّ الجانب!’

منهج الغلو السلفي والنمطية الثلاثية

وبعد أن يعرض لنماذج وأمثلة كثيرة من الفهم الذي لا يحترم منهج السلف؛ ينتهي الشيخ أبو زهرة إلى أن السمة الكبرى التي تميز ‘السلفية المتحجرة’ هي النمطية، ويرى أنها تتجلى في ثلاثة أشكال:

الشكل النمطي الأول: التعامل مع ما هو متغير وظني بنفس الطريقة والأسلوب الذي يتعاملون به مع ما هو ثابت وقطعي!

الشكل النمطي الثاني: أنهم يرون أنه يجب أن نطبق في حياتنا الحالية جميع الأحكام التي طبقها السلف الصالح في حياتهم السالفة، حتى تلك التي استنبطوها من الكتاب والسنة بواسطة الاجتهاد، سواء كانت أدلةُ تلك الأحكام نصوصاً كليةً، أو توصلوا إليها عن طريق الاستقراء لعددٍ من النصوص الظنية! ويبين أبو زهرة العطب الأساسي في هذا الفهم وهو كونهم ‘لا يفهمون أو لا يريدون أن يفهموا أن الأحكام لا تراد لذاتها، وإنما تراد لغيرها، أي لمناطاتها، والمناط تتحكم فيه العلة، يوجد بوجودها ويزول بزوالها؛ وإذا ما زالت العلة أو تغيرت زال المناط حتماً أو تغير، وفي تلك الحالة ـ أي إذا زالت العلة أو تغيرت، وبالتالي زال المناط أو تغير ـ وَجَبَ أَنْ يَزُولَ أَوْ يَتَغَيَّرَ الْحُكْم’.

الشكل النمطي الثالث: إنهم يقولون: يجب على أهل السنة والجماعة أن يوحدوا مرجعيتهم؛ وهم لا يقصدون المعنى الصحيح الواجب شرعاً، أي على المصدرين المعصومين ‘الكتاب والسنة’، وإنما على بعض العلماء الذين يعدون على رؤوس الأصابع! وأنهم يعتبرون من خالفهم من جمهرة علماء الأمة العلماء علماء البدعة والضلالة، وأنه لا اعتبار لهم!

ويدلل أبو زهرة على ذلك بقوله ‘يكفي أن يقول عالم بجواز الانتخابات، أو بجواز الأخذ بالديمقراطية في الشؤون السياسية، حتى يصنف عند هذه الفئة من السلفيين المتحجرين في خانة العلماء المبتدعين الضالين الذين لا اعتبار لهم!’ ثم يؤكد أن السلف الصالح كانوا يقولون بوجوب توحيد المرجعية على الكتاب والسنة وليس على حفنة من العلماء يعدون على رؤوس الأصابع، ويستدل على ذلك بوجود مدرستين في عصر السلف؛ ‘مـدرسـة الأثــر’ في الحجاز؛ التي كان رائدها الأول التابعي الجليل الكبير سعيد بن المسيب، وهو شيخ الزهري الذي كان بدوره شيخاً لإمام دار الهجرة مالك بن أنس؛ و’مـدرسـة الــرأي’ في العراق التي كان رائدها الأول أحد كبار التابعين إبراهيم النخعي، وهو شيخ حماد بن أبي سليمان الذي هو شيخ أبي حنيفة؟ وأن هاتين المدرستين تعايشتا جنبا إلى جنب، وأنهما معا كانتا من صميم أهل السنة والجماعة؛ دون أن تلغي إحداهما الأخرى.

نقد السلفية المتحجرة

يؤكد الشيخ أبو زهرة في هذا المبحث أنه لا ينتقد السلفيين على ما هو من حقهم، وإنما ينصب انتقاده لهم على ما ليس من حقهم، ويعتبر أن لهم الحق في أمرين اثنين، وليس لهم الحق في أمرين.

فلا يرى حرجا في حقهم في حرية الانتساب والتسمية؛ ‘من حقهم أن ينتسبوا إلى السلفية وأن يسموا أنفسهم سلفيين’، كما يرى أن لهم الحق في حرية الدعوة؛ ‘من حقهم أن يعرضوا سلفيتهم على الناس وأن يدعوهم إلى الانتساب إليها والعمل بها’.

ويعتبر المؤلف أن هذين الأمرين للسلفيين فيهما حق مشروع لا ينازعهم فيهما أحد: حرية العقيدة والدين، وكذلك حرية التعبير عما يعتقده الإنسان ويتدين به، ويشير إلى أن القرآن الكريم كفلها حتى لغير المسلمين.

لكنه في المقابل يشير إلى أمرين لا يجوز لهما القيام به، ويتمثل الأول في إرهاب الناس من أجل ترك ما هم عليه، ويتمثل الثاني في إكراه الناس على اعتناق ما يعرضونه عليهم من السلفية، وما يدعونهم إليه من الإيديولوجية الوهابية.

ويشير إلى أن أخطر أنواع الإرهاب أثرا وأشدها وقعا هو الإرهاب المعنوي، والذي يندرج تحته ‘السب والشتم واللعن والتبديع والتفسيق والتضليل والتجهيل والتشريك الذي يتوجه لصفوة من العلماء الربانيين والفقهاء الأجلاء، الذين لا يستجيبون لدعوتكم، ولا يوافقون رموز التوجه السلفي على ما يذهبون إليه من الاجتهادات والآراء والاستنباطات’.

ويعرض أبو زهرة إلى سبع قضايا فرعية وجزئية يعتبرها السلفيون مثل الأصول التي يوالون عليها ويعادون، ويتعلق الأمر بـ:

ـ التسبيح بالسبحة.

ـ مسح الوجه بعد الدعاء.

ـ قراءة القرءان الكريم ترحما على الميت.

ـ جعل طعام الوضيمة للميت.

ـ الاحتفال بذكرى مولد سيد الأولين والآخرين.

ـ قراءة القرءان الكريم جـماعة.

ـ التلفظ بـ’صدق الله العظيم’ بعد قـراءة القـرءان الكريم.

ويؤكد أبو زهرة أن هذه المسائل جرى فيها الاختلاف بين الفقهاء قديماً وحديثاً؛ ويرى أبو زهرة أنه من الإكراه المعنوي إلزام الأمة برأي واحد، ومحاولة فرض الحكم الذي ترجح عند طائفة من السلفيين على جمهور الأمة مع وجود من يخالفهم في ذلك من العلماء، فعندما يختلف الأئمة الأعلام أمثال أبي حنيفة؛ مالك ؛ الشافعي؛ أحمد؛ ابن تيمية؛ ابن القيم؛ ابن حجر؛ النووي؛ الذهبي؛ ابن كثير؛ العز بن عبد السلام؛ ابن عبد البر؛ ابن العربي المالكي؛ القرطبي؛ ابن رشد؛ ابن حزم؛ السخاوي؛ السيوطي؛ السبكي؛ القرافي .. في مسألة ويكون لها حكمان أو أكثر؛ واحد يقول بالجواز والثاني بالمنع، فإذا ترجح عندكم قولٌ من الأقوال ـ يقول أبو زهرة- وتأخذون به وتطبقونه في حياتكم ـ وهذا من حقكم ـ ؛ لكن أن تمنع الأمة أو بعض شرائها من العمل بما ترجح عند علماء أفاضل لهم وزنهم بما يخالف رأي السلفيين؛ فمن الإرهاب الفكري والمعنوي يرى أبو زهرة أن يتوجه إليهم بالتفسيق والتبديع والتضليل والتكفير، وهذا هو عمق العطب الفكري والمنهجي الذي ترتكبه هذه الفئة خ حسب أبو زهرة- وهو الذي يقودها إلى تكفير الأئمة الأعلام والطعن فيهم ومحاولة فرض رأي أحادي واستئصال الرأي الآخر.

ويرى أبو زهرة أن أخطر أنواع الإرهاب الفكري والمعنوي أن يوصف المخالف بكونه ضد السنة النبوية، لأن في ذلك حسب رأيه تحويل لاجتهادات السلفيين إلى عين السنة النبوية، وتحويل آراء بقية العلماء والأعلام إلى مبتدعة ودعاة ضلال.

التلذذ بأكل لحوم العلماء

بعد ذكر أهم الاختلالات المنهجية والأصولية التي ترتكبها ‘السلفية المتحجرة’ يعرض إلى آثار هذا المنهج على مستوى المواقف والسلوك، ويخص بالذكر قضية التلذذ بأكل لحوم العلماء من خلال اعتمادهم على بدعتين اثنتين، بدعة تمييع الجرح والتعديل، والتي قادتهم إلى التجريح في العلماء والطعن فيهم والوصول إلى درجة تكفيرهم، وبدعة حذف ركن من أركان القياس؛ وهي البدعة التي جعلتهم يقيسون جماعات الدعوة والحركات الإسلامية على الفرق الضالة، ويدخل أبو زهرة في محاكمة علمية بخصوص هذه القضية من خلال قياس الدواعي التي فسرت نشوء الحركات الإسلامية والأهداف التي جاءت من أجلها، والمقارنة بينها وبين الفرق الضالة التي كان أساسها هدم الإسلام من الداخل وتخريب الخلافة الإسلامية، ويؤكد بأن منهج السلفية المتحجرة يعتمد القياس بثلاثة أركان دون الركن الرابع المتعلق بالعلة الجامعة بين الفرع (الحركات الإسلامية) والأصل (الفرق الضالة)، موضحا في تفصيل ممتع الفروق الصارخة بين الأصل والفرع، بل والتناقض بين من يهدم الإسلام من الداخل ويسعى إلى تقويض الخلافة، ومن كان سبب نشأته هو الدفاع عن الإسلام واستنهاض همم المسلمين من أجل استعادة الخلافة الإسلامية، ثم ينتقد المنهج الذي يعتمده السلفيون المتحرجون في استعمال حديث الفرقة الناجية، ويشنع عليهم تطبيقهم لآيات الكفر على عباد الله الموحدين، ويذكر في هذا الصدد مثال ما قاله مقبل بن هادي الوادعي في حق العلامة الشيخ يوسف القرضاوي حين اعتبره إمام الضلال والداعية إليه؛ مستشهدا بقوله تعالى ‘وَجَعَلنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ’، ويوضح السياق الذي وردت فيه الآية مبرزا التلاعب الخطير الذي تقدم عليه السلفية المتحجرة في التعامل مع نصوص قرآنية موجهة إلى الكفار والمنافقين، وتستعملها في حق الدعاة والعلماء المجتهدين، ثم يعرض إلى عطب منهجي آخر يتعلق بتحويل الفروع إلى أصول، مؤكدا أن الأمور الثمانية التي يجعلهما السلفيون المتحجرون أصولا هي مجرد فروع، ولا يمكن أن يرتفع الاهتمام بها إلى درجة اعتبارها عقبة تقف في طريق الأمة، وتمنعها من إلى الوصول قمة المجد.

ويخلص أبو زهرة إلى أن السلفية المتحجرة تلعب دورا خطيرا ولاشعوريا في خدمة أهداف العلمانيين اللادينيين الذين يريدون إقصاء كل من يشمون فيه رائحة الدين والتدين من المشاركة في الشأن العام، أي في العملية السياسية! يقول أبو زهرة :’وهكذا يلتقي السلفيون المتحجرون والعلمانيون اللادينيون في خندق واحد؛ تجمع بينهم العداوة الشديدة التي يكنونها للإسلاميين الذين ينادون بضرورة اعتماد وتبني المرجعية الإسلامية في السياسة والتشريع’.

عرض: بلال التليدي

هدفي إبعاد الشباب عن الغلو والتنطع

في البدء ما هي دواعي تأليف كتاب عن السلفية ونقد المقولات الفكرية التي تتأسس عليها؟

إن من الدواعي التي دفعتني لتأليف هذا الكتاب عن السلفية ونقد المقولات التي تتأسس عليها ما يلي:

ـ ما شاع بين السلفيين في العقدين الأخيرين من القرن الماضي من الطعن في علماء أهل السنة والجماعة، وخاصة الذين يتبنون المنهج الوسطي، ولا يزال هذا الطعن سارياَ لحد الآن.

ـ هذا الطعن الممنهج بدأه علماء لهم وزنهم أمثال ربيع بن هادي المدخلي ومقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، وسرعان ما اقتدى بهم شباب لا علم لهم ولا فقه، ومارسوا هم بدورهم الطعن في العلماء ـ علماء أهل السنة والجماعة المعتدلين ــ على نطاق واسع جداً، وهذا ما زرع مشاعر الحقد والكراهية في قلوب بعض الشباب تجاه حملة الشريعة.

ـ وهذا كله أوجد ظاهرة من المتدينين الجدد يبدعون ويفسقون ويضللون، وفي بعض الأحيان يكفرون كل من خالف نظرتهم الضيقة والسطحية للدين.

سجلتم في كتابكم العديد من الأخطاء والاختلالات المنهجية في الفكر الذي يتبناه الغلاة من السلفيين، هل يتعلق الأمر بطبيعة العقل السلفي في تعامله التجزيئي والانتقائي مع النصوص ومع اجتهادات العلماء أم يعود إلى مجرد أخطاء علمية أصولية تنتج بالضرورة مثل الأفكار التي يتبناها غلاة السلفية؟

أما عن الأخطاء والاختلالات المنهجية التي برزت في الفكر السلفي الحداثي، إذا جاز التعبير، فهي راجعة بالأساس إلى تلاعب الغلاة منهم بالمناهج؛ فالإسلام يتوفر على ثلاثة مناهج، كل منهج يفعل في محله فقط؛ منهج الجرح والتعديل يفعل فقط في ميدان الحديث النبوي الشريف رواية ودراية، منهج أصول الدين يفعل فقط في ميدان العقيدة تقريراَ وتصحيحاً، منهج أصول الفقه يفعل في ميدان الفقه، بمعني استنباط الأحكام الفقهية العملية التفصيلية من الأدلة الشرعية التي هي نصوص الكتاب والسنة، وكذلك تنزيل هذه الأحكام المستنبطة على مناطاتها. هذا ما استقر عليه أمر المسلمين منذ القرون الثلاثة الأولى المفضلة، وهذا ما أجمع عليه أئمة المذاهب الأربعة المتبعة في العالم الإسلامي إلى يومنا هذا، ولكن الغلاة من السلفيين الذين أنتقدهم في كتابي يستخدمون منهج الجرح والتعديل في ميدان العقيدة والفقه، وليس هذا فقط، وإنما مرروه إلى ميادين الفكر والثقافة والأدب، كما فعلوا مع سيد قطب رحمه الله تعالى، فهو لم يكن فقيها، وإنما الرجل كان أديبا نقادة.

ركزتم في أول كتاب لكم في سلسلة نقد فكر غلاة السلفية على جملة من المقولات التي يعتمدها غلاة السلفية، هل تقصدون من وراء هذا الكتاب دفع هذه المجموعات خاصة منها التي توجد في السجن إلى إحداث مراجعات فكرية وأصولية للقطع مع الغلو والرجوع إلى مواقع الوسطية والاعتدال؟

السلسلة التي أنجزت منها الجزء الأول، وسوف تأتي إن شاء الله أجزاء أخرى متتالية، أرجو من خلالها أن يهتدي الشباب المتدين إلى المنهج الصحيح منهج الوسطية والاعتدال، وأن يبتعد عن الطعن والغلو والتنطع؛ فكثير من الذين يتكلمون عن السنة لا يفقهون من السنة إلا بعض جوانبها؛ وأنا الآن بصدد الكتابة عن السنة؛ فلكي يفهم ويفقه المسلم السنة فهما صحيحا وكاملا لابد له من الإحاطة بمفاهيمها العشرين، الكتاب سوف يصدر إن شاء الله تحت عنوان: ‘السنة النبوية والمفاهيم




http://www.arrifinu.net/?p=5452