[justify]هذا نصف العشر الأواخر يوشك أن يتفلت منا كما تفلت سائر الشهر الكريم من قبله.
شهر فاتحنا فيه بالرحمة ثم أتبعها بالمغفرة لنعيش في أواخره ونحن نرجو العتق من النار.
يفصل بيننا وبين رحيل الشهر المبارك ساعات معدودة. سننتظر سنة كاملة قبل أن يعود شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران. سنة كاملة يحيي الله تبارك وتعالى لها من أراد ويقبض قبلها من أراد. سننتظر سنة كاملة قبل أن يعود الشهر الذي لم نحسن توديعه كما أحسنا استقباله.
أليس عجيبا أن يكون عدد القائمين في أول رمضان أكثر من عدد القائمين في العشر الأواخر؟
أليس عجيبا أن تزدحم المساجد في استقبال رمضان ثم تتفلت صفوف القائمين من أطرافها في العشر الأواخر؟
ما هو الفرق الذي ميزنا عن سلفنا رضوان الله عليهم. بلغنا في فضل العشر الأواخر عين ما بلغنا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
بلغهم أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله.
فتش عن حال السلف كيف سيطبقون سنة النبي صلى الله عليه وسلم في إيقاظ الأهل في هذه العشر الأواخر. كانت امرأة حبيب رحمه الله تقوم في جوف الليل ثم تقف على فراش زوجها وتقول يا أبا محمد قد ذهب الليل و بين أيدينا طريق بعيد وزاد قليل. يا أبا محمد قوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن هاهنا قاعدون.
هؤلاء سلفنا بلغهم عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيرها. فكيف كان امتثالهم؟
يقول إمامنا مالك رحمه الله رأيت بعض أهل العلم إذا دخلت العشر الأواخر اعتكفوا في المساجد فلا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا الفطر مع الناس.
كانوا يجتهدون في أواخر الشهر أكثر من اجتهادهم في أوله، من كان منهم يختم القرآن في عشر صار يختمه كل ثلاث. ومن كان يختم القرآن كل ثلاث صار يختمه كل ليلية
فكيف صار بعضنا اليوم يقصر في العشر الأواخر تقصيرا لم يحصل منه في غيرها؟
لماذا يجتهد بعض المسلمين بالعبادة في أول الشهر ثم تتفلت همته في العشر الأواخر.
نتعجب ونحن نعلم أن بعض السلف ما كانوا يستقبلون رمضان بمثل الجد الذي استقبلناه به. بل كان بعضهم يدخر همته للعشر الأواخر. كان أبو بكرة رحمه الله يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة لا يزيد عليها شيئا فإذا دخل العشر طوى الفراش واجتهد في القيام.
فما هو السر الذي عكس الفتور وضعف الهمة فألقاه في آخر الشهر بعد أن كان عند أبي بكرة في أول الشهر؟
السبب في تقصير بعضنا من بعد الاجتهاد هو تغييب ذكر النار واستذكارها.
اجتهدنا في ثلث الرحمة واستعذبنا الحديث عن التعرض للرحمات وجعلنا من ذكر الرحمة وقودا في اجتهادنا وقيامنا. ثم اجتهدنا في ثلث المغفرة واستعذبنا الحديث عنها وجعلناه وقودا في اجتهادنا وقيامنا. فلما وصلنا إلى ثلث العتق من النيران نفرت نفوسنا من ذكرها واستذكارها. النار كما تحدثنا النفوس أعدت للكافرين. لو دعي أحدنا إلى محاضرة أو موعظة عن النار لاقترح تغيير الموضوع. الحديث عن النار بزعم نفسه حديث سلبي. الحديث عن النار بزعم نفسه هروب من الواقع، يدعو إلى الإحباط والقعود، ثم يقول وماذا يبقى لذكر التخويف من النار بعد ثلث الرحمة وثلث المغفرة؟ الحديث عن النار بزعم نفسه ليس عمليا.
يريد بعض الناس أن يسمع نصحا عمليا واقعيا. وإذا فتشت عن هذا المعيار الذي يعد به النصح عمليا عنده تجده نصحا يخرج له أميرا أو عالما يصلح له جاره وأهله ودنياه وآخرته من غير أن يغير في ذاته شيئا.
أما سلفنا رضوان الله عليهم فقد فقهوا سر تأخير العتق من النيران إلى الثلث الأخير من هذا الشهر الكريم. لم يلقوا حر النار خلف ظهورهم إلا ليجتهدوا في الفرار منها.
سلفنا الذي علموا أن الذي يثبتهم في جوف الليل هو ذكر النار والخوف منها
تدبروا وعملوا بقول الله تبارك وتعالى (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)
لن تجد في سلفنا شابا لا يتابع الإمام بعد تكبيرة الإحرام. يدخر نشاطا عجيبا لآخر لحظة قبل الركوع ليثب على أقدامه. لن تجد مثل هذه الصورة عند سلفنا لأنهم جعلوا من ذكر النار حديثا إيجابيا واقعيا. ذكر حر النار في مضاجعهم هو الذي وثب بهم على أقدامهم(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)
كيف لا يكون الخوف من النار واقعيا وهو الذي دفعهم إلى التقلب آناء الليل بين السجود والقيام. (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه)
الله تبارك وتعالى أثنى على عبيده الذين لم يستبشعوا ذكر النار بعد ذكر الرحمة والمغفرة. فقال تبارك وتعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه)
* جبلت النفس البشرية على النفور من التخويف من النار، ولكن متى كان من شرع الله أن نطاوع النفوس ونطلب رضاها ونجتهد في دلالها ومسايرتها. من سمع من نفسه صوتا يقول إن التخويف بالنار ينبغي أن يقصد به الكفار والظالمون فليرجع إلى السنة المطهرة.
نبيك محمد صلى الله عليه وسلم يخوف المؤمنين من النار فيقول { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } لو أن قطرة من الزقوم قطرت لأمرت على أهل الأرض عيشتهم فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم ؟
ارجع إلى السنة المطهرة لتسمع تخويفا وترى من بعده خوفا تغافلنا عنه.
نبيك محمد صلى الله عليه وسلم يقرأ على منبره الشريف قول الله تبارك وتعالى (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة) (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة) ويحرك رسول الله يديه يقبل بها ويدبر ويرتجف المنبر برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قالوا ليخرن به وهو يحرك يديه ويقول يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز لمن الملك اليوم.
(رفيع الدرجات يلقي الروح من امره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يومهم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)
من تدعوه نفسه إلى الاطمئنان لأن الله يخوف بالنار الكفار والظالمين والفاسقين عليه أن يتدبر القرآن الكريم. الله تبارك وتعالى يأمر أعبد الخلق محمدا صلى الله عليه وسلم بالخوف منها. الله تبارك وتعالى يخوف بالنار جميع عباده فيقول: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ)
من بشعت له نفسه التخويف من النار بعد ثلث الرحمة فليتدبر القرآن الكريم. الله تبارك وتعالى لما مدح عباد الرحمن مدحهم بالخوف من النار. (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)
الله تبارك وتعالى مدح أولي الألباب. أولو الألباب الذين قدموا صوت اللباب والعقل والقلب على وسوسة النفس. مدحهم الله تبارك وتعالى بالخوف من النار فقال: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار)
هذا التخويف هو الذي أثمر خوفا وهلعا من النار دفع السلف إلى اجتهاد في الطاعات والقربات. فعلى كل من يغتر بطاعاته حتى أمن على نفسه أن يقارن أمنه بطاعاته مع طاعات الفاروق وخوفه.
عمر الفاروق (ض) توقد له نار في بيته فيدني يديه منها ثم يقول : يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر! و قال : لو نادى منادي من السماء : أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلا واحدا لخفت أن أكون أنا يا ليتني كنت نسيا منسيا ليت أم عمر لم تلد عمر.
على كل من يغتر بطاعاته أن يفسر لنفسه اطمئنانه وخوف الفاروق رضي الله عنه. عليه أن يفسر لنفسه نفوره من ذكر النار واستذكارها وحرص الفاروق على تذكرها واستذكارها.
على كل من اغتر بطاعاته حتى أمن على نفسه أن يقارن أمنه بطاعاته مع طاعات ذي النورين عثمانَ رضي الله عنه. كان يقول : (لو أني وقفت بين الجنة و النار و لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لا خترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتها أصير)
هؤلاء هم الذين صدقوا في اتباع النبي الذي كان كثيرا ما يستعيذ من النار و يأمر بذلك في الصلاة و غيرها. بل قال أنس: [ كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه و آله و سلم ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار).
*استعذبنا في ثلث الرحمة والرغبة حلاوة العبادة والتعرض للنفحات فعبدنا الله راغبين،
فينبغي في ثلث العتق من النيران أن نشحن الهمم بعبادةٍ خوفُ النار هو وقودها.
الله تبارك وتعالى مدح الأنبياء بالجمع بين عبادة دافعها الرغبة وعبادة دافعها الخوف والرهبة
(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)
فعلينا أن نتواصى بالجد والاجتهاد وأن يشد الواحد منا بهمة أخيه وعزمه قبل أن يتفلت من الشهر الكريم.
علينا أن نعالج بعض الهفوات التي تبرر لبعضنا التقصير والفتور. بعض المصلين يبرر فتور همته بتعدي بعض إخوانه وإسرافه في الطعام والشراب. وبعض إخواننا يبرر فتوره بتعدي بعض إخوانه بالإفطار على طعام ذي رائحة تتأذى منها الملائكة وبنو آدم.
فعلينا أن نتواصي بهدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا العشر الأخير يراعي كثرة اجتماع الناس، فكان يغتسل بين أذان المغرب وأذان العشاء، وكان يطلب شد الهمة بالاقتصاد بالإفطار على تمر ولبن ويؤخر العشاء إلى السحور تروي أمنا عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان إذا دخل رمضان قام ونام فإذا دخلت العشر الأواخر شد المئزر واجتنب النساء واغتسل بين الأذانين وجعل العشاء سحورا ]
وكان سلفنا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر.وكان أنس بن مالك رضي الله عنه بعد ليلة أربع و عشرين يغتسل و يتطيب. وكان يدخر لهذه الليالي أحسن لباسه فإذا أصبح طواه فلم يلبسه إلى ليلته التي تليها.

د صهيب السقار

[/justify]