وإنك لعلى خلق عظيم

الأدب مع الله


بقلم محمد حماد نقلاً عن جريدة الخليج

كان الأدب مع الله هو سلوك الأنبياء والصالحين، وانظر متمعناً في ذلك الحوار المفعم أدباً من المسيح ابن مريم “وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب”، وانظر إلى قول إبراهيم الخليل عليه السلام “الذي خلقني فهو يهدين . والذي هو يطعمني ويسقين . وإذا مرضت فهو يشفين”، ولم يقل وإذا أمرضني حفظا للأدب مع الله، وهو من نوع الأدب نفسه الذي يجعل العبد الصالح يقول “أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها”، ولم يقل فأراد ربك أن أعيبها، بينما قال في الغلامين “فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما” .

والقرآن الكريم حافل بمثل هذا التأدب في اللفظ مع الله، وتذكر قول مؤمني الجن “وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً”، فنسب إليهم الشر، ولم ينسبه إلى الله عز وجل، ولم يقولوا: أراده ربهم، ثم قالوا: أم أراد بهم ربهم رشداً .

وانظر إلى الأدب في الطلب حين ينقطع موسى عليه السلام عن أهله وبلده في رحلة هروبه من فرعون وملئه، إلى خارج حدود سلطته، وهو يجلس في ظل يتفكر فيما جرى له فيخاطب ربه بكل أدب “ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير”، مفتقر إلى ما تسوقه إلي من أي خير، وكان قد اشتد به الجوع، فلم يقل أطعمني، ولم يذكر حاجته إلى من يعلمها تأدباً، وما أروع أدب أيوب عليه السلام في الطلب إذ رفع حاله إلى العليم ولم يصرح بمطلوبه “وأيوب إذ نادى ربه أني مسّني الضر وأنت أرحم الراحمين” .

أعظم الأدب

وكان صلى الله عليه وسلم أعظم المتأدبين لربه، وهو الذي يصفه ربه فيقول: “وإنك لعلى خلق عظيم”، وانظر إليه حين عرج به إلى منتهى العروج في مراتب الكرامة، فوق السماء السابعة، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، حين رأى من آيات ربه ما رأى، في هذا المقام يقول عنه عز وجل “ ما زاغ البصر وما طغى”، وهو وصف لأدبه صلى الله عليه وسلم، لم يلتفت جانباً، لم يصرف بصره يمنة ولا يسرة، وما مال بصره إلى مرأى آخر، ولا تجاوز ما يرى، وهذا كمال الأدب .

ويروى في أحاديث كثيرة وكلها صحيحة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه كما في حديث مسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى، قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال “يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً؟”، وهما مقامان: عبودية مخلصة، وشكر لا ينقطع .

وأعظم الأدب: توحيد الله، وأعظم سوء الأدب: الشرك بالله، وأول التأدب مع الله يكون بالإيمان به، وبإخلاص العبادة له، وترك عبادة ما سواه، فهو الخالق المستحق للعبادة بلا شريك “واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا”، وهو سبحانه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه، بعيدًا عن الرياء، وحقيقة الأدب مع الله تجعل المؤمن يحرص على الطاعة في السر والعلانية، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك” .

والأدب مع الله يعني تعظيم أوامره، فيسارع المؤمن إلى تنفيذها، ويعني أيضا تعظيم حرمات الله، فيجتنبها المؤمن، والمؤمن لا يتكاسل أو يتهاون في أداء العبادات، وإنما يعظم شعائر الله “ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”، وهو يغضب إذا انتهكت حرمات الله، والمؤمن دائم الاستحضار لعظمة الله في قلبه، وقد أشار النبي إلى أن العبد يوم يرتكب الذنب لا يكون مستحضراً لعظمة الله في قلبه فقال صلى الله عليه وسلم: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن”، والعبد الذي عظم قدر الله في قلبه وإن عصى الله في حالة ضعف وغفلة، فإنه يعود ويتوب إلى ربه “إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون” .

جوهر العبودية

ومن حسن الأدب مع الله ألا يستعين المؤمن إلا به وحده، وأن يوقن بأنه هو القادر على العطاء والمنع، فيسأله سبحانه ويتوجه إليه بطلب العون والنصرة، وقد حضنا صلى الله عليه وسلم على أدب السؤال فقال “إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله”، ومن حسن الأدب كذلك أن يتوكل المؤمن على الله في كل أموره، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن حق التوكل فقال “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتعود بطاناً” .

والمؤمن متأدب مع ربه في كل حال له، ومن حسن أدبه كثرة ذكر الله ومراقبته في كل عمل له في السر كان أو في العلانية، ومن علامات الأدب أن يصبر المؤمن على ما أصابه، وأن يرضى بقضاء الله، ولا يعترض على قدر الله، بل يقول ما يرضي ربه “الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون”، ومن سوء الأدب الحلف بغير الله، أو الحلف بالله كاذباً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم “إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت”، ومن سوء الأدب مع الله أيضا ما ورد في الآية الكريمة “ما قدروا الله حق قدره”، وفي تفسير ذلك قال ابن عباس: ما عظموا الله حق تعظيمه، وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته، وقال الأخفش: ما عرفوه حق معرفته، وهذا كله من سوء الأدب .

وإذا كان التأدب مع أصحاب الفضل واجباً فإن من أوجب الواجبات التأدب مع الله، فهو سبحانه وتعالى صاحب كل فضل، ومستوجب كل أدب، والأدب مع الله هو جوهر العبودية، وهو هدف وغاية كل عبادة، وما التوحيد والإخلاص والحمد والشكر والتوكل والرضا والتسليم واليقين إلا وسائل العبد في إثبات عبوديته وتأدبه مع خالقه عز وجل .