كلمة العلامة محمد راغب الطباخ الحلبي عن التصوف

--------------------------------------------------------------------------------
قال الاستاذ والمؤرخ محمد راغب الطباخ رحمه الله تعالى في كتابه الثقافة الاسلامي (1): اذا كان التصوف عبارة عن تزكية النفوس وتصفية الاخلاق، فنعم المذهب ونعم المقصد، وذلك هو الغاية من بعثة الانبياء عليهم الصلاة والسلام، ففي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: «انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق» (رواه البخاري في الادب المفرد في باب حسن الخلق عن ابي هريرة رضي الله عنه، واخرجه الامام احمد والبيهقي والحاكم في الترجمة النبوية وقال: صحيح على شرط مسلم).
وقد تأملنا سيرة الصوفية في القرون الاولى من الاسلام، فوجدناها سيرة حسنة جميلة مبنية على مكارم الاخلاق والزهد والورع والعبادة، منطبقة على الكتاب والسنة. وقد صرح بذلك سيد هذه الطائفة ابو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى كما في ترجمته في تاريخ ابن خلكان حيث قال: مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة.
وفي شرح الاحياء للعلامة الزبيدي ج1 ص174: وقال الجنيد: الطرق كلها مسدودة على الخلق، الا على من اقتفى اثر الرسول صلى الله عليه وسلم. وهي ترجمته في الرسالة (القشيرية) ص.19 وفيها: قال الجنيد: من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الامر، لان علمنا مقيد بالكتاب والسنة. ثم قال بعد السند عن الجنيد: مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة. وقال الجنيد: علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال سري السقطي: التصوف اسم لثلاثة معان: وهو الذي لا يطفىء نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بباطن علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب، ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله تعالى.
وفي شذرات الذهب ج.5 ص279 في ترجمة ابي الحسن الشاذلي، ومن كلامه: كل علم تسبق اليك فيه الخواطر، وتميل النفس وتلتذ به فارم به، وخذ بالكتاب والسنة.
ولغيرهم في هذا الباب عبارات كثيرة، تجدها منثورة في كتاب التعرف لمذهب اهل التصوف للامام الكلاباذي، وفي الرسالة القشيرية وغيرهما..
وهؤلاء فوق ما اتصفوا به من تهذيب النفس والورع والزهد والعبادة، قد قاموا في عصورهم بالواجب عليهم، من ارشاد الخلق الى الحق، والدعوة اليه، وصدهم الناس عن التكالب على الدنيا وجمع حطامها من اي وجه كان، والاسترسال في الشهوات والملذات مما يؤدي الى الانهماك في المحرمات والغفلة عن الواجبات وما خلق الانسان له، وتكون نتيجة ذلك انتشار الفوضى وظهور الفساد، وكثرة البغي والهرج فكان هؤلاء بوعظهم وارشادهم، والحكم والحقائق التي انفجرت من ينابيع قلوبهم، هم حراس الاخلاق، والآخذين بيد الامة الى مناهج الحق وسبل الرشاد، والدعاة الى السعادة الحقيقية، وهي قيام الانسان بجميع ما امر به مع عدم نسيانه نصيبه من الدنيا، فكانوا في جملة السامعين في هذه الامة والمجيبين لقوله تعالى: (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون) (آل عمران: 104).
فسلف الصوفية هم اعلام الملة وسادة الامة وسراجها الوهاج ونورها الوضاح، وبهم وبأمثالهم من المحدثين والفقهاء اهتدت الامة الى الصراط المستقيم، وسلكت المنهاج القويم، وانتظمت احوال معاشهم، وصلحت امور معادهم، وفازوا فوزاً عظيماً.
واذا تتبعنا آثار الصوفية وتراجمهم، نجد ان الكثير منهم قد كان للواحد منهم اتباع يعدون بالألوف، كلما انتسب اليه شخص آخى بينه وبين سابقيه، فتمكنت بين اتباعه والمنتسبين اليه اواصر الالفة وروابط المحبة، وتواسوا فيما بينهم، وتواصلوا بالحق، وعطف غنيهم على فقيرهم، ورحم كبيرهم صغيرهم، فأصبحوا بنعمة الله اخواناً، وصاروا كالجسد الواحد، وكانوا في منتهى الطاعة والانقياد لشيخهم، يقومون لقيامه، ويقعدون لقعوده، ويمتثلون اوامره، ويتبادرون لادنى اشارته.
ومن جليل اعمال الصوفية وآثارهم الحسنة في الامة الاسلامية ان الملوك والامراء متى قصدوا الجهاد، كان الكثير من هؤلاء بايعاز، وبغير ايعاز يحرضون اتباعهم على الخروج الى الجهاد. ولعظيم اعتقادهم فيهم، وانقيادهم لهم كانوا يبتدرون الى الانتظام في سلك المجاهدين، فيجتمع بذلك عدد عظيم من اطراف ممالكهم، وكثيراً ما كان اولئك يرافقون الجيوش بأنفسهم، ويدافعون ويحرضون، فيكون ذلك سبباً للظفر والنصر.
واذا تتبعت بطون التاريخ وجدت من ذلك شيئاً كثيراً، على اننا لا ننسى ان مثل هذا العمل قد كان في كثير من المحدثين والعلماء العاملين.
ومن آثار الصوفية انه اذا حصل اختلاف بين الناس في امور دنياهم وخصوصاً بين اخوانهم المنسوبين اليهم، فانهم يرجعون الى شيخهم، فيفصل بينهم بما انزل الله، ويعودون وهم راضون، ويستغنون عن الترافع الى الحكام لفصل ما بينهم من الخصومات.
وهذا مما شاهدناه بأعيننا وسمعناه بآذاننا في اوائل هذا القرن من بعض بقاياهم بل كان بعض الناس ينذر اخاه بالشكوى الى الشيخ ان لم ينصفه فيعود هذا الى حظيرة الحق خشية ان يبلغ الشيخ عنه شيئاً وهو يحرص ان تبقى سمعته لديه طيبة وسيرته حسنة.


(1) من كتاب «الثقافة الاسلامي ص/302 ـ 304» للمؤرخ الكبير، الشيخ محمد راغب الطباخ، ولد 1293 هـ وتوفي 1370 هـ في حلب.