[justify]

التكية السليمانية مثال رائع للعمارة العثمانية

مئذنتاها تشبهان قلمي رصاص لشدة نحولهما





عند زيارتك لدمشق، وبعد أن تتجول في شوارعها وحاراتها وتستنشق عبق ياسمينها، لا بد لك من التوجه إلى سوق المهن التقليدية التي اشتهرت بها العاصمة السورية منذ نشأتها وحتى الآن .والسوق الذي تأسس عام 1974 يقع في مدخل المدينة القديمة الغربي، ويتألف من قسم المعروضات الذي يضم محلات الفضيات والذهب، والقسم الآخر الواقع في التكية المعروفة باسم التكية السليمانية ويضم معامل الحرف التقليدية، واختيرت التكية الصغرى مكاناً له بينما اتخذت التكية الكبرى مقراً للمتحف الحربي، والتكيتان تمثلان ما يعرف بالتكية السليمانية . فما قصة التكية السليمانية؟ ومما تتألف وما هي أقسامها ومن بناها؟



التكية السليمانية مثال رائع للعمارة في العصر العثماني، وبدئ بناؤها بأمر من السلطان سليمان القانوني في عام 1554 ميلادية، وشيدت مكان قصر (الظاهر بيبرس) الشهير في دمشق، واستغرق بناء التكية ست سنوات، وأنجزت سنة 1560م، وهي من الأبنية التاريخية في دمشق وأعظمها وأبرز ما يميز طراز التكية السليمانية مئذنتاها النحيلتان اللتان تشبّهان المسلّتين أو قلمي الرصاص لشدة نحولهما، وهو طراز لم يكن مألوفاً في دمشق حتى تلك الحقبة، وصمم بناء التكية المهندس سنان باشا الذي كان يرافق السلطان سليمان في حروبه واطلع على الطرز المعمارية في الشرق والغرب، وقد اتخذ في إنشائها التصميم العثماني ذات القباب والأروقة .


الصحن ومساكن الدراويش


تتألف التكية من صحن واسع تتوسطه بركة كبيرة مستطيلة الشكل، وتتوزع حول الصحن مجموعة من المباني، ويحيط بمباني التكية سور حجري، وللتكية ثلاثة أبواب غربي وشرقي وشمالي، أما الباب الشمالي فتتقدمه قبة صغيرة محمولة على أربعة أعمدة وهناك مسجد في جنوب الصحن، وهو مربع الشكل طول ضلعه 16م، تغطي سقفه قبة كبيرة هي أنموذج عام للقباب العثمانية، لها رقبة متعددة النوافذ وطاسة نصف كروية مصفحة بالرصاص، وفي جدران الحرم شبابيك مطلة على الحدائق، ونوافذ القبة المتعددة، كانت من الجص المعشق بالزجاج الملون تمثل مواضيع زخرفية، ولكن زال الكثير منها، وتزين المحراب مقرنصات وتحيط به زخارف من الفسيفساء الرخامية ومنبر من الرخام الأبيض، وتزين ألواح القاشاني جدران المسجد حيث تتوضع فوق النوافذ، وللمسجد مئذنتان كثيرتا الأضلاع، رأساهما مدببان، وفي أسفل ثلثهما العلوي شرفتان مزينتان بالمقرنصات .

وتقع في شرقي الصحن وغربه مساكن الدراويش، ولكل مجموعة منها رواق يتألف سقفه من قباب محمولة على أعمدة، فيه غرف، كل غرفة منها مسقوفة بقبة، وفي كل جناح ست غرف مربعة الشكل، طول ضلعها سبعة أمتار، وهي مزينة بألواح القاشاني .

يقوم في شمال الصحن جناح فيه المخازن والمطابخ وقاعتان واسعتان طول كل منهما أربعون متراً، ويتوسط القاعتين الكبيرتين بناء مؤلف من تسع غرف يتقدمه رواق محمول على أعمدة .

ويستخدم بناء التكية السليمانية حاليا متحفاً حربياً في دمشق، أما المسجد فتقام فيه الصلوات .



حكاية البناء



بنيت التكية السليمانية في دمشق على مثال التكية السليمانية في القسطنطينية (استانبول) ولبنائها حكاية أوردها النجم الغزي في الجزء الثالث من كتاب الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، ومفادها أن السلطان سليمان رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وأمره أن يبني تكية في بستانه: يقول(نجم الدين الغزي) في ترجمة السلطان سليمان:

“كان السلطان (سليمان) ملكاً مطاعاً مجاهداً يحب العلم والعلماء ويقف عند الشرع الشريف وقد عمر السليمانية بالقسطنطينية وهي أعظم مساجدها وأنورها” .

حكي أنه رأى النبي صلي الله عليه وسلم في بستانه في المنام، فأشار إليه بتعمير مسجد، وأراه مكاناً فلما استيقظ من منامه اقتطع جانباً من البستان المذكور وعمرّه مسجداً عظيماً شيد بناءه ووسع فضاءه ووضع محرابه في الموضع الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في منامه، وعمرّ إلى جانبه المدارس العظيمة وأعظمها دار الحديث السليمانية وكان مصرف ذلك من غنائم رودس .

وأمر بتعمير التكية السليمانية بدمشق في موضع القصر الأبلق بالوادي الأخضر، وعمّر إليها مسجداً جامعاً ومدرسة عظيمة شرطها للمفتي بدمشق وكان ابتداء عمارة التكية والمسجد في سنة اثنتين وستين وتسعمائة، كملت هذه العمارة في أوائل شهر صفر سنة سبع وستين وتسعمائة، وولى الإمامة بالمسجد المذكور الشيخ زين الدين بن سلطان والخطابة (العلامة عبد الرحمن) ابن قاضي القضاة ابن الفرفور، وخطب أول خطبة في يوم الجمعة في الرابع عشر من شعبان سنة سبع وستين وتسعمائة، وحضر الخطبة قاضي القضاة بدمشق حينئذ شمس الدين محمد ابن شيخ الإسلام أبي السعود المفتي فأعجبته خطبته وكانت خطبة بليغة فيما يقال، وكان ممن حضر من أعيان الشام محمد بن قيصر والشيخ سعد الدين الجباوي .

وفي ذي القعدة الحرام منها وصل أمر شريف من قبل المرحوم السلطان(سليمان)صاحب الترجمة إلى دمشق بتعمير قلاع بطريق (الحاج الشامي) وتعيين (صنجق) لكل قلعة وفي صحبته (سباهية) و(معلمون) و(فعول)، ومعهم ما يكفيهم من الزاد واحد بالقطرانة وثانية بمعان وثالثة بذات حج وأربعة بتبوك، فعمرت كما أمر وبقي الانتفاع إلى الآن، وله المدارس العظيمة بمكة المشرفة وغيرها ومات في بعض غزواته سنة أربع وسبعين وتسعمائة .

ولما وصل الخبر بموته إلى دمشق ركب قاضي قضاتها علي جلبي قنالي زاده وشيخ الإسلام الوالد للصلاة عليه إلى التكية السليمانية، ووضع القاضي على رأسه مئزراً أصفر وكذلك الشيخ الطيبي وبعض الفقهاء، ولم يفعل ذلك الوالد وأنكره عليهم لما فيها من إظهار الحداد .


التكية عبر التاريخ

تنتشر في بعض الدول العربية مثل الأردن ومصر ما يسمى بالتكية وتقوم المؤسسات القائمة عليها بتقديم وجبات الإفطار في شهر رمضان للكثير من الأسر المحتاجة وقد يمتد عطاؤها طوال العام، وقد يعرف البعض منا ما هي التكية والبعض لا يعرفها فما هي التكية؟

التكية جمعها(التكايا) والتكايا من العمائر الدينية المهمة التي ترجع نشأتها إلى العصر العثماني، سواء في الأناضول أو في الولايات التابعة للدولة العثمانية، وتعتبر التكية من المنشآت الدينية التي حلت محل “الخنقاوات” المملوكية في العصر العثماني، بحيث اختفى لفظ “خانقاه” من البلاد التي استولت عليها الدولة العثمانية .

والواقع أن التكية أخذت تؤدي الوظيفة نفسها التي كانت تقوم بها الخنقاوات، أي أنها خاصة بإقامة المنقطعين للعبادة من المتصوفة، كما أنها قامت خلال العصر العثماني بدور آخر وهو تطبيب المرضى وعلاجهم وهو الدور الذي كانت تقوم به البيمارستانات في العصرين الأيوبي والمملوكي، إلا أنه مع بداية العصر العثماني أهمل أمر البيمارستانات وأضيفت مهمتها إلى التكايا وتطور دور التكايا بعد ذلك، وأصبحت خاصة بإقامة العاطلين من العثمانيين المهاجرين من الدولة الأم والنازحين إلى الولايات الغنية مثل مصر والشام، ولهذا صح إطلاق لفظ “التكية”، ومعناها مكان يسكنه الدراويش وهم طائفة من الصوفية العثمانية مثل المولوية والنقشبندية والأغراب وغالبا ممن ليس لهم مورد للكسب .

وقد أوقفت على التكية الأوقاف وصرفت لها الرواتب الشهرية؛ ولذا سمي محل إقامة الدراويش والتنابلة تكية؛ لأن أهلها متكئون أي معتمدون في أرزاقهم على مرتباتهم في التكية، واستمر سلاطين آل عثمان وأمراء المماليك وكبار المصريين في الإنفاق على تلك المباني وعلى سكانها .والكثيرون من علماء الآثار والعمارة الإسلامية يعتبرون “التكية” تطوراً لفكرة “الخانقاه” التي أقيمت منذ العصر الأيوبي، واستمرت وازدهرت خلال العصر المملوكي، وهي تتشابه مع الخانقاه من حيث الوظيفة كمبنى تقام فيه حلقات الدروس للمتصوفين بينما تكون الدراسة في الخانقاه إجبارية، ومن ثم يتولى مشيختها كبار العلماء والفقهاء وتمنح الدارسين بها إجازات علمية، أما التكية فلا التزام على المقيمين بها، ومن ثم فلا تقوم فيها فصول للدراسة المنتظمة، وإن كان الأمر لا يخلو من عقد محاضرات للوعظ والإرشاد تنعقد بها حلقات الذكر .


الفروقات المعمارية


التكية هي عبارة عن صحن مكشوف يأخذ الشكل المربع تحيط به من الجوانب الأربعة أربع ظلات، كل ظلة مكونة من رواق واحد، وخلف كل رواق توجد حجرات الصوفية السكنية، وهذه الحجرات دائما ما تتكون من طابق واحد أرضي، ليس بالتكية مئذنة أو منبر، أي ليست جامعاً أو مدرسة، وإنما نجد بجهة القبلة حجرة صغيرة بها محراب لإقامة الصلوات، وأيضا ليجتمع الدراويش في حلقات لذكر الله، وهكذا نجد أن عمارة التكية تكون مستقلة بذاتها، والخانقاه عبارة عن صحن مكشوف تحيط به إيوانات متعامدة تستخدم لعقد حلقات الدراسة، وهذه الإيوانات تتعامد على الصحن المربع، وفي أركان هذا المربع توجد خلاوي الصوفية، أي الأماكن أو الحجرات السكنية الخاصة بهم ونجد في الخانقاه كثيراً من الآثار الإسلامية مثل المساجد والمدارس المملوكية والأضرحة ما يعتبره علماء الآثار مسجدا وخانقاه في آن واحد، مثل جامع وخانقاه “علاء الدين البندقداري الصالحي البخمي” 683ه، والتي عرفت “بالخانقاه البندقدارية”، و”مدرسة وخانقاه بيبرس الجاشنكير” 708ه، وبهذا نجد أن الخانقاه قد تكون جامعا أو مدرسة وخانقاه في الوقت ذاته .


ومن أشهر التكايا العثمانية في مدينة القاهرة “التكية السليمانية” التي أنشأها الأمير العثماني سليمان باشا عام 950ه بالسروجية، و”التكية الرفاعية” 1188ه ببولاق، وهي تخص طائفة الرفاعية الصوفية، ولعل من أشهر التكايا العثمانية والتي ما زالت مستخدمة إلى الآن حيث يشغلها مسرح الدراويش هي تكية الدراويش “المولوية” نسبة لطائفة الدراويش المولوية إحدى الطوائف الصوفية العثمانية، ومسرح الدراويش التابع لقطاع المسرح بوزارة الثقافة المصرية .

لقد بقيت التكية السليمانية مقصداً مهماً لكل زوار دمشق سواء قاصدي المتحف الحربي أو سوق المهن التقليدية، إلا أن نقل المتحف الحربي من التكية قبل عدة أشهر وارتفاع أسعار معروضات السوق الذي برره أصحاب المحلات بتزايد الضرائب المفروضة عليهم أفقدا التكية عنصراً مهماً من عناصر الجذب مما أدى إلى تراجع أعداد روادها .

الخليج الجمعة ,17/09/2010 [/justify]