اعلام علماء الشام


أحمد راتب النفَّاخ شيخ العربيَّة في بلاد الشام في ذكراه العاشرة


كتبها تلميذه الوفي الأستاذ محمد حسان الطيان أحسن الله إليه
.






{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}
مرت على وفاة شيخنا النفّاخ[1] سنوات عشر كأنها دقائق عشر، فلم يزل الرجل ماثلاً في الأذهان، حاضراً في الكِيان بما حواه من علم، وما زرعه من مُثُل، وما خلّفه من آثار، وما بناه من رجال، وما وقف من مواقف، بل لن يزال كذلك ما بقي لساننا يلهج بالعربية، وما بقي قلبنا يخفق بحب العربية.
فقد عاش ما عاش لهذه اللغة، لا يكاد يخرج منها إلا إليها، ولا يرى نفسه إلا فيها، ولا ينقلب عنها أو يلتفت عن محبتها’, أو يتقاعس عن الجهاد في سبيلها.
حمل رايتها رَدَحاً من الدهور هو كل ما كتب له أن يعيش في دنيا الناس، وتولّى الذود عن حياضها، والبحث في دقائقها، واكتناه أسرارها وخباياها، واجتلاء معانيها ومبانيها. لم يصرفه عنها صارف، ولم يلتوِ له فيها طريق، ولم يلذَّ له دونها مطعم ولا مشرب، ولم يبال ما أصابه من أذيةٍ في سبيلها. فهو هي، وهي هو، إنها قضيته التي عاش لها ومات لها، ولقي ما لقي من أجلها، وتلبّس بعزّتها وشموخها ولسان حاله يردد قول القاضي الجرجاني:


يقولون لي فيك انقباضٌ وإنما ** رأوا رجلاً عن موقف الذلِّ أحجما
أرى الناس مَنْ داناهمُ هانَ عندهم ** ومن أكرمتْهُ عزّةُ النفس أُكرِما
إذا قيل هذا مشربٌ قلتُ قد أرى ** ولكن نفسَ الحرِّ تحتملُ الظما
ولم أبتذِل في خدمة العلم مهجتي ** لأخدمَ من لاقيتُ لكنْ لأُخدَما
ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ** ولو عظّموه في النفوس لعُظِّما
ولكن أذلّوه جهاراً ودنَّسوا ** محيَّاه بالأطماع حتى تجهَّما


ترفع وشموخ:

لم يكن أستاذنا النفاخ - أعلى الله مقامه - يلتفت إلى شيء من مباهج الدنيا، وكأنه رجل من رجال السلف، يخالُهُ المرء منتسباً إلى القرون الأولى التي وصفها سيد البرية بالخيرية: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم))[2] لهذا ما كنت تراه يترفّع عن كثير مما يتهافت خاصّة الناس عليه بلْهَ عامَّتهم، وقد وصف يوماً صديقاً له اعتذر عن تسنّم مقاليد وزارة في الدولة بقوله: ((إن هذا الرجل يترفّع أن يضع رجله حيث يضع الكثيرون جباهَهم)) ويقيني أن أحقَّ الناس بهذا الوصف هو شيخنا النفاخ، فقد كان حقًّا من هذا الصنف الذي لا تستهويه الأهواء، ولا تعصف به الرغائب، ولا تثنيه المكاره.
قلت له مرة، وقد رأيت ما يعانيه في تنقلاته بين البيت والجامعة: ((لم لا تتخذ لنفسك سيارة؟)) فنظر إليَّ شزراً ثم قال: ((وهل تريد أن أضع على رأسي قرنين؟!)).
وطلب إليه أستاذ كبير أن يدرِّس في جامعة تُجزل العطاء لأساتذتها فرد بأنه لو قيِّض له أن يدرِّس ثَمَّةَ لأبى أن يتقاضى فلساً واحداً مقابل تدريسه، فهو أكبر من أي مال مبذول، وعلمه أعظم من أيِّ عَرَض من أعراض الدنيا، من أجل هذا كان يبذله لبعض طلاب العلم الفقراء، ويضنَّ به على كثير من طلاب السمعة والجاه الأغنياء.
ومن هنا كان الأستاذ - عليه رحمة الله - قاسياً على نفسه أولاً، قاسياً على من حوله ثانياً، ولم تكن قسوته على الناس إلا فرعاً من قسوته على نفسه وجزءاً يسيراً منها، فقد حرم نفسه متاعاً كثيراً، ونعيماً موصولاً، ومراتب تتقطع دونها الرقاب، وقنع بأن يقبعَ في كِسْر بيته على حين ينعم الآخرون بما حصّلوه من غزير علمه، وبما نالوه من عظيم فوائده، وهو في هذا أشبه الناس بالخليل بن أحمد حين قال في حقِّهِ تلميذه النضر: ((أكلنا الدنيا بعلم الخليل وهو في خُصٍّ بالبصرة لا يُشعر به)) ولئن صدقت هذه الكلمة في رجل بعد الخليل لتصدقَنَّ على شيخنا النفاخ فقد أكلنا الدنيا بعلمه وهو قابع في كِسْر بيته، رحمه الله وعوضه خيراً.

صلابة في الحق:

وقد عرف الأستاذ النفاخ بمواقفه الصُّلبة، وإرادته القوية، لا يداهن صاحباً، ولا يجامل جليساً، ولا ينحني لكبير، ولا يخشى في الله لومة لائم، وإذا ما رأى الرأيَ مضى دونه مجاهداً، لا تلين له قناة، ولا يثنيه هوى، ولا يؤثر فيه ترغيب ولا ترهيب.
كنت عنده مرة فزاره وزير كبير له شأن خطير في دنيا السياسة والرئاسة، فرحب به وأكرم وفادته، وأسمعه من صنوف العلم وأفانين القول ما ملك به فؤاده، وانتزع منه إعجابه، ثم كالَ له من صنوف النقد والتعريض ما لا يقوى عليه أحد في ذلك الزمان، حتى لقد أشفق بعض أهل المجلس على صحة الأستاذ لما اعتراه من حِدّة، وما بدا عليه من أمارات الانفعال، وكأني به الصورة الحية لمقولة الرسول الكريم: ((ألا لا يمنعَنَّ رجلاً هيبةُ الناسِ أن يقول بحقٍّ إذا علمَهُ))[3]. فقد أعلن الحق الذي علمه، ولم يخشَ صولة الحاكم، ولا بأسَ المتحكِّم، وإنما قال: ((لا)) بملءِ فيه، فكان رجلاً، والرجال قليل، وما أصدق ما قاله الأول فيه وفي أمثاله: ((يعجبني من الرجل إذا سيمَ خسفاً أن يقول لا بملء فيه)).

جبل علم هوى:

وكان الشيخ النفاخ - برَّد الله مضجعه - جبلاً من جبال العلم الراسخة، وبحراً من بحور الفهم العميقة، بَرَعَ في علوم العربية المختلفة، فأصبح حجةً في كل فن من فنونها، فما شئت من بصر باللغة، وعلم بالنحو، وفهم بالصرف، وتذوق للبلاغة، وإتقان للعروض، ورواية للشعر، ودراية بالأدب والنقد، ومَكِنَةٍ في الأصول، وتضلّع من القراءات القرآنية صحيحها وشاذِّها، ومعرفة بالأحرف السبعة تاريخها وأسرارها، وخبرة بالتراث العربي مخطوطه ومطبوعه، وقدرة على تحليل النصوص والنفاذ إلى خباياها، ودقة في تحقيق المخطوطات واستدرار عطاياها.
ولو شئتُ أن أمضي فيما افْتَنَّ فيه الشيخ لمضيتُ، ولم وسعَتْني هذه الكُلَيمة.. فما كان النفاخ رجلاً كسائر الرجال.. ولكنه أمّةٌ في رجل:


وقالوا الإمامُ قضى نحبَهُ ** وصيحةُ مَنْ قد نعاهُ عَلَتْ
فقلتُ: فما واحدٌ قد مضى ** ولكنَّهُ أمّةٌ قد خَلَتْ

وقد عرفته الجامعة ( جامعة دمشق ) محاضراً في غير ما فن من فنون العربية..
حاضر في الأدب الجاهلي فكان أصمعيَّ عصرِهِ، ودرّس المكتبة العربية والمعجمات فكان جوهريَّ دهره، وقرَّر مادة العروض فكان خليلَ وقتِهِ، وأقرأَ الكتابَ القديم فكان مبرّدَ زمانِهِ، وتصدَّى للنحو والصرف فكان سيبويهِ أوانِهِ، وتناول الدراسات اللغوية فكان ابنَ جني عهدِهِ.


مُلقّنٌ مُلْهَمٌ فيما يحاولُهُ ** جمٌّ خواطرُهُ جَوَّابُ آفاقِ

وكان من جميل صنع الله بي أن درست عليه هذه الموادّ جميعاً في سني الدراسة الجامعية العادية والعليا، فتقلَّبت في نُعْمى اختصاصاته، وتدرجت في معارج علومه، ورأيت منه كل عجيبة وغريبة، ورويتُ عنه كل شاذّة وفاذّة، فلا تعجب إن تمثّلت فيه بما أنشده أبو العباس اليشكري في محاسن أبي عمر اللغوي المعروف بغلام ثعلب:


فلو أنني أقسمتُ ما كنت حانثاً ** بأن لم ير الراؤون حَبراً يُعادِلُهْ
هو الشَّخْتُ[4] جسماً والسَّمين فضيلةً ** فأعجِبْ بمهزولٍ سمينٍ فضائلُهْ
تضمّن من دون الحناجر زاخراً ** تغيبُ على من لجَّ فيه سواحلُهْ
إذا قلتُ: شارفنا أواخر علمِهِ ** تفجّر حتى قلتُ: هذي أوائلُه[5]

بناء الرجال:

وكان له من وراء هذه الجامعة جامعة أخرى تضمه مع النخبة من صحبه ومريديه’, تلكم هي بيته الذي أصبح مثابة لطلاب العلم وقبلة للباحثين، يؤمونه من كل مكان، ويقصدونه في كل وقت وحين، فلم يكن - رحمه الله - يخصص يوماً لندوة أسبوعية أو شهرية، وإنما كانت ندوته تنعقد يوميًّا، لا تكاد تطرق بابه إلا وجدت عنده ضيوفاً تعمر بهم الدار، ويلتئم بهم المجلس، ويدور الحديث في كل علم وفن ومعرفة، والشيخ يزينه ويتوِّجه بعلمه الجمِّ، وتواضعه المحبَّب، وصوته المجلجل، وحديثه المفعم بالحبِّ والعطاء ((إن الكلام يزين ربَّ المجلس)).
ومن الوفاء لذلك المجلس وصاحبه أن نذكر أسماء بعض رواده الذي أفادوا منه، وأصبحوا ملء السمع والبصر، من مثل الأستاذ الدكتور محمود ربداوي، والأستاذ الدكتور رضوان الداية، والأستاذ الدكتور مسعود بوبو - رحمه الله - والأستاذ الدكتور وهب رومية، والأستاذ الدكتور عز الدين البدوي النجار، والأستاذ محسن الخرابة، والأستاذ الدكتور مصطفى الحدري - رحمه الله -، والأستاذة الدكتورة منى إلياس، والأستاذ مطيع الببيلي، والأستاذ الدكتور عدنان درويش، والأستاذ بسام الجابي، والأستاذ نعيم العرقسوسي، والأستاذ إبراهيم الزيبق، والأستاذ الدكتور عبد الله النبهان، والأستاذ الدكتور إبراهيم عبد الله، والأستاذ الدكتور أحمد راتب حموش، والأستاذ الدكتور طاهر الحمصي، والأستاذ الدكتور محمد الدالي، والأخ الدكتور يحيى مير علم، والدكتور عبد الكريم حسين، والدكتور نبيل أبو عمشة, وكاتب هذه السطور.. وغيرهم كثير.


ترنو إليه الحدَّاث غاديةً ** ولا تملُّ الحديث من عجبِهْ
يزدحمُ الناس كلَّ شارقةٍ ** ببابِهِ مُشرِعين في أدبِهْ

والحقُّ أن الشيخ - رحمه الله - بنى رجالاً، وخلَّف جيلاً من الباحثين يدينون له بالكثير، حتى لقد أصبح شكره لازمةً لا تكاد تخلو منها رسالة جامعية، أو كتاب محقق، أو بحث علمي لغوي في جامعة دمشق، بل لقد تعدى أثر ذلك إلى جامعات أخرى، وإلى مواطن أخرى


يبني الرجالَ وغيرُهُ يبني القرى ** شتّانَ بينَ قرًى وبينَ رجالِ

صنو النفاخ وقرينه:

وإذا ذكرنا مجلس الأستاذ راتب فلا بد أن نذكر عَلَماً كبيراً وعالماً وزيراً كان يؤمُّهُ، وقد عرفناه فيه قبل أن نعرفه أستاذاً في كلية الآداب، ومشرفاً على رسائل الماجستير والدكتوراه، ومديراً للموسوعة العربية الكبرى، ورئيساً لمجمع اللغة العربية بدمشق، إنه أستاذنا الدكتور شاكر الفحام صِنْوُ النفاخ وقرينُهُ، وأخو الصدق الذي ما انفكَّ يشدُّ من أزره ويدفع عنه، ويحُوطُهُ بعين عنايته في الحِلِّ والسفر والإقامة والغربة، والسرّاء والضرّاء، آسياً ومؤاسياً، وراعياً ومنافحاً.

ما أعرف نفسي دخلتُ المجمع مرةً إلا رأيتهما معاً، وإن أنسَ لا أنسَ موقفين شهدتهما لهذين العالمين المتحابَّين يدلاَّن على العروة الوثقى بينهما:
الأول: دخولهما معاً قاعة المحاضرة على طلبة الدراسات العليا، في أول عام تفتتح فيه الدراسات العليا في جامعة دمشق، إذ أسند تدريس مادة الدراسات اللغوية إلى الأستاذ الدكتور شاكر فكان يصحب معه الأستاذ راتب ليقرئا الطلاب فصولاً من كتاب الخصائص لابن جني.
والثاني: رِباط الأستاذ راتب بجوار غرفة العناية المركزة التي عولج فيها الدكتور شاكر على أثر أزمة قلبية ألمّت به، فلم يبرحها إلا معه، فأيّ محبة هذه؟! وأيُّ وفاءٍ هذا؟! إنه العلمُ الرّحِمُ بين أهله.


آثاره:

ويأخذ بعض الناس على الأستاذ النفّاخ قلة ما خلفه من آثار، وندرة ما صنعهُ من أعمال، وما أحسن ما قيل في ذلك[6]:


بغاثُ الطيرِ أكثرُها فِراخاً ** وأمُّ الصَّقرِ مقلاتٌ نزورُ

فأعمال النفاخ بلغت الغاية دقة وإتقاناً، وفصاحة وبياناً، بدءاً من دراسته لابن الدمينة وتحقيقه ديوانه، ومروراً بصنعه فهارس شواهد سيبويه، واختياراته في الأدب الجاهلي، وانتهاءً بتحقيقه قوافي الأخفش. دع عنك ما حبَّره من مقالات غدت نموذجاً فريداً ومثالاً يحتذى في البحث العلمي، والتحقيق المستقصي، والنقد المحكم، والاطلاع الواسع[7].

ومن اطَّلع على مكتبة الشيخ رأى عجباً فيما سطّره على هوامش كتبه من استدراكات وتحقيقات ونقدات لم يكد يخلو منها كتاب قرأ فيه، أو اطّلع عليه، أو عرض له. وكان - رحمه الله - كثيراً ما يقول لنا: إنه ما يكاد يفتح كتاباً حتى تقع عينه على مواطن الخطأ والتصحيف والتحريف فيه، وكأنه موكّلٌ بعثرات المحققين والناشرين، والمؤلفين والباحثين، والسوأة السوآء لمن يقرأ الشيخ عمله على سبيل التتبع والنقد والتعقب والتقويم، إنك عند ذلك لن تجد بياضاً في الكتاب، لا في الهامش ولا في الأعلى ولا في الأسفل، فخط الشيخ يُحدِقُ بالكتاب من كلِّ جانب، بل هو يخالط السطور والأحرف ويدخل فيما بينها معلقاً ومدقّقاً’, ومخرجاً ومحيلاً.. ومقوماً ومعقباً ومُدلّلاً ومستشهداً. وإذا رأيت ثَمَّ رأيتَ علماً غزيراً وفهماً عظيماً.

وقد يُحوجه الأمر إلى إضافة أوراق يودعها الكتاب الذي يتعقبه ليستكمل مسألة يحققها، أو تخريجاً يتتبَّعُهُ، أو إحالة يستوفيها. ولهذا ما كان يبقي على حجم الكتاب كما أخرجته المطبعة لا يقصُّ منه جانباً، ولا ينقص منه هامشاً. وإن أنس لا أنسَ أسفه وحزنه على كتاب تطوَّع أحد أصحابنا بتجليده، فأعمل المجلَّد مقصَّه فيه، فجاء على غير ما يحبُّ الشيخ ويرضى. وإن تعجب فعجب أمر القصاصات التي يجعلها الأستاذ بين صفحات الكتاب ليستدل على مواطن فيه، إذ لا يكاد يخلو منها سفر من أسفار المكتبة.

والحق أن من رواء هذا كله أعمالاً جليلة، كان الأستاذ قد أنجزها أو كاد، ثم حالت حوائل دون إخراجها للناس، على رأسها عمله في القراءات القرآنية والأحرف السبعة، ذلك العمل الذي أكل سني عمره، وكان يعدّه لنيل درجة الدكتوراه، ثم لما بلغ فيه الغاية استنكف أن يتقدم به لنيل الدرجة، وقد حدثني الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين[8] أنه قدم دمشق فزار الأستاذ النفاخ، وأخبره أن أستاذه الدكتور شوقي ضيف - وكان المشرف على رسالته - يطلب إليه أن يكتب ولو ورقة واحدة يلخص فيها نتائج بحثه ليمنحه عليها درجة الدكتوراه، فما كان جواب الأستاذ إلا أن أبى مترفعاً - وأكاد أقول مستنكراً - لأنه كان يرى نفسه فوق تلك الدرجة، بل فوق كثير ممن كان يمنحها.

ومن أعماله الأخرى التي توفّر عليها زمناً طويلاً، وأخذت منه كلّ مأخذ ولكنه لم يخرجها، تحقيقه معاني القرآن للأخفش، ومعرفة القراء الكبار للذهبي، ورسالة الإدغام الكبير المنسوبة إلى أبي عمرو بن العلاء[9], وكان الأستاذ يعتزم أن يشارك بها في تكريم شيخه أديب العربية الكبير محمود محمد شاكر، رحمه الله. ومن هذه البابة أيضاً مراجعته تحقيق كتاب ((الصاهل والشاحج لأبي العلاء المعري)) وهو تحقيق كان قد نهض به الأستاذ الدكتور أمجد طرابلسي - رحمه الله - ثم رغب إلى الأستاذ أن يراجعه، فأعمل الأستاذ فيه فكره وعلمه وقلمه، وامتدت المراجعة نحواً من خمسة عشر عاماً شهدتها عاماً عاماً، والشيخ يعيد التحقيق من جديد، يبدي ويعيد في مسائل، ويتوقف عند مسائل، ويرجئ النظر في مسائل على عادته في إتقان العمل وتجويده وتحكيكه وتثقيفه، وطلب وجه الكمال فيه، وأنّى يُدرك الكمال وهو لله وحده سبحانه.

وتحسن الإشارة هنا إلى أن شيخنا النفاخ راجع الكثير مما أخرجه المجمع من كتب التراث المحققة، أذكر من ذلك على سبيل التمثيل كتاب شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف لأبي أحمد العسكري بتحقيق الدكتور السيد محمد يوسف، وكان الأستاذ يُشركني والأخ الدكتور يحيى مير علم بمعارضته بأصوله، ومن ذلك أيضاً كتاب الأزهية في حروف المعاني للهروي بتحقيق الأستاذ عبد المعين الملوحي، وكتاب شرح أرجوزة أبي نواس لابن جني بتحقيق العلامة الأستاذ محمد بهجة الأثري، وكتابا الإتباع والإبدال لأبي الطيب اللغوي بتحقيق الأستاذ عز الدين التنوخي، ورسالة أسباب حدوث الحروف لابن سينا بتحقيقي مع الدكتور يحيى مير علم.
من ذلك كله يتبدّى أنَّ ما أنجزه الرجل كثير كثير، ولكنه موزّع في بطون الكتب، وحواشي التحقيق، وعقول الطلبة، إذ لم يكن - رحمه الله - يردُّ طالب علم، أو سائل حاجة، أو ملتمس عون في أي شأن من شؤون العلم، وما أكثر ما كان يُقصَد، وما أعظم ما كان يرفِد:


يسقط الطير حيث ينتثر الحَ ** بُّ وتغشى منازلُ الكرماءِ

((ومن قصد البحر استقلَّ السواقيا)).

صفحة مطوية:

ويقودني حديث ما أنجزه من أعمال إلى نشر صفحة مطوية من تاريخه العلمي، تلك هي مرحلة عمله في مركز الدراسات والبحوث العلمية، حيث خطط لمشروع علمي رصين، وأسس بنيانه على قواعد متينة، ثم تخيَّرني مع الأخ الدكتور يحيى مير علم للعمل معه، ذلك المشروع هو إحصاء جذور العربية في خمسة من أمّات المعجمات هي تهذيب الأزهري ومحكم ابن سيده وجمهرة ابن دريد ولسان ابن منظور وقاموس الفيروزآبادي، وقد بدأ الأستاذ المشروع، ثم أتممنا العمل بإشرافه، وكان لتوجيهاته وملاحظاته أثر كبير في استدراك ما فات غيرنا ممن قام بأعمال إحصائية شبيهة.
وشرع معنا أيضاً بعمل آخر يتصل بعلم التعمية واستخراج المعمى ( الشيفرة وكسر التشفير ) إذ استقدم من صديقه الأستاذ الدكتور فؤاد سزكين مجموعاً مهمًّا في هذا العلم، وقام بنسخه بخطه، وأشرف على تحقيقنا رسالة أسباب حدوث الحروف لابن سينا، ورسالة اللثغة للكندي، وكتب توصيفاً دقيقاً لمخارج الحروف وصفاتها من منظور تراثي.

وبهذا يكون نشاط النفاخ قد توزع على أماكن أربعة: جامعة دمشق، ومجمع اللغة العربية، ومركز الدراسات والبحوث العلمية، وبيته.
وما من شكٍّ في أن هذا الأخير - أعني البيت - لم يكن يقل أهمية عن الأماكن الأخرى، بل هو يجمع بينها، وينظم ما انفرط من حلقاتها. قلت له مرة، وقد بلغني أنه وَجَدَ عليَّ إثر تكليفي بتدريس مادة العروض في جامعة دمشق بعد أن نُحِّيَ عنها: ((لأن أكونَ تلميذاً صغيراً في بيتك أحبُّ إليَّ من أن أكون أستاذاً كبيراً في الجامعة)) فقد كان بيته بحق جامعة لطلاب العلم، ومجمعاً لرواد المعرفة، ومركزاً للعطاء والإبداع.. إنه بيتٌ دعائمُهُ أعزُّ وأطولُ.


سأشكرُ ما أوليتَ من حسنِ نعمةٍ ** ومثلي بشكر المنعمين خليقُ

ولا أودُّ أن أدع القلم قبل أن أتمنّى على ابن شيخنا - عبد الله أحمد راتب النفاخ - وطلابه ومحبيه أمنيتين:
الأولى: أن يسارعوا إلى تراث الشيخ فينشروه، سواء ما كان منه أعمالاً منجزة، تحقيقاً وتأليفاً، أو ما كان هوامش علمية انطوت عليها أسفار مكتبته، ففي هذا نشر للعلم، ووفاءٌ لأصحابه، ونفع للناس عميم.
والثانية: أن يبادروا إلى تكريم الشيخ فيسهموا في نشر كتاب يحمل اسمه، وينشر فضله، ويدرس آثاره، ويعلي ذكره، ففي هذا إحياء لذكراه، ووفاء بحقه، وردٌّ لبعض جميله على أهل هذا اللسان العربي، وأرجو أن تتحول هذه الأماني إلى حقائق ملموسة، وألا تكون مجرد أمانٍ نعيش بها زمناً رغداً، بعد أن صار الشيخ النفاخ - أحسن الله إليه - ((ميراثاً نتوارثه، وأدباً نتدارسه، وحناناً نأوي إليه)) كما قال أديب العربية الكبير محمود شاكر في شيخه الرافعي، عليهما رحمة الله.

من شعر النفاخ:

ولعل خير ما أختم به هذه الكلمة أبيات كان الشيخ النفاخ ينشدها في بعض مجالسه الخاصة، وهي من نظمه، وفيها دلالة على مبلغ فصاحته، وجزالة عباراته، وأصالة انتمائه، وصدق عاطفته، وقد كتبتها من فِلْقِ فيهِ:

جحَّافُ يا ابنَ الأكرمي ** نَ من الغطارفةِ الأماجِدْ
لا زالَ ذكرُكَ عالياً ** ينثو المكارمَ والمحامِدْ
لمّا تطاولَ دوبَلٌ ** واختالَ تِيهاً شِبهَ ماردْ
أرسلتَها في مسمع ال ** أيامِ صَيحاتٍ رَواعِدْ
وشَدَخْتَ أنفَ الشركِ مُصْ ** طَلِماً لكلِّ عَمٍ مُعانِدْ
أكرِمْ بها من فَتكَةٍ ** تمَّتْ بها فتكاتُ خالِدْ[10]

وأما أنت يا أبا عبد الله فسلام عليك في الأولين الذين عشتَ معهم بقلبك وفكرك، وسلام عليك في الآخِرين الذي عشت معهم بعطائك وعلمك، وسلام عليك في الملأ الأعلى يوم الدين.
أسأل الله أن يجزيك عن العربية وأهلها خير ما جزى عالماً عن قومه ولغته، وشيخاً عن طلابه وتلامذته، ومجاهداً عن دينه وأمته، وأن يجعل ما قدمت للغة القرآن ذخراً لك وزلفى عند ربك { يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }.


[شرعت في كتابة هذه الكلمة بعد فجر يوم عرفة (9 ذو الحجة 1422 الموافق لـ 21 شباط 2002) في الكويت بمناسبة مرور عشر سنوات على وفاة شيخنا النفاخ رحمه الله, ثم قرأتها في عدة مجالس علمية في البحرين والكويت, ودفعتها لتنشر في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق حيث حظيت بالقبول, ولكن لما طال عليها الأمد نشرتها في مجلة الفيصل العدد 330 (1424هـ - 2004م)].
ـــــــــــــــــــــ
[1] الأستاذ أحمد راتب النفاخ, ولد في دمشق عام 1927م, من أجلِّ أساتذة جامعة دمشق. درِّس في قسم اللغة العربية. كلية الآداب بين عامي 1953 و1955م, وبين عامي 1962 و1979م. وانتخب عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1976م. وتفرغ للعمل به منذ عام 1979م إلى وفاته.
[2] أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود.
[3] رواه أحمد في المسند من حديث أبي سعيد الخدري 3/19.
[4] الشَّخْتُ’: (بفتح الخاء وسكونها) الدقيق من الأصل لا من الهزال, والدقيق الضامر لا عن هزال. والسمين: نقيض المهزول, والفضيلة: المزية والدرجة الرفيعة في الفضل (اللسان: شخت).
[5] تذكرة الحفاظ للذهبي 3/873’, ومعجم الأدباء لياقوت 18/233. وإنباه الرواة 3/174.
[6] تمثل بهذا البيت الأستاذ عبد الهادي هاشم - رحمه الله - في كلمته التي استقبل بها شيخنا النفاخ عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية بدمشق. انظر مجلة المجمع مج53, ج1/1978م ص215.
[7] من ذلك على سبيل التمثيل مقالاته الثلاث التي حملت عنوان نظرات في نظرات, ونشرتها مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق مج 59, ج3/1984م، ومج 60, ج2, ج3/1985م.
[8] عندما لقيته في ندوة تاج العروس التي أقيمت في الكويت احتفاءً باكتمال طبع التاج في أربعين مجلداً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (الكويت 9 - 10 فبراير 2002).
[9] كان من سوالف الأقضية أن الشيخ كلفني والأخ الدكتور يحيى مير علم بجلب مصورة لهذه المخطوطة من مكتبة شهيد علي في تركيا فجلبناها في رحلتنا إلى إصطنبول عام 1981م وجلبنا له أيضاً مصورة عن تعليقة أبي علي الفارسي على كتاب سيبويه وكان يعتزم تحقيقها مع الدكتور شاكر الفحام أمتع الله به’.
[10] انظر خبر وقعة الجحاف والبشر في ديوان الأخطل عند قصيدته التي مطلعها:

لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعةً ** إلى الله منها المشتكى والمعوّل

ومن طريف ما يروى أنه بلغ من فتك الحجاف أن قيل فيه: إنه لا تقبل له توبة, ثم إنه رُئي في آخر عمره يطوف حول البيت قائلاً: اللهم اغفر لي وما أُراك تفعل! فعجب من كلامه رجل إلى جانبه وقال: يا هذا كيف تقول هذا الكلام لأرحم الراحمين؟! والله لو كنت الجحافَ لغفر لك, فقال: أنا هو, فقال الرجل: أنت الجحاف؟ والله لا يغفر لك أبداً.