• الأدلة من القرآن الكريم:
لقد استدل القائلون بإباحة الغناء بكثير من الأدلة من القرآن الكريم منها:
قال الله تعالى ﴿يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير﴾( [1]).
وقال ابن كثير نقلا عن الإمام الزهري وابن جريج في قوله تعالى ﴿يزيد في الخلق ما يشاء﴾ يعني حسن الصوت ورواه عن الزهري البخاري في الأدب المفرد( [2]).
وقال القرطبي في تفسير الآية: إنه حسن الصوت كما ذكر ابن كثير عن الزهري( [3]).
والى هذا المعنى ذهب أكثر المفسرين كالنسفي واليضاوي والخازن وغيرهم ( [4]).
• الأدلة من السنة الشريفة:
عن سيدنا أنس رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في سفره وكان غلام يحدو بهن يقال له أنجشة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير» قال أبو قلابة : يعني ضعفة النساء)( [5]).
وعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أيضا قال: كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم حاد يقال له أنجشة وكان حسن الصوت فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يا أنجش رويدك لا تكسر القوارير)( [6]).
قال قتادة : يعني ضعفة النساء.
وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: قال ابن بطال : القوارير كناية عن النساء اللاتي على الإبل التي تساق حينئذ فأمر عليه الصلاة والسلام الحادي بالرفق بالحداء لأنه حيث الإبل حتى تسرع فإذا أسرعت لم يؤمن على النساء السقوط وإذا مشت رويدا أمن على النساء السقوط... إلى أن قال: نقل ابن عبدالبر الاتفاق على إباحة الحداء وفي كلام بعض الحنابلة خلاف فيه ومن منعه محجوج بالأحاديث الصحيحة.
ويلتحق بالحداء هنا الحداء للحجيج المشتمل على التشوق إلى الحج يذكر الكعبة وغيرها من المشاهد ونظيره ما يحرض أهل الجهاد على القتال.
وعن سيدنا أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له : يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود( [7]).
وعن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار يغنين فقلت أي صاحبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن أهل بدر يُفعل هذا عندكم؟! ... فقالا اجلس إن شئت فاستمع معنا وإن شئت فاذهب فإنه قد رخص لنا في اللهو عن العرس( [8]).
وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم «يا عائشة ما كان معكم لهو؟» فإن الأنصار يعجبهم اللهو».
وفي رواية شريك : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : «فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟ قلت: ماذا تقول؟ قال تقول:
أتيناكم ... أتيناكم فحيانا وحياكم
ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم
ولولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم( [9])
وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت : (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث( [10]) فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب فإما سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإما قال: (تشتهين تنظرين؟) قلت نعم ، فأقامني وراءه خدي على خده وهو يقول: (دونكم يا بني أرفدة حتى إذا مللت قال: (حسبك؟) قلت: نعم، قال: (فأذهبي).
وفي رواية قالت: (دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث قالت : وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر أبمزور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك يوم عيد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا»( [11])).
وعن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: أنشدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مئة قافية من قول أمية بن أبي الصلت كل ذلك يقول (هيه هيه) ثم قال «إن كاد في شعره ليسلم»( [12]).
وعن سيدنا بريدة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى قال لها : «إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا» فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت إستها ثم قعدت عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ﴾ «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر إني كنت جالسا وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف»( [13]).
وعن سيدنا قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ما بعث الله نبيا إلا حسن الصوت)( [14]).
وعن سيدنا فضالة بن عبيد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لله أ شد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة لقينته»( [15]).
وقالت سيدتنا عائشة رضي الله عنها (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتناشدون عنده الشعر وهو يبتسم)( [16]).
وعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر ببعض المدينة فإذا هو بجوار صغار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «الله يعلم إني لأحبكن»( [17]).
عن عبدالله نب الزبير قال: (ما أعلم رجلا من المهاجرين إلا قد سمعته يترنم)( [18]).
وعن سيدنا أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
يا رب إني مؤمن بقيله
فقال عمر رضي الله عنه يا ابن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي حرم الله تقول شعرا؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم خل عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل( [19]).
وعن سيدنا أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال «إن من الشعر حكمة»( [20]).
وعن سيدنا أنس رضي الله عنه قال: قالت الأنصار يوم الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
فأجابهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
لا عيش إلا عيش الآخرة فانصر الأنصار والمهاجره( [21])
وعن سيدنا سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع : ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما اقتضينا وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أتينا
وبالصياح عولوا علينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من هذا السائق) قالوا: عامر بن الأكوع قال (يرحمه الله ) الحديث( [22]).
وعن سعيد بن المسيب قال: مر عمر في المسجد وحسان ينشد فلحظه عمر (أي نظر إليه نظرة إنكار) ثم التفت أي حسان إلى أبي هريرة فقال: (أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول«أجب عني اللهم أيده بروح القدس ») قال نعم( [23]).
وعن سيدتنا عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم «إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »( [24]) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشعر فقال: «هو الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام»( [25]).
• أقوال العلماء
1- الإمام السفاريني رحمه الله تعالى:
يقول العلامة السفاريني شارح منظومة الآداب: (وفي رواية أبي بكر بن الأنباري أن كعب بن زهير لما جاء تائبا وقال قصيدته المشهورة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول
إلى أن وصل إلى قوله:
إن الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف الهند مسلول
رمى صلى الله عليه وآله وسلم إليه بردة كانت عليه وأن معاوية بذل فيها عشرة آلاف فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحدا فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم إلى أن قال: تحصل من إنشاد قصيدة كعب بن زهير رضي الله عنه البردة عدة سنن: إباحة إنشاء الشعر واستماعه في المسجد والإعطاء عليه( [26]).
وقال العلامة السفاريني في منظومة الآداب : (قال في الإقناع وغيره ويباح الحداء الذي تساق به الإبل ونشيد الأعراب).
وقال أيضا: (المذهب الإباحة من غير كراهية لما تضافرت به الأخبار وتضافرت به الآثار من إنشاد الأشعار والحداء في الأسفار وقد ذكر بعض العلماء الإجماع على إباحة الحداء)( [27]).
وقال أيضا في غذاء الألباب : والسماع مهيج لما في القلوب محرك لما فيها فلما كانت قلوب القوم معمرة بذكر الله تعالى صافية من كدر الشهوات محترقة بحب الله ليس فيها سواه كان الشوق والوجد والهيجان والقلق كامن في قلوبهم كمون النار في الزناد فلا تظهر إلا بمصادفة ما يشاكلها فمراد القوم فيما يسمعون إنما هو مصادف ما في قلوبهم فيستثيره بصدمة طروقه وقوة سلطانه فتعجز القلوب عن الثبوت عن اصطدامه فتبعث الجوارح بالحركات والصرخات والصعقات لثوران ما في القلوب لأن السماع يحدث في القلوب شيئا.
2- الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:
ذكر الإمام الشاطبي في كتابه (الاعتصام) أن أبا الحسن القرافي الصوفي يروي عن الحسن البصري رحمه الله أن أقواما أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا يا أمير المؤمنين إن لنا إماما إذا فرغ من صلاته تغنى فقال عمر رضي الله عنه من هو؟ فذكر الرجل فقال قوموا بنا إليه فإنا إن وجهنا إليه يظن أنا تجسسنا عليه امره . قال: فقام عمر رضي الله عنه مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أتوا الرجل وهو في المسجد فلما نظر إلى عمر قام فاستقبله فقال يا أمير المؤمنين ما حاجتك؟ وما جاء بك؟ إن كانت الحاجة لنا كنا الأحق بذلك منك أن نأتيك وإن كانت الحاجة لله فأحق من عظمناه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال عمر: ويحك بلغني عنك أمر ساءني قال: وما هو يا أمير المؤمنين قال: أتتمجن في عبادتك؟ قال: لا يا أمير المؤمنين لكنها عظة أعظ بها نفسي قال عمر قلها فإن كان كلاما حسنا قلته معك وغن كان قبيحا نهيتك عنه فقال:
وفؤادي كلما عاتبته في مدى الهجران يبغي تعبي
لا أراه الدهر إلا لاهيا في تماديه فقد برح بي
يا قرين السوء يا هذا الصبا فني العمر كذا في اللعب
ما أرجي بعده إلا الفنا ضيق الشيب علي مطلبي
ويح نفسي لا أراها أبدا في جميل لا ولا في أدب
نفس لا كنت ولا كان الهوى راقبي المولى وخافي وارهبي
فقال عمر رضي الله عنه :
نفس لا كنت ولا كان الهوى راقبي المولى وخافي وارهبي
ثم قال عمر رضي الله عنه : (على هذا فليغن من غنى)( [28]).
قال الإمام الشاطبي أيضا: والتطريب مد الصوت وتحسينه ففيها ان الشعر المغنى به قد اشتمل على أمرين:
1- ما فيه من الحكمة والموعظة وهذا مختص بالقلوب ففيها تعمل وبها تنفعل ومن هذه الجهة ينسب السماع إلى الأرواح.
2- ما فيه من النفحات المرتبة على النسب التلحينية وهو المؤثر في الطباع فيهيجها إلى ما يناسبها وهي الحركات على اختلافها فكل تأثير في القلب من جهة السماع تحصل عنه آثار السكون والخضوع فهو رقة وهو التواجد ولا شك أنه محمود وكل تأثير يحصل عنه ضد السكون فهو طرب لا رقة فيه ولا تواجد ولا هو عند شيوخ الصوفية محمود( [29]).
2- الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:
* وقال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في بحثه عن الغناء:
اعلم أن السماع هو أول الأمر ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد ويثمر الوجد تحريك الأطراف إما بحركة غير موزونة فتسمى الاضطراب وإما موزونة فتسمى التصفيق أو الرقص.
والقول بأن السماع حرام معناه أن الله يعاقب عليه وهذا الأمر لا يعرف بمجرد العقل بل بالسمع ومعرفة الشرعيات محصورة في النص أو القياس إلى المنصوص ولم يستقم في هذا المجال نص ولا قياس وبهذا يبطل القول بتحريمه ويبقى فعلا لا حرج فيه كسائر المباحات بل إن هناك نصوصا تدل على إباحته فالغناء سماع صوت طيب مفهوم المعنى محرك للقلب وسماع الصوت الطيب بالنسبة لحاسة السمع كرؤية الخضرة والماء الجاري بالنسبة للعين فلا يحرم فإن أدى المنظر إلى الاطلاع على شيء حرام حرم النظر كالنظرة إلى العروة وكالنظر بشهوة وكذلك يحرم السماع إذا كان سماعا لشيء غير حلال أو أدى بطريق انحرف عن الحلال( [30]).
• الأصل في أقوال الإمام الغزالي:
منهج الإمام الغزالي في تحليل الغناء: يذكر الإمام الغزالي منهجه في تحليل الغناء بعد أن استعرض أقوال الفقهاء في حكم الغناء والمقصود سماع ماليس مجونا ولا فسادا، فمن الفقهاء من ذهب إلى تحريمه ومنهم من ذهب إلى كراهته ولكن الإمام الغزالي ينظر إلى الموضوع على أساس آخر ولا يوجد في الدين نص يحرم السماع ولا قياس على نص فيبقى النظر في السماع من حيث هو وهنا يأتي منهج الإمام الغزالي في تحليل الغناء إلى عناصره لمعرفتها وكل منها على حدته ثم النظر فيها مجتمعة فعند تحليل الغناء نجد أن فيه سماع:
1- صوت طيب ، وهذا هو الوصف الأعم وسماع الصوت الطيب من حيث إنه طيب حلال بالنص وهنا يذكر الإمام الغزالي بعض الأحاديث كغناء الجاريتين وهو حلال بالقياس لأنه تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو مخصص بها كغيرها من الحواس وهذه فطرة مجبولة في الإنسان.
2- صوت طيب موزون والوزن شيء زائد على حسن الصوت فقد يكون الصوت حسنا غير موزون أو موزنا غير حسن ومن الأصوات الموزونة أصوات بعض ذات السجع من الطيور فهي مع طيبها موزونة متناسبة المطالع والمقاطع فلذلك يستلذ سماعها ومنها أصوات بعض الآلات الموسيقية فلا حرمة في ذلك إلا ما نهي عنه من آلات أهل المجون أو الشراب وما يؤدي إليه وهو أمر عارض( [31]).
3- كلام موزون مفهوم وهو الشعر وليس فيه من زيادة إلا كونه مفهوما والكلام المفهوم غير حرام والحق في ذلك ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله وهو أن الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح( [32]) وإذا كانت العناصر كل منها على حدة مباحة أيضا فإن الجملة مباحة أيضا إلا إذا تضمن المجموع محظورا لا تتضمنه الآحاد وليس هنا شيء محظور.
4- كون السماع محركا للقلب مهيجا لما هو الغالب عليه وهنا يطرح الإمام الغزالي مسألة هامة لم يهتم بها أحد قبله يقول : لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى إنها لتؤثر فيها تأثيرا عجيبا فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن ومنا يا ينوم ومنا ما يضحك ويطرب ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس.
ويؤكد الإمام الغزالي إلى قيمة هذا الانفعال الإنساني امام الجمال فيقول: من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج وليس له علاج.
ومن ثم يشير الإمام إلى تأثير الغناء في صرف الطفل عما يبكيه والجمال ثقل ما تحمله ثم يزيد رأيه تأكيدا بقوله : إن تأثير السماع في القلب محسوس ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور بل على جميع البهائم فإنها جميعا تتأثر بالنغمات الموزونة( [33]) .
وإذا كان الأمر متعلقا بتأثير السماع في القلب الإنساني فإن الحكم في أمره بالإباحة أو التحريم لا يصح أن يكون مطلقا بل يراعى فيه اختلاف الأحوال والأشخاص وطرق الأنغام نفسها والغاية منها.
ثم بعد هذا يذكر الإمام الغزالي أن الترنم بالكلمات المسجعة الموزونة معتاد في مواضع لأغراض مخصوصة ترتبط بها آثار في القلب وهي ستة مواضع:
أ‌- غناء الحجيج لما فيه من الشوق إلى حج بيت الله وإذا كانت عناصر الغناء والألحان كثيرة متنوعة كان التأثير أبلغ( [34]).
ب‌- والغناء والألحان من وسائل تحريض الغزاة والمجاهدين إذا كان مع الألحان شعر يدعو إلى الشجاعة والتضحية ومن ذلك رجزيات التشجيع في أنواع المباريات وذلك إذا كان بلفظ رشيق وصوت طيب كان أوقع في النفس وكل ما في الأمر أن يكون القتال مشروعا وأن تكون الألحان نفسها عاملا على تقوية النفس لا على حل عقدة الشجاعة وإضعاف صرامتها( [35]).
جـ- أصوات النبياحة ونغماتها وتأثيرها في تهيج الحزن والبكاء وملازمة الكآبة وشريطة ذلك ألا تكون على ما فات ونفذ فيه قضاء الله وإنما تكون على ما فات من تقصير الإنسان وما فرط منه وتحريك هذا الحزن وتقويته محمود لأنه يبعث على التشمير للتدارك والمبدأ العام عند الإمام الغزالي أن المفضي إلى المحمود محمود.
ء- ولم ينس الإمام الغزالي حاجات النفس الإنسانية وما يصاحب شعورها بالسرور في أوقاته مثل أيام الأعياد والأعراس وقدوم الغائب وولادة مولود ونحو ذلك وهذه مناسبات يباح فيها السرور لذلك يقول : ووجه جوازه أن من الألحان ما يثير الفرح والسرور والطرب فكل ما جاز السرور به جاز إثارة السرور فيه ويدل على هذا من النقل إنشاد النساء على السطوح بالدف والألحان عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع.
والإمام الغزالي يدرك تماما الطبيعة البشرية فيقرر السماح بالتعبير المتنوع من السرور بالغناء بالشعر بالرقص والحركات في حدود آداب الدين( [36]) ويؤكد الإمام الغزالي صحة ما ذهب إليه بأدلة نقلية كحديث عائشة حينما كانت تنظر إلى الحبشة ولعبهم في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتشجيع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بقوله: «دونكم يا بني أرفدة» وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة «تشتهين أن تنظري»( [37]) ثم قال «فهذه الأحاديث في الصحيحين وهي نص صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام)( [38]).
هـ- سماع العشاق تحريكا للشوق وتهييجا للعشق وتسلية للنفس فإن كان في مشاهدة المعشوق فالغرض تأكيد اللذة وإن كان في المفارقة فالغرض تهييج الشوق كل هذا يكون في عشق مباح.
والإمام الغزالي يقدر نفسية العاشق ويتفهما ويعرف ما يريح قلبه فيقول: إن الشوق وإن كان ألما فيه نوع لذة إذا أضيف إليه الوصال، فإن الرجاء لذيذ واليأس مؤلم وقوة لذة الرجاء بحسب قوة الشوق والحب للشيء المرجو فهذا السماع تهييج العشق وتحريك الشوق وتحصيل لذة الرجاء المقدر في الوصال مع الإطناب فيوصف حسن المحبوب وهذا حلال إن كان المشتاق إليه ممن يباح وصاله كمن يعشق زوجته فيقضي إلى غنائها لتضاعف لذته في لقائها فيحظى بالمشاهدة البصر وبالسماع الأذن ويفهم لطائف معاني الوصال والفراق القلب فتترادف أسباب اللذة فهذه أنواع تمتع من جملة مباحات الدنيا وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب . وهذا منه.( [39])
و‌- سماع من أحب الله تعالى واشتاق إلى لقاءه فصار لا ينظر إلى شيء إلا رأى آلاء الله فيه ولا يقرع سمعه قارع إلا سمعه منه فالسماع في حقه مؤكد لحبه مهيج لشوقه ومور زناد قلبه ومستخرج منه أحوالا من المكاشفات والملاحظات لا يحيط الوصف بها يعرفها من ذاقها وينكرها من كل حسه عن تذوقها وتسمى تلك الأحوال بلسان الصوفية وجدا مأخوذا من الوجد والمصادفة أي صادف من نفسه أحوالا لم يكن يصادفها قبل السماع ثم تكون تلك الأحوال أسباب لروادف وتوابع لها تحرق القلوب بنيرانها وتنقيه من الكدورات كما تنقي النار الجواهر المعروضة عليها من الخبث ثم يتبع الصفاء الحاصل به مشاهدات ومكاشفات هي غاية مطالب المحبين لله تعالى ونهاية ثمرة القربات كلها فالمضي اليها من جملة القربات لا من جملة المعاصي( [40]).
ومن هذا المنطلق يؤكد الإمام الغزالي رضي الله عنه من جديد إمكان محبة الإنسان لله تعالى لأنه مصدر الموجودات لها فيقول (ولا خير ولا جمال ولا محبوب في العالم إلا هو حسنة من حسناته وأثر من آثار كرمه بل كل حسن وجمال في العالم أدرك بالعقول والأبصار والأسماع وسائر الحواس فهو ذرة من خزائن قدرته ولمعة من أنوار حضرته)( [41]).
• وقال الغزالي والعز بن عبدالسلام من أئمتنا: إنه سنة إن حرك لحال سني مذكرا للآخرة.
وبه يعلم أن كل شعر فيه الأمر بالطاعة أو كان حكمة أو كان في مكارم الأخلاق أو الزهد ونحو ذلك من خصال البر كحث على طاعة أو سنة أو اجتناب معصية يكون من إنشائه وإنشاده وسماعه سنة كما صرح به غير واحد من أئمتنا وهو ظاهر إذ وسيلة الطاعة طاعة.
وقال الإمام الغزالي أيضا: (النصوص التي وردت في السماع والدف تدل على إباحة الغناء والرقص والضرب بالدف واللعب بالدرق والحراب والنظر إلى رقص الحبشة والزنوج في اوقات السرور كان قياسا على يوم العيد فإنه وقت سرور)( [42]).
3- الإمام السهروردي رحمه الله تعالى:
قال الإمام السهروردي : المنكر إما جاهل بالسنن والآثار وإما جاهل الطبع لا ذوق له وأشار بالسنن إلى ما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان له شعراء يصغي اليهم في المسجد وغيره منهم حسان بن ثابت وابن رواحة رضي الله عنهما واستنشد أمية بن الصلت واستمع إليه كما في مسلم( [43]).
4- الإمام العز بن عبدالسلام رحمه الله تعالى:
قال العز بن عبدالسلام : أما سماع الإنشاد المحرك للأحوال السنية المذكر للأمور الأخروية فلا بأس به بل يندب عند الفتور وسآمة القلب ولا يحظر إلا لمن في قلبه هوى خبيث فإنه يحرك ما في القلب( [44]) .
وثم قال العز في تفسيره : وأما الأشعار والتشبيهات فمأذون بها وقد أنشد كعب رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بانت سعاد القصيدة المشهورة فاستمعها ولم ينكر عليها شيئا وفيها الاستعارات والتشبيهات حتى شبه الريقة بالخمرة وكانت حرمت.
ولكن تحريمها لم يمنع عندهم طيبها بل تركوها مع الرغبة فيها والاستحسان بها وكان ذلك أعظم لأجرهم.
وذكر الروياني في البحر أن سعاد كانت زوجته وبنت عمه وأنه إنما أنشد فيها هذه القصيدة لطول غيبته عنها بهروبه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وحكي عن العز بن عبدالسلام رحمه الله ورضي عنه أنه كان يرقص في السماع( [45]).
5- الإمام الماوردي رحمه الله تعالى:
قال الأذرعي : وما أحسن قول الماوردي: الشعر في كلام العرب مستحب إن حذر من الدنيا أو رغب في الآخرة أو حث على مكارم الأخلاق ومباح وهو ما سلم من فحش وكذب ومحظور وهو ما اقترن بأحدهما.
وقد روي أنه ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشعر فقال: هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح( [46]).
6- الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى:
قال ابن عبدالبر: لا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولي النهى وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر أو تمثل به أو سمعه فرضيه وقد نقل ابن عبدالبر الإجماع على جوازه إن كان كذلك( [47]).
7- الإمام أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله تعالى:
قال أبو بكر بن العربي المالكي شارح سنن الترمذي : لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان في مدح الدين وإقامة الشرع.
وقال ابن العربي: أما الاستعارات والتشبيهات فمأذون بها وإن استغرق الحد وتجاوزت المعتاد واستدل بإنشاد كعب بن زهير النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين جاء تائبا حيث قال:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معسول
فجاء في القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمع ولا ينكر حتى في تشبيهه ريقها بالراح( [48]).
وقال أبو بكر بن العربي أيضا: وأما الغناء فإنه من اللهو المهيج للقلوب عند أكثر العلماء منهم مالك بن أنس وليس في القرآن ولا في السنة دليل على تحريمه أما في الحديث الصحيح فالدليل على إباحته فإن أبا بكر دخل على عائشة وعندها جاريتان حاديتان من حاديات الأنصار ثم ساق الحديث بتمامه وقال: فلو كان الغناء حراما ما كان في بيت رسول الله وقد أنكره أبو بكر بظاهر الحال فأقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفضل الرخصة والرفق بالخليقة في إجماع القلوب( [49]) ثم قال : وكل حديث يروى في التحريم، آو آية تتلى فيه فإنه باطل سندا باطل معتقدا خبرا وتأويلا وقد ثبت ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص في الغناء في العيدين وفي البكاء على الميت من غير نوح( [50]).
8- الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى:
ورد ابن حزم على الذين تمسكوا بأحاديث الجارية المغنية أنه لا يحل بيعها حيث قال: طالما أنه يجوز وطؤهن بالبيع فكيف لا يجوز سماع أصواتهن ولو غناء ثم رد على الآخرين الذين تمسكوا بالآية الكريمة ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ﴾( [51]).
فقال: وهذه صفة من فعلها كان كافرا بلا خلاف إذا اتخذ سبيل الله هزوا ولو أن امرا اشترى مصحفا ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوا لكان كافرا فهذا هو الذي ذمه الله تعالى وما ذم قط عز وجل من اشترى لهو الحديث ليتملى به ويروح نفسه لا يضل عن سبيل الله تعالى فبطل تعلقهم بقول كل من ذكرنا( [52]).
9- الإمام المحاسبي رحمه الله تعالى:
قال أبو عثمان النبيسابوري : أنشد قوال بين يدي الحارث المحاسبي هذه الأبيات:
أنا في الغربة أبكي ما بكت عين غريب
لم اكن يوم خروجي من بلادي بمصيب
عجبا لي ولتركي وطنا فيه حبيبي
فقام يتواجد ويبكي حتى رحمه كل من حضره( [53]).
10- الإمام أبو حفص النبيسابوري رحمه الله تعالى:
قال رجل لأبي حفص النبيسابوري إن فلانا من أصحابك أبدا يدور حول السماع فإذا سمع هاج وبكى ومزق ثيابه فقال أبو حفص: إيش يعمل الغريق؟! يتعلق بكل شيء يظن نجاته فيه( [54]).
11- العلامة الشيخ عبدالغني النابلسي رحمه الله تعالى:
يقول الشيخ عبدالغني النابلسي رحمه الله تعالى (إن السماع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- منه ما هو حرام محض: وهو لأكثر الناس من الشباب ومن غلبت عليهم شهواتهم ولذاتهم وملكهم حب الدنيا.
2- والقسم الثاني منه مباح: وهو لمن لاحظ له منه إلا التلذذ بالصوت الحسن واستدعاء السرور والفرح أو يتذكر غائبا أو ميتا.
3- والقسم الثالث منه مندوب: وهو لمن غلب عليه حب الله تعالى والشوق إليه فلا يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة وتضاعف الشوق إلى الله تعالى وهذا القسم الثالث هو سماع الصوفية أهل الصدق والإخلاص في كل زمان( [55]).
ويقول في موضع آخر: (وأما المباح من ذلك فهو إذا كان المجلس خاليا من الخمر والزنا واللواط والمس بشهوة والتقبيل والنظر بشهوة لغير الزوجة والأمة وكان لذلك السامع قصد حسن ونية صالحة وباطن نظيف طاهر من الهجوم على الشهوات المحرمة وكان قادرا على ضبط قلبه وحفظ خاطره من ان يخطر فيه شيء مما حرمه الله تعالى عليه فإنه يجوز له أن يسمع هذا السماع المذكور حينئذ بأنواعه كلها ولا يحرم عليه شيء من ذلك ولا يكره له ما دام موصوفا بما ذكرناه فهو مباح له إن لم يكن من أهل المعرفة بالله تعالى بأن كان عاميا جاهلا غافلا وأما إذا كان من أهل المعرفة والشهود فيصير السماع المذكور حينئذ في حقه مستحبا مندوبا إليه يثاب عليه)( [56]).
ويقول أيضا: ومعلوم أن هذه الآلات المطربة بجميع أنواعها ليست حرمتها من حيث ذاتها وصورتها المخصوصة ولا من حيث ما يصدر عنها من الأصوات المطربة وإلا لكان كل صوت مطرب حراما وهو باطل لأن أصوات الطيور والشحارير المطربة ليست بحرام إجماعا – كما سيأتي – بل حرمتها لاقتران اللهو بها ولكونها ملاهي واللهو بهذا التفسير المذكور يمكن زواله عنها وتعريها عنه فتصير خارجة عن كونها ملاهي ويزيل اللهو عن سامعها بها وإلا لكان العبد مكلفا في الشرع بما ليس في قدرته ومطلوبا منه ما لا يمكنه والله تعالى يقول: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾( [57]).( [58])
12- الإمام أبو نصر السراج رحمه الله تعالى:
قال أبو نصر السراج: السماع على ثلاث طبقات فقوم يرجعون فيما يسمعون إلى مخاطبات أحوالهم ومقامهم وأوقاتهم فهم مرتبطون بالعلم ومطالبون بالصدق فيما يشيرون به لله من ذلك وقوم هم الفقراء المجردون الذين قطعوا العلائق ولم تتلوث قلوبهم بمحبة الدنيا والجمع والمنع فهم يسمعون لطيبة قلوبهم ويليق بهم السماع فهم اقرب الناس إلى السلامة. وأسلمهم من الفتنة وكل قلب ملوث بحب الدنيا فسماعه سماع طبع وتكلف.
13- الإمام ابن البطال رحمه الله تعالى:
قال ابن بطال: ما كان في الشعر والرجز ذكرا لله تعالى وتعظيما له ووحدانيته وإيثار طاعته والاستسلام له فهو حسن مرغب فيه وهو المراد من الحديث (إن من الشعر لحكمة) وما كان كذبا وفحشا فهو مذموم... إلى ان قال: ومحصله: أن الحداء بالرجز والشعر لم يزل يفعل في الحضرة النبوية وليس هو إلا أشعارا توزن بأصوات طيبة وألحان موزونة( [59]).
14- الإمام النحلاوي رحمه الله تعالى :
قال الفقيه خليل النحلاوي الدمشقي في كتابه (الحظر والإباحة) : الباب السبعون: الغناء وهو السماع قال في الفتاوى الخيرية (2/167) بعد نقل أقوال العلماء واختلافهم في مسألة السماع : (وأما سماع السادة الصوفية رضي الله عنهم فبمعزل عن هذا الخلاف بل ومرتفع عن درجة الإباحة إلى رتبة المستحب كما صرح به غير واحد من المحققين )( [60]).
ولما كانت الغاية من الإنشاد الإرشاد والمواعظ والفوائد حيث إن من طبيعة سماعه إثارة كوامن النفوس وتهييج مكنونات القلوب بما فيها من الأنس بالحضرة القدسية والشوق إلى الأنوار المحمدية مما اتصف به ساداتنا الصوفية الذين لم يحتجبوا بالأصوات لهوا ولا يجتمعون عبثا وهم في واد والناس في واد آخر والسر أنهم سمعوا ما لم يسمع الناس وعرفوا ما لم يعرف الناس فسماعهم يثير أحوالهم الحسنة ويظهر وجدهم ويبعث ساكن السوق ويحرك القلب ولما كانت قلوبهم بربهم متعلقة وعليه عاكفة وفي حضرة قربه قائمة فالسماع يسقي أرواحهم ويسرع في سيرهم إلى الله تعالى خلافا لسماع الفسقة اللئام يجتمعون على اللهو وآلات الطرب فيبعث ما في قلوبهم من الفحش والفسق وينسيهم واجباتهم تجاه الله تعالى وعلى ذلك لايمكن قياس الأبرار بالفجار ولا الصالحين على الطالحين وفي معرض الحديث عن فوائد الاستماع لدى ساداتنا الصوفية يطيب للنفس ذكر بعض الشواهد المروية عنهم فمنها:
قال مسلم السواري: ونزلوا على الساحل ذات ليلة فهيأت لهم طعاما ودعوتهم إليه فجاؤوا الي ولما وضعت الطعام بين أيديهم قال قائل:
وتلهيك عن دار الخلود مطاعم ولذة نفس غيها غير نافع
فصاح عتبة الغلام صيحة وخر مغشيا عليه وبكى القوم فرفعت الطعام من بين أيديهم وما ذاقوا والله لقمة منه( [61]).
ولما ورد ذو النون المصري بغداد جاءه قوم من الصوفية بقوالهم وطلبوا منه أن يأذن له بأن يقول فأذن له فأنشد:
صغير هواك عذبني فكيف به إذا احتنكا
وأنت جمعت في قلبي هوى قد كان مشتركا
أما ترثي لمكتئب إذا ضحك الخلي بكى
فقام ذو النون وسقط على وجهه( [62]).
وروي أن أبا الحسين النوري كان مع جماعة في دعوة فجرى بينهم مسألة في العلم وأبو الحسين ساكت ثم رفع رأسه وأنشدهم:
رب ورقاء هتوف في الضحى ذات شجو صدحت في فنن
ذكرت إلفا ودهرا صالحا وبكت حزنا فهاجت حزني
فبكائي ربما أرقها وبكاها ربما أرقني
ولقد أشكو فما أفهمها ولقد تشكو فما تفهمني
غير أني بالجوا أعرفها وهي أيضا بالجوى تعرفني
قال فما بقي أحد من القوم إلا قام وتواجد ولم يحصل لهم هذا الوجد من العلم الذي خاضوا فيه وإن كان العلم جدا وحقا( [63]).
وقال أبو القاسم الجنيد قدس الله سره : (السماع لا يحدث في القلوب شيئا وإنما هو مهيج ما فيها فتراهم يهيجون من وجدهم وينطقون من حيث قصدهم ويتواجدون من حيث كامنات سرائرهم لا من حيث قول الشاعر ولا يلتفتون إلى الألفاظ لأن الفهم سبق إلى ما يتخيله الذهن وشاهد ذلك كما حكي: أن أبا حكمان الصوفي سمع رجلا يطوف وينادي (يا سعتربري)) فسقط وغشي عليه فملا أفاق قيل له في ذلك فقال سمعته وهو يقول ( اسمع تر بري ) ألا ترى أن حركة وجده من حيث هو فيه لا من قول القائل ولا قصده.
وكما روي عن بعض الشيوخ أنه سمع قائلا يقول: (الخيار عشرة بحبة) فغلبه الوجد فسئل عن ذلك فقال (إذا كان الخيار عشرة بحبة فما قيمة الأشرار؟).
فالمحترق بحب الله تعالى لا تمنعه الألفاظ الكثيفة عن فهم المعاني اللطيفة حيث لم يكن واقفا مع نغمة ولا مشاهدة صورة فمن ظن أن السماع يرجع إلى رقة المعنى وطيب النغمة فهو بعيد من السماع.
وقالوا: وأما الحال الذي يلحق المتواجد فمن ضعف حاله عن تحمل الوارد وذلك لازدحام أنوار اللطائف في دخول باب القلب فيلحقه دهش فيعبث بجوارحه ويستريح إلى الصعقة والصرخة والشهقة وأكثر ما يكون ذلك لأهل البدايات وأما أهل النهيات فالغالب عليهم السكون والثبوت لانشراح صدورهم واتساع سرائرهم للوارد عليهم فهم في سكونهم متحركون في ثبوتهم متقلقلون كما قيل لأبي القاسم الجنيد رضي الله عنه (ما لنا نراك لا تتحرك عند السماع؟.) فقال ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾ ( [64]).( [65])
• أقوال الفقهاء:
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه : (الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح).
قال الإمام النووي من الشافعية: ويباح قول الشعر وإلإنشاده إلا أن يهجو أو يفحش أو يعرض بامرأة معينة.
وقال أيضا: (لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان مدحا للنبوة أو الإسلام أو كان حكمة أو في مكارم الأخلاق أو الزهد ونحو ذلك من أنواع الخير).
وقال الإمام ابن عابدين من الحنفية في حاشيته: جواز القول بالشعر وإنشاده ما لم يذكر فيه مالا يحل كصفة الذكور والمرأة المعينة الحية ووصف الخمر المهيج اليها، والهجاء لمسلم أو ذمي وشرط كذلك السادة الحنفية أن لا يكون الغالب عليه هو الشعر بحيث يلهيه عن ذكر الله تعالى وعن أداء الواجبات وطلب العلم.
وقال أيضا في حاشيته : إن التغني المحرم ما كان في اللفظ ما لا يحل كصفة الذكور والمرأة المعينة الحية ووصف الخمر المهيج اليها والحانات والهجاء لمسلم أو ذمي إذا أراد المتكلم هجاءه لا إذا أراد إنشاده للاستشهاد به أو ليعلم فصاحته وبلاغته وكان فيه وصف الزهريات المتضمنة وصف الرياحين والأزهار والمياه فلا وجه لمنعه على هذا( [66]).
وقال العلامة ابن جزئ من السادة المالكية: الشعر ليس مذموما على الإطلاق ثم قال: إن الشعر أربعة أقسام: أحدها حسن وهو الجد والحكمة والثاني ممنوع مطلقا وهو الهجو والثالث المدح والرثاء فإن كان حقا فهو مكروه وإن كان باطلا فهو ممنوع والرابع التغزل فإن كان فيمن لا يحل له فهو حرام وإلا فلا( [67]) .
وقال العلامة ابن قدامة المقدسي من السادة الحنبلية: الشعر كالكلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه ثم قال: وليس في إباحة الشعر خلاف وقد قاله الصحابة والعلماء، والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة العربية والاستشهاد به في التفسير وتعرف معاني كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويستدل به أيضا على النسب والتاريخ وأيام العرب ويقال الشعر ديوان العرب( [68]).
وبعد:
فإن هذه الأدلة تبين لنا بجلاء تام أن الإسلام لم يكن موقفه من الشعر سلبيا بل العكس في ذلك واليك الآن نماذج من سماع الصحابة والتابعين والسلف الصالح رضي الله عنهم:
الغناء والسماع عند الصحابة رضي الله عنهم:
عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر بالحداء( [69]) ويقول: الغناء زاد الراكب( [70]) وكان إذا سمع الحادي قال: لا تعرض بذكر النساء( [71]).
وقد حكى الزهري قال السائب بن يزيد: بينا نحن مع عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه في طريق الحج ونحن نؤم مكة اعتزل عبدالرحمن بن عوف الطريق ثم قال لرباح بن المعترف : غننا يا أبا عبدالرحمن وكان حسن النصب (بسكون الصاد المهملة ضرب من الغناء عند العرب أرق من الحداء) فبينما رباح يغنيهم أدركهم عمر ابن الخطاب – رضي الله عنه – في خلافته فقال ما هذا ؟ فقال عبدالرحمن : لا بأس نلهو ونقصر عنا فقال عمر: فإن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب.
وكان لا يفضل على شعر ضرار إلا أن يغني الإنسان بشعر من شعره لأنه يكون فيه أصدق عاطفة وأسمى إحساسا.
فعن خوات بن جبير قال: خرجنا حجاجا مع عمر فسرنا في ركب منهم أبو عبيدة بن الجراح وعبدالرحمن بن عوف قال فقال القوم إننا يا خوات فغناهم فقالوا غننا من شعر ضرار بن الخطاب فقال عمر: دعوا أبا عبدالله يغني من بنيات فؤاده يعني من شعره فما زلت أغنيهم حتى إذا كان السحر قال عمر: لسانك يا خوات فقد أسحرنا( [72]).
وكذلك البغوي رحمه الله تعالى في تهذيبه وصاحب المهذب وغيرهما: أن عبدالرحمن استأذن على عمر فسمعه يترنم فقال عمر: أسمعني يا عبدالرحمن؟
فقال: نعم فقال: إنا إذا خلونا في منازلنا نقول كما تقول الناس وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يترنم بالبيت والبيتين.
عثمان بن عفان رضي الله عنه :
أما سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد قال الماوردي في الحاوي وصاحب البيان وغيرهما (كان له جاريتان تغنيان له فإذا كان وقت السحر قال لهما: أمسكا فإن هذا وقت الاستغفار )( [73]).
علي بن أي طالب( [74]) رضي الله عنه :
إذا كان الغناء حلالا بشروط فإن من شرط حله عن سيدنا علي رضي الله عنه ألا يعتاده المرء قال سيدنا علي رضي الله عنه (بئس البيت بيت لا يُعرف إلا بالغناء)( [75]).
عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه :
ذكر أهل الأخبار أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى دار عبدالرحمن فسمعه يتغنى بالركبانية( [76]) شعرا:
وكيف مثواي بالمدينة بعد ما قضى وطرا منها جميل بن معمر
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :
روى ابن قتيبة بسنده إلى سليمان بن يسار أنه سمع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يتغنى بين مكة والمدينة فقال سليمان: سبحان الله!! أتفعل هذا وأنت محرم؟ .. فقال سعد: يا ابن أخي: وهل تسمعني أقول هجرا.
أبو سعيد عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه :
روى البيهقي بسنده أن أبا سعيد عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه وكان قد شهد بدرا مر وهو على راحلته وهو أمير الجيش رافعا عقيرته يتغنى بالنصب.
بلال الحبشي رضي الله عنه :
روى البيهقي بسنده عن وهب بن كيسان قال قال عبدالله بن الزبير تغنى بلال وكان متكئا فقال له الرجل: تغنى بالنصب؟ فاستوى جالسا ثم قال: وأي رجل من المهاجرين والأنصار لم نسمعه يتغنى بالنصب.
عبدالله بن الأرقم رضي الله عنه :
ذكر ابن عبدالبر والبيهقي أن عبدالله بن عتبة سمع عبدالله بن الأرقم رافعا عقيرته يتغنى قال عبدالله لا والله ما رأيت رجلا قط ممن رأيت وأدركت أراه كان أخشى لله من عبدالله بن الأرقم وكان عبدالله بن الأرقم من كبار الصحابة رضي الله عنهم( [77]).
حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه :
ثبت في الصحيحين أنه كان عنده قينة تغنيه رضي الله تعالى عنه ( [78]).
عبدالله بن عمر رضي الله عنه :
روى ابن قتيبة بسنده أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان يدعو عبدالله بن أسلم وخالد بن أسلم فيغنيان له وقال ابن أبي الدم الحموي في شرح الوسيط: أن العلماء رووا أن أشعب دخل على عبدالله بن عمر رضي الله عنه وهو في حائط المدينة فسأله أن يوفر له تمرا في غرارة ففعل ثم سأله أن يأمر غلمانه أن يكبوا ما يعونه فيها ثم سأله أن يغني له وكان أشعب طيب الصوت جيد الغناء فامتنع من أدبه فألح عليه فأذن له فغنى وأطربه.
البراء بن مالك رضي الله عنه :
حكى الحافظ أبو نعيم أنه كان يميل إلى السماع ويستلذ بالترنم.
عبدالله بن جفعر بن أبي طالب رضي الله عنه :
قال ابن عبدالبر في الاستيعاب إنه كان لا يرى بالغناء بأسا وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي في مؤلفه في السماع: كان عبدالله بن جعفر مع كبر شأنه يصوغ الألحان لجواريه ويسمعه منهن على أوتاره وكان أمير المؤمنين إذ ذاك علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسماع عبدالله بن جعفر مشهور مستفيض نقله عنه كل من أمعن في المسألة من الفقهاء والحفاظ وأهل التاريخ الأثبات( [79]).
المغيرة بن شعبة رضي الله عنه :
وأما المغيرة بن شعبة فقد حكى سماع الغناء عنه أبو طالب المكي رحمه الله في كتابه (قوت القلوب) والشيخ تاج الدين الفزاري وغيرهما.
عامر الشعبي رحمه الله تعالى:
وهو من أكابر التابعين علما وعملا وقد حكى عنه الأستاذ أبو منصور أنه كان يقسم الأصوات إلى الثقيل الأول والى الثقيل الثاني وما بعدها من المراتب.
عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى :
وهو من أكابر التابعين وهو مع علمه وعبادته وزهده ومعرفته بالسنن والآثار فقد قال عنه الأستاذ أبو منصور: إنه كان يقسم الأصوات إلى الثقيل الأول والى الثقيل الثاني وما بعدهما من المراتب ونقل ابن قتيبة أن عطاء بن أبي رباح ختن ولده وعنده الأبجر يغني فكان إذا سكت وإذا لحن رد عليه.
عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى:
قال ابن قتيبة : سئل إسحاق عنه فقال: ما طن في سمعه شيء بعد أن أفضت إليه الخلافة وأما قبلها فكان يسمع من جواريه خاصة ولا يظهر عنه إلا الجميل وربما صفق بيده وتمرغ على فراشه طربا وضرب برجليه.
• الغناء والسماع عند السلف رضي الله عنهم
عبدالله بن جريج رحمه الله تعالى:
وهو من العلماء والحفاظ العباد المجمع على عدالته وجلالته وكان يسمع الغناء ويعرف الألحان وحكى عنه الأستاذ أبو منصور أنه كان يصوغ الألحان ويميز البسيط والنشيد والخفيف.
وقال ابن قتيبة : حُكي عن ابن جريج أنه كان يروح إلى الجمعة فيمر على مغن فيدق بابه عليه فيخرج فيجلس معه على الطريق ويقول: غن فيغنيه أصواتا فتسيل دموعه على لحيته ثم يقول: (إن من الغناء لما يذكر الجنة)( [80]).
أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى:
حكى ابن قتيبة عنه وغيره: أنه كان له جار كل ليلة يغني ويقول شعرا:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
وكان يستمع إليه وإنه فقد صوته فسأل عنه فقيل له: إنه وجد بالليل وسجن في سجن عيسى الأمير فلبس عمامته وتوجه إلى الأمير وتحدث معه فقال: لا أعرف اسمه فقال أبو حنيفة رضي الله عنه اسمه عمرو فقال الأمير: أطلقوا كل من اسمه عمرو فأطلق الرجل فلما خرج قال له أبو حنيفة رحمه الله تعالى : أضعناك يا فتى؟ قال بل حفظت فتضمنت هذه الحكاية أنه كان يستمع إليه ولم ينهه عن الغناء.
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
قال الغزالي رحمه الله تعالى : ليس تحريم الغناء من مذهبه وحكى عنه الأستاذ أبو منصور البغدادي أن مذهبه إباحة السماع بالقول والألحان إذا سمعه من رجل أو جارية أو امرأة يحل له النظر اليها في داره أو دار صديقه ولم يسمعه على قارعة الطريق ولم يقترن بشيء من المنكر ولم يضع الصلاة عن وقتها ولم يضيع بشهادة لزمه أداؤها( [81]).
الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى:
قال أبو الوفاء بن عقيل في كتابه المسمى (بالفصول) صحت الرواية عن أحمد أنه سمع الغناء عند ابنه صالح وقال شارح المقنع روي عن أحمد أنه سمع قوالا فلم ينكره فقال له ابنه: يا أبت كنت تكرهه فقال قيل إنهم يستعملون المنكر معه!!.. وقد قال ابن الجوزي إنه يحمل قوله وفعله على ما كان يغنى له في زمنه من القصائد الزهديات.
وسأل الإمام أحمد رجل فقال: يا أبا عبدالله هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها؟ فقال مثل أي شيء؟ قال يقولون:
إذا ما قال لي ربي أما استحيت تعصيني
وتخفي الذنب عن خلقي وبالعصيان تأتيني
فقال: فدخل بيته ورد الباب فسمعت نحيبه من داخل البيت يردده وهو يقول هذه الأشعار.
سفيان بن الحارث رحمه الله تعالى:
حكى عنه تلميذه الفقيه العالم الحافظ الزبير بن بكار في الموفقيات والماوردي في الحاوي: أنه لما قدم ابن جامع مكة بمال جم قال سفيان لأصحابه علام يعطى ابن جامع هذه الأموال؟ قالوا على الغناء قال: ما يقولون فيه؟ قالوا يقول شعرا:
أطوف بالبيت مع من يطوف وأرفع من مئزري المسبل
قال هي السنة ثم ماذا فقالوا: يقول شعرا:
وأسجد بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل
قال: أحسن وأصلح ثم ماذا؟ فقالوا: يقول شعرا:
عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة المحمل
قال: أفسد الحبيب ما أصلح سخرها الله له.
الإمام ابن مجاهد رحمه الله تعالى:
قال أبو طالب المكي رحمه الله تعالى في كتابه (قوت القلوب) كان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيها سماع( [82]).
فها هو ذا سماع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والتابعين والسلف الصالح وهو كما رأينا سماع هادف لنوع مخصص من الغناء والنشيد والحداء إنه غناء يحي في النفس جذوة الإيمان ويوقظ في العقل قبس الفكر أو هو من اللهو المباح الذي يروح به عن النفس في ساعة الضيق ولكن دون الخروج عن قانون الشريعة الإسلامية أو تخط لحدود الشارع سبحانه وتعالى .
والغناء الإسلامي الهادف: أحد الفنون الإنسانية التي يلجأ اليها الإنسان يروي بها ظمأ روحه العطشى إلى السكينة والأمان وقد يلوي عليها ليثبت في نفسه جوا من الفرح والسرور والأنس والطرب.
وقد نظر الإسلام إلى الحياة نظرة جادة فاعلة خلاقة منشئة وجعل من كل مخلوقات الله ما هو مسخر لهذا الهدف النبيل والوجود الأمثل الذي خلق المسلم من أجله. والغناء أحد هذه الأمور التي أراد لها الإسلام أن تكون هادفة مسخرة لقوى المسلم في خصم صراعاته مع الحياة والناس.
ولقد عُني بعض من شعراء الدعوة الإسلامية بنظم قصائد مغناة وأناشيد هادفة تعبر خير تعبير عن الغناء الإسلامي الهادف والذي رما إليه الإسلام ولعل أشهر أنواع هذا الغناء الإسلامي الهادف:
1- النشيد الديني:
وهو الذي فيه ذكر الله ووصف الجنة والنار وحب الله ورسوله والتعشق لوصالهم والحظوة بقربهم ولعل (الموالد النبوية) زاخرة بمثل هذه الأمور التي يكثر ذكرها والتغني بها ومثاله قول الشاعر في قصيدة بعنوان: (رحماك):
رحماك يا رب العباد رجائي ورضاك قصدي فاستجب لدعائي
وحماك أبغي يا إلهي ضارعا منك الرضا فجد بولائي
ناديت باسمك يا إلهي ضارعا إن لم تجبني فمن يجيب دعائي
أنت الكريم فلا تدعني تائها فلقد عييت من العباد النائي
مالي سوى أعتاب جودك موئلٌ فلئن رددت فمن سواك رجائي
ولقد رجوتك يا إلهي ضارعا متذللا أن لا ترد رجائي
ومنه كذلك هذه القصيدة بعنوان (إلهنا ما أعدلك):
إلهنا ما أعدلك مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك والليل لما أن حلك
والسابحات في الفلك على مجاري المنسلك
ما خاب عبد أملك أنت له حيث سلك
لولاك يا رب هلك كل نبي وملك
يا مخطئا ما أغفلك عجل وبادر أجلك
واختم بخير عملك لبيك إن الملك لك
والحمد والنعمة لك والعز لا شريك لك
2- نشيد الحب والمنأجاة:
وفي هذا النشيد نلمح الحب المطلق ذلك الذي يتجاوز كل شيء إنه حب لا محدود حب الله ورسوله وملائكته وخلقه وبديع صنعه ذلك الحب الذي يتخذ في بعض الأحيان أشكالا رمزية تعطي الألفاظ مدلولات أشمل وأرحب.
ولعل أجمل ما في هذه الأناشيد هو ذلك الحب المثالي حب المطلق (الله جل جلاله) الذي يعشقه الشاعر فيسبغ على محبته ألفاظا رقيقة ومعان عذبة فتارة هو ليلى ومرة سعدى ولعل رابعة العدوية وتحفة الزاهدة وابن الفارض والحلاج ... وغيرهم خير ممثل لهذا الاتجاه الرمزي الصوفي العميق الذي بلغ شأنا عظيما ومدرسة مستقلة بذاتها.
ومثاله قول الشاعر:
فما المنازل لولا أن تحل بها وما الديار وما الأطلال والخيم
لولاك ما شاقني ربع ولا طلل ولا سعت بي إلى نحو الحمى قدم
في كل جارحة عين أراك بها مني وفي كل عضو للثناء فم
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم وإن سكت فشغلي عنكم بكم
إن مت في حبكم شوقا فيا شرفي ويا سروري من موتي لكم بكم
أنا المقر بذنبي فاصفحوا كرما فبانكساري وذلي قد أتيتكم
لا تطردوني فإني قد عرفت بكم وصرت بين الورى أدعى بعبدكم
3- النشيد النبوي:
وهو النشيد الذي فيه ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته العطرة ومعجزاته وحب الصحابة والمؤمنين له ووصفه عليه الصلاة والسلام كاملا من ناحية خَلْقية وخُلُقية وتشوق المؤمنين لرؤيته وورود الحوض معه يوم القيامة ثم العيش معه في جنة الخلد ولعل أكثر الموالد النبوية هي التي تأخذ بهذا الشأن الذي يكثر من حب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والحديث عنه بشوق وهيام.
ومنه قول الشاعر في قصيدة بعنوان : (ناشر الإيمان):
ناشر الإيمان مبعوث السما بهر الدنيا وعز البشر
يا رسول الله المجد يا فخر الحمى قد تنادى الناس حيرى تنظر
أيها المرسل للكون بما فيه خير وجمال عطر
أنت مصباح ينير الظلما حجبته قدرة تستتر
مرسل أرسله رب الأنام ونبي لم يلاق الوهنا
ينشر الرحمة في قوم نيام نغما يحمل طيبا ومنى
مر يا ذكرى علينا كلما ضاقت النفس وجل الخطر
إننا نشتاق ذاك النغما وينادينا إليه القدر
4- نشيد الحكمة والموعظة:
وهو نوع من الشعر ينطلق صاحبه بموعظة إسلامية أو حكمة بالغة مستقاة إما من صميم شريعتنا أو من وحي تجارب الحياة وصراعاتها وهو شعر كثير على أن أكثر المنشدين يعرضون عنه لخلوه من العنصر الموسيقي في معظم الأحيان ومثاله قول الشاعر في قصيدة مليئة بالرضى والطمأنينة والحكمة وهي بعنوان (علمتني الحياة):
علمتني الحياة أن أتلقى كل ألوانها رضا وقبولا
ورأيت الرضا يخفف أثقا لي ويلقي على المآسي سدولا
وأنا راض بكل ما كتب الله ومزج إليه حمدا جزيلا
لست اخشى من اللئيم اذاه لا ولن أسأل النبيل قتيلا
في فؤادي لكل ضيق مكان فكن الضيف مؤنسا أو ثقيلا
علمتني الحياة أن لها طعـ ـمين مرا وسائغا معسولا
قد تسري الياة عني فتبدي سخريات الورى قبيلا قبيلا
فأراها موعظا ودورسا ويراها سواي خطبا جليلا
أمعن الناس في مخادع النفـ ـس وضلوا بصائرا وعقولا
عبدوا الجاه والنضار وعينا من عيون المها وخدا أسيلا
علمتني الحياة أني إن شعـ ـت لنفسي أعش حقيرا هزيلا
علمتني الحياة أني مهما أتعلم فلا ازال جهولا
• القرآن وأثر البالغ في النفوس:
القرآن وأثره البالغ في نفوس المؤمنين : نزل القرآن على العرب الفصحاء فأثر فيهم وترك آثارا لا زالت إلى اليوم وستبقى إلى يوم الدين على أن المسلمين الأول وعوا معاني القرآن من صميم كلماته فكان تأثيره اكبر في نفوسهم وسماعه أعذب في آذانهم ومما يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع قارئا يقرأ ﴿والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع﴾( [83]) فارتكن إلى جدار ثم عاد إلى بيته يعوده الناس شهرا كاملا.
هكذا سمع الصحابة سماع الله سبحانه وتعالى فكان أن هيمنوا على العالم القديم بكل كيانه ونفوذه هذا القرآن العظيم هو كلام الله الأزلي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهيهات أن يأتي بمثله بشر أو أي مخلوق كان.
ولقد تحدى القرآن المشركين والمعاندين على أن يأتوا بقرآن مثله تحداهم مرة أن يأتوا بمثله كاملا فقال: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾( [84]).
ثم تحداهم بما هو أيسر من هذا (أن يأتوا بعشر سور) فقال: ﴿أم يقولون افتراه ، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾( [85]).
ثم سهل لهم المهمة أكثر من ذلك بكثير ليظهر لهم عجزهم فقال: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين﴾( [86]).
لقد سحر القرآن العرب من اول يوم سمعته آذانهم حتى إن المشركين أنفسهم كانوا يتناصحون فيما بينهم بعد سماعه كيلا يسحرهم ويؤثر فيهم.
وما قصة الوليد بن المغيرة إلا شاهدا حيا على عظمة القرآن وروعة كلماته وعظمتها فعندما سمع الوليد من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شيئا من القرآن أصغى بكل كيانه فإذا به يتيه في بلاغته فقالت قريش: صبأ والله الوليد ولتصبون قريش كلها فأرسلوا إليه أبا جهل يثير كبرياءه واعتزازه بنسبه وماله ويطلب إليه ان يقول في القرآن قولا يعلم به قومه أنه له كاره قال فماذا أقول فيه؟ فو الله ما منكم رجل أعلم مني بالشعر ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى عليه وإن أعلاه لمثمر وأسفله لمغدق فقال أبو جهل : والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني أفكر فيه فلما فكر قال: إن هذا السحر يؤثر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله ومواليه( [87]).
هكذا وعى الأقدمون القرآن فهموا معانيه وتشربوا أحكامه واليوم صار القرآن وقفا على الموتى وشفير القبور فما عدنا نسمع الآيات تتلى إلا إذا أممنا دارا فيها مأتم أو شيعنا جنازة إلى قبرها عند ذلك نسمع القرآن هكذا صار القرآن يتلى على الأموات في حين أنه بعث للأحياء ﴿لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين﴾( [88]).
هذا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في رواية: (فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت فدخلت الإسلام ) ويقال عنه في رواية أنه قال: (ما أحسن هذا الكلام وأكرمه).
ثم هذا القرآن يصف لنا أثره في نفوس المؤمنين به وكذلك نفوس الذين أوتوا العلم من قبله يقول: ﴿تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ﴾( [89]) ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله وإذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا﴾( [90]) .
لقد اشتركت المعاني والألفاظ في القرآن لتجعل منه منهاج شريعة المسلمين وحديثهم في حلهم وترحالهم وفي ليلهم ونهارهم في جدهم وهزلهم وإذ هو يحكم في كل قضاياهم المصيرية والعادية على السواء.
(أما طريقته في ذلك فكانت هي الطريقة العامة طريقة التصوير والتشخيص التخييل والتجسيم في هذا المنطق اشتركت الألفاظ المعبرة والتعبيرات المصورة والصور الشاخصة والمشاهد الناطقة والقصص الكثيرة... وكل ما عرض من مشاهد القيامة وصور النعيم والعذاب يعد في جملة هذا المنطق الذي يلمس الحس ويوقظ الخيال فيلمس البصيرة ويوقظ الوجدان ويهيء النفس للاقتناع والإذعان)( [91]).
هذا هو القرآن الذي ينبغي علينا أن نلبسه حلة الخلود في نفوسنا وضمائرنا وأسماعنا لأنه الكتاب الخالد في أحاسيسنا ويجب أن يبقى كذلك لأنه تنزيل من عزيز حميد.
وهل هناك من غناء أو كلام هو أفضل في مقياس الجمال من كلام الله سبحانه وتعالى هذا هو كلام الخالق وإنه لكلام رائع باهر يحي في النفس صور الحياة المثلى ليعبر بها إلى دار الخلود.
هل تكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشعر
من المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نشأ في بيئة بني سعد موطن الفصاحة والبلاغة ولكن لم تذكر لنا كتب التاريخ والأدب انه قال شعرا قبل النبوة ولا نظمه بعد النبوة كالشعراء علما انه كان أفصح بني آدم كما تحدث بذلك هو عن نفسه حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم «أنا أعربكم أنا من قريش ولساني لسان بني سعد بن بكر»( [92]).
وتتجلى حكمة منعه صلى الله عليه وآله وسلم من القول بالشعر كما قال تعالى ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين﴾( [93]) ، حكمة ذلك لما كان الله قد ادخر من جعل فصاحة القرآن معجزة له ودلالة على صدقه لما هو عليه من أسلوب البلاغة وعجيب الفصاحة الخارجة عن أنواع كلام العرب البلغاء الفصح المتشدقين كما سلب عنه الكتابة وأبقاه على حكم الأمية تحقيقا لهذه الحالة وتأكيدا لها وذلك قوله تعالى ﴿وما ينبغي له ﴾ لأجل معجزته والتي صفتها من صفته ثم هي زيادة عظمى على علو مرتبته( [94]).
وقد اختلف في جواز تمثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشيء من الشعر وإنشاده حاكيا عن غيره فالصحيح جوازه.
وقد روي عن شريح عن أبيه قلت لعائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل من شعر ابن رواحة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود( [95]).
وأما ما وقع منه في غزوة حنين (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب)( [96]) فقد وقع منظوما من غير قصد منه إلى ذلك.
وروي عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبني المسجد وعبدالله بن رواحة يقول: أفلح من يعالج المساجد فيقولها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول ابن رواحة : يتلو القرآن قائما وقاعدا فيقولها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وفي هذا وفي غيره يؤيد أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يجوز له أن يحكي الشعر عن ناظمه( [97]).
وأنشد يوما وقد قيل له من أشعر الناس فقال: (الذي يقول:
ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها وإن لم تطيب طيبا
وأنشد يوما حينما جاءه العباس بن مرداس قال له : أأنت القائل:
أتجعل نهبي ونهب العبيد يد بين الأقرع وعيينة
فقال أبو بكر بين عيينة والأقرع فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (هما واحد) فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾( [98]).( [99])
وإصابته للوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر وكذلك يأتي أحيانا من نثر كلامه ما يدخل في وزن كقوله يوم حنين وغيره:
هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت( [100])
قال الإمام القرطبي تعليقا على تلك الأبيات التي أوردناها : ولا نلزم منه ان يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم عالما بالشعر ولا شاعرا إن التمثل بالبيت النزر وإصابة القافيتين من الرجز وغيره لا يوجب أن يكون قائلها عالما بالشعر ولا يسمى شاعرا باتفاق العلماء كما أن من خاط خيطا لا يكون خياطا قال أبو إسحاق الزجاج معنى ﴿وما علمناه الشعر ﴾ أي : وما علمناه أن يشعر أي ما جعلناه شاعرا وهذا لا يمنع أن ينشد شيئا من الشعر قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في هذا.
الألغاز في الشعر والإنشاد:
قد اختار بعض الصوفية الألغاز والإشارة والتحجبة باستعمال المجاز والكناية والاستعارات والرموز اللغوية تعبيرا عن أذواقهم ومواجيدهم وأشواقهم حتى اختصوا بذلك وعرفوا بأهل الإشارة لأسباب منها: عدم مساعفة الألفاظ المألوفة والعبارات المألوفة لتصوير مداركهم ومشاعرهم فكان اللجوء إلى الإشارة والرمز ضرورة لقربها من حسن عرض المشاعر والأحاسيس وتصويرها والتعبير عنها.
ثم إن لكل علم مصطلحا مستحدثا وهذا اصطلاحهم الخاص بهم فلماذا يؤاخذون على أنهم استقلوا بنوع من الاصطلاح ولا يؤاخذ بقية أصحاب العلوم والفنون والحرف وغيرها.
وأما معاني المصطلحات فتطلب من كتبهم وخصوصا ما كتبه فيها الشيخ ابن عجيببة والشيخ علي وفا ومن قبلهم وبعدهم
ردود على أدلة التحريم
واما أدلة التحريم التي تمسك بها القائلون بتحريم الغناء والاستماع إليه فلقد ناقشها القائلون بالإباحة مناقشة علمية وحللوها تحليلا بحيث يزيل اللبس والإشكال ويضع النقاط على الحروف فقالوا:
1- إن الآية الكريمة التي تمسك بها القائلون بالتحريم ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله﴾( [101]).
فقالوا عن لهو الحديث أنه الغناء مستشهدين برواية عن ابن مسعود وغيره من الصحابة إلا أن العلماء المحققين ذهبوا إلى ضعف الرواية مستدلين بما جاء في سنن الترمذي أن هذه الآية نزلت في مثل حديث (لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام( [102]) كما قال الإمام الترمذي نفسه بعد إيراده لهذا الحديث.
ثم إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث لأنه يشتري كتب الأعاجم رستم واسفنديار فكان يجلس بمكة فإذا قالت قريش إن محمدا قال كذا ضحك منه وحدثهم باحاديث ملوك الفرس ويقول: حديثي هذا أحسن من حديث محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقيل كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته. فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه.
وهذا الرأي قد ذكره أكثر المفسرين( [103]).
ثم إذا أمعنا النظر في منطوق الآية لوجدنا أن احتجاجهم يبطل بها لأن فيها ﴿ليضل عن سبيل الله بغير علم﴾ وهذا القيد متفق عليه كما مر من كلام ابن حزم رضي الله عنه في تفسيرها.
2- وأما الآية الكريمة الثانية التي احتجوا بها وهي قوله تعالى ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون﴾... ﴿وأنتم سامدون﴾( [104]).
ويقول ابن عباس هو الغناء بلغة حمير . فنقول : ينبغي أن يحرم الضحك وعدم البكاء أيضا لأن الآية تشتمل عليه فإن قيل: إن ذلك مخصوص بالضحك على المسلمين لإسلامهم فهذا أيضا مخصوص بأشعارهم في معرض الاستهزاء بالمسلمين وكما قال تعالى ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾( [105]) وأراد به شعر الكفار ولم يدل على ذلك تحريم نظم الشعر في نفسه( [106]).
3- وكذلك الآية الثالثة التي احتجوا بها وهي قوله تعالى ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾( [107]).
فقالوا: هو الغناء وعن ابن عباس قال: كداع إلى المعصية ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعي إلى المعصية ولهذا فسر صوت الشيطان به وقول مجاهد إنه الغناء الباطل . ورواية أخرى عنه: صوته هو المزامير( [108]).
نقول: وذهب أكثر المفسرين إلى القول بصوتك: وصوته كل داع يدعو إلى معصية الله تعالى لذلك فلا وجه للتخصيص بالغناء فقط وإنما بكل وسيلة تكون سببا إلى معصية الله.
4- قال الحافظ أبو بكر البغدادي: من تمسك بتسمية أبي بكر مزمار الشيطان فقد اخطأ وأساء الفهم من وجوه منها:
تمسكه بقول أبي بكر مع رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم له قوله وزجره عن عنفه لهن ورجوع أبي بكر إشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنها : إعراض هذا القائل عن إقراره صلى الله عليه وآله وسلم واستماعه الذي لا احتمال فيه إلا أنه يقتضي الحل والإطلاق إلى لفظ أبي بكر ومحال أن يعتقد أبو بكر تحريم أمر حضره المصطفى وأقره عليه مع علم الصديق أنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يقر على باطل والصحيح أنه يفهم من قول أبي بكر ما يليق به وهو أنه رأى ضرب الدف وإنشاء الشعر لعبا من جملة المباح الذي ليس فيه عبادة مما حمله على تنزيه حضرته صلى الله عليه وآله وسلم عن صورة اللعب ورأى أن الاشتغال بالذكر والعبادة في ذلك الموطن الكريم أولى فزجر عنه احتراما لا تحريما فرد عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنكاره لأمرين:
إحداهما: أن لا يعتقد تحريم ما أبيح من شرعه توسعة لأمته ورفقا بها وتفسحا في بعض الأوقات.
والثاني: إظهار الشارع مكارم الأخلاق وسعة الصدر لأهله وأمته فتستريح ببعض المباح فيكون انشط لهم في العودة إلى وظائف العبادة( [109]).
5- وأما حديث الجارية السوداء التي نذرت أن تضرب الدف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتتغنى وكان ذلك بحضرة جملة من أصحابه إلى أن حضر عمر رضي الله عنه فكفت فقال صلى الله عليه وآله وسلم «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر»( [110]) فادعوا بأنه دليل على تحريم الغناء، لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم شبه المغني بالشيطان ولكن الحقيقة غير هذا لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أظهر لأصحابه منقبة من مناقب عمر( [111]) هذا من جهة ومن جهة ثانية أن الجارية السوداء كانت قد نذرت بضرب الدف والتغني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن هو عاد سالما من سفره والرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وافقها فالإقرار دليل الجواز حيث لا نذر في معصية الله كما جاء في الحديث الشريف «ثم إنه كان جالسا يسمع لها هو وأبو بكر وعثمان وعلي ولم ينكر عليها فهب أن سيدنا عمر لم يأت يومها فهل يقرها على معصية الله أم أنه يؤدي الأمانة أمام بعض الصحابة ويكتمها أمام الآخرين!!! حاش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل هذا».
6- وكذلك دعواهم بأن الصحابة والتابعين لم يسمعوا الغناء ولا جلسوا في مجالسه ولم يثبت عنهم أبدا والجواب عن هذا نقول: إن كثيرا من الأخبار جاءت في الكتب الموثوقة – كالإصابة في تمييز الصحابة والاستيعاب في معرفة الأصحاب، وكذلك نيل الأوطار – وذكروا طرفا من أخبار بعض الصحابة الذين كانوا يسمعون الغناء ولكن ليس في مجالس الفحش والمعصية كما جاء في الإصابة لابن حجر في ترجمة حسان بن عكرمة عن ابن عباس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحسان ومعه أصحابه وسماطين وجارية له يقال لها سيرين وهي تغنيهم فلم يأمرهم ولم ينههم( [112]) وكذلك من مر معنا ذكره من الصحابة والتابعين في الحديث عن الغناء والسماع عند الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
الإمام الشعبي الفقيه الشهير الرواية الموثوق به كان يجعل من داره مكانا لابن سريج يغني فيه عندما استقدمه أهل العراق من الحجاز( [113]).
ورب سائل يسأل فيقول: إن الآيات الواردة في سورة الشعراء والتي يقول فيها ربنا عز وجل ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا...﴾( [114]).
أليس هذا دليلا واضحا على تحريم الشعر والقول به؟
وللإجابة على هذا التساؤل نقول: إن المفسرين ذكروا أن هذه الآيات إنما نزلت في الكفار كما ذكر ذلك الإمام القرطبي في تفسيره.
حيث روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه حينما نزلت هذه الآيات جاء حسان وكعب بن مالك وابن رواحة يبكون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا نبي الله أنزل الله تعالى هذه الآية وهو تعالى يعلم أنا شعراء فقال (اقرؤوا ما بعدها) ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أنتم ﴿وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ أنتم ولا تذكروا الآباء والأمهات( [115]).
وأما الإشكال الآخر فهو الذي ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا»( [116]).
قال علماؤنا إن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع ذلك الشاعر لما علم من حاله فلعل هذا الشاعر كان مما عرف من حاله أنه اتخذ الشعر طريقا للكسب فيفرط في المديح إذا أعطى وفي الهجو والذم إذا لم يعط فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم ولا خلاف في أن كل من كان على مثل هذا الحال فكل ما يكسبه بالشعر حرام وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه ولا يحل الإصغاء إليه بل يجب الإنكار عليه ثم يتابع الإمام القرطبي قوله في تأويل معنى الحديث (لأن يمتلئ) وهذا الحديث أحسن ما قيل فيه وفي تأويله إنه الذي قد غلب عليه الشعر وامتلأ صدره منه دون علم سواه يخوض به في الباطل ويسلك به مسالك لا تحمد عقباها كالمكثر اللفظ والهذر والغيبة والنميمة وقبيح القول( [117]).
ولقد تابعه في هذا القول الإمام ابن حجر في الفتح حيث قال في حديث (لأن يمتلئ) ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه من الشعر حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله فيكون الغالب عليه واما إذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوفه ممتلئا من الشعر.
ولعل ما جاء في الإجابة للإمام الزركشي يوضح الإشكال أكثر فأكثر حيث جاء فيه أن السيدة عائشة رضي الله عنها استدركت حديث أبي هريرة رضي الله عنه (لأن يمتلئ) فقالت: لم يحفظ أبو هريرة الحديث إنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لأن يمتلئ جوف احدكم قيحا ودما خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به)( [118]).( [119])
ولدى التأمل يتضح لنا من خلال هذا الاستدراك أن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن لون معين من الشعر وهو فيما يتعلق بهجائه صلى الله عليه وآله وسلم أو ما يكون مشابها للهجاء ومن المعلوم أن هجاء الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو هجاء للدعوة الإسلامية وهذا اللون لا خلاف في تحريمه( [120]).
وفي هذا القدر كفاية لمن يخضع لقول الله وقول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والله الهادي إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين