مقدمة

قد أمرنا بزيارتها وزارها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعا قال تعالى ﴿ولا تصل على أحد منهم﴾ أي من المنافقين ﴿مات أبدا ولا تقم على قبره﴾( [1]) ،معنى هذا أن يقوم الرسول على غير قبور المنافقين كقبور الصالحين وقد فعل هذا مع المرأة التي كانت تقم المسجد.
وأما شد الرحال فالممنوع شدها إلى المساجد لا إلى القبور وفرق كبير بين المساجد والقبور فتأمل بعمق على أنه مما ثبت عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: (لو أن مسجد قباء في طرف الدنيا لشددنا إليه الرحال) مما يؤكد أن حديث شد الرحال ليس على إطلاقه والصوفية لا ييأسون من الموتى ﴿كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾( [2]) وهم يرون أن الموت مرحلة من مراحل السفر الإنساني الكادح إلى الله فالميت عندهم حي حياة برزخية وللميت علاقة أكيدة بالحي بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحاديث رد الميت السلام على الزائر ومعرفته بتشريع السلام على الميت عند قبره ومحادثته صلى الله عليه وآله وسلم الموتى (القليب يوم بدر) كما وردت في عدة أحاديث ثابتة مما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى .
ومن القرآن حسبك قوله تعلى ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ﴾( [3]) فهناك علاقة مؤصلة بين الحي والميت وإلا كان الدعاء والسلام على الميت موجها إلى الحجار!! وإلا فما معنى زيارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأهل البقيع والسلام عليهم وتكليمهم والدعاء لهم.
والصوفية يعتقدون – بحق – أن الولي في الدنيا ولي بخصائصه الروحية ومواهبه الربانية والخصائص والمواهب من متعلقات الأرواح ولا ارتباط لها بالأجسام البتة فالولي حين يموت ترتفع خصائصه ومواهبه مع روحه إلى برزخه ولروحه علاقة كاملة بقبره . بدليل ما سيمر معنا من السلام عليه ورده السلام ... الخ.
ومن هنا جاء تكريم هؤلاء السادة الصالحين من أصحاب القبور:
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضع حجرا على قبر بعض الصحابة وهو عثمان ابن مظعون رضي الله عنه وقال (أتعرف به قبر أخي)( [4]) .
وكان هذا الحديث بعد حديث علي رضي الله عنه بتسوية القبور المشرفة فاستدلوا به على جواز اتخاذ ما يدل على القبر وعلى فضل صاحب القبر بلا إغراق ولا مبالغة رجاء استمرار زيارته والدعاء له والاقتداء به والصدقة عليه وحفظ أثره..
ومن هنا جاء نقل الميت من مكان إلى مكان أفضل كما صح في حديث جابر وغيره.
وقد أصلح الناس القبور بحسن نية من جانب وخوف اندثار القبر من جانب آخر فاتُخذ الأمر بتصوير الصورة التي تراها ولكن الأمر يدور مع علته وقد كانت علة تسوية القبور والمنع الأول من زيارتها هي مخافة الانتكاس والعودة إلى الشرك وقد استقر الإيمان والتوحيد في قلوب الناس فلا بأس بعمل ما يذكر بالصالحين للقدوة والاعتبار والقيام بحق صاحب القبر من الزيارة وغيرها.
وهذه هي وجهة النظر عندهم بصفة عامة وقد مرت مئات السنين على هذه الأضرحة فما عُبِدَ منها ضريح من دون الله و لا صلى مسلم لولي ركعة والمثل العلمي مضروب بقبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقبور كبار الأئمة.
وما وراء القبور إلا الحياة البرزخية وهي ليست كحياتنا هذه بل هي حياة خاصة لائقة بهم وبالعالم الذي هم فيه ولأن حياتنا أقل وأضيق وأضعف.
فالإنسان فيها بين عبادة وعادة وطاعة ومعصية وواجبات مختلفة لنفسه وأهله ولربه وأنه تارة يكون على طهارة وتارة يكون على ضد ذلك وتارة يكون في المسجد وتارة يكون في غفلة وإنه لا يدري بم يختم له؟؟! فقد يكون بينه وبين الجنة ذراع ثم ينقلب الأمر فيصير من أهل النار وبالعكس أما في البرزخ فإنه إن كان من أهل الإيمان فإنه قد جاوز قنطرة الامتحان التي لا يثبت عندها إلا أهل السعادة ثم إنه قد انقطع عنه التكليف وأصبح روحا مشرقة طاهرة مفكرة سياحة سباحة جوالة في ملكوت الله وملكه سبحانه وتعالى لا هم ولا حزن ولا بأس ولا قلق لأنه لا دينار ولا عقار ولا ذهب ولا فضة فلا حسد ولا بغي ولا حقد ولا غيره.
أدلة زيارة القبور من السنة الشريفة والآثار:
1- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها »( [5]).
وفي رواية: فزوروها فإنها تذكر الآخرة( [6]).
وفي رواية : «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة»( [7]).
وفي رواية : «وترق القلب وتدمع العين فلا تقولوا هجرا»( [8]).
وفي رواية : «فزوروا القبور فإنها تذكر بالموت»( [9]).
2- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي»( [10]).
وفي رواية أخرى «زار النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله»( [11]).
ولا يلزم من البكاء عند القبر عذابها وكفرها بل يمكن تحققه مع النجاة والإسلام فبكاؤه صلى الله عليه وآله وسلم لمزيد شفقته على والديه وقيامه بحقوقهما حق القيام.
3- عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «ما من أحد يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام»( [12]).
4- وعن سيدنا أبي طلحة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قام على القليب قليب بدر وفيه قتلى المشركين فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان قال: «إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا»؟! فقال سيدنا عمر: يا رسولا لله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»( [13]).
5- ومنها أحاديث كيفية السلام على الأموات وذاك عند زيارتهم ومنها ما روته سيدتنا عائشة وجاء فيه وكيف أقول يا رسول الله؟ قال: ؟قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين وإنا إن شاء الله تعالى بكم للاحقون.( [14]).
6- ومنها حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه انه صلى الله عليه وآله وسلم قال«ما من احد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد السلام»( [15]).
وهذا الحديث يتناول السلام عليه عند زيارته صلى الله عليه وآله وسلم .
7- ومنها حديث الصحابي الذي ضرب خباءه ليلا على قبر فسمع من القبر قراءة ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾( [16]) إلى آخره فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هي المانعة هي المنجية( [17]).
8- ومنها ما رواه نافع أن ابن عمر كان يزور قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقول«السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه»( [18]).
9- ومنها حديث سيدنا أنس رضي الله عنه قال (مرَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال «اتقي الله واصبري» قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتته فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»)( [19]) .
10- ومنها قول سيدنا أبي بكر عند ما يزور قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بأبي أنت وأمي يا نبي الله لا جمع الله عليك موتتين( [20]).
11- ومنها ما رواه البيهقي عن سيدنا أبي هريرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم وقف على مصعب بن عمير حين رجع من أحد وعلى أصحابه فقال: «أشهد أنكم أحياء عند الله فزوروهم وسلموا عليهم فوا الذي نفسي بيده لا يسلمن عليهم احد إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة».
12- ومنها ما رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: دخلنا مقابر المدينة مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فنادى: (يا أهل القبور السلام عليكم ورحمة الله .... الخ).
13- وأخرج ابن أبي الدنيا في كتابه (من عاش بعد الموت) عن العطاف بن خالد قال: حدثتني خالتي قالت : ركبت يوما إلى قبور الشهداء وكانت لا تزال تأتيهم قالت: فنزلت عند قبر حمزة رضي الله عنه فصليت عنده وما في الوادي داع ولا مجيب فلما فرغت من صلاتي قلت : السلام عليكم فسمعت رد السلام علي يخرج من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن الله خلقني وكما أعرف الليل والنهار فاقشعرت كل شعرة مني.
14- وأخرج ابن أبي الدنيا أيضا عن ابن ميناء قال: دخلت الجبانة فصليت ركعتين خفيفتين ثم اضطجعت إلى قبر فو الله إني لنبهان إذ سمعت قائلا في القبر يقول: قم فقد آذيتني إنكم لتعملون ولكن لا تعلمون ونحن نعلم ولا نعمل فو الله لأن أكون صليت مثل ركعتيك أحب الي من الدنيا وما فيها.
15- وأخرج الذهبي في تاريخه أن أحمد بن نصر الخزاعي أحد أئمة الحديث دعاه الواثق إلى القول بخلق القرآن فأبى فضرب عنقه وصلب رأسه ببغداد ووكل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة وبرمح فذكر الموكل به انه رآه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه فيقرأ سورة يس بلسان طلق قال الذهبي: رويت هذه الحكاية من غير وجه ومن طرقها عن إبراهيم بن إسماعيل بن خلف قال: كان أحمد بن نصر خالي قد قتل في المحنة وصلب وأخبرت أن الرأس يقرأ القرآن فمضيت فبت قريبا منه فلما هدأت العيون سمعت الرأس يقرأ ﴿الم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾( [21]). فاقشعر جلدي.
أقوال العلماء في زيارة القبور:
• درجة مشروعيتها: أما درجة مشروعية زيارة القبور فهي الاستحباب والسنية لورود الأمر بها:
1- الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى:
وقد روى ابن قدامة في المغني أن الإمام أحمد سئل عن زيارة القبور وهل تركها أفضل أو زيارتها؟ فقال: زيارتها أفضل( [22]).
2- الإمام النووي رحمه الله تعالى:
استحباب زيارة القبور للرجال: قال الإمام النووي : قوله صلى الله عليه وآله وسلم :
كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها( [23]) هذا من أحاديث التي تجمع الناسخ والمنسوخ وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها وأجمعوا على أن زيارتها سنة لهم( [24]).
وقال النووي أيضا في المجموع : اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يستحب للرجال زيارة القبور وهو قول العلماء كافة ونقل العبدري فيه إجماع المسلمين ودليله مع الإجماع الأحاديث الصحيحة المشهورة( [25]).
حتى إن ابن حزم قال بوجوب زيارتها ولو مرة في العمر ولورد الأمر بها كما نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر في شرح صحيح البخاري (3/148).
3- الإمام الرواس رضي الله عنه :
قال الإمام الرواس رضي الله عنه بويعت على زيارة القبور والدعاء لأموات المسلمين والدعاء عند مقابرهم فإن الدعاء عند مقابر المسلمين مستجاب لأنها محل الرحمات( [26]).
4- وقال أبو عبدالله القوري رحمه الله تعالى:
إذا كانت الرحمة تنزل عند ذكرهم فما ظنك بمواطن اجتماعهم على ربهم ويوم قدومهم عليه بالخروج من هذه الدياروهو يوم وفاتهم فزيارتهم فيه تهنئة لهم وتعرض لما يتجدد من نفحات الرحمة عليهم( [27]).
5- الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله:
وقال الدكتور محمد سعيد البوطي عن والده: اتجه والدي قاصدا إلى جبلة لزيارة إبراهيم بن أدهم رحمه الله وبعض الصالحين من الأحياء فيها وذهب إلى الرقة متجشما بعض الصعوبات لزيارة أويس القرني فيها وكان ذلك في شهر شباط (1972) وكان أبي يقول: كما تتنزل الرحمات عند ذكر الصالحين فإنها تتنزل في اماكن وجودهم سواء كانوا في الأحياء أو الأموات . وزار القدس ومسجد الخليل وزار سيدي الشيخ عبدلقادر الجيلاني والجنيد البغدادي والإمام أبا حنيفة وبعض من يمكن أن يراهم من الصالحين الأحياء.
وكان يحرص على زيارة قبر الإمام النووي رحمه الله في قرية نوى جنوب دمشق كلما أتيح له ذلك وكان عمل أبي في زيارة هؤلاء الموتى يتلخص في السلام عليهم بأدب تام كما لو كانوا في الحياة وربما تلى بعد ذلك شيئا من القرآن ثم إنه يدعو شاء الله أن يدعو لنفسه وللمسلمين.
وقال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي حفظه الله أيضا: في الناس اليوم من ينكر قراءة القرآن على الموتى ويهون من امر زيارتهم وربما كان فيهم من ينكرها على الرغم من أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بها( [28]).
جواز زيارة النساء للقبور
تجوز الزيارة للنساء: وهذا قول أكثر العلماء وأدلتهم على ما ذهبوا إليه ما يأتي:
الدليل الأول: النساء دخلن في عموم الإذن بزيارة القبور المستفاد من قوله صلى الله عليه وآله وسلم «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»( [29]).
وهذا الخطاب يتناول بعمومه النساء والرجال لأن النساء قد نهين عن الزيارة فيتناولهن الإذن بالزيارة وهذا إذا أمنت الفتن في خروجهن لزيارة القبور( [30]).
الدليل الثاني: عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال : اتقي الله واصبري قالت اليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى)( [31]) ووجه الدلالة بهذا الحديث انه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر وتقريره صلى الله عليه وآله وسلم حجة ودليل( [32]).
الدليل الثالث: وممن حمل الإذن بالزيارة للرجال وللنساء السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقد روي عن عبدالله بن مليكة أنه رآها زارت قبر أخيها عبدالرحمن فقال لها (أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك؟ قالت نعم كان قد نهى عنها ثم أمر بزيارتها)( [33]).
الدليل الرابع: ومما يؤيد جواز زيارة النساء للقبور الحديث المروي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها وجاء فيه قلت (أي قالت عائشة) كيف أقول يا رسول الله؟ قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منكم ومنا والمستأخرين وإنا إن شاء الله تعالى بكم للاحقون( [34]).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: فيه استحباب هذا القول لزائر القبور وفيه دليل لمن جوز للنساء زيارة القبور( [35]).
الدليل الخامس: إن تعليل الإذن بزيارة القبور بأنها تذكر الآخرة هو مما يشترك في الحاجة إليه الرجال والنساء فالمرأة المسلمة تحتاج كما يحتاج الرجل المسلم إلى ما يذكرها بالآخرة ويزهدها في الدنيا فليس الرجال بأحوج من النساء فيما يذكر بالآخرة ويزهد بالدنيا( [36]).
الدليل السادس: وأما حديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوارات القبور فقد قال الترمذي بعد أن رواه في جامعه قال: (وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء)( [37]).
قال ابن عبدالبر: يمكن أن يكون هذا – أي لعن زائرات القبور – قبل الإباحة بزيارتها( [38])، أو أن الأحاديث الدالة على تحريم زيارة النساء للقبور محمولة على زيارتهن المقترنة بمحرم كالنوح وغيره( [39]).
الدليل السابع: أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده( [40]).
حكم الذكر خلف الجنائز
جرت عادة الماشين خلف الجنازة أنهم يشتغلون باللغو وبأحوال الدنيا فينبغي أن لا ينكر على المؤذن الذي يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا ينبغي لفقيه ان ينكر ذلك إلا بنص أو إجماع فإن للمسلمين الإذن العام من الشارع بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله كل وقت شاؤوا يا لله!! العجب ممن ينكر مثل هذا وهو يرى المنكرات علنا ولا ينكر عليها وينكر شيئا سنه المسلمون على جهة القربة إلى الله ورأوه حسنا. فكيف ينكر ذلك؟ وقد فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الباب لعلماء أمته وأباح لهم أن يسنوا ما استحسنوه ويلحقوه بالشريعة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم «من سن في الإسلام سنة حسنة فله اجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء»( [41]) ولا إله إلا الله محمد رسول الله من أكبر الحسنات ولو كان ذكر الله تعالى في الجنازة منهيا عنه بلغنا ولو في حديث كما بلغنا في قراءة القرآن في الركوع وشيء سكت عنه الشارع في أوائل الإسلام لا يمنع منه في آخر الزمن وبالجملة فلا يجوز لأحد أن يمنع الناس من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا أن يجد في ذلك حديثا يمنع ذلك . أهـ باختصار من شرح الطريقة المحمدية لسيدي عبدالغني النابلسي قدس الله تعالى سره ورحمه( [42]).
ما يقول زائر القبور:
عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : (إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت: قلت كيف اقول لهم يا رسول الله؟! قال : «قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين المسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون»( [43]) وفي رواية : السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية)( [44]).
وعن الحسن البصري رضي الله عنه قال: من دخل المقابر فقال: اللهم رب الأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أدخل عليها روحا منك وسلاما مني استغفر له كل مؤمن مات منذ خلق الله آدم فالسلام على الأموات مشروع عند زيارتهم وكذا الدعاء لهم بالعافية وباستحباب ذلك قال جمهور العلماء.
وقال النووي رحمه الله : ويستحب للزائر أن يسلم على المقابر ويدعو لمن زيوره ولجميع أهل المقبرة والأفضل أن يكون الدعاء والسلام بما ثبت في الحديث ويستحب أن يقرأ من القرآن ما تيسر ويدعو له عقيبها نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب والزائر بالخيار إن شاء زار قائما وإن شاء قعد كما يزور الرجل أخاه حال الحياة وروي القيام عند القبر عن عدد من الصحابة كأبي امامة والحكم بن الحارث وابن عمر وانس رضي الله عنهم وعن جماعة من السلف.
سماع أهل القبور
قد تطرقنا لهذا الموضوع باستفاضة في باب التوسل بالأموات ونذكر هنا بعض الأدلة مما يليق بالمقام اختصارا:
عن أبي طلحة وعمر وابنه عبدالله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فألقوا في طوى من أطواء بدر فناداهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسماهم (يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة يا فلان بن فلان ! أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا !!) فقال عمر : يا رسول الله! ما تكلم من اجساد لا أرواح فيها فقال عليه الصلاة والسلام «والذي نفسي يبده ما انتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون»( [45]).
وعن سيدنا أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال« العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى انه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه»( [46]).
وذكر الحديث في سؤال القبر وسماع الميت خفق النعال وارد في عدة أحاديث منها الأحاديث الواردة في سؤال القبور وهي كثيرة منتشرة وفيها التصريح بسؤال الملكين له وجوابه بما يطالب حاله من سعادة أو شقاء ومنها ما شرعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمته من السلام على أهل القبور ومخاطبتهم بلفظ : «السلام عليكم دار قوم مؤمنين».
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه (الروح) وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة المعدوم والجماد والسلف مجمعون على هذا وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به... ) ثم ذكر رحمه الله تعالى جملة من الآثار عنهم.
وعن زيد بن أسلم قال: مر أبو هريرة وصاحب له على قبر فقال أبو هريرة سلم فقال الرجل : أسلم على القبر ؟ فقال أبو هريرة (إن كان رآك في الدنيا يوما قط إنه ليعرفك الآن)( [47]).
وعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولو مدبرين)( [48]).
وقد تطرقنا أيضا لبعض الأدلة فيما يثبت سماعهم للزائر في بداية هذا الباب عند الكلام عن الأدلة على زيارة القبور من السنة الشريفة والآثار.
إيذاء أهل القبور:
لا تؤذ الميت لئلا يؤذيك: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا قد اتكأ على قبر فقال له: «لا تؤذ صاحب القبر»( [49]).
وعن ابن عمر بن حزم بلفظ: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قبر فقال: (انزل عن القبر لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك)( [50]).
صفاء الأرواح بزيارة قبور الصالحين:
قال الإمام فخر الدين الرازي في المطالب في الفصل الثالث عشر في بيان كيفية الانتفاع بزيارة القبور والموتى: إن الإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوي النفس كامل الجوهر ووقف هناك ساعة حصل تأثير في نفسه من تعلقه بزيارة تلك التربة ولا يخفى أن لنفس ذلك الميت تعلقا بتلك التربة ايضا فحينئذ يحصل لنفس الزائر الحي ولنفس ذلك الإنسان الميت ملاقاة بسبب اجتماعهما على تلك التربة فصارت هاتان النفسان شبيهتين صقيلتين متقابلتين بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما إلى الأخرى فكل ما حصل في نفس هذا الزائر الحي من المعارف والبراهين والعلوم الكسبية والأخلاق الفاضلة من الخشوع لله تعالى والرضا بقضاء الله تعالى ينعكس منه نور إلى روح ذلك الإنسان الميت من العلوم المشرقة والآثار القوية الكاملة فينعكس منه نور إلى روح هذا الحي الزائر وبهذه الطريقة تصير تلك الزيارة سببا لحصول المنفعة الكبرى والبهجة العظمة لروح هذا الزائر فهذا هو السبب والأصل في مشروعية الزيارة ولا يبعد أن يحصل منها أسرار أخرى أدق وأخفى مما ذكرنا وتمام الحقائق ليس إلا عند الله تعالى .
فتوى ابن تيمية في موضوع السلام على أهل القبور
وسئل الشيخ عن الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلمون بزيارتهم؟ وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم أو غيره؟ فأجاب:
الحمد لله نعم جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري قال: إذا قبضت نفس المؤمن تلقاها الرحماء من عباد الله كما يتلقون البشير في الدنيا فيقبلون عليه ويسألونه فيقول بعضهم لبعضهم: انظروا أخاكم يستريح فإنه كان في كرب شديد قال فيقبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة هل تزوجت. الحديث.
وأما علم الميت بالحي إذا زاره وسلم عليه ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام»( [51]).
قال ابن المبارك: ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصححه عبدالحق صاحب الأحكام( [52]).
وجاء في موضع آخر أيضا سئل الشيخ ابن تيمة: هل الميت يسمع كلام زائره ويرى شخصه وهل تعاد روحه إلى جسده في ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره وهل تجمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه الذين ماتوا قبله؟ فأجاب:
الحمد لله رب العالمين نعم! يسمع الميت في الجملة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه( [53]). ... ثم ساق أحاديث متعددة في هذا المعنى ثم قال فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي ولا يجب أن يكون السمع له دائما بل قد يسمع في حال دون حال كما قد يعرض للحي فإنه قد يسمع أحيانا خطاب من يخاطبه وقد لا يسمع لعارض قد يعرض للحي فهذا السمع سمع إدراك ليس يترتب عليه جزاء ولا هو السمع المنفي بقوله:
﴿إنك لا تسمع الموتى﴾( [54]) فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعي ولا امتثال ما أمر به ونهى عنه فلا ينتفع بالأمر والنهي كذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي وإن سمع الخطاب وفهم المعنى كما قال تعالى ﴿ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم﴾( [55]) وأما رؤية الميت فقد روي في ذلك آثار عن عائشة رضي الله عنها وغيرها.
أما قول القائل: هل تعاد روحه إلى بدنه ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره؟ فإن روحه تعاد إلى البدن في ذلك الوقت كما جاء في الحديث وتعاد أيضا في غير ذلك ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم وهذا جاء في عدة آثار أن الأرواح تكون في افنية القبور قال مجاهد: الأرواح تكون في افنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه فهذا يكون أحيانا وقال مالك بن أنس: بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت والله أعلم.
وقال الشيخ ابن تيمية في موضع آخر: أما ما أخبر الله من حياة الشهيد ورزقه ما جاء في الحديث الصحيح من دخول أرواحهم الجنة فذهبت طوائف إلى أن ذلك مختص بهم دون الصديقين وغيرهم والصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة أن الحياة والرزق ودخول الأرواح الجنة ليس مختصا بالشهيد كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ويختص الشهيد بالذكر لكون الظان يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة كما نهى عن قتل الأولاد خشية الإملاق لأنه هو الواقع وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق( [56]).
قصد القبور للدعاء
ومن الأدلة على قصد القبور للدعاء قصة سيدتنا عائشة عندما شكوا اليها القحط فقالت : انظروا قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف قال ففعلوا فمطروا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق( [57]) وفي رواية أنهم قحطوا فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال يا محمد استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا( [58])...
وورد أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده( [59]).
وذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة الحافظ عبدالغافر بن إسماعيل الفارسي يقول ابن عساكر: ودفن بنيسابور وقبره يزار وتجاب الدعوة عنده.
وروى الخطيب في تاريخه عن علي بن ميمون رضي الله عنه انه قال : سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: (إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم يعني زائرا فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما يبعد عنه حتى تقضى).
وروى أيضا عن احمد بن جعفر القطيعي قال: سمعت الحسن بن إبراهيم أبا علي الخلال وهو شيخ الحنابلة في وقته يقول: (ما همني امر فقصدت قبر موسى بن جعفر يعني الكاظم وتوسلت به إلا سهل لي ما أحب).
وقال إبراهيم الحربي: قبر معروف ترياق مجرب ذكره الحافظ البغدادي في تاريخ بغداد وذكر الحافظ المحدث شيخ القراء شمس الدين بن الجزري في كتابه الحصن الحصين ان من مواضع إجابة الدعاء قبور الصالحين( [60]).
وقال الشافعي رحمه الله تعالى : قبر موسى الكاظم الترياق المجرب( [61]).
وقال الحافظ عبدالغني المقدسي: (خرج في عضدي شيء يشبه الدمل وكان يبرأ ثم يعود ودام بذلك زمانا طويلا فسافرت إلى اصبهان وعدت إلى بغداد وهو بهذه الصفة فمضيت إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه ومسحت به القبر فبرأ ولم يعد)( [62]).
عذاب القبر
عن سيدنا أبي سعيد الخدري عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه) ثم أقبل علينا بوجهه فقال: (تعوذوا بالله من عذاب النار) قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار فقال: (تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن) قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن . قال (تعوذوا بالله من فتنة الدجال) قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال( [63]).
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم:-
قال العلامة زين الدين بن حسين المراغي: ينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قربة للأحاديث الواردة ولقوله تعالى ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾( [64]).
الدليل من السنة الشريفة
واعلم ان زيارة قبره الشريف صلى الله عليه وآله وسلم من اعظم القربات وارجى الطاعات والسبيل إلى أعلى الدرجات ومن اعتقد غير هذا فقد خالف الله ورسوله وجماعة العلماء الأعلام.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها فمن السنة المؤكدة قصد المدينة المنورة مهاجر الحبيب الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمشاهدة الروضة المطهرة من رياض الجنة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي»( [65]).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «من زار قبري وجبت له شفاعتي»( [66]).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة»( [67]).
وروي: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني».
وفي حديث ابن عدي والخطيب : «من وجد سعة ولم يفد الي فقد جفاني».
وإن هذه الزيارة للسيد الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بعد مماته كزيارته في حياته فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم «من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي»( [68]).( [69])
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «ليسلكن عيسى بن مريم حاجا أو معتمرا ، أو بنيتهما وليأتين قبري حتى يسلم علي ولأردن عليه»( [70]).
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «من جاءني زائرا لا تعلمه حاجة إلا زيارتي كان حقا علي ان اكون له شفيعا يوم القيامة»( [71]).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي ومن مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة»( [72]).
وروي أن سيدنا عمر رضي الله عنه خرج إلى المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكي فقال: ما يبكيك؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (اليسير من الرياء شرك وإن من عادى ولي الله فقد بارز الله تعالى بالمحاربة وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة)( [73]).
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجد كُتبت له حجتان مبرورتان).
آداب زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكيفيتها
كلام الإمام الشيخ سيدي عبدالقادر الجيلاني الحنبلي المتوفى سنة (561هـ): قال رضي الله عنه الله عنه في كتابه (الغنية) بعد الكلام على الحج والعمرة : فإذا من الله تعالى بالعافية وقدم المدينة فالمستحب له ان يأتي مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فليقل عند دخول المسجد: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وافتح لي أبواب رحمتك وكف عني أبواب عذابك الحمد لله رب العالمين ثم يأتي القبر وليكن بحذائه بينه وبين القبلة ويجعل جدار القبلة خلف ظهره والقبر أمامه تلقاء وجهه والمنبر عن يساره وليقم مما يلي المنبر وليقل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته الله صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم آت سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة والمقام المحمود الذي وعدته اللهم صل على روح محمد في الأرواح وصل على جسده في الأجساد كما بلغ رسالتك وتلا آياتك وصدع بامرك وجاهد في سبيلك وأمر بطاعتك ونهى عن معصيتك وعادى عدوك ووالى وليك وعبدك حتى أتاه اليقين اللهم أنت قلت في كتابك لنبيك ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾( [74]) وإني أتيت نبيك تائبا من ذنوبي مستغفرا فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حال حياته فأقر عنده بذنوبه فدعا له نبيه فغفرت له ، اللهم إني اتوجه اليك بنبيك عليه سلامك نبي الرحمة يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي اللهم إني أسألك بحقه أن تغفر لي وترحمني اللهم اجعل محمدا أول الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الأولين والآخرين اللهم كما آمنا به ولم نره وصدقناه ولم نلقه فأدخلنا مدخله واحشرنا في زمرته وأوردنا حوضه واسقنا بكاسه مشربا رويا سائغا هنيا لا نظمأ بعده أبدا غير خزايا ولا ناكثين ولا مارقين ولا جاحدين ولا مرتابين ولا مغضوبا عليهم ولا ضالين واجعلنا من اهل شفاعته ثم يتقدم عن يمينه ثم ليقل: السلام عليكما يا صاحبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورحمة الله وبركاته السلام عليك يا أبا بكر الصديق السلام عليك يا عمر الفاروق اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيرا وغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ثم يصلي ركعتين ويجلس ويستحب ان يصلي بين القبر والمنبر في الروضة وإن أحب أن يتمسح بالمنبر تبركا به والصلاة بمسجد قباء وأن يأتي قبور الشهداء والزيارة لهم فعل ذلك وأكثر الدعاء هنالك ثم إذا أراد الخروج من المدينة اتى مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقدم إلى القبر وسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفعل كما فعل أولا وودعه وسلم على صاحبيه كذلك ثم قال: اللهم لا تجعله آخر العهد مني بزيارة قبر نبيك وإذا توفيتني فتوفني على محبته وسنته آمين يا أرحم الراحمين ، انتهت الغنية.
وهو وإن لم يصرح فيها بالسفر بقصد الزيارة فهي مفيدة لذلك بذكر الاستغاثة به وسؤال الله تعالى بحقه والاعتناء بزيارته أولا ثم العود إلى زيارته مرة أخرى ووداعه والدعاء عنده بحاجاته وقوله اللهم لا تجعله آخر العهد من زيارة قبر نبيك كل ذلك يفيد أنه رضي الله عنه يرى أن السفر لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم من احسن الطاعات وأقرب القربات كما هو الواقع وكون هذا هو بلا شك مذهب هذا الغوث العظيم وعقيدته السنية السنية من الأمور البديهية لأنه من أكبر أئمة أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والصوفية وقد صرح ايضا بطلب الدعاء عند زيارة قبور الشهداء( [75]).
قال الإمام النووي الشافعي المتوفى سنة (676) هـ في إيضاح المناسك : قال رحمه الله تعالى :
الباب السادس في زيارة قبر سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشرف وكرم وعظم وما يتعلق بذلك:
اعلم أن لمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسماء خمسة : المدينة وطابة وطيبة والدار ويثرب وذكر سبب تسميتها بهذه الأسماء ثم قال: في الباب مسائل:
الأولى: إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزيارة تربته صلى الله عليه وآله وسلم فإنه من أهم القربات وأنجح المساعي وقد روى البزار والدارقطني بإسنادهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «من زار قبري وجبت له شفاعتي»( [76]).
الثانية: يستحب للزائر أن ينوي مع زيارته صلى الله عليه وآله وسلم التقرب إلى الله تعالى بالسفر إلى مسجده صلى الله عليه وآله وسلم والصلاة فيه.
الثالثة: يستحب أن يكثر من الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وآله وسلم في طريقه فإذا وقع بصره على أشجار المدينة وحرمها وما يعرف بها زاد من الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وآله وسلم ويسأل الله تعالى أن ينفعه بزيارته وأن يتقبلها منها.
الرابعة يستحب أن يغتسل قبل دخوله ويلبس أنظف ثيابه.
الخامسة: يستحضر في قلبه حينئذ شرف المدينة وأنها أفضل الدنيا بعد مكة عند بعض العلماء وعند بعضهم أفضلها على الإطلاق وان الذي شرفت به صلى الله عليه وآله وسلم خير الخلائق أجمعين وليكن من أول قدومه إلى أن يرجع مستشعرا لتعظيمه ممتلئ القلب من هيبته كأنه يراه صلى الله عليه وآله وسلم .
السادسة : إذا وصل إلى باب مسجده صلى الله عليه وآله وسلم فليقل ما قدمناه في دخول المسجد الحرام وهو أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم بسم الله والحمد لله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال هذا إلا أنه يقول: وافتح لي أباب فضلك ويقدم رجله اليمنى في الدخول واليسرى في الخروج وكذا يفعل في جميع المساجد ويدخل فيقصد الروضة الكريمة وهي ما بين المنبر والقبر فيصلي تحية المسجد بجنب المنبر وفي (إحياء علوم الدين) أنه يجعل عمود المنبر على حذاء منكبه الأيمن واستقبل السارية التي إلى جانبها الصندوق وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه فذلك موقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد وسع المسجد بعده صلى الله عليه وآله وسلم وفي كتاب المدينة أن ما بين المنبر ومقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يصلي فيه حتى توفي أربع عشرة ذراعا وشبرا وأن ما بين المنبر والقبر ثلاثا وخمسون ذراعا وشبرا.
السابعة: إذا صلى التحية في الروضة أو غيرها من المسجد شكر الله تعالى هذه النعمة ويسأله إتمام ما قصده وقبول زيارته ثم يأتي القبر الكريم فيستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر ويبعد من رأس القبر نحو "أربعة أذرع وفي (إحياء علوم الدين) يستقبل جدار القبر على نحو أربعة أذرع من السارية التي عند رأس القبر في زاوية جداره ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه ويقف ناظرا إلى أسفل ما يستقبله من جدار القبر غاض الطرف في مقام الهيبة والإجلال فارغ القلب من علائق الدنيا مستحضرا في قلبه جلال موقفه ومنزلة من هو بحضرته صلى الله عليه وآله وسلم ولا يرفع صوته بل يقتصد فيقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبي الله السلام عليك يا خيرة الله السلام عليك يا خير خلق الله السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا نذير السلام عليك يا بشير السلام عليك يا طاهر السلام عليك يا نبي الرحمة السلام عليك يا نبي الأمة السلام عليك يا أبا القاسم السلام عليك يا رسول رب العالمين السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين السلام عليك يا قائد الغر المحجلين السلام عليك وعلى آلك وأهل بيتك وأزواجك وذريتك واصحابك أجمعين السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وجميع عباد الله الصالحين جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى نبيا ورسولا عن أمته وصلى الله عليك كلما ذكرك ذاكر وغفل عن ذكرك غافل أفضل وأكمل وأطيب ما صلى على أحد من الخلق أجمعين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنك عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده اللهم وآته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريه كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
ومن عجز عن حفظ هذا وضاق وقته عنه اقتصر على بعضه وأقله : السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم . وجاء عن ابن عمر من السلف رضي الله عنهم الاقتصار جدا فكان ابن عمر يقول( السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه) وعن مالك رحمه الله تعالى أنه كان يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ثم إن كان قد أوصاه أحد بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فليقل: السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان أو فلان بن فلان يسلم عليك يا رسول الله أو نحو هذا من العبارات ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر رضي الله عنه لأن رأسه عند منكب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله وثانيه في الغار جزاك الله عن أمة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم خيرا ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع للسلام على عمررضي فيقول: السلام عليك يا عمر أعز الله بك الإسلام جزاك الله عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خيرا ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتوسل به في حق نفسه ويتشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى ومن حسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له قال كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾( [77]) وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته على الصراط إذا ما زلت القدم
وصاحباك فلا أنساهما أبدا مني السلام عليكم ما جرى القلم
قال: ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيناي فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال: يا عتبي الحق الأعرابي وبشره بأن الله تعالى قد غفر له( [78]).
ثم يتقدم إلى رأس القبر فيقف بين القبر والأسطوانة التي هناك ويستقبل القبلة ويحمد الله تعالى ويمجده ويدعو لنفسه بما أهمه وما أحبه ولوالديه ولمن شاء من أقاربه وأشياخه وإخوانه وسائر المسلمين ثم يأتي الروضة فيكثر فيها من الدعاء والصلاة فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي»( [79]) ويقف عند المنبر ويدعو.
الثامنة : لا يجوز أن يطاف بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
التاسعة : ينبغي له مدة إقامته بالمدينة أن ينوي الاعتكاف فيه كما قدمناه في المسجد الحرام.
العاشرة: يستحب أن يخرج كل يوم إلى البقيع خصوصا يوم الجمعة ويكون ذلك بعد السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا انتهى إليه قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين ونحن إن شاء الله بكم للاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد اللهم اغفر لنا ولهم ويزور القبور الظاهرة فيه كقبر إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعثمان والعباس والحسن بن علي وعلي بن الحسين ومحمد بن جعفر وجعفر بن محمد وغيرهم ويختم بقبر صفية رضي الله عنها عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد ثبت في الصحيحين فضل قبور البقيع وزيارتها في أحاديث كثيرة.
الحادية عشر: يستحب ان يزور قبور الشهداء بأحد وأفضله يوم الخميس وابتداؤه بحمزة عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويبكر بعد صلاة الصبح بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يعود ويدرك جماعة الظهر فيه.
الثانية عشر: يستحب اسحبابا متأكدا أن يأتي مسجد قباء وهو في يوم السبت أولى ناويا التقرب بزيارته والصلاة فيه للحديث الصحيح في كتاب الترمذي وغيره عن أسيد بن ظهير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة»( [80]) وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا فيصلي فيه ركعتين)( [81])، وفي رواية صحيحة (كان يأتيه كل سبت) ويستحب أن يأتي بئر أريس التي روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفل فيها وهي عند مسجد قباء فيشرب من مائها.
الثالثة عشر: يستحب أن يأتي سائر المشاهد بالمدينة وهي نحو ثلاثين موضعا يعرفها أهل المدينة فليقصد ما قدر عليه منها وكذا يأتي الآبار التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ منها ويغتسل فيشرب ويتوضأ وهي سبع آبار.
الثالثة عشرة:ينبغي له أن يلاحظ بقلبه في مدة مقامه بالمدينة جلالتها وأنها البلدة التي اختارها الله تعالى لهجرة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم واستيطانه ومدفنه وليستحضر تردده صلى الله عليه وآله وسلم فيها ومشيه في بقاعها.
الرابعة عشر: يستحب المجاورة بالمدينة بالشرط المتقدم بالمجاورة بمكة وهو قوله المختار: إن المجاورة بها مستحبة إلا أن يغلب على ظنه الوقوع في الأمور المحذورة.
عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال؟من صبر على لأوء المدينة وشدتها كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة»( [82]).
الخامسة عشر: يستحب أن يصوم بالمدينة ما أمكنه وأن يتصدق بما أمكنه على جيران رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن ذلك من جملة بره صلى الله عليه وآله وسلم .
السادسة عشر: ليس له أن يستصحب شيئا من الأكر المعمولة من ترام حرم المدينة لا الأباريق ولا الكيزان ولا غير ذلك من ترابه واحجاره كما سبق في حرم مكة.
السابعة عشر: يحرم صيد حرم المدينة وقطع أشجاره على الحلال والمحرم كما سبق في حرم مكة وحد حرم المدينة ما بين عير إلى أحد وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : (لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها)( [83]).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «ما بين لابتيها حرام»( [84]) وكذا رواه جماعة من الصحابة في الصحيح واللابتان الحرتان والحرة في الأرض ذات الحجارة السود، والمدينة واقعة بين حرتين.
الثامنة عشر: إذا أراد السفر من المدينة والرجوع إلى وطنه أو غيره استحب أن يودع المسجد بركعتين ويدعو بما أحب ويأتي القبر ويعيد نحو السلام والدعاء المذكور في ابتداء الزيارة ويقول: اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك ويسر لي إلى الحرمين سبيلا سهلة وارزقني العفو والعافية في الدنيا والآخرة وردنا سالمين غانمين وينصرف تلقاء وجهه.
التاسعة عشر: في أشياء مهمة تتعلق بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومما ذكره: منها أن خارجة بن زيد قال: بنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعين ذراعا وذكر الزيادات ثم قال: فإذا عرفت حال المسجد فينبغي أن تعتني بالمحافظة على الصلاة فيما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن الحديث الصحيح (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف فيما سواه إلا المسجد الحرام)( [85]) إنما يتناول ما كان في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم لكن إذا صلى جماعة فالتقدم إلى الصف الأول ثم ما يليه أفضل فليتفطن.
انتهى كلام الإمام النووي باختصار قليل لفوائد تاريخية ولغوية ونحوها مما يلي لم ار ذكره لازما وذكر ان زيارة الخليل عليه السلام قربة مستقلة لا تعلق لها بالحج ولا بزيارة النبي( [86]) وبحذف بعض المسائل أيضا.

الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي المتوفى سنة (861هـ):
قال رحمه الله تعالى في فتح القدير في آخر الكلام على الحج: المقصود الثالث في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال مشايخنا رحمهم الله تعالى : من أفضل المندوبات وفي مناسك الفارسي وشرح المختار إنها قريبة من الوجوب لمن له سعة.
وقال عليه الصلاة والسلام «من زار قبري وجبت له شفاعتي»( [87]) وعنه أيضا عليه الصلاة والسلام «من جاءني زائرا لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون له شفيعا يوم القيامة »( [88]) وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضا : «من حج وزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي »( [89]) هذا والحج إن كان فرضا فالأحسن أن يبدأ به ثم يثني بالزيارة وإن كان تطوعا كان بالخيار فإذا نوى زيارة القبر فلينو معه زيارة المسجد أي مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال ، وفي الحديث «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى»( [90]) وإذا توجه إلى الزيارة يكثر من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة الطريق والأولى فيما يقع عند العبد الضعيف تجريد النية لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم إذا حصلت له أن قدم ينوي زيارة المسجد أو يستمنح فضل الله سبحانه في مرة أخرى ينويهما فيها لأن في ذلك زيادة تعظيمه صلى الله عليه وآله وسلم وإجلاله ويوافق ظاهر ما ذكرناه من قوله عليه الصلاة والسلام «لا تعمله حاجة إلا زيارتي » وإذا وصل إلى المدينة اغتسل بظاهرها قبل أن يدخلها أو توضأ والغسل أفضل ، ولبس نظيف ثيابه والجديد أفضل وما يفعله بعض الناس من النزول بالقرب من المدينة والمشي على أقدامه إلى أن يدخلها حسن ولك ما كان أدخل في الأدب والإجلال كان حسنا وإذا دخلها قال : بسم الله ﴿رب أدخلني مدخل صدق﴾( [91])، اللهم افتح لي أبواب رحمتك وارزقني من زيارة رسولك صلى الله عليه وآله وسلم ما رزقت أولياءك وأهل طاعتك واغفر لي وارحمني يا خير مسئول وليكن متواضعا متخاشعا معظما لحرمتها لا يفتر عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستحضرا أنها بلدته التي اختارها الله تعالى درا لهجرة نبيه ومهبطا للوحي والقرآن ومنبعا للإيمان والأحكام الشرعية قالت عائشة رضي الله عنها (كل البلاد فتحت بالسيف إلا المدينة فإنها افتتحت بالقرآن العظيم).
وليحضر قلبه أنه ربما صادف موضع قدمه صلى الله عليه وآله وسلم لهذا كان مالك رحمه الله ورضي عنه لا يركب في طرق المدينة وكان يقول استحي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحافر دابة وإذا دخل المسجد فعل ما هو السنة في دخول المساجد من تقديم اليمين ويقول: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ويدخل من باب جبريل أو غيره ويقصد الروضة الشريفة فيصلي تحية المسجد مستقبلا السارية التي تحتها الصندوق بحيث يكون عمود المنبر حذاء منكبه الأيمن إن أمكنه فذلك موقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما قيل قبل أن يغير المسجد وفي بعض المناسك يصلي تحية المسجد في مقامه عليه الصلاة والسلام . وقال الكرماني وصاحب الاختيار ويسجد لله تعالى شكرا على هذه النعمة ويسأله تمامها والقبول وقيل ذرع ما بين المنبر وموقفه عليه الصلاة والسلام الذي كان يصلي فيه أربعة عشر ذراعا وشبر وما بين المنبر والقبر ثلاثة وخمسون ذراعا وشبر ثم يأتي القبر الشريف فيستقبل جداره ويستدبر القبلة على نحو أربعة أذرع من السارية التي عند رأس القبر في زاوية جداره عن أبي الليث أنه يقف مستقبلا مردود بما روى أبو حنيفة رضي الله عنه في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (من السنة أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل القبلة وتجعل ظهرك إلى القبلة وتستقبل القبر بوجهك ثم تقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ) إلا أن تحمل على نوع ما من استقبال القبلة وذلك أنه عليه الصلاة والسلام في القبر الشريف المكرم على شقه الأيمن مستقبل القبلة وقالوا في زيارة القبور مطلقا: الأولى أن يأتي الزائر من قبل رجل المتوفى لا من قبل رأسه فإنه أتعب لبصر الميت لأنه يكون مقابلا بصره ناظرا إلى جهة قدميه إذا كان على جنبه فعلى هذا تكون القبلة عن يسار الوقف من جهة قدميه عليه الصلاة والسلام بخلاف ما إذا كان من جهة وجهه الكريم فإذا أكثر الاستقبال إليه عليه الصلاة والسلام لا كل الاستقبال فيكون استدباره القبلة أكثر من أخذه إلى جهتها وينبغي أن يكون وقوف الزائر على ما ذكرناه بخلاف تمام استدباره القبلة واستقباله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يكون البصر ناظرا إلى جنب الواقف وعلى ما ذكرنا يكون مستقبلا وجهه عليه الصلاة والسلام وبصره فيكون أولى ثم يقول في موقفه : السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا خير خلق الله السلام عليك يا خيرة الله من جميع خلقه السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا سيد ولد آدم السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته يا رسول الله إني أشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله وأشهد انك يا رسول الله قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وكشفت الغمة فجزاك الله عنا خيرا جزاك الله عنا أفضل ما جازى نبيا عن أمته اللهم اعطِ سيدنا عبدك ورسولك محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وأنزله المنزل القرب عندك إنك سبحانك ذو الفضل العظيم ويسأل الله تعالى حاجته متوسلا إلى الله بحضرة نبيه عليه الصلاة والسلام وأعظم المسائل وأهمها سؤال حسن الخاتمة والرضوان والمغفرة ثم يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشفاعة فيقول: يا رسول الله أسألك الشفاعة يا رسول الله أسألك الشفاعة وأتوسل بك إلى الله في أن أموت مسلما على ملتك وسنتك ويذكر كل ما كان من قبيل الاستعطاف والرفق ويجتنب الألفاظ الدالة على الإدلال والقرب من المخاطب فإنه سوء أدب ، وعن ابن أبي فديك قال: سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتلا هذه الآية ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾( [92]) .
ثم قال : صلى الله عليك وسلم يا محمد سبعين مرة ناداه ملك وعليك يا فلان ولم تسقط له حاجة هذا وليبلغ سلام من أوصاه بتبليغ سلامه فيقول: السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان أو فلان بن فلان يسلم عليك يا رسول الله ويروى أن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله كان يوصي بذلك ويرسل البريد من الشام إلى المدينة الشريفة بذلك ، ومن ضاق وقته عما ذكرناه اقتصر على ما يمكنه وعن جماعة من السلف الإيجاز في ذلك جدا ثم يتأخر عن يمينه إن كان مستقبلا قيد ذراع فيسلم على أبي بكر رضي الله عنه فإن رأسه حيال منكب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى ما ذكرنا يكون تأخره إلى ورائه بجانبه فيقول: السلام عليك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثانيه في الغار أبا بكر الصديق جزاك الله عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خيرا ثم يتأخر كذلك قدر ذراع فيسلم على عمر فيقول : السلام عليك يا أمير المؤمنين عمر الفاروق الذي أعز الله به الإسلام جزاك الله عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خيرا ثم يرجع إلى حيال وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيحمد الله ويثني عليه ويصلي ويسلم على نبيه ويدعو ويستشفع له ولوالديه ولمن أحب ويختم دعاءه بآمين والصلاة والتسليم وقيل ما ذكر من العود إلى رأس القبر الشريف لم ينقل عن الصحابة ولا التابعين وعن القاسم بن محمد قال: (دخلت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا أماه اكشفي لنا قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقدما وأبا بكر رأسه بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعمر رأسه عند رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم )( [93]).
وإذا فرغ من الزيارة يأتي الروضة فيكثر فيها من الصلاة والدعاء إن لم يكن في وقت تكره فيه الصلاة ففي الصحيحين : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»( [94]).
وفي رواية «قبري ومنبري»( [95]) ويقف عند المنبر ويدعو ففي الحديث «إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة»( [96]) وكان السلف يستحبون أن يضع أحدهم يده على رمانة المنبر النبوي التي كان عليه الصلاة والسلام يضع يده عليه عند الخطبة وهناك الآن قطعة تدخل الناس أيدهم من طاقة في المنبر إليه يتبركون بها يقال: إنها من بقايا منبره عليه الصلاة والسلام ويجتهد أن لا يفوته مدة مقامه صلاة في المسجد فقد ثبت أن صلاة في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم تعدل ألف صلاة في غيره على ما قدمناه وهذا التفضيل مختص بالفرائض وقيل في النفل أيضا( [97]).
ويستحب أن يخرج كل يوم إلى البقيع بقيع الغرقد فيزور القبور التي به خصوصا يوم الجمعة ويبكر كي لا تفوته صلاة الظهر مع الإمام في المسجد فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يزوره وإذا انتهى إليه قال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لنا ولهم إنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد اللهم اغفر لنا ولهم ويزور القبور المشهورة كقبر عثمان بن عفان رضي الله عنه وقبر العباس وهو في قبته المشهورة وفيها قبران الغربي منهما قبر العباس رضي الله عنه والشرقي قبر الحسن بن علي زين العابدين وولده محمد الباقر وابنه جعفر الصادق رضي الله عنهم كلهم في قبر واحد وعند باب البقيع عن يسار الخارج قبر صفية أم الزبير عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيه قبر فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله عنهما ويصلي في مسجد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبقيع وهو المعروف ببيت الأحزان وقيل قبرها فيه وقيل بل في الصندوق الذي هو أمام مصلى الإمام في الروضة الشريفة واستبعده بعض العلماء وقيل إن قبرها في بيتها وهو في مكان المحراب المخشب الذي خلف الحجرة الشريفة داخل الدرابزين قال وهو الأظهر وبالبقيع قبة يقال إن فيها قبر عقيل في داره وفيه حظيرة مستهدمة مبنية بالحجارة يقال إن فيها قبور من دفن من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنهن وفيه قبر إبراهيم ابن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مدفون إلى جنب عثمان بن مظعون ودفن إلى جنب عثمان بن مظعون عبدالرحمن بن عوف رضوان الله عنهم أجمعين وعثمان هذا أول من دفن بالبقيع في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة ويأتي أحدا يوم الخميس مبكرا كي لا تفوته جماعة الظهر بالمسجد فيزور قبور شهداء أحد ويبدأ بقبر حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويزور جبل أحد نفسه ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أحد جبل يحبنا ونحبه»( [98]) وفي رواية (إنه على ترعة من ترع الجنة وعَيرٌ على ترعة من ترع النار)( [99]).
وستحب أن يأتي مسجد قباء يوم السبت اقتداء به صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كان يأتيه في كل سبت راكبا وماشيا( [100]) وهو أول مسجد في الإسلام وأول من وضع فيه حجرا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنهم وينوي زيارته والصلاة فيه ، فقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن الصلاة فيه كعمرة ويأتي في قباء بئر أريس التي تفل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيها سقط خاتمه صلى الله عليه وآله وسلم من عثمان رضي الله عنه فيتوضأ ويشرب ويزور مسجد الفتح وهو على قطعة من جبل سلع من جهة الغرب فيركع فيه ويدعو.
وروى جابر : (أنه صلى الله عليه وآله وسلم دعا فيه ثلاثة أيام على الأحزاب فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين)( [101]).
والمساجد التي هناك منها مسجد يقال له: مسجد بني ظفر وفيه حجر جلس عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقال: ( ما جلست عليه امرأة لتريد الولد إلا حبلت) ويقال إن جميع المساجد والمشاهد المفضلة التي بالمدينة ثلاثون يعرفها أهل المدينة ويقصد الآبار التي كان صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ منا ويشرب وهي سبعة: منها بئر بضاعة والله أعلم.
(فصل) : وإذا عزم الرجوع إلى أهله، يستحب له أن يودع المسجد بصلاة ويدعو بعدها بما أحب وأن يأتي القبر الكريم فيسلم ويدعو بما أحب له ولوالديه وإخوانه وأولاده وأهله وماله ويسأل الله تعالى أن يوصله إلى أهله سالما غانما في عافية من بليات الدنيا والآخرة ويقول غير مودع يا رسول الله ويسأل الله تعالى أن يرده إلى حرمه وحرم نبيه في عافية وليكثر دعاءه بذلك في الروضة الشريفة عقيب الصلوات وعند القبر ويجتهد في خروج الدمع فإنه من أمارات القبول وينبغي أن يتصدق بشيء على جيران النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ينصرف متباكيا متحسرا على فراق الحضرة الشريفة النبوية والقرب منها( [102]).
وقال الشيخ النبهاني رحمه الله تعالى: ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله من زيارة القبور فيما ذكر من الآداب وهو في زيارة العلماء والصلحاء ومن يتبرك بهم وأما عظيم جناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فيأتي إليهم الزائر ويتعين عليه قصدهم من الأماكن البعيدة فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل والانكسار والمسكنة والفقر والحاجة والاضطرار والخشوع ويحضر قلبه وخاطره إليهم والى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون ثم يثني على الله تعالى بما هو أهله ثم يصلي ويترضى عن أصحابه ثم يترحم على التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ويستغيث بهم ويطلب حوائجه ويجزم الإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنه في ذلك فإنهم باب الله المفتوح وجرت سنته سبحانه وتعالى في قضاء الحوائج على أيديهم وبسببهم ومن عجز عن الوصول إليهم فليرسل السلام عليهم ويذكر ما يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه إلى غير ذلك فإنهم السادة الكرام والكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم ولا من قصدهم ولا من لجأ إليهم وهذا الكلام في زيارة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عموما.
وأما زيارة سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وسلامه فكل ما ذكر يزيد عليه أضعافه أعني الانكسار والذل والمسكنة لأنه الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته ولا يخيب من قصده ولا من استعان أو استغاث به إذ أنه عليه الصلاة والسلام قطب دائرة الكمال وعروس المملكة قال الله تعالى في كتابه العزيز :﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾( [103]). وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته إذ لا فرق بين موته وحياته أعني في مشاهدته صلى الله عليه وآله وسلم لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم وذلك عنده صلى الله عليه وآله وسلم جلي لا خفاء فيه فإن قال قائل: هذه الصفات مختصة بالمولى سبحانه وتعالى فالجواب: أن كل ما انتقل إلى الآخرة من المؤمنين فهم يعلمون أحوال الأحياء غالبا وقد وقع ذلك في الكثرة بحيث المنتهى من حكايات وقعت منهم ويحتمل أن يكون علمهم بذلك حيث عرض أعمال الأحياء عليهم ويحتمل غير ذلك وهذه أشياء مغيبة عنا وقد أخبر الصادق عليه الصلاة والسلام بعرض الأعمال عليهم فلابد من وقوع ذلك والكيفية فيه غير معلومة والله اعلم بها.