إذا قال قائل
(فدين الإسلام واحد لا مذاهب فيه ولا طرق يجب اتباعها إلا طريق محمد صلى الله عليه وآله وسلم ).
وقال أيضا:
(اعلم أن المذهب الحق الواجب الذهاب إليه والاتباع له هو مذهب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقل الإمام أبو حنيفة ولا مالك ولا أحد من الأئمة خذوا بقولي أو تمذهبوا بمذهبي بل ولا قال ذلك أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهم بل نهوا عن ذلك فإن كان الأصل هكذا فمن أين جاءت المذاهب؟ ولماذا شاعت وألزمت على ذمم المسلمين فتدبر وتأمل أنها ما شاعت إلا بعد خير القرون وما ألزمت إلا من الأمراء الغاشمين والحكام الجاهلين والعلماء الضالين).
فالجواب: إذا قلنا إن الاتباع ينبغي ان يكون للكتاب والسنة فقط أليس ذلك ينبغي ان يكون مبنيا على فهم الصحابة والأئمة المجتهدين نعم إن أحدا من الصحابة لم يقل خذوا بقولي ولم يقل أحد أيضا بأن اتباع واحد بعينه دون الآخر فرض محتم ولكن اتباع الكتاب والسنة بناء على فهم الصحابة والأئمة المجتهدين لهما إنما يكون باتباع أقوالهم ولا شك أن هذا لا خلاف فيه وإنما الإشكال في كيفية اتباع أقوال الصحابة والأئمة المجتهدين رضي الله عنهم.
ففي الماضي اجتهد الصحابة رضي الله عنهم والأئمة الأوائل الذين جاؤوا بعدهم واعتمد بعضهم في اجتهاده على الدليل واعتمد البعض الآخر على الرأي المعتمد على القياس أو الأصول العامة في الشرع المجمع عليها نحو ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾( [1]) . ( لا ضرر ولا ضرار)( [2]) وهكذا وذلك إما لعدم وصول دليل الغير إليه وعدم علمه بالدليل أو لأن لديه دليلا اعتمد عليه ووجده أقوى من دليل غيره أو لاختلافه مع غيره في تفسير النص أو لاختلافهم في نوع الحكم على المسألة هل هي فرض أ و سنة مثلا بسبب اختلافهم في قواعد الاجتهاد ... وهكذا أما من لم يصله الدليل من الصحابة والأئمة المجتهدين واجتهد برايه فرأيه ناقشه العلماء المجتهدون فيما بعد حينما صارت الأدلة متوفرة لدى الجميع أي بعد القرن الثالث فعلماء المذاهب فيما بعد على مر العصور ناقشوا هذه الآراء وأخذوا بما يدعمه الدليل منها وتركوا ما يتعارض مع الأدلة وليس أدل على ذلك من مخالفة كثيرين من الأئمة في كل مذهب لقول الإمام أو لقول غيره عملا بالدليل الأقوى وسنبين ذلك إن شاء الله وهذا الوضع لم يشكل سببا هاما من أسباب نشوء المذاهب واستمرارها.
لكن الوضع الثاني وهو الحل الذي يكون كل طرف فيه معتمدا على دليل قوي يتمسك به أوله رأي بدليل غيره أو تفسير أو حكم مختلف فيه عن تفسير غيره أو حكمه في المسألة أو له قواعد تختلف عن قواعد غيره في الاجتهاد هو السبب الأهم في نشوء المذاهب واختلاف الآراء.
ونضرب لذلك مثلا في اختلاف الصحابة في تفسير قوله تعالى ﴿ أو لامستم النساء ﴾( [3]) قال ابن عباس: إن اللمس والمس والمباشرة : الجماع ولكن الله يكني ما يشاء بما يشاء وقال بعده ابن جرير بذلك واحتج بحديث عائشة الصحيح : «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ ثم يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ».
أما عبدالله بن مسعود فقد قال: اللمس ما دون الجماع والقبلة من المس وفيهما الوضوء وروى مالك عن عبدالله بن عمر انه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء.
وتابعهم على ذلك الشافعي وأصحابه ومالك وأحمد بن حنبل وقالوا: قد قرئ في هذه الآية – أي قراءة متواترة – (لامستم ) و (لمستم). واللمس يطلق في الشرع على الجس في اليد قال تعالى ﴿ ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم﴾( [4]) أي جسوه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لماعز حين اقر بالزنا يعرض له بالرجوع عن الإقرار (لعلك قبلت أو لمست) وفي حديث آخر (واليد زناؤها اللمس)( [5]).
وأنت تلاحظ أن الاختلاف هنا واقع بين الصحابة الذين كانوا في عصر واحد وفي بلد واحد وقد اختلفوا في تفسير النصوص وترجيح بعضها على بعض وكل منهم تسمك بدليله وتبعهم على ذلك الأئمة الأربعة ولا شك أن كل طرف من أطراف الخلاف قد اطلع على دليل الآخر في هذه المسألة.
فالإمام مالك هو شيخ الشافعي والشافعي قرأ على محمد بن الحسن كبير أصحاب أبي حنيفة في العراق وهو أي الشافعي شيخ الإمام أحمد بن حنبل ومع ذلك نجد أن هؤلاء الأئمة افترقوا في الحكم في هذه المسألة على افتراق الصحابة ولم يتفقوا على حكم واحد فيها .
وذكر هذه الأقوال وغيرها ابن كثير والقرطبي مثلا فلم يقولا : قال العلماء : إن سبب الخلاف بين الصحابة هنا هو عدم وصول الدليل إلى من قال إن لمس المرأة ينقض الوضوء ولا قالوا : بخطأ هذا القول وبعدم صحة العمل به كما يفعل بعضهم بل ذهب بعضهم إلى تأييد القول الأول وذهب البعض الآخر إلى تأييد القول الثاني على أنه أخذ بظاهر النص وهو مع ذلك متوافق مع القاعدة الأصولية عندهم والتي تقول: إنه يجوز استعمال الكلمة في كل من معناها الحقيقي والمجازي بآن واحد إذا كان ذلك ممكنا شرعا وعقلا.
والملامسة هنا تعني المس على المعنى الحقيقي والجماع على المعنى المجازي وفي هذه القاعدة خلاف بين الأصوليين.
والاختلاف في بعض قواعد الاجتهاد وقواعد الأخذ بالأدلة هو من الأسباب الهامة في اختلاف الاجتهادات ونشوء المذاهب في الأقوال.
فالأئمة من السلف الصالح رضي الله عنهم وضعوا قواعد وأصولا لمعرفة أحوال الأدلة واستفادة الأحكام الشرعية منها وهذه القواعد إنما وضعوها ليبينوا المنهج العلمي الصحيح للاجتهاد وتفسير النصوص واستنباط الأحكام وليقطعوا الطريق على من يفهم من النصوص فهما لا يستقيم مع الشرع ولا يصح في الدين وأول من فعل ذلك هو الإمام الشافعي رضي الله عنه في (الرسالة).
وهذه القواعد تنبثق من دلالات اللغة وفقهها والأساليب الصحيحة في فهم النصوص واستنباط الأحكام وهي بمثابة ميزان تستقيم عليه هذه الأمة في فهم الكتاب والسنة وتحتكم إليه عند الاختلاف في تفسير النصوص وتأويلها وعند الاجتهاد والنظر في المبادئ والأحكام.
ومعلوم ان الصحابة رضي الله عنهم كانوا في غنى عن هذا المنهج لأنهم كانوا يجتهدون بناء على سليقتهم في اللغة وفطرتهم السليمة في فهم معاني النصوص وهم الذين عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووقفوا على أسباب نزول الآيات القرآنية وورود الأحاديث النبوية الشريفة وعرفوا أسلوب الفهم الصحيح للدين فساغ لهم ذلك الاجتهاد.
أما الذين جاؤوا بعدهم فقد صاروا يعانون من شوائب العجمة وظهور الزندقة وظهور من يتاجرون بالشبهات والصناعة الجدلية وأساليب اللجاج للتشويش على المسلمين ولإقحام اسباب الريبة في الطريق إلى الفهم الصحيح للعقيدة والأحكام وهم ممن لا زالوا متأثرين بعقائدهم الفاسدة وأديانهم السابقة فكان لابد من وضع هذا المنهج الذي سمي بعلم أصول الفقه وهذا مثال يوضح لنا صورة من صور اختلاف العلماء في بعض القواعد الأصولية مما أدى إلى اختلافهم في بعض الأحكام الفقهية مع وجود الأدلة:
يقول ابن حجر في الخيرات الحسان في معرض الدفاع عن ابي حنيفة والرد على من قال إنه خالف صرائح الأدلة من غير حجة:
واما مخالفته (أعني خبر الواحد) لظاهر عموم القرآن لأن أبا حنيفة لا يرى تخصيص عمومه أي عموم القرآن بخبر الواحد لأن خبر الواحد ظني الثبوت والقرآن قطعي الثبوت وتقديم أقوى الدليلين واجب.
من ذلك خبر : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )( [6]) مخالف لعموم ﴿ فاقرؤوا ما تيسر منه﴾( [7]) لذلك جعل الحنفية قراءة أي آية من القرآن شرطا لصحة الصلاة للنص المذكور : ﴿ فاقرؤوا ما تيسر منه ﴾ وجعلوا قراءة الفاتحة واجبا من الواجبات فلو لم يقرأ شيئا من القرآن في الصلاة لم تصح صلاته ولو قرأ شيئا غير الفاتحة صحت مع الكراهة لأنه أنقص واجبا من واجبات الصلاة وهو تعيين قراءة الفاتحة وتعيين الفاتحة إنما اعتبروه من الواجبات لخبر الآحاد المذكور : مع مراعاة العمل بالدليل الثاني ولكنهم لم يجعلوا الدليل الثاني خبر الآحاد بمرتبة المتواتر بحيث لو ترك العمل به لم يصح العمل بالمتواتر لأنه ليس بدرجته في الثبوت.
أما الشافعية فإنهم يرون تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لو كان دون المتواتر في المرتبة ولذلك جعلوا قراءة الفاتحة فرضا مع أن الآية تفيد كفاية قراءة ما تيسر من القرآن وقالوا: إن الحديث يخصص الآية ولو كان دونها في الثبوت.
ثم يقول ابن حجر : ( وأما مخالفة خبر الآحاد للسنة المشهورة لأن الخبر المشهور أقوى من خبر الآحاد كخبر الشاهد واليمين فإنه مخالف لعموم الخبر المشهور : ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر )( [8]) واما كونه زائدا على القرآن كهذا فإن الذي في القرآن رجلان أو رجل وامرأتان فالشاهد واليمين زائد عليهما – أي على الخبر المشهور والقرآن – ولذلك رده).
ثم يقول ابن حجر ( إذا تقرر ذلك علم منه نزاهة أبي حنيفة رحمه الله تعالى مما نسبه إليه أعداؤه والجاهلون لقواعده بل لمواقع الاجتهاد من أصلها من تركه لخبر الآحاد بغير حجة وأنه لم يترك خبرا إلا لدليل أقوى عنده وأوضح).
وقال ابن حزم : ( جميع الحنفية مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من الرأي فتأمل هذا الاعتداد بالأحاديث وعظيم جلالتها وموقعها عنده).
وهذا الحال بالنسبة للاهتمام بالأحاديث النبوية لم يكن ميزة أبي حنيفة وحده أو الأحناف الذين بنوا مذهبهم على هذه القاعدة وحدهم وإنما كان ميزة جميع أئمة المذاهب وعلمائها ولكن اجتهاداتهم في ترجيح الأدلة وطرق استفادة الأحكام منها هو سبب الاختلاف الذي وقع في أقوالهم.
وهكذا نرى مما مر من الأمثلة أن اختلاف الأئمة رضي الله عنهم قد كانت له أسباب علمية وموضوعية وجوهرية أدى اليها اجتهادهم الصحيح والمشروع والمبني على اساس الكتاب والسنة .
ذكر الدكتور إبراهيم سلقيني في كتابه (أصول الفقه الإسلامي) : أن الدارس لأصول الفقه يتعرف على الطريقة العلمية الصحيحة التي كتب ها هذا التراث العظيم من الفقه الإسلامي والمعايير الدقيقة العميقة التي كانت متحكمة في أذهان كاتبيه ومهيمنة على بحوثهم.
فيطمئن الباحث إلى أنهم لم يكتبوا إرضاء لنزعة شخصية أو انبعاثا عن هوى متبع أو تحقيقا لمطلب دنيوي أو مجاراة لتسلط عابث ويتخذ من فقههم ومنهجهم فيه نموذجا يحتذي به ويتأكد الباحث أن أسباب الاختلاف بين الأئمة والمذاهب هي أسباب موضوعية علمية وليست أسبابا شخصية.
فإذا أدركنا أن أسباب الاختلاف بين الأئمة والمذاهب هي أسباب موضوعية علمية أدركنا أن هذا الاختلاف هو توسع في الاجتهاد وفسحة في الأحكام المستفادة من نصوص الكتاب والسنة ولا خروج عن مضمونهما وأصولهما فالاختلاف هنا هو نتيجة طبيعية للاجتهاد وأدركنا أن كل مجتهد مصيب بما وصل إليه من طريق الاجتهاد الذي اقرها الشارع عليه وذلك إذا عرف أدلة الغير وكان مقتنعا بدليله وبما أوصله إليه اجتهاده وبذلك لا يكون هذا النوع من الاجتهاد هو المقصود بالذم الذي ذم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المختلفين ولا هو المقصود من التحذير الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحديث الشريف : « وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»( [9]).
ولكن الاختلاف الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يخرج بأصحابه عن دائرة الإسلام لا الاختلاف الذي يدور ضمن هذه الدائرة وأن الفرق الضالة علامتها أنها تخرج عن الكتاب والسنة ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم : «فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» وسنة الخلفاء الراشدين شيء غير سنته ولكنه معتمد عليها وهنا تنبغي الإشارة الى أن سنته وسنة خلفائه إنما تفهم على ضوء ما يفهمه العلماء الثقات من الأمة كأئمة المذاهب ومن جاء بعدهم رضوان الله تعالى عليهم اجمعين فتكون سنتهم كسنة الخلفاء الراشدين مبنية على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويمثلون بمجموعهم أهل السنة والجماعة.
ولذلك يقول شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رضي الله عنه : لولا بيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمجتهدين لنا ما أجمل في الكتاب والسنة لما قدر أحد منا على ذلك وهذا الذي بينوه من مجمل الكتاب والسنة بعضهم قال عنه فرض وبعضهم قال عنه واجب كقراءة الفاتحة في الصلاة وبعضهم قال: يصح العمل بتركه وبعضهم قال : لا يصح كالنية في الوضوء مثلا وهكذا كانت اقوالهم مختلفة بحسب ما وصلت إليه اجتهاداتهم رضي الله عنهم.
والحاصل أن هذه القواعد التي وضعها السلف الصالح رضي الله عنهم وأولهم الشيخ الشافعي لاستنباط الأحكام من النصوص والاجتهاد في فهم الكتاب والسنة قد أخذوها من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وقواعد اللغة العربية وإجماعات الصحابة المدونة في كتب أصول الفقه هذه القواعد إما أن تكون صحيحة وإما أن تكون غير صحيحة فإذا كانت صحيحة فلا يسعنا إلا أن نقبل نتائجها التي وصل اليها المجتهدون عبر القرون الماضية بناء عليها ولو تسببت هذه القواعد في وقوع الاختلاف في الاجتهادات بينهم طالما أن هذا الاختلاف ناتج عن الاجتهاد والاجتهاد حق المجتهدين ولو سرنا عليها فلن نصل لغير ما وصلوا إليه وإن كانت غير صحيحة فكيف وضعها الأئمة وأولهم الشافعي رضي الله عنه ؟ وكيف سار عليها علماء الأمة عبر العصور الإسلامية؟
إننا إن أخذنا بهذه القواعد والموازين سلمنا لمن اخذ بها فيما وصل إليه من الاجتهاد في فهم الكتاب والسنة وقبول النصوص أو ردها لأن عمله هذا مبني في الأصل على الكتاب والسنة إذ أن هذه القواعد مستنبطة منهما وإن لم نأخذ بها خرجنا عن منهج السلف وأئمة المسلمين عبر عصور الإسلام في فهم الكتاب والسنة ونحن ندعي اتباعهم في فهمهم لهما وهم إنما فهموهما وضبطوا فهمهما بناء على هذه الأصول.
هل نقحت المذاهب؟
فإن قال أحدهم" ( ولما كان من أكبر أسباب الخلاف بين المذاهب الفقهية هو ظهور الفقيه ونشوؤه قبل استكمال جمع السنة وتدوينها ودراستها وتحقيقها وشرحها وكان من الواجب بعد أن تم للسنة الجمع والتمحيص والشرح والتحقيق أن يعاد النظر في آراء المذاهب المختلفة لتعدل وتنقح بناء على ذلك لكون تعصب كل قوم لمذهبهم وإمامهم وضيق صدرهم عن الرجوع عن قوله وضعف علمهم وكل ذلك حال دون إعادة النظر في كثير من المسائل الموجودة في كل مذهب مما ظهر بطلانه وتهافت دليله).
فالجواب: أن القول [ بأن أئمة المذاهب بعد استكمال جمع السنة وتدوينها أي بعد نهاية القرن الثالث الهجري لم يقوموا بدراستها وتحقيقها وتمحيصها ولم يعيدوا النظر في أقوال أئمة مذاهبهم ولم ينقحوها بناء على ذلك ولكن قل قوم قد تعصبوا لإمامهم وضاق صدرهم عن الرجوع عن قوله وكان جهلة مما حال ذلك كله دون إعادة النظر في الكثير من المسائل الموجودة في كل مذهب مما ظهر بطلانه وتهافت دليله] باطل وغير صحيح وهذا الكلام إن دل على شيء فإنما يدل على أن المفكرين يرون أن أكثر علماء المذاهب والمحققين من أقوام الأئمة الأربعة كانوا متهمين في دينهم وأمانتهم وضربوا بالسنة عرض الحائط وأخذوا بالأقوال المخالفة لها ظلما وعدوانا وهذا كذب صريح على علماء المذاهب وشتم خطير لأمانتهم وصدقهم وطعن في الدين ليس مثله طعن فإن علماء المذاهب قد أعادوا النظر في أقوال أئمتهم ونقحوها ونظروا في أقوال وأدلة الغير أيضا وكانوا يرجعون عن أقوال أئمتهم لدى توفر الحديث والدليل والأقوى لديهم وليس أدل على ذلك من تعديل الكثير من أقوال المذاهب خلال عصور الاجتهاد ولم تثبت في المذاهب إلا الأحكام التي لها أدلتها والتي أقرها إمام المذهب بعد أن عرف أدلة الغير فيها أو التي أقرها غيره من أئمة مذهبه وتعرضت للدراسة من آلاف الأئمة الكبار في كل مذهب ممن شهدت لهم الأمة عبر العصور بعلمهم وأمانتهم وعدالتهم].
حتى الأئمة الحنفية رضي الله عنهم الذين اشتهروا بأصحاب الرأي نجدهم يقدمون العمل بالحديث الضعيف « إذا لم يوجد لمسألة دليل غيره » على القياس.
ويقول الشيخ يوسف النبهاني رحمه الله تعالى في رسالته (السهام الصائبة):
ومن راجع تخريج أحاديث الهداية للإمام الزيلعي – المتوفى سنة (763هـ) – يتحقق أن مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه هو أيضا مذهب أهل الحديث كباقي المذاهب إذ القاعدة عند جميعهم الاستدلال على المسألة من القرآن فإن لم يجد فيه دليلا لها فمن السنة فإن لم يوجد فمن الإجماع فإن لم يوجد فحينئذ يقيسون على أقرب المسائل اليها وأشبهها بها بما ثبت دليله بالكتاب أو السنة أو الإجماع.
وقد مر كلام ابن حجر الهيثمي عن ابن حزم بذلك ومثله يذكره ابن القيم في إعلام الموقعين حيث يقول إن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله تعالى مجمعون على أن ضعيف الحديث مقدم على القياس والرأي وعلى ذلك بناء مذهبه.
وفي كتاب نصب الراية يعرض الإمام الزيلعي رضي الله عنه بعض أدلة المذهب الحنفي كما يعرض فيه أدلة الغير أيضا من الحديث ونجد فيه أن الحنفية اطلعوا على السنة اطلاعا واسعا وأخذوا بها.
ويقول الشيخ المحقق محمد زاهد الكوثري في مقدمة له على كتاب نصب الراية:
(وكتاب الزيلعي هذا يجد فيه الحنفي صفوة ما استدل به أئمة المذهب من أحاديث الأحكام، ويلقى المالكي فيه نقاوة ما خرجه ابن عبدالبر في الـ (التمهيد) و( الاستذكار) وخلاصة ما بسط عبدالحق في كتبه في أحاديث الأحكام والشافعي يرى فيه غربلة ما خرجه البيهقي في ( المسند والمعرفة ) وغيرهما وتمحيص ما ذكره النووي في ( المجموع ) و ( شرح صحيح مسلم ) واستعراض ما بينه ابن دقيق العيد في ( الإلمام ) و ( الإمام ) و ( شرح العمدة ) وكذلك الحنبلي يلاقي فيه وجوه النقد في كتاب ( التحقيق ) لابن الجوزي و (تنقيح التحقيق ) لابن عبدالهادي وغير ذلك من الكتب المؤلفة في أحاديث الأحكام بل يجد الباحث فيه سوى ما في الصحاح والسنن والمسانيد والآثار والمعاجم من ادلة الأحكام أحاديث في الأبواب من مصنف ابن أبي شيبة – أهم كتاب في نظر الفقيه ومصنف عبدالزاق ونحوهما مما ليس بمتناول يد كل باحث اليوم ثم يقول وهذا حافظ واحد من حفاظ الحنفية قام بمثل هذا العمل العظيم الذي وقع موقع الإعجاب الكلي بين طوائف الفقهاء كلهم في عصره وبعد عصره فمن قلب صحائف هذا الكتاب ودرس ما في الأبواب من الأحاديث تيقن أن الحنفية في غاية التمسك بالأحاديث والآثار في الأبواب كلها ولكن لا تخلو البسيطة من متعنت يتقول فيهم إما جهلا أو عصبية جاهلية ... فمرة يتكلمون في أخذهم بالرأي عند فقدان النص مع أنه لا فقه بدون رأي ومرة يرمونهم بقلة الحديث وقد امتلأت الأمصار بأحاديثهم ..... الخ .
ويقول الشيخ عبدالسلام عيرط: وقد حاولت أن انظر في بعض الأقوال التي يدعي اللامذهبيون أن الأئمة خالفوا الحديث الصحيح فيها أو أنها لم تصل إليهم ولا إلى أتباعهم فرأيت أن هذه الأحاديث قد وصلت إليهم والى أتباعهم وفهموا منها غير الذي فهمه دعاة اللامذهبية وبعضها وصل إليهم ولم يأخذوا به لمعارضته بعموم الكتاب أو أحاديث أخرى ولكن هؤلاء ليس عندهم قواعد في الأصول والترجيح يسيرون عليها حتى يصلوا إلى الفهم الصحيح ويعرفوا الصواب.
وهذه كتب أهل المذاهب في الحديث والفقه والأصول أكبر دليل على أن علماء المذاهب قد حققوا مذاهبهم ونظروا في أدلة الغير وأخذوا بما هو أقرب للكتاب والسنة ولكن كل حسب اجتهاده وفهمه للنصوص وقواعد الاستنباط التي اعتمد عليها ورآها أفضل لفهم النصوص ومعرفة الأحكام وما هذه الشهادات التي مرت من هؤلاء العلماء وغيرهم بعد معرفتهم لكتبهم وأقوالهم وما استمرار الأئمة والعلماء والآلاف المؤلفة من أكابر هذه الأمة وصالحيها عبر القرون على هذه المذاهب إلا الدليل الأكبر والبرهان الأعظم على أن هذه المذاهب قد درست ونقحت وبينت على الكتاب والسنة من غير زيغ ولا انحراف.
وإن الذي يقول غير ذلك إنما يحمله على ذلك القول جهله وقلة علمه وسوء ظنه بالمسلمين وإن من الغريب أن تجد أناسا من المسلمين يسيئون الظن بهذا الجمهور الواسع من أتباع المذاهب ويشككون بهم إلى الحد الذي يخالفون فيه النصوص التي شهدت لهذه الأمة وعلمائها وهم يزعمون الدعوة إلى الإصلاح.
لقد قال الله تعالى في القرآن الكريم : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾( [10]).
قال ابن كثير : يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم.
وروي من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (فضلت هذه الأمة على سائر الأمم)( [11]) وقد ساق ابن كثير الأحاديث الكثيرة والمختلفة عن فضل هذه الأمة.
ومنها ما روي عن حصين بن عبدالرحمن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق الأحمر فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب)( [12]).
ويقول ابن كثير: ومن الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأمة وشرفها وكرامتها على الله عز وجل وأنها خير الأمم في الدنيا والآخرة ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة» فكبرنا ثم قال : « ألا ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبرنا ثم قال « إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة»( [13]) .
ثم روي بعدة روايات كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومئة صف أنتم منهم ثمانون صفا)( [14]) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( أنتم ثلث أهل الجنة أو نصف أهل الجنة)( [15]).
وهل هذه الأمة المقصود ة هنا إلا السلف من الصحابة والتابعين وأهل المذاهب الذين تتهمون علماءهم بالتعصب الموقع بالكفر من جراء ردهم للآية والحديث وأخذهم بقول مذهبهم المخالف.
أين أنتم من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم « إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها»( [16]).
فهل حصل التجديد الذي يعنيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم لم يحصل؟ ومن الذي كان يقوم به ؟ أليس علماء المذاهب الذين تطعنون بهم وتتهمونهم وتضللون من سار على مذاهبهم؟ وهل الأمة إلا أهل هذه المذاهب؟
أين أنتم من الحديث الذي رواه جمع من المحدثين عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال « يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريق الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»( [17]).
والذي قال النووي رحمه الله تعالى في شرحه: هذا إخبار منه صلى الله عليه وآله وسلم بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه وأن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر وهكذا وقع ولله الحمد وهو من أعلام النبوة ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئا من علم الحديث فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئا منه( [18]) .
ما رأيكم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الأمة؟ وما رأيكم بقول الإمام النووي هذا؟ أليس هؤلاء العدول من كل عصر هم من أتباع المذاهب ؟ أليست هذه شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعدالة لهم ولمن تبعهم بإحسان أيضا؟! ألا ينبغي أيها الأخوة أن تنتبهوا إلى هذه النواحي وأن لا يحملكم الغرور والكبر والتعصب للرأي والثقة الزائدة بالنفس على اتهام الأمة وعلمائها والطعن بمن شهد لهم الكتاب والسنة؟.
رأي المنكرين في علماء المذاهب
فإن قيل ( لا تقل إنه وجد في كل مذهب على ممر القرون علماء محققون هذبوا المذاهب وحققوا أقوالها وتركوا ما فيها من ضعف وخطأ وهذا الإمام النووي مثلا رجح بعض الأقوال خلاف مذهبه الشافعي لا تقل ذلك لأننا نعلم أن أكثر علماء المذاهب والمحققين فيها لم يفعلوا ذلك بل كان كل عنايتهم وهمهم الدفاع عن مذاهبهم فقط وكانوا يبحثون في الأدلة بروح التعصب لمذاهبهم ويحاولون تقويتها بكل سبيل ولو كانوا أنفسهم غير مقتنعين به ولا يقبله المنهج العلمي أما الإمام النووي فهو واحد من مئات لم يفعلوا فعله ثم هو نفسه لم يسلك هذه الطريق ويترك رأي مذهبه في كل مسألة رأى فيها ضعف دليله بل فعل ذلك في مسائل قليلة وربما كان ذلك خوفا من الرأي العام المذهبي الذي كان يلهب بسياطه ظهر كل عالم يخرج على المعتاد والمتوارث ويحاول التفلت من قيود التعصب المذهبي وإنك لتلمس فرقا واضحا بين ما كتبه النووي في المجموع وبين ما كتبه في شرحه لصحيح مسلم حيث حاول أن يبحث الأمور بروح موضوعية متجردة حرة)!!.
هذا هو رأي المنكرين في علماء الأمة الذين مروا على المذاهب عبر القرون عليه فإن اقل منكر من المنكرين هو أحرص على دين الله وأكثر غيرة على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من كل هؤلاء العلماء والأئمة فأنت ترى المنكر يتحرق على الانتصار للكتاب والسنة ويتفانى في سبيل التمسك بهما والذود عنهما وبينما ترى وللآسف آلاف الأئمة والعلماء والشيوخ من هذه الأمة يصرون على مخالفتهم للشريعة ويتعصبون زورا وبهتانا للأقوال المناقضة لها على الرغم من عدم قناعتهم بها ويتواطؤون على إقناع الناس بالخطأ من غير خوف من الله ولا وجل حتى الإمام النووي شيخ الإسلام هو نفسه لم يسلك طريقة المنكرين ولم يترك رأي مذهبه في كل مسألة رأى فيها ضعف دليله إلا في مسائل قليلة وما الكتاب الذي ألفه في الفقه الشافعي وهو يعلم أن الناس سيتلقونه عنه ويتعلمون دينهم منه إلا شاهد ودليل على أن النووي لم يكن موضوعيا في بحثه ولم يكن متجردا ولا حرا في نقله للعلم وتقريره للشرع.
وامام هذه النظرة التي تشمل معظم علماء الأمة والآلاف المؤلفة منهم يجد المسلم سؤالا يطرح نفسه ترى هل درس المنكرون تراجم كل هؤلاء الأئمة وكتبهم وأعمالهم قبل أن يحكموا عليهم بهذه التهمة ؟ أم هل هذا بإمكانهم ؟ لكنه ما إن ينظر في بعض التراجم لهؤلاء العلماء حتى يكشف كذب هذه التهمة الموجهة إليهم وجرأة هذا المتهم الذي يريد ان يشوه سيرتهم ويخيل للناس تواطأهم عبر القرون الطويلة على الكذب زاعما أنه ينتصر للكتاب والسنة وأنه جاء بعد كل هذه العصور ليدعو إلى ما تجاهلت الأمة الدعوة إليه وليصحح ما تغافلت الأمة عن تصحيحه.
ونتناول مثالا على ذلك مختصرا لترجمة الإمام النووي الشافعي وذلك نقلا عن تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي رحمه الله تعالى يقول الذهبي : ( النووي الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام علم الأولياء محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الشافعي صاحب التصانيف النافعة لازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم والعبادة والأوراد والصيام والذكر والصبر على المعيشة الخشنة في المأكل والملبس).
قال ابن العطار: ذكر لي شيخنا رحمه الله تعالى أنه كان لا يضيع وقتا في ليل ولا في نهار حتى في الطريق وأنه دام ست سنين ثم اخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق قلت: مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة وتصفية النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها .
كان حافظا للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله رأسا في معرفة المذهب وقال ابن العطار: كلمته في الفاكهة – أي بأن ياكل من فواكه دمشق فلم يكن يأكل منها ورعا – فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وملاك لمن تحت الحجر والتصرف لهم ولا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم ثم المعاملة فيها على المساقاة وفيها خلاف فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك.
وكان يواجه الملوك والظلمة بالإنكار ويكتب إليهم ويخوفهم بالله تعالى.
وقال ابن فرج: الشيخ محي الدين قد صار إلى ثلاثة مراتب كل مرتبة لو كانت لشخص لشدت إليه الرحال : العلم والزهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وقال الشيخ قطب الدين اليونييني : كان – أي النووي – أوحد زمانه في العلم والورع والعبادة والتقلل وخشونة العيش وفي دار العدل في قضية الغوطة لما أرادوا وضع الأملاك على بساتينها رد عليهم ذلك وقام على الملك الظاهر في مسائل غيرها فحيك عن الملك الظاهر أنه قال: ( أنا أفزع منه) أهـ كلام الذهبي وجاء في طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي : ( الشيخ العلامة محي الدين أبو زكريا شيخ الإسلام أستاذ المتأخرين وحجة الله على اللاحقين والداعي إلى سبيل السالفين).
هذه هي صورة الإمام النووي عند أعلام الأمة فهو حافظ وقدوة ومحي الدين وصاحب التصاينف النافعة يصنف ويفيد وينصح ويقول الحق مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة لله عزوجل ... وبعد ، فهل يتصور من رجل هذا حاله وهذه سيرته أن يسير على رأيه ويقرره في كتبه ولا يتركه وهو يرى خطأه وضعف دليله وقد تحصل لديه الأصح؟!
إذن فأين عمله بدقائق الورع؟ وأين مراقبته لله؟ وأين غيرته على الحق وأين نصحه وإفادته إذا كان يقرر في تصنيفاته وكتبه ما يراه مخالفا للصحيح من الكتاب والسنة ولماذا سمي محققا للمذهب الشافعي؟ ثم هل خدع به هؤلاء الذين يشهدون به هذه الشهادات؟ أم أنهم متهمون في دينهم وأقوالهم مثله لا شك أن هذا القول الثاني هو الذي يرجحه المنكرون ويعللون ذلك بخوف الجميع من الرأي العام المذهبي الذي كان يلهب بسياطه ظهر كل عالم يخرج عن المعتاد المتوارث ويحاول التلفت من قيود التعصب المذهبي.
وليت شعري أين شجاعة النووي إذن؟ أين جرأته التي كان يواجه بها الملوك ويأمر بها بالمعروف وينهى عن المنكر ؟ ويقوم على الملوك حتى يرد الحق إلى نصابه ويقف في وجه الباطل حتى يمنعه ومن أي شيء يخاف هذا الرجل إذا كان الملك يخاف منه ويفزع؟.
هل بقي ما يرده عن كلمة الحق عندما يريد أن يقولها؟ هل يتصور أن مثل هذا الرجل الذي لا يخاف في الله من الملوك والظلام يخاف من الناس والعوام وهو على هذه الدرجة العالية من النزاهة والتقوى والورع والعلم؟!!
ثم كيف يؤلف كتابه المجموع في الفقه الشافعي وهو مغلوب على أمره ؟ فيقرر فيه ما ليس مقتنعا به وينقل فيه ما يخالف الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله وهو يرى تلامذته من كبار العلماء ويعلم أنهم سوف ينقلونه عنه إلى الناس وكيف بقيت المواربة هذه خافية على علماء الأمة والمذاهب قرونا شتى؟ حتى جاء المنكرون اليوم فاكتشفوها وفضحوا أمرها إنها تساؤلات يجيبنا اليها العلماء الأكثر علما من هؤلاء المنكرين والأئمة الأكثر معرفة وفهما للشرع ولكلام النووي في المجموع و في شرح صحيح مسلم فيبطلون بها هذه التهم التي افتراها هؤلاء الناس على هذا الإمام الجليل والتي لا تليق إلا بالفساق والمتهاونين والمنافقين.
ويقول سيدنا الشيخ صالح الفرفور – رحمه الله تعالى – في شرحه على الأربعين النووية عند ترجمة الإمام النووي – رضي الله عنه -: ( ومن أشهر ما كتب – أي النووي – في الفقه الشافعي شرح المهذب للشيرازي المسمى (المجموع) وهو أعظم ما كتب – أي النووي – في الفقه ولم يصنف في مذهب الإمام الشافعي على مثل أسلوبه لكنه لم يكمله.
قال الأسنوي وابن الملقن : ( ليته أكمله ونقصت كتبه كلها).
وقال ابن كثير في تاريخه: ( إنه لو كمل لم يكن له نظير في بابه لأنه أبدع فيه وأجاد وأفاد وأحسن الانتقاء وحرر الفقه في المذهب وغيره وحقق الحديث على ما ينبغي وبحث في اللغة ولا أعرف في كتب الفقه (أي الفقه الشافعي) أحسن منه).
وقال في طبقات الشافعية متحدثا عن المجموع : ( سلك فيه طريقا وسطا سهلا جامعا لأشتات الفضائل وعيون المسائل ومذاهب العلماء ومفردات الفقهاء وتحرير الألفاظ وبيان صحة الحديث من سقمه وبالجملة فهو كتاب ما رأيت أحدا نسج على منواله من المتقدمين ولا حذا على أمثاله مصنف من المتأخرين).
وقال العثماني : ( إنه لا نظير له ولم يصنف مثله ولكنه ما أكمله ولا حول لاو قوة إلا بالله إذ لو أكمله ما احتيج إلى غيره – أي في فقه الشافعية – وبه عرف قدره واشتهر فضله).
وقد حاول السبكي تكملة شرح المهذب وقال في أول التكملة مترجما للنووي رحمه الله : ( الشيخ الإمام العلامة علم الزهاد وقدوة العباد محي علوم الأولين وممهد سبل الصالحين) ووصل في التكملة إلى كتاب التفليس.
وقال الحافظ السخاوي : ولم يتهيأ إكماله لأحد ممن انتدب لذلك من العلماء لا إسماعيل الحسباني ولا التاج السبكي ولا الشهاب ولا ابن النقيب ولا السراج البلقيني ولا الزين العراقي ولا ولده وعد ذلك من كرامات مؤلفه.
وهكذا أخي المسلم يستبين لك من خلال ما مر جهل هؤلاء الناس بالفقه والحديث وقصورهم في العلم والفهم من خلال أقوالهم الشاذة التي يخالفون فيها من هو أوثق منهم ويخطئون فيها من هو أصوب قولا منهم يطعنون فيها بأصح ما اتفق عليه العلماء ويتحاملون فيها على الأكابر والفضلاء.
وما اكثر ما يصدق على هؤلاء قول الشاعر:
إذا وصف الطائي بالبخل مادر وعير قسا بالفهامة باقل
وقال السها للشمس أنت ضئيلة وقال الدجى يا صبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة وفاخرت الشهب الحصا والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
ولو قرأنا تاريخ المذهب الشافعي مثلا لوجدنا أنه قد مر على المذهب أئمة عظماء وكبار وأتقياء هم الذين وضعوا احكامه وحققوا أدلتها وبينوا اعتمادها على الكتاب والسنة وكانو محل ثقة الناس بهم واتبعاهم لهم وتمسكهم بهم واليك أمثلة عنهم من كل قرن( [19]). فهذا ابو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبراني الشهير بابن القاضي صاحب التصانيف المشهورة – التخليص والمفتاح وأدب القاضي وله مصنف في أصول الفقه وكان إماما جليلا توفي سنة (225هـ).
وهذا أبو العباس أحمد بن عمرو بن سريج: كان يفضل على جميع أصحاب الشافعي له مصنفات كثيرة يقال إنها بلغت (400 مصنف ) توفي ( 306هـ).
وهذا ابو عثمان بن سعيد الأنماطي الذي اشتهرت به كتب الشافعي وتوفي سنة (388).
وأولئك هم بعض أصحابه في العراق أما أصحابه في مصر فهم:
يوسف بن يحيى البويطي المصري وهو اكبر اصحاب الشافعي المصريين تفقه بالشافعي وحدث عنه وعن عبدالله بن وهب وغيرهما وله المختصر المشهور الذي اختصره من كلام الشافعي وكان الشافعي يعتمده في الفتيا ويحيل عليه إذا جاءته مسألة واستخلفه على أصحابه بعد موته فتخرج به أئمة تفرقوا في البلاد ونشروا علم الشافعي في الآفاق توفي سنة (231هـ).
ومنهم ابو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني المصري – ولد سنة (175هـ) – وهو الذي ألف الكتب التي عليها مدار مذهب الشافعي وأخذ عنه كثيرون من علماء خراسات والعراق والشام – توفي سنة (264هـ).
ومنهم الربيع بن سليمان المرادي وحرملة بن يحيى التجيبي ويونس بن عبد الأعلى الصدفي وكلهم قد ألفوا في فقه الشافعي ونشروا عنه مذهبه.
ثم جاء بعدهم أئمة المذهب أبو إسحاق إبراهيم بن احمد المروزي إمام عصره في الفتوى والتدريس في القرن الثالث والرابع ، توفي (340هـ).
وهذا محمد بن سعيد بن أبي القاضي الخوارزمي صاحب كتاب الحاوي والعمدة القديمين في فقه الشافعية في نفس العصر وهذا ابو بكر أحمد بن إسحاق الضبعي النيسابوري صاحب كتاب الأحكام توفي سنة (432هـ).
وهذا ابو السائب عتبة بن عبدالله بن موسى القاضي أحد العلماء الأئمة أول من ولي قضاء القضاة ببغداد توفي سنة (350هـ).
وهذا القاضي ابو حامد أحمد بن بشر المروزي صاحب كتاب الجامع وهو محيط بالأصول والفروع وهو عمدة عند أصحاب الشافعي توفي سنة (362هـ).
وهذا القفال أكبر فقهاء الشافعية بما وراء النهر وعنه انتشر فقه الشافعي بما وراء النهر توفي سنة (365هـ).
وهذا ابو حامد الإسفراييني انتهت إليه رياسة بغداد في العلم في عصره والذي قال القدوري في حقه: هو أفقه من الشافعي توفي سنة (408هـ).
وهذا أحمد بن محمد الضبي صنف المجموع والمقنع واللباب توفي سنة (415هـ) وإبراهيم بن محمد الاسفراييني وطاهر بن عبدالله الطبري انتهت إليه رياسة العلم في بغداد في عصره وعنه أخذ العراقيون العلم توفي (450هـ).
وهذا علي بن محمد الماوردي صاحب الحاوي والإقناع في الفقه توفي سنة (350هـ) وهذا أبو إسحاق الشيرازي وابن الضباع في القرن السادس وأبو المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني المعروف بإمام الحرمين وإمام المشرق صنف النهاية في الفقه لم يصنف في المذهب مثلها توفي سنة (487هـ).
وعبدالواحد بن إسماعيل الروياني صاحب كتاب البحر إمام أئمة المذهب.
وحجة الإسلام الغزالي الذي قالوا عنه: بأنه مجدد القرن الخامس.
وهذا ابن أبي عصرون قاضي القضاة في دمشق وعبدالكريم بن محمد القزويني الرافعي الذي قيل عن كتابه ( فتح العزيز) لا مثل له وكان من افراد زمانه وكان في الفقه عمدة المحققين وصل إلى درجة الاجتهاد توفي سنة (623هـ).
وهذا شيخ الإسلام يحيى بن شرف النووي وقد مر الكلام عنه مفصلا وله في المذهب الشافعي كتب كثيرة منها المجموع والمنهاج توفي سنة (676هـ).
وهذا تقي الدين السبكي الفقيه الأصولي والمحدث وله كثير من المؤلفات وقد أكمل شيئا من كتاب المجموع للنووي توفي سنة (756هـ).
وهذا شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الذي انتهت إليه رياسة العلم في مصر له تآليف كثيرة في الفقه والحديث وغيرهما منها في الفقه (منهاج الطلاب ) وشرحه المسمى ( فتح الوهاب) وله ( تحفة الباري شرح صحيح البخاري) توفي سنة (926هـ) وهذا شهاب الدين بن حجر الهيثمي كان بحرا في الفقه وقدوة الأئمة في زمانه له مؤلفات قيمة منها ( تحفة المحتاج شرح المنهاج للنووي) و ( الزواجر عن اقتراف الكبائر ) وغير ذلك توفي سنة (995هـ).
كل هؤلاء وغيرهم مروا عبر القرون العشرة الأولى وكانوا بحرا في العلم ومثالا في التقوى والورع والمخافة من الله عز وجل وكتبهم وأقوالهم هي عمدة المذهب الشافعي.
وأمثال هؤلاء قد مروا على بقية المذاهب وكانت كتبهم واقوالهم واجتهاداتهم هي سبب نشوء المذاهب واستمرارها وتمسك الناس بها وبقاء الإسلام واستمراره، فهل هؤلاء الأئمة هم العلماء المضلون الذين يقصدهم المنكرون؟!!
إنني كمسلم يخاف من الله ويغار على دينه ويصيبه كثير من الأسى والحزن عندما يرى مثل هذا الطعن يوجه إلى صميم الإسلام من خلال توجيهه إلى أئمته وعلمائه وعامة أهله وذلك بأيدي مسلمة أراني لا أجد ما أقوله لهؤلاء الذين يزعمون ذلك إلا قولي: إن كانت عندكم مخافة من الله وإيمان باليوم الآخر وإن كنتم تحسبون حسابا للوقوف بين يد الله عز وجل فاتقوا الله ... اتقوا الله أيها المسلمون... اتقوا الله في أوليائه ... اتقوا الله في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتقوا لله ولا تقفوا بين يديه خصوما لهؤلاء الأئمة الكبار يوم القيامة لا تتهموا أئمة الإسلام لا تشككوا المسلمين بعلمائهم لا تشككوا المسلمين بدينهم وما وصلهم عن طريق هؤلاء الثقات وأسأل الله أن يجعل لرجائي هذا سبيلا إلى قلوبكم.
هل يحرم التزام مذهب معين
اجتهد المنكرون في الحكم على من يقلد مذهبا معينا بأنه يحرم عليه ذلك وأوجبوا عليه عدم التزام مذهب معين لعدة أمور رأوها انه أدلة على ذلك الحكم.
قالوا: ( إن التزام المذهب خطأ وبدعة في الدين لأمور منها: أن عدم التزام مذهب هو الأصل والأيسر والأقرب إلى الفهم الصحيح لمراد الله تعالى لأن الله تعالى حين أمر الجاهل بسؤال أهل الذكر لم يحدد واحد معينا منهم بل أطلق ذلك ومن المعروف ان المطلق يبقى على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده).
أقول: وهذا السبب كما يفهم منه عدم وجوب الأخذ من أكثر من واحد فالأمر مباح إن شاء اخذ المقلد أو المتبع من واحد وإن شاء اخذ من أكثر وليس هناك ما يوجب عليه أن يأخذ من أكثر من واحد والقول بأن الأصل كان كذلك مخالف للواقع.
وذكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في اللامذهبية ص (79) عن شذرات الذهب لابن العماد (1/148) : ومعلوم أن اتباع مذهب معين لا يعتبر اتباعا لإمام المذهب فحسب وغنما هو اتباع لجمهور من العلماء ممن ساروا على هذا المذهب ودعوا إليه وألفوا فيه كتبهم وعلموها للناس فإذا عرفنا أنهم كانوا من خيرة الناس وهم معظم علماء هذه الأمة فكيف يستسيغ هؤلاء المنكرون تضليلهم وتسفيه عملهم والحكم عليه بأنه بدعة محرمة يجب الرجوع عنها؟!!
ثم إن القول بأن الأيسر والأقرب إلى الفهم الصحيح لمراد الله تعالى هو عدم التزام مذهب بعينه عكس الواقع تماما فإن الذي يجد أهل قريته أو بلده على مذهب واحد وحالة واحدة في العمل بالأحكام غير متفرقين بين أقوال هذا المجتهد وأقوال ذاك يسهل عليه معرفة احكام دينه وتعلمها أكثر بكثير من أن يجد هناك أقوالا مختلفة بين المجتهدين لا يعرف ايها الأصح وأيها بإمكانه ان يختاره .
والذي يجد نفسه يسير على مثل ما يسير عليه الناس يكون اكثر راحة في نفسه من الذي يجد نفسه مخالفا لغيره في اعماله.
وسنتكلم فيما بعد عن عدم إمكانية توحيد الناس في مذهب واحد وعدم إمكانية تركهم ياخذون من أي مجتهد شاؤوا لما يترتب على ذلك من وقوع العنت والمشقة على الناس من جراء اختلاف أحوالهم وافعالهم وأن حصرهم في أربعة مذاهب أسهل بكثير من ترك كل واحد منهم على مذهب مختلف عن غيره.
اما السبب الثاني في عدم صحة اتباع مذهب معين فقد جاء عن المنكر: ( وأن عدم التزام مذهب معين واجب للتفريق بين اتباع المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم واتباع غير المعصوم لأن من يلتزم اتباع مذهب ما يكون قد سوى في واقع الأمر بين اتباع الني المصعوم صلى الله عليه وآله وسلم وبين اتباع الفقيه الذي يخطئ ويصيب).
الرد: ذكرنا فيما مر ان اتباع النبي المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم إنما يكون باتباع أقوال اهل الذكر واتبا ع المذهب إنما هو اتباع لجمهرة كبيرة من العلماء فكيف لا يكون المتبع للمذهب متبعا للمعصوم وهل يستطيع ان يرجع إلى نصوص الشرع لينظر فيها كما نظر فيها الذين يتبعهم وغيرهم ليكون متبعا للمعصوم تماما؟!
ومن أين له ذلك؟ وقد كفاه ذلك من هو أقدر عليه منه وهم جمهرة العلماء في مذهبه وهو يتبعهم بناء على ذلك فإذا قلنا إنه لم يفعلوا ذلك فهذا كذب عليهم وافتراء وطعن بهم قد بيناه فيما مر وإذا عرفنا أنهم فعلوا ذلك عرفنا أن اتباعهم إنما هو اتباع للمعصوم ولكن بالصورة الصحيحة لا بالاجتهاد لجهل وغير علم.
ويقول الدكتور محمد سعيد حفظه الله في كتابه اللامذهبية ( ولو أن الناس جميعا عرفوا كيفية اتباع المعصوم والوسيلة إلى فهم المراد من كلامه لما انقسموا إلى قسمين : مقلدين ومجتهدين ولما قال الله تعالى للصنف الأول ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾( [20]) فقد امرهم باتباع أهل الذكر مع أنهم غير معصومين ولم يأمرهم بالرجوع إلى ألفاظ الكتاب والسنة مع أنهما معصومان).
وقال أحد المنكرين
(وإن فعل الصحابة والسلف الصالح من أهل القرون الثلاثة الفاضلة الذين أمرنا بالاقتداء بهم هو عدم الالتزام بمذهب معين فكان الذي لا يعرف استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية فيهم يٍسأل أي واحد من العلماء دون تعيين).
الرد: مر معنا أن هذا لم يكن عاما بين الناس فقد كان هناك من يتبع واحدا بعينه أو جماعة بعينها ثم إن الظروف فيما بعد اختلفت عما كانت عليه وتطورت تطورا دعا الناس إلى الالتزام بالمذاهب وعدم الأخذ من أي مجتهد في أي مسألة.
فمعلوم أن الظروف والأوضاع التي كان عليها السلف رضي الله عنهم في بداية العصور الإسلامية كانت بسيطة وسهلة وان المسائل الحياتية كانت قليلة ومحدودة وان المجتهدين في البلاد الإسلامية كانوا قلائل ولذلك كان من السهل أن يسأل المسلم أي واحد من العلماء ويأخذ من أي المجتهدين شاء لكن هذه الظروف الاجتماعية فيما بعد قد تطورت بتطور المجتمع الإسلامي وبدأت أمور الحياة تتعقد أكثر فاكثر والمسائل تزيد أكثر فأكثر والمعاملات بين الناس تتطور وتتغير والمستجدات تكثر وتتوسع وزاد العلماء والمجتهدون، وتوسعت آرائهم بسبب تطور الظروف وكثرة المستجدات وكثرت المذاهب بين الناس حتى صارت بالعشرات وكان هذا هو السبب الذي دعا بعض الحكام إلى أن يحمل الناس على مذهب أو على بعض المذاهب حرصا على اوضاع المجتمع لا بدافع الجور والغشم كما يصوره بعضهم وكان ذلك من اهم العوامل التي أحوجت الناس إلى الالتزام بمذهب معين من المذاهب المختلفة لئلا يختلف الناس اختلافا واسعا في أخذهم من المجتهدين وتطبيقهم لمسائل الشريعة ولئلا يصير لكل واحد منهم مذهب.
وسارت الأمة على هذا الحل وحسم ذلك الوضع الذي كان من المحتمل وقوعه وجعل الناس يلتزمون في بعض المذاهب ويتركون البعض الآخر مما تسبب في انقراض المذاهب الأخرى وكان في ذلك حكمة كبيرة حيث ضاقت شقة الخلاف بين المسلمين بصورة كبيرة فلم يتسبب حق الاجتهاد الشرعي في تفريق الناس وتبديد المجتمع الإسلامي بسبب سوء استعماله ولم يخسر المسلمون ثمرات هذا الحق في الوصول إلى معرفة أحكام الشرع في كل الأمور المستجدة والمختلفة عن طريق ما بقي من أقوال المجتهدين الثقات.
فإذا قال أحد: لا يجب على المسلم اتباع مذهب معين والالتزام وللمسلم أن يتبع في كل مسألة من شاء من المجتهدين.
نقول: هذا صحيح وقد ذكره العلماء ولكنه كما لا يصح أن نلزم أحدا بإتباع مذهب معين فإنه لا يصح أيضا أن نمنع أحدا من التزام مذهب معين إذا شاء.
وهذه الأمور السابقة التي استنبطتم منها الحكم بحرمة التزام مذهب معين لا تصح أدلة على ذلك الحكم ولا نسلم لكم بهذا الاجتهاد الذي لم يقل به الأئمة والعلماء ولا نراه في نفس الوقت صحيحا.
ثم لنفترض أن الناس استجابوا لهذه الدعوة وصار كل واحد منهم يتبع في كل مسألة من شاء من المجتهدين فعند هذه المسألة يسأل مجتهدا وعند مسألة أخرى يسأل مجتهدا آخر أو يأخذ من قول مجتهد مضى والمسائل كثيرة والمجتهدون كثر والآراء مختلفة في كل مسألة فما الذي سينجم عن ذلك؟ إنه سينجم عنه صور كثيرة جدا ومختلفة يمكن أن يصل اليها الناس من خلال اعتماد كل واحد منهم على الأخذ ممن شاء من المجتهدين في كل مسألة .
وسنرى الناس فيما بعد وليس فيهم واحد يطبق أحكاما في كل أموره الشرعية مشابهة لما يطبقه الآخر وسيبدو الناس وكأن لكل واحد منهم مذهبا يختلف عن غيره فيه وفي ذلك مالا يخفى من الفساد سيما وأن الظروف كما قلنا تعقدت وتطورت والمسائل والمستجدات قد زادت وكثرت والآراء قد توسعت والمجتهدين قد كثروا ويمكن أن يزيدوا على حد قولكم ويقع الناس في مآزق اعقد وأخطر من التي حدثت في الماضي عندما وقعت هذه الحالة وكثرت المذاهب وتشعبت الآراء وسلم الله عز وجل الإسلام والمسلمين منها بثبات الناس على هذه المذاهب الأربعة وتمسكهم بها.
وتصور هذا الاختلاف الواسع في الآراء والتطبيق وذلك من كثرة الصور المحتملة من المسائل والاجتهادات وما يمكن ان يسببه للناس من عنت ومشقة وضياع.
توحيد المذاهب
فإذا قال قائل: يمكن ان نخرج من ذلك كله بتوحيد المذاهب في مذهب واحد.
كما قال بعضهم وذكر السبيل إلى ذلك قائلا
( نص المشروع : تؤلف لجنة تضم أكبر علماء المسلمين في العالم الإسلامي وتضم مختلف الاختصاصات الشرعية وتكون مهمتها توحيد المذاهب الفقهية الإسلامية في مذهب واحد).
نقول: كيف ندعو الناس إلى الاجتهاد ونطالب باحترام حق الاجتهاد والرأي لكل مجتهد ملك الأهلية ثم نتصور أن بالإمكان توحيد الاجتهادات والآراء سواء فيما مضى من الأقوال أو فيما يمكن أن يستجد اليوم؟
إن اقتراح قيام مؤتمر يجمع القادرين على الاجتهاد ولا نتصور من أصحابه المقدرة على الاتفاق في كل مسألة من المسائل على قول واحد لأن آرائهم في المسألة ستختلف على حسب قواعد كل منهم في تفسيرها وفهمها وطبقا لما وصله من العلم ولما ترجح لديه من الأدلة وأقوال الأئمة والعلماء السابقين وهؤلاء قد اختلفت اقوالهم وأدلتهم وقواعدهم فلابد ايضا أن تختلف اجتهادات من بعدهم إذ أن أسباب اختلاف السابقين ستكون هي نفسها اسباب اختلاف اللاحقين مع وجود أسباب أخرى جديدة تنتح عن عدم وجود الكفاءة عند الجدد كما كانت عليه عند الذين سبقوا.
ولو كان بالإمكان الوصول إلى التحقق من القول الأصح في كل مسألة مختلف بها بين المذاهب لوصل إليه المتقدمون الذين كانوا أوسع علما واكثر كفاءة وقدرة وأوسع معرفة واطلاعا على أدلة الغير وقواعدهم ولوجدناهم تجاوزوا أسباب الاختلاف هذه لو كان يصح تجاوزها وعدم اعتبارها.
إن الاختلاف بين المذاهب لم ينتج عن التعصب أبدا وإنما نتج عن هذه الأمور التي ذكرناها والتي لا تزال قائمة ولا نستطيع تجاهلها وعدم اعتبار دورها عند كل اجتهاد ولو ان واقع المذهب يتعارض مع مصلحة الدين ولا يعتبر نتيجة طبيعية لحق الاجتهاد الشرعي لما وسع الأئمة والعلماء السابقون إقراره والسير عليه ولما وجدناهم يؤلفون الكتب في مذاهبهم ويعلمونها الناس خدمة لدين الله عز وجل وعملا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بل ولما أباح الله تعالى الاجتهاد أصلا.
إن الأئمة رضي الله عنهم كانوا يرون أن مصلحة الدين هي في موافقة حكمة الله عز وجل في فتح باب الاجتهاد للمسلمين وترك المسلمين يتبعون ما شاؤوا من المذاهب طالما أن ذلك يحمي المسلمين من التشتيت ويضيق شقة الاختلاف بينهم اكثر بكثير مما كان يمكن أن يحصل لو لم يلتزم المسلمون بهذه المذاهب وشيء آخر يدل على عدم إمكانية توحيد المذاهب أو آراء المجتهدين هو أن المنكرين الحاليين ممن يبيحون لأنفسهم الاجتهاد والأخذ من الكتاب والسنة أو أقوال العلماء هم أنفسهم مختلفون في اجتهاداتهم ولا يسلم بعضهم للبعض الآخر برأيه ولا يرجع أحدهم عن قوله.
أحدهم قال في مناظرة جرت بينه وبين شيخنا الشيخ أديب الكلاس ردا على سؤال أظنه: كيف تنكرون علينا تمسكنا بأقوال أئمتنا علما أنكم أنتم أيضا لا تخرجون عن قول شيخكم؟ سمعته يومها يقول: أنا لا أتفق مع الشيخ (...) في كل مسألة وضرب مثالا على ذلك اختلافه معه فيمن استيقظ قبل طلوع الشمس بوقت لا يسعه فيه الوضوء والصلاة يتيمم ويدرك الوقت أم يتوضأ ولو فاته الوقت فذكر أن أحدهما يقول بقول والآخر يخالفه إلى القول الثاني وهذا خلاف شيخ وتلميذه لم يمكن التوصل فيه إلى الاتفاق وكل منهما يطرح دليلا لرأيه ولا يسلم لدليل مخالفه فما بالك بما قد يقع بين مجتهد من المشرق وآخر من المغرب لكل منهما ظرفه ومحيطه وعلمه ورأيه ودليله.
إذا كان هذا هو كلام هذا المنكر حول مخالفته لشيخه ... وذاك كلامه حول الدعوة إلى توحيد المذاهب فهل هذا إلا التناقض بعينه؟!
ما حكم الاختلاف في الاجتهادات بين المذاهب
يقول العلماء: إن الذي انتهى إليه الأئمة من الاجتهاد يعتبر من الدين بدليل ثبوت الأجر عليه وبدليل وجوب التعبد به مادام صاحبه ثقة وغير متنبه إلى خطئه أو أن صاحبه يراه صحيحا ولا يقر بقول من خطأه بذلك وخاصة إذا جاء أئمة وعلماء أقروا بصحة اجتهاد هذا المجتهد ولم يؤيدوا من قال بخطئه ولو كان هناك من أيد من قال بخطئه فلكل اجتهاده والاجتهاد من الدين وما أدى إليه الاجتهاد فهو من الدين أيضا طالما قرره المجتهد ولم يعتبر قول من خلافه وهذا ما يحصل في الاجتهاد وهو ما يحصل بين الأئمة الأربعة في كثير من المسائل وتبعهم على ذلك من بعدهم فمثلا الإمام أبو حنيفة قال: إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء وجاء بعده الإمام الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم فقالوا : ينقض وهم يعرفون دليله ولهم أدلتهم كما مر.
والمنكرون يقولون لا ينقض ويخطئون القائلين بأنه ينقض ويقولون : لا يكون القول ونقيضه حقا فهل يكون القول بأن لمس المرأة ينقض الوضوء خطأ؟
إذن فكيف سار عليه هؤلاء الذين جاؤوا بعد أبي حنيفة وهم يعرفون الدليل الذي اعتمده الأحناف ويرون أدن دليلهم أصح وأصوب ولا يرون أنفسهم مخطئين ولا يسلمون لمن يخطئهم.
فإن قال قائل: إذن فكيف يكون القول ونقيضه صوابا؟
نقول: يكون القول ونقيضه صوابا بالنسبة لاجتهاد صاحبيه ولا يكون صوابا بالنسبة لقول أحدهما فقط فالعمل وضده يكونان صوابا صحيحين باعتبارين إذ إن لمس المرأة ينقض الوضوء بالنسبة لمن يعتبر أدلة المالكية والشافعية والحنابلة أرجح من أدلة الأحناف وهو لا ينقض بالنسبة لمن يعتبر دليل الأحناف أرجح من أدلة أولئك ولكل اجتهاده وحقه في الاجتهاد والعلم عند الله سبحانه والمتبعون إذا لم يثبت لهم خطأ إمامهم في المسألة بقي قوله صحيحا ولو خالفه فيه غيره وهذا هو ما حصل بين أصحاب المذاهب في كل المسائل التي يختلفون فيها.
وقد ورد في السنة ما يؤيد صحة ما وصل إليه المجتهدون ولو تناقض هذا الذي وصلوا إليه فقد روي أن صحابيين خرجا في سفر فحضرتهما الصلاة ولم يجدا ماء فتيمما وصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر فلما قصا أمرهما على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقر كلا منهما على ما فعل فقال للذي لم يعد : «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك» وقال للذي أعاد « لك الأجر مرتين »( [21]) فإعادة الصلاة وعدم إعادتها أمران متناقضان وكل واحد منهما صحيح بالنسبة لاجتهاد صاحبه.
والحاصل هو ان الاجتهاد من الدين وما أدى إليه الاجتهاد فهو من الدين أيضا ولو اختلف المجتهدون.
اما أن نعلل هذا الاختلاف باتهام الأئمة والعلماء بالتعصب ومخالفة الكتاب والسنة عن قصد وإصرار فهذا ما لم يقع ولا يصح أن يصدر عن مؤمن ومسلم في رجالات العلم وأئمة المسلمين.
وذكر أحد المنكرين : محتجا على الاختلاف الذي بين المذاهب بعد ان ذكر أمثلة عليه من أقوال بعض الأئمة في المذاهب أو من التي فعلها بعض المتعصبين ولم تكن معتمدة في المذاهب وهكذا شأنهم في تعميم كل حادثة جزئية ليجعلوا من هذه الجزئيات مبررا لرفضهم للمذاهب كعدم صلاة بعضهم خلف بعض أو عدم تزويج الحنفية من الشافعي مما لا تجده يعمل به ولا يعتبر هو القول المعمول به في المذهب : ذكر قوله ( وليت أن اختلافهم المذكور انحصر ضرورة فيما بينهم ولم يتعد إلى غيرهم من أمة الدعوة إذن لهان الخطب بعض ويا للأسف تجاوزهم إلى غيرهم من الكفار في كثير من البلاد والأقطار فصدوهم بسبب اختلافهم عن الدخول في دين الله أفواجا فقد جاء في كتاب ( ظلام من الغرب) للأستاذ الفاضل محمد الغزالي ص (200) ما نصه : (حصل في المؤتمر الذي عقد في جامعة (بريستون) بأمريكا أن أثار أحد المتحدثين سؤالا كثيرا ما يثار في أوساط المستشرقين والمهتمين بالنواحي الإسلامية قال: بأي التعاليم يتقدم المسلمون إلى العالم ليحددوا الإسلام الذي يدعون إليه؟ أبتعاليم الإسلام كما يفهمها السنيون؟ أم بالتعاليم التي يفهمها الشيعة من إمامية أو زيدية ثم إن كلا من هؤلاء واولئك مختلفون بينهم).
وقد يفكر فريق منهم في مسالة ما تفكيرا تقدميا محدودا بينما يفكر آخرون تفكيرا قديما متزمتا والخلاصة أن الدعاة إلى الإسلام يتركون المدعوين في حيرة لأنهم هم أنفسهم في حيرة والجواب على هذا المنكر وعلى هذا المستشرق:
لقد كان هناك في الإسلام في الماضي ولا يزال فرق وجماعات دسها اعداء الإسلام ضمن المسلمين لإثارة الشك والفوضى في نفوس الناس تجاه الدين وصارت هناك أقوال وآراء مختلفة كلها ينسبها أصحابها إلى الإسلام فهل منع هذا أصحاب الصدق وانصاف من المسلمين وغير المسلمين أن يبحثوا عن القول الحق في دين الله وأن يتبعوه.
إن وجود الاختلافات بين العلماء في كل العلوم قديم فهل حمل ذلك الأوربيين على نبذ العلوم والتنكر للعلم بسبب ما يقوم بين اصحابها من خلاف؟؟ اليوم مثلا: يوجد في علم الطب مدارس مختلفة وأساليب وطرق متعددة وآراء وأقوال متناقضة بين علماء هذا الفن وما تثبته جماعة تنفيه جماعات أخرى في بعض الأمور فهل حمل ذلك الناس على ترك علم الطب؟ ام ان كلا منهم يتبع مدرسة معينة أو طريقة معينة في المعالجة وكل حسب اجتهاده.
واليوم في علم الحياة يتصارع العلماء حول النظرية القائلة بأن أصل الإنسان قرد ومع ما ثبت من الأدلة والبراهين الكثيرة والمختلفة على بطلانها نجد أناسا من العلماء يحاولون عبثا إثباتها من أجل أغراضهم واهوائهم ونجد في الوقت الذي يقول فيه بعض العلماء : إن أصل الإنسان قرد نجد أن أحد العلماء الألمان يقول: إن أصل القرد إنسان متقهقر وليس الإنسان قردا مترقيا ويستخدم نفس الأدلة التي استخدمها داروين في إثبات قوله.
فهل رفض الناس وعابوا علم الحياة لوجود أمثال هذه التناقضات فيه؟ إن كل فروع العلم يدور فيها الخلاف والتناقض في الآراء ولم يستطع العلم ان يقول القول الفصل في كل مسألة فلماذا لا نعيب هذه العلوم؟ لماذا يريد هؤلاء المستشرقون أن يتخذوا من هذه الخلافات ذريعة للتهجم على الشريعة والمسلمين مع ان الشريعة علم واسع كبقية العلوم مفتوح فيها الباب للاجتهاد ويمكن أن يقع فيها كما وقع في بقية العلوم من اختلاف الاجتهادات ويمكن بالدراسة والإنصاف أن يصل الإنسان إلى معرفة الحق من الباطل فيما ينسب اليها ويمكن بالدراسة والإنصاف أن يصل إلى التمييز بين الاجتهادات الصحيحة ولو تعددت وبين الافتراءات الكاذبة الخارجة عن أساس الكتاب والسنة ولو تعددت.
ثم يقول المنكر نفسه:
( وفي مقدمة رسالة (هدية السلطان إلى مسلمي بلاد جابان) للعلامة محمد سلطان المعصومي رحمه الله تعالى :
(إنه كان ورد علي سؤال من مسلمي بلاد جابان - يعني اليابان- من بلدة (طوكيو) (أوصاكا) في الشرق الأقصى حاصله: ما حقيقة دين الإسلام ؟ ثم ما معنى المذهب؟ وهل يلزم من تشرف بدين الإسلام أن يتمذهب على أحد المذاهب الأربعة؟ أي ان يكون مالكيا أو حنفيا أو شافعيا أو غيرها أو لا يلزم؟
لأنه قد وقع هنا اختلاف عظيم ونزاع وخيم وحينما أراد عدة أنفار من متنوري الأفكار من رجال (يابوينا) أن يدخلوا في دين الإسلام وتشرفوا بشرف الإيمان فعرضوا ذلك على جمعية طوكيو، فقال جمع من أهل الهند : ينبغي أن يختاروا مذهب الإمام أبي حنيفة لأنه سراج الأمة وقال جمع من أهل أندونيسيا (جاؤوا): يلزم أن يكون شافعيا فلما سمع اليابانيون كلامهم تعجبوا جدا وتحيروا فيما قصدوا وصارت مسالة المذهب سدا في سبيل إسلامهم.
الرد : أمام ما في هذا العرض لهذه القصة من التهويل والتعقيد المزعوم يجد الإنسان نفسه متعجبا من تجاهل هؤلاء للمسألة أو جهلهم بها! وهو يعلم أن المسلم يكون شافعيا فيسكن في بلد اهله أحناف فيتابعهم على مذهبهم لقربه منهم او لتوفر من يعلمه المذهب الحنفي لديه لا عتقاده أن المذاهب كلها حق وأنها مبنية على الكتاب والسنة وأنها تمثل الجماعة الإسلامية لا لأن الإمام أبا حنيفة رحمه الله هو سراج هذه الأمة ويعلم أن الرجل يكون حنفيا فيحصل معه مثل ذلك فيصير شافعيا وأن المسألة لا تحتاج لكل هذا التعقيد الذي يصوره هؤلاء وأنها لا يتصور منها أن تقف سدا في سبيل إسلام هؤلاء أو غيرهم وكان بإمكانه أن يقول لهم: تعلموا على يدي أقرب العلماء اليكم، فإن لم يوجد لديهم علماء ارسلنا من يتوفر لدينا من العلماء القادرين على تعليمهم ايا كان مذهبهم وتنحل هذه المعضلة التي استعصت على المنكرين ومسلمي بلاد اليابان ورأوا فيها وبأمثالها مبررا لمحاربة المذاهب ويسع مسلمي اليابان ما وسع الأمة عبر العصور.
ولكن المنكر يعتقد بما يقوله شيخه الشيخ .... وهو : ( إن كل الذي ندعوا ايه ترك اتخاذ المذاهب دينا ونصبها مكان الكتاب والسنة بحيث يكون الرجوع اليها عند التنازع أو عند إرادة استنباط أحكام جديدة لحوادث طارئة كما يفعل متفقهة هذا الزمان).
فالمذاهب في نظر هذا الشيخ وتلميذه شيء غير الكتاب والسنة وهي مخالفة لهما وهي تريد أن تحل مكانهما ولذلك فإن الرجوع اليها عند التنازع او عند إرادة استنباط احكام جديدة لحوادث طارئة هو خروج عن الكتاب والسنة بالطبع وقد تبين بطلان هذا الزعم.
أمور لا خلاف فيها
هناك أمور لا خلاف فيها لابد من إبعادها عن دائرة البحث في أصل الدعوة الخطيرة الذي يذكرها المنكرون:
فأولها: أن المقلد لأحد المذاهب ليس ثمة ما يلزمه شرعا بالاستمرار في تقليده وليس ثمة ما يمنعه من التحول عنه إلى غيره فقد اجمع المسلمون أن للمقلد أن يقلد من شاء من المجتهدين إذا توصل إلى حقيقة مذاهبهم وآرائهم فله مثلا ان يقلد كل يوم إماما من الأئمة الأربعة ولئن ظهر في بعض العصور المتأخرة من استهجن تحول المقلد من مذهب إلى آخر فهو التعصب المقيت الذي أجمع المسلمون على بطلانه ومعلوم لكل باحث ان هذا الذي لا خلاف فيه هو غير دعوى أن على المقلد ان لا يلتزم مذهبا بعينه وان عليه أن يلون ويغير أي أن عدم وجوب الالتزام لا يستلزم حرمة الالتزام.
ثانيها: ان المقلد إذا ما تمرس في فهم مسالة من المسائل وتبصر بأدلتها من الكتاب والسنة وأصول الاجتهاد وجب عليه أن يتحرر من الأخذ بها من مذهب إمامه وحرم عليه التقليد فيها ما امكنه ان يجتهد فيها معتمدا على طاقته العلمية المتوفرة لديه أجمع على ذلك العلماء وأئمة المذاهب انفسهم وبديهي أنه يحرم عليه إذا ترجيح إمامه على ما هداه إليه اجتهاده في تلك المسألة التي توفر على دراستها والتعمق في فهم أدلتها وأصولها ولئن ظهر أيضا في بعض العصور المتأخرة من جنح إلى هذا التعصب وخرج بذلك عن إجماع المسلمين فإنه مظهر آخر من مظاهر التعصب والتحزب البغيض الذي يجب التنبيه إليه والتحذير منه ومعلوم لكل باحث أيضا أن هذا الذي لا خلاف فيه لا يستلزم بحال دعوة المقلد الجاهل بأدلة الأحكام إلى نبذ التقليد والاعتماد مباشرة على نصوص الكتاب والسنة .
ثالثها: إن جميع الأئمة الأربعة على حق بمعنى أن اجتهاد كل منهم جعله معذورا عند الله عز وجل إن هو لم يستيقن حقيقة الحكم الذي أراده الله عز وجل لعباده في تلك المسائل الاجتهادية فليس عليه إلا ان يسير فيه حسب ما هداه إليه اجتهاده. ومن هنا كان اتباع المقلد لمن شاء منهم اتباعا لحق وتمسكا بهدى وهو إذ يختار اتباع واحد منهم لا ينبغي أن يتصور أن الآخرين على خطأ ولذلك اجمع العلماء على صحة اقتداء الحنفي بالشافعي والمالكي والعكس ولقد ظهر أخيرا في بعض البلدان وعلى يد فريق من الناس ما يخالف هذا الحق المتفق عليه ولكنه أيضا امتداد للتعصب السيء الذي لا وجه له في الدين ويجب تحذير المسلمين منه بكل وسيلة إن تعداد المحاريب في المساجد وتسمية كل محراب منها باسم مذهب من المذاهب الأربعة أسوأ مظهر يتجسد فيه التحزب المقيت الذي لا معنى له ولا مسوغ وإن ما يفعله بعض العوام من الانزواء في طرف من المسجد وصلاة الجماعة قائمة تؤدى أمام عينيه ولا يمنعه من القيام اليها إلا ان الإمام ينتمي الي غير مذهبه فهو ينتظر إمامه الذي من حزبه لا يقتدي بغيره ولا يرى أن صلاته تصح إلا من ورائه نقول: إن هذا الذي شاع عند كثيرمن العوام أو من يتسم بسمة العلم شيء لا يتند إلى أي أصل من أصول الدين وما أجمع الأئمة والعلماء في عصر وزمن إلا على خلافه وما يمسك الناس على هذه العادة إلا شيئان اثنان: تعصب لا وجه له من هؤلاء الناس و (تنفيع) لأناس توارثوا مثل هذه الوظائف واعتادوا على نيل جراياتها والاستفادة منها.
هذه الأمور الثلاثة من الأمور المتفق عليها ولا نخالف منبها اليها أو مؤكدا لها.
لطالما أثبتها العلماء والأئمة رحمهم الله في أبحاثهم وسجلوها في كتبهم .
وكل ما أورده هذا المنكر من نصوص الإمام ابن القيم والعز بن عبدالسلام والشاه الدهلوي وغيرهم إنما يدور حول الأمور الثلاثة ولم يخالفهم فيها أحد ممن يعتد به وما ينبغي أن يخالفهم فيه أحد.
ولو أن هذا المنكر ركز كلامه عليها واقتدى في ذلك بما فعله أولئك الأئمة فشدد النكير على هذه الألوان من التعصب المقيت الذي لا وجه له لما وسعنا مخالفته والإنكار عليه.
ولكن المنكر عمد إلى هذه النصوص والأدلة فشدها إلى دعاوى أخرى لا علاقة لها بها واتخذ من الأدلة على حرمة مخالفة هذه الأمور المتفق عليها براهين على حرمة التزام مذهب من المذاهب الأربعة لأي أحد من الناس وأين هذا من ذاك؟
ولذلك جاءت أدلته هذه مناقضة لدعواه إذ استدل على صدق دعواه بكلام العز بن عبدالسلام والعز بن عبدالسلام شافعي المذهب واستدل بكلام الكمال بن الهمام وهو حنفي المذهب واستدل بكلام ابن القيم وهو حنبلي المذهب واستدل بكلام الدهلوي وهو حنفي المذهب لقد استدل المنكر بأقوال هؤلاء جميعا على دعواه من حرمة التمذهب بمذهب معين وهم أنفسهم متلبسون بهذا الذي يدعي حرمته!!.
الجديد الذي يدعيه المنكر وأدلته والرد عليه
والآن وبعد أن جردنا من كلام المنكر كل ما لا دخل له في النزاع وجردنا من كلامه أيضا تلك النصوص التي أثبتها أربابها لتأكيد أمور متفق عليها لا نزاع فيها نجد خلف ذلك كله دعوى خطيرة وجديدة هي أصل ما رمى إليه المنكر ألا وهي دعوى أنه يحرم على المسلم أيا كان أن يتمسك بمذهب معين من المذاهب الأربعة وأن ذلك منه تعصب أعمى وضلال مبين وأن الذين فعلوا ذلك هم الذين فرقوا دينهم شيعا.
فلنكشف عن وجه الحق في هذه الدعوة ولنتسائل عن دليلها وأساسها بعد أن أبعدنا عنها الحجاب الذي كانت تستتر خلفه حجاب تلك الأمور الثلاثة المتفق عليها وما أثبته الأئمة لها من أدلة وبراهين فهي أمور لا علاقة لها من قريب أو بعيد بهذه الدعوى وليس لأرباب هذه الدعوة أن يستعيدوا لها شيئا من أدلة تلك الأمور أو أن يقووها بها ويسندوها اليها.
ما هي الأدلة التي اعتمدها المنكر لدعواه هذه؟
تتلخص أدلته فيما يلي:
• الدليل الأول: دعوى أن الإسلام ليس أكثر من أحكام معدودة يسيرة يفهمها أي أعرابي أو مسلم مستدلا لذلك بأحاديث ساقها وأن المذاهب ليست أكثر من آراء أهل العلم في فهمهم بعض المسائل وهذه الآراء لم يوجب الله تعالى ولا رسوله على أحد اتباعها.
ونقول: كان ينبغي لو صح أن أحكام الإسلام محصورة في تلك الأمور المعدودة التي ألقى بها الرسول إلى سمع ذلك الأعرابي ثم انطلق ان لا تفيض كتب الصحاح والمسانيد بآلاف الأحاديث المتناولة لشتى الأحكام المتعلقة بحياة الإنسان المسلم وكان ينبغي أن لا يقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم الساعات الطوال على قدميه يخالف بينهما من التعب يعلم وفد ثقيف أحكام الإسلام وواجبات الله في أعناقهم طوال عدة أيام.
إن تلقين الرسول الإسلام وأركانه للناس شيء وتعليمه إياهم كيفية تنفيذ تلك الأركان شيء آخر ذلك لا يحتاج إلى أكثر من دقائق وهذا يحتاج إلى جهد وتعلم ومراس.
ولذلك كان يتبع تلك الوفود المسلمة التي لم يكلفها الفهم الإجمالي لأركان الإسلام أكثر من بضع دقائق برجال من اخص أصحابه ليمكثوا فيهم ويعلموهم مختلف أحكام الإسلام وواجباته فأرسل خالد بن الوليد إلى نجران وعليا رضي الله عنه إلى اليمن وأبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن أيضا وعثمان بن أبي العاص إلى ثقيف أرسل هؤلاء جميعا ليعلموا أمثال ذلك الأعرابي الذي استدل المنكر بسرعة فهمه للإسلام ليعلموهم تفاصيل الأحكام الشرعية بالإضافة إلى ما كان يقوم به عليه الصلاة والسلام من التعليم والبيان.
أجل كانت المشكلات التي تتطلب من الإسلام حلولا لها وبيانا لأحكامها قليلة في صدر الإسلام بسبب ضيق رقعة الإسلام وبساطة المسلمين إذ ذاك ولكن هذه المشكلات كثرت فيما بعد مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية وظهور كثير من التقاليد والعادات والمصالح التي لم تكن من قبل وهي جميعا لا تخلو من أحكام تتعلق بها سواء كان مصدرها نصا في الكتاب أو حديثا من السنة أو إجماعا من الأمة أو قياسا على أصل فهذه كلها مصادر تنبثق من صميم الإسلام وحكمه وليس حكم الله عز وجل إلا ما هدانا إليه أحد من هذه المصادر حسب شروط معينة في فهمها والترتيب بينها وكيفية الاستنباط منها.
فكيف يفصل إذا بين الإسلام وما استنبطه الأئمة الأربعة وأمثالهم من هذه المصادر الأساسية للإسلام؟ ! ... كيف يقول المنكر : ( أما المذاهب فهي آراء أهل العلم وأفهامهم في بعض المسائل واجتهاداتهم وهذه الآراء والاجتهادات والفهوم لم يوجب الله تعالى ولا رسوله على أحد اتباعها؟....)
وهل هذا إلا عين الباطل الذي تفوه به عن مكابرة وعناد المستشرق الألماني المعروف بحقده على الإسلام ( شاخت ).
يقول شاخت : إن الفقه الإسلامي الذي ألفه أئمة المذاهب ليس إلا عملا قانونيا أنتجته أدمغة قانونية ممتازة طاب لها أن تعزوه إلى الكتاب والسنة وكتابه في هذا هو الكتاب الأول الذي تدرسه جامعات أوربا لطلابها.
وإذا كان كلام كل من المنكر والمستشرق الألماني شاخت كلاما صحيحا فمعنى ذلك أنه لا شيء يلزمنا شرعا بالتزام أكثر أحكام قانون الأحوال الشخصية لأنها لا تعدو أن تكون اجتهادات وآراء للمذاهب ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد اتباعها على حد تعبير المنكر وكذلك لا شيء يلزمنا شرعا بالتزام قانون مدني إسلامي تؤلفه غدا لجنة من العلماء لأن أكثر أحكامه آراء واجتهادات لم يلزمنا الله ولا رسوله باتباع شيء منها!!
وإذا فكيف يصح لنا ان نقول بأن الإسلام دين ودولة؟!.... ولماذا لا نصحو إذا إلى خطئنا لنعلن كما يريد شاخت بأن الإسلام دين فقط.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعث إلى القبائل والبلدان من يمتاز من الصحابة بجودة الحفظ والفهم والاستنباط ويكلفهم بتعليم الناس احكام الإسلام وأمور الحلال والحرام وقد أجمعت الأمة أنهم كانوا يجتهدون إذا أعوزهم الدليل الصريح من الكتاب والسنة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرهم على ذلك.
وروي عن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: ( كيف تصنع إن عرض لك قضاء ) قال أقضي بما في كتاب الله قال «فإن لم يكن في كتاب الله » قال : فبسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال « فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم » قال : اجتهد رأيي ولا آلو قال فضرب رسلو الله صلى الله عليه وآله وسلم صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم( [22]) .
فهذه اجتهادات وفهوم من علماء الصحابة كانو يحكمون بها ويسيرون الناس بموجبها بموافقة وإقرار من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يقال عنها : ( أنها اجتهادات وفهوم لم يوجب الله تعالى ولا رسوله على أحد اتباعها)؟
وإذا فإن أحكام الإسلام ليست من اليسر في فهمها والقلة في عددها كما تصور المنكر مستدلا بتلك الأحاديث التي نوهنا عنها بل هي من السعة والشمول بحيث تتسع لكل ما يتعلق بشؤون الحياة الخاصة والعامة في مختلف الظروف والأحوال وهي جميعا تعود إلى الكتاب والسنة إما بدلالة ظاهرها مباشرة أو بواسطة النظر والاجتهاد والاستنباط وبأي الوسيلتين فهم المسلم الحكم فهو حكم الله عز وجل في حقه لا يسعه التحول عنه وهو أيضا حكم الله فيمن جاء يستفتيه فافتاه به وإلا لكانت بعثة الرسول واصحابه إلى القبائل والبلدان عبثا ولصح لأولئك الناس أن يقولوا لهم : لم يوجب الله ولا رسوله علينا اتباع فهومكم واجتهاداتكم!
• الدليل الثاني : إن أساس التمسك بالإسلام إنما هو التمسك بالكتاب والسنة وهما معصومان عن الخطأ اما اتباع أئمة المذاهب فهو تحول عن الاقتداء بالمعصوم إلى الاقتداء بغير المعصوم.
ونقول تعليقا على هذا الكلام العجيب : من هم الذين تخاطبونهم بهذا الدليل وتحاكمونهم إليه ..؟ إن كانوا أولئك الذين أوتوا القدرة على فهم الحكم من الكتاب والسنة والقياس عليهما مباشرة بدون وساطة مفت وإمام فدليلكم صحيح إذ لا وجه لتقليده أقوال الأئمة وهو غير عاجز عن فهم قول الله ورسوله مباشرة ولكن هذا خارج عن محل البحث والنزاع كما اوضحنا فليس في المسلمين قديما وحديثا أحد يخاطبكم ويجادلكم في هذا وإن كان الذين تخاطبونهم بهذا الكلام هم عامة الناس ومن لا يملك وسيلة الاجتهاد والاستنباط والتصر بالأدلة ومفهوماتها فهو كلام عجيب حقا ولا يملك ان يستقيم له أي معنى .
فالمعصوم عن الخطأ في كلام الله هو ما أراده الله عز وجل بكلامه والمعصوم عن الخطا في السنة هو ما أراده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بسنته أما فهم الناس منهما فهيهات أن يكون معصوما سواء كان هؤلاء الناس مجتهدين أو علماء او جهالا (اللهم إلا نصا في كتاب أو سنة كان قطعي الدلالة والثبوت وكان الناظر فيه عربيا خليعا فعصمة الفهم منه تأتي من قطعية دلالته) وإذا كانت وسيلة الأخذ بالكتاب والسنة هي الفهم وكان الفهم منهما محاولة لا يمكن ان تتسم بالعصمة فيما عدا الصورة التي استثنيناها فما الفرق بين محاولة العامي الفهم ومحاولة المجتهد ذلك إلا أن تكون محاولة العامي أبعد عن العصمة من محاولة المجتهد؟ وما معنى دعوة العامي إلى نبذ التقليد بحجة ان القرآن معصوم والإمام المتبع غير معصوم؟. وهل كان الناس ينقسمون منذ القديم إلى عامي وعالم ومقلد ومجتهد لو أتيح للعامي أو الجاهل من الناس أن يتناول من نصوص القرآن الفهم المعصوم من الخطأ والذي هو المراد في علم الله عز وجل؟...
وكأني بالمنكر يتوهم أن مذاهب الأئمة تستمد اجتهادها من معين آخر غير الكتاب والسنة فهي مذاهب مستقلة عن مذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي إنما ظهرت لتنافسه وتزاحمه فهو يريد أن يلفت نظر المخدوعين بها إلى المذهب الحق واستدل على ذلك بأن هذه المذاهب غير معصومة على حين أن مذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصوم فكيف تتحولون عن المعصوم إلى غيره ..؟ وفكر مهما شئت في معنى هذا الدليل الطريف فو الله لن تعثر له على وجه من المعنى إلا على هذا التقدير من الفهم والتصوير.
• الدليل الثالث: أنه لم يثبت أي دليل على أن الإنسان يسأل في قبره إذا مات عن المذاهب أو الطريق.... .
وهذا الاستدلال يوضح كما ترى أن المنكر يعتقد بأن ميزان معرفة الواجبات التي كلف الله الإنسان بها إنما هو أسئلة الملكين في القبر فكل ما يتعرض له الملكان بالسؤال عنه فهو الواجب المكلف به وكل ما لم يتعرض له فهو غير واجب ولا مشروع؟
ولست أدري هل ثبت في أي مصدر من مصادر العقيدة الإسلامية أن الملكين يسألان الميت عن الديون والذمم التي عليه للناس أو عن بيوعه التي لم تنعقد صحيحة ومعاملاته التي لم تكن مشروعة أو عن إهماله تربية أهله وأولاده أو عن أوقاته التي كان يقضيها في اللهو والعبث أو عن استغابته للمسلمين وتشكيكهم في دينهم وتفكيك أواصر المحبة والترابط والوحدة فيما بينهم ؟!
إذا كان ثمة ما يدل على أن الملكين يسألان الميت عن كل هذا وأمثاله فلننظر إذا أفيسأله الملكان: لماذا قلد الشافعي ولم يجتهد ولماذا التزم اتباع إمام ومجتهد واحد ولم يغير ويلون ؟... وإذا كان يسأله الملكان عن هذا فأشهد أن هذا المنكر على حق وأشهد أنني وسائر الباحثين والعلماء كنا على خطأ يوم كنا نحسب أن سؤال الملكين إنما يتناول كليات المبادئ الإسلامية المتمثلة في أسئلة معدودة بأعيانها كما ورد في الصحاح ولابد ان مهمة الملكين مع الميت في قبره هي مهمة محاسبة تفصيلية شاملة!
ولكني لا أزال أقول كما يقول سائر العلماء والمسلمين بان الواجبات المنوطة بأعناق المسلمين في دنياهم أوسع بكثير مما تنحصر فيه أسئلة الملكين لهم في قبورهم ولن نجد أي معنى واضح لهذا الدليل الثالث أيضا إلا إذا تصورت مرة أخرى بأن المنكر يعتقد بأن مذاهب الأئمة في فهم الأحكام الشرعية من أدلة الكتاب والسنة إنما هي مذاهب تنافس وتزاحم مذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهؤلاء الأئمة إنما جاؤوا ( على حد فهمه ) مسابقين ومنافسين له وطبيعي أن الملكين إنما يسألان الميت عن موقفه من هذا الرجل الذي أرسل فيهم أي عن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ولن يسألاه عن شيء من المذاهب المنافسة الأخرى التي أخذت تروج نفسها فيهما بعد!
وأرجو من القارئ الكريم أن لا يحسب أنني أصطنع بهذا الكلام أسلوب سخرية بالمنكر وتقريع له ... فهذا والله ما فهمته ويفهمه كل متأمل في كلامه وقد صرح الرجل بهذا الذي هو معنى كلامه تصريحا وذلك عندما قال : ( اعلم أن المذهب الحق الواجب الذهاب اليه والاتباع له إنما هو مذهب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فحسب وهو الإمام الأعظم الواجب اتباعه ثم مذهب خلفائه الراشدين رضي الله عنهم وما من أحد أمرنا باتباعه بعينه إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فحسب لا غير وقد قال الله تعالى ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾( [23]) وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين »( [24]) .
أفليس واضحا من هذا الكلام أن المنكر يتصور أن ثمة عددا من المذاهب ظهرت خلال التاريخ كل منها يروج لنفسه ويدعو الناس إليه والمذهب الحق من بينها هو مذهب سيدنا محمد أما الأخرى فباطلة؟
وأنت يا أيها القارئ مهما كانت ثقافتك بتاريخ التشريع الإسلامي قليلة وضعيفة أفيمكن للحقائق كلها ان تغيب عنك حتى تفهم هذا الفهم المقلوب العجيب؟.
ما هو الفرق بين مذاهب الأئمة الأربعة ومذهب زيد بن ثابت أو معاذ بن جبل أو عبدالله بن عباس في فهم بعض أحكام الإسلام؟ وما الفرق بين أرباب المذاهب الأربعة وأرباب مذهب الرأي في العراق وأرباب مذهب الحديث في الحجاز وقوام هذين المذهبين خيرة الصحابة والتابعين وهؤلاء لهم مقلدون وأولئك لهم مقلدون؟!
أفيقول المنكر إنها عشرات المذاهب وليست أربعة فقط كلها جاء تعارض وتنافس مذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن المذاهب الخارجة على الملة القسيمة لمذهب رسول الله إنما هي هذه الأربعة فقط أما مذاهب من قبلهم فمذاهب صحيحة جيدة تقوم على قدم المساواة جنبا إلى جنب مع مذهب رسول الله؟!.
لست أدري أي القولين يختار هذا المنكر ولكن الذي أعلمه أنهما قولان أحلاهما مر ، وأفضلهما كذب وافتراء ومعاذ الله أن تكون اجتهادات الصحابة والتابعين أو بقية الأئمة المجتهدين أكثر من خدمة وشرح لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحيا من ربه ولكن بعض اجتهاداتهم وتفسيراتهم خالفت بعضها بعضا فكانت تلك الاجتهادات المتخالفة مذاهب في فهم كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا مذاهب منافسة ومعارضة له؟.... وكيف يكونون منافسين ومعارضين له والكل يستشهد بكلامه ويمعن في فهم مراده؟!
• الدليل الرابع: كلام نقله المنكر عن كتاب الإنصاف للشاه ولي الله الدهلوي نقل عنه في غضونه قوله : ( فمن أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك أو أقوال الشافعي أو جميع أقوال أحمد أو غيرهم ولم يعتمد على ما جاء في الكتاب والسنة فقد خالف إجماع الأمة كلها واتبع غير سبيل المؤمنين).
أقول: لم يثبت هذا الكلام عن الدهلوي في حق المقلد العاجز عن الاجتهاد إطلاقا لا في الإنصاف ولا في غيره من كتبه الأخرى بل الذي قال في أكثر من موطن عكسه تماما.
يقول ولي الله الدهلوي في كل من كتاب الإنصاف ص (53) وحجة الله البالغة ( 1/132 ط : الخيرية ) ما نصه:
(إن هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد اجتمعت الأمة أو من يعتد به منها على جواز تقليدها الى يومنا هذا وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لاسيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جدا وأشربت النفوس الهوى واعجب كل ذي رأي برأيه).
وأنا أتحدى هذا المنكر ومقلديه أن يثبتوا سطرا مما تقوله المنكر على الدهلوي في أي من كتبه ..!!
ويقول بعد ذلك في ص ( 124 - 125) موضحا أنه لا مانع من التزام إمام بعينه: ( كيف ينكر هذا أحد مع أن الاستفتاء والإفتاء لم يزل بين المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا فرق بين أن يستفتي هذا دائما أو يستفتي هذا حينا وذاك حينا بعد أن يكون مجمعا على ما ذكرناه كيف لا ولم نؤمن بفقيه أيا كان أنه أوحى الله اليه الفقه وفرض علينا طاعته أنه معصوم فإن اقتدينا بواحد منهم فذلك لعلمنا بانه عالم بكتاب الله وسنة رسوله فلا يخلو قوله إما أن يكون من صريح الكتاب والسنة أو مستنبطا عنهما بنحو من الاستنباط أو عرف بالقرائن أن الحكم في صورة ما منوطة بعلة كذا واطمأن قلبه لتلك المعرفة فقاس غير المنصوص على المنصوص فكأنما يقول: ظننت أن رسول الله صلى قال: كلما وجدت هذه العلة فالحكم ثمة هكذا والمقيس مندرج في هذا العموم فهذا أيضا معزي الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن في طريقة ظنون ولولا ذلك لما قلد مؤمن مجتهدا).
فتأمل في مناقضة هذا الكلام الذي يقوله الدهلوي للذي يقوله عليه هذا المنكر!... ولك ان تعود الى كتابه حجة الله البالغة والإنصاف لتتأكد من ألفاظه ومطابقتها للذي نقلناه عنه؟ ولا شك أن الدهلوي تحدث في هذا المجال عن حرمة التقليد في حق من بلغ رتبة الاجتهاد في مسألة من المسائل أو في عامة المسائل والأحكام ولكن كلامه في ذلك خارج عن محل النزاع والبحث كما أوضحنا ولا يمكن أن يستدل العاقل بشيء منه على دعوى حرمة التقليد أو حرمة التزام مذهب معين في حق من لم يستطع أن يكون مجتهدا فهذا شيء وذلك شيء آخر ولست أدري ما هو نوع الدافع الى الخلط بينهما.
• الدليل الخامس: كلام نقله المنكر عن العز بن عبدالسلام وعن ابن القيم وعن الكمال بن الهمام يستدل به على مدعاه وهو دعوى حرمة التمسك بمذهب معين ووجوب الأخذ من الكتاب والسنة مباشرة على الناس كلهم أو استمرار التنقل بين المجتهدين والأئمة دون الوقوف عند واحد منهم بعينه.
وكل ما نقله عن هؤلاء بمعزل عن هذه الدعوى الباطلة التي لا دليل عليها وكيف تكون تلك الأقوال دليلا على شيء من ذلك وأصحاب تلك الأقوال أنفسهم ملتزمون بمذاهب معينة لم يتحول واحد منهم عن مذهبه الذي عرف إلى سواه!!...
فالعز بن عبدالسلام شافعي وابن القيم حنبلي والكمال بن الهمام حنفي إن أقوال هؤلاء الأئمة كلها مستنبطة على تلك الأمور الثلاثة التي أخرجناها عن محل النزاع والتي لم يخاصم فيها أحد من العلماء المنصفين أما أن يكون شيء منها دليلا على ما يشتهي هذا المنكر أن يروجه ويجمع له الأنصار فهيهات له ذلك.
واليك أولا ما يقول العز بن عبدالسلام
يقول في كتابه قواعد الأحكام (2/35) ما نصه : ( ... وليس لأحد أن يقلد من لم يؤمر بتقليده كالمجتهد في تقليد المجتهد أو في تقليد الصحابة وفي هذه المسائل اختلاف بين العلماء ويرد على من خالف ذلك قوله عز وجل : ﴿ إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه﴾( [25]). يستثنى من ذلك العامة فإن وظيفتهم التقليد لعجزهم عن التوصل إلى معرفة الأحكام بالاجتهاد بخلاف المجتهد فإنه قادر على النظر المؤدي إلى الحكم ومن قلد إماما من الأئمة ثم أراد تقليد غيره فهل له ذلك ؟... فيه خلاف والمختار التفصيل فإن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه مما ينقض فيه الحكم فليس له الانتقال إلى حكم يوجب نقضه فإنه لم يجب نقضه إلا لبطلانه فإن كان الأخذان متقاربين جاز التقليد والانتقال لأن الناس لم يزالوا من زمن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب الأربعة يقلدون من اتفق من العلماء من غير نكير من أحد يعتبر إنكاره ولو كان ذلكم باطلا لأنكروه وكذلك لا يجب تقليد الأفضل وإن كان هو الأولى لأنه لو وجب تقليده لما قلد الناس الفاضل والمفضول في زمن الصحابة والتابعين من غير نكير بل كانوا مسترسلين في تقليد الفاضل والأفضل ولم يكن الأفضل يدعو الكل إلى نفسه ولا المفضول يمنع من سأله عن وجود الفاضل هذا مما لا يرتاب فيه عاقل).
لقد نقلت لك كلامه هذا بطوله دون أن أترك منه حرفا لتعلم أن ما يقوله هذا الإمام ينطبق على نقيض ما يتقوله هذا المنكر على لسانه تماما فالعز رحمه الله يوجب على العامة التقليد والمنكر يلزمه باتباع المعصوم وترك غير المعصوم كما قد رأيت والعز رحمه الله يجعل الأصل في المقلد أن يلتزم إماما بعينه ثم يفرع عنه البحث في حكم رغبته في الانتقال إلى مذهب آخر ويذكر في الخلاف ويجنح – كما قد رايت – إلى القول بجواز ذلك " لا بوجوبه" بشروط.
فالعز رحمه الله تعالى الله لا يرى مانعا من التزام المقلد مذهبا معينا دون أن يتحول عنه هذا المنكر يفرض عليه ان يتنقل بين جميع هذه المذاهب ويلزمه بذلك إلزاما والعجب العاجب أنه يتقول على العز رحمه الله تعالى الله هذه الأشياء وينطقه بها وهو إنما نطق بعكسها.
نعم أتبع العز بن عبدالسلام رحمه الله تعالى الله هذا الكلام الذي نقلته لك بكلام آخر مباشرة أنحى فيه باللأئمة على الفقهاء الذين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه ويسبر حقيقته ويدرك ما يتعلق به بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ومع ذلك يقلد ويترك الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه جمودا على تقليد إمامه وأطال العز في بيان خطورة ذلك وأجاد ولكن ما علاقة هذا بدعوى هذا المنكر ؟! وما هو المسوغ لما يفعله هذا الرجل من اتخاذ مثل هذه النصوص ثوبا يكسو بها مزاعمه العارية؟ ... وهلا تبصر الكلام الطويل الآخر الذي يجاوز هذه الفقرة مجاورة مباشرة ليفهم معاني الكلام وأطراف البحث ؟ وهل هو حقا لم يتبصره ولم يعثر عليه أم رآه وفهمه ولكنه تجاهله وعفى عليه ونسخه بما بعده ثم أنطق الرجل بما هو منه برئ؟!.
ثم إليك ما يقول ابن القيم
يقول في كتابه إعلام الموقعين (3/68 ، ط: السعادة) ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به والى ما يجب المصير إليه والى ما يسوغ من غير إيجاب.
فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع أحدها: الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء والثاني تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله والثالث التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المجتهد.
ثم أطال ابن القيم في سرد وشرح أضرار ومساوي التقليد المحرم الذي حصره في هذه الأنواع الثلاثة فكل ما أورد في كلامه الطويل من إنكاره التقليد وتسفيهه والتحذير منه فهو وارد على هذه الأنواع الثلاثة التي فرعها عن الأول.
وربما قرأ القارئ السطحي جزاء من كلامه الطويل في ذلك دون ان يمسك بأصل البحث ومنطلقه فيتوهم أنه إنما ينكر التقليد مطلقا ثم يذهب يستدل على بطلان التقليد مطلقا بفقرات من كلامه الذي ساقه في خضم بحثه الطويل كما فعل هذا المنكر.
ولكن المتأمل يعلم ان ابن القيم إنما فرع كلامه الطويل ذاك على هذا التقسيم الذي جعله أصل بحثه وحسبك دليلا قاطعا على ذلك بالإضافة إلى النص الذي نقلته من كلامه قوله في غضون بحثه هذا : ( فإن قيل: إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذي لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ولم يذم من قلد العلماء المجتهدين بل قد أمر بسؤال أهل الذكر وهم اهل العلم وذلك تقليد لهم فقال تعالى ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾( [26])).
وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم – فالجواب انه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه أما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم ومأجور غير مأزور كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد وهو التقليد الواجب والسائغ إن شاء الله .
ولقد أطال ابن القيم بعد ذلك في ذم أنواع التقليد الباطل وأنفق في ذلك ما يقارب مائة صحيفة ويبدو أنه نسي بعد حديثه المسهب الطويل هذا أن يعود فيتحدث عن النوع الثاني من التقليد وهو التقليد الواجب الذي وعد بالحديث عنه فانتقل منه إلى الحديث عن النصوص وحرمة الإفتاء بما يخالفها وموقع السنة من القرآن.
ومن تأمل أبحاث ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) وصبر على قراءتها بتمهل واستقصاء وجد فيه غرائب من هذا القبيل فهو تارة يفرع اصل البحث ويجزؤه ثم يبدأ فيتناول بعض أجزاءه ويطيل الشرح والبحث ويشفق له الاستطرادات المختلفة ثم يتجاوز البحث كله إلى غيره دون أن يعود إلى بقية فروعه وأجزائه بالنظر والبحث كما فعل هنا ، وهو تارة يقع في تناقضات عجيبة لا تدري سبب وقوعه فيها كتلك التناقضات التي وقع فيها اثناء حديثه المسهب جدا عن الحيل واحكامها وعلى كل فقد تحدث الرجل عن مشروعية التقليد وضرورته لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد في مكان آخر من كتابه فقد عقد فصولا طويلة تتعلق بشروط الفتوى وآدابها ضمن كثيرا من أبحاثها ومسارها بيان ما ينبغي أن يكون عليه العامي والعالم الذي لم يلغ رتبة الاجتهاد وأن عليه اتباع إمام يسترشد به ويقلده في أحكام الحلال والحرام وانه لا يجوز لمثل هذا الإنسان أن يفتي الناس ولو توفرت لديه كتب الحديث وأمكنه العثور فيها على حديث يتعلق بفتواه واليك مقاطع من كلامه في بيان هذا الأمر :
قال في (4/175) ( الفائدة العشرون) : لا يجوز للمقلد أن يفتي في دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى أنه قول من قلده دينه وهذا إجماع من السلف كلهم وصرح به الإمام احمد والشافعي رضي الله عنهما قال أبو عمرو بن الصلاح : قطع أبو عبدالله الحليمي إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي أبو المحسن الروياني صاحب بحر المذهب وغيرهما بأنه لا يجوز للمقلد أي يفتي بما هو مقلد فيه.
ثم أطال ابن القيم في تأكيد هذا الحكم وبيان انه الحق.
وقال في (4/196) ما نصه : ( الفائدة الحادية والعشرون) : إذا تفقه الرجل وقرأ كتابا من كتب الفقه أو أكثر وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف والاستنباط والترجيح فهل يسوغ تقليده في الفتوى؟ فيه للناس أربعة أقوال... والصواب فيه التفصيل وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصل إلى رأي عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا ولا يحل لهذا أن ينسب نفسه إلى الفتوى مع وجود هذا العالم وإن لم يكن غيره بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم..)
وقال في (4/215) ما نصه ( الفائدة الثلاثون) : إن كان الرجل مجتهدا في مذهب إمام ولم يكن مستقلا بالاجتهاد فهل له أن يفتي بقول ذلك الإمام؟ على قولين: وهما وجهان لأصحاب الشافعي واحمد أحدهما الجواز ويكون متبعه مقلدا للميت لا له وإنما له مجرد النقل عن الإمام والثاني لا يجو له أن يفتي لأن السائل مقلد له لا للميت وهو لم يجتهد له والسائل يقول له : أنا أقلدك فيما يفتي به.
وقال في (4/215) ما نصه ( هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها؟ فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد: فمن منعه قال : يجوز تغيير اجتهاده لو كان حيا فإنه كان يجدد النظر عند نزول هذه النازلة ... والثاني الجواز وعليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض وخيار ما بأيديهم تقليد الأموات ... والأقوال لا تموت بموت قائلها كما لا تموت الأخبار بموت رواتها).
وقال في (4/234) ( الفائدة الثامنة والأربعون) : إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤثق بما فيه فهل له أن يفتي بما يجده فيه .؟... والصواب في هذه المسألة التفصيل فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة لكل من سمعه لا يحتمل غير المراد فله أن يعمل به ويفتي به ولا يطلب التزكية له من قول فقيه أو إمام بل الحجة قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ... وإن كانت دلالته خفية لا يتبين المراد منها لم يجز له أن يعمل ولا يفتي بما يتوهمه مرادا حتى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه... ثم قال: وهذا كله إذا كان ثمة نوع أهلية ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية وإذا لم تكن ثمة أهلية قط ففرضه ما قال الله تعالى ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾( [27]) .
وقال في (4/237) جوابا على سؤال: هل للمفتي أن يفتي بغير مذهب إمامه؟ ينقل عن ابي عمرو بن الصلاح : ( ومن وجد حديثا يخالف مذهبه فإن كملت آلة الاجتهاد فيه مطلقا او في مذهب إمامه أو في ذلك النوع أو في تلك المسألة فالعمل بذلك الحديث أولى وإن لم تكمل آلته ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعد ان بحث فلم يجد لمخالفته عنده جوابا شافيا فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل أم لا فإن وجده فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ويكون عذرا له في ترك مذهب إمامه في ذلك والله اعلم ).
وقال بعد ذلك مباشرة : ( الفائدة الخمسون): هل للمفتي المنتسب إلى مذهب إمام بعينه أن يفتي بمذهب غيره إذا ترجح عنده ؟ إن كان سالكا سبيل ذلك الإمام في الاجتهاد ومتابعة الدليل فله أن يفتي بما ترجح عنده من قول غيره وغن كان مجتهدا متقيدا بأقوال ذلك الإمام لا يعدوها إلى غيرها فقد قيل: ليس له أن يفتي بغير قول إمامه فإن اراد ذلك حكاه عن قائله حكاية محضة والصواب أنه إذا ترجح عنده قول غير إمامه بدليل راجح فلابد ان يخرج على اصول إمامه وقواعده فإن الأئمة متفقون على أصول الأحكام ومتى قال بعضهم قولا مرجوحا فأصوله ترده وتقتضي القول الراجح فكل قول صحيح فهو يخرج على قواعد الأئمة بلا ريب فإذا تبين لهذا المجتهد المقيد رجحان هذا القول وصحة مأخذه على قواعد إمامه فله أن يفتي به. وبالله التوفيق.
فهذه مقاطع من كلامه في غضون حديثه عن الفتوى وشرطها وآدابها أفتراه كلام من يحرم التقليد ويلزم الناس جميعا بالأخذ بالكتاب والسنة مباشرة أم تراه يحرم الالتزام بمذهب معين أم تراه يأمر المقلد بأن يظل عمره يقفز من مجتهد إلى آخر؟
ألست ترى أن كل مقطع من هذه المقاطع تصريح بشكل لا يحتمل الريب بأن الجاهل لا يسعه إلا التقليد وأن المتمذهب بمذهب معين لا يجوز له أن يفتي الناس في مسألة ما بغير مذهبه إلا أن يكون مجتهدا فيها وأن تقليد الميت كتقليد الحي على السواء لأن الأقوال لا تموت بموت قائلها على حد تعبيره وإن الاعتماد على كتب الحديث وحدها لا تجعل من المقلد مجتهدا؟!.
وإذا كان ابن القيم يرى ما يراه هذا المنكر ومن أن تقليد الأئمة تقليد لغير المعصوم وتقليد الرسول تقليد للمعصوم فلا يجوز لأحد إلا الأخذ من المعصوم مباشرة فما باله يجعل من تقليد المذاهب الأربعة موضوعا لبحثه وأساس لتعريفاته وما باله يحجر على المقلد الأخذ من كتب الحديث ويمنعه من الافتاء ويمنع السائل من الاعتماد عليه ويحذره ( المموقت) الذي يتهمون به عامة المسلمين المقلدين لمذاهب أئمتهم ... عسى أن يسهل لهم هذا التعصب له إذا ما تأملوا في نصوصه هذه سبيل الرجوع إلى جادة الحق.
أما النص الذي وقع عليه اختيار ذلك المنكر من مجموع ما قاله ابن القيم في هذا الصدد واستله من كتابه دون غيره ليعتمد عليه فيما يدعي من حرمة المتذهب بمذهب معين فهو بعيد كل البعد عن دعواه ليس له اليها أي منفذ أو سبيل.
والنص الذي اختاره من مجموع كلامه هو قوله : ( ... بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له فإذا قال: أنا شافعي أو حنفي أو حنبلي أو مالكي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول...)
والكلام الذي قبله وبعده بيان لما لا خلاف في حقيته وهو عدم وجوب التزام المقلد لمذهب واحد في كل فروعه ومسائله وقد قلنا إن هذا محل وفاق واستبعدناه عن مجال البحث ولكن هذه الفقرة التي نقلناها من كلامه هي وحدها التي قد توهم تصديق ما يدعوا إليه المنكر من نبذ التقليد وحمل الناس جميعا على الأخذ من الكتاب والسنة غير أن العبارة ليست من هذا في شيء .
إن المقصود بهذا الكلام الذي قاله كثير من العلماء أن العامي إذا لقي مفتيا لمشكلته التي يبحث عن حكمها وسأله عنها فإن عليه أن يأخذ بما يقول وليس للعامي أن يطلب إليه افتاءه فيها بموجب مذهب معين ذلك لأن المفتي مجتهد وإلا لم يجز أن يسمى أو ينصب مفتيا والمجتهد إنما يجيب السائل حسب ما أداه إليه اجتهاده وليس له أن يقلد مجتهدا مثله ثم يفتيه بمذهبه في ذلك نعم للعامي أن يسأله عما يقول الشافعي في مشكلته وله أن يروي له ما يقول فيها على وجه النقل لا الفتيا أما أن يحمل العامي المجتهد على أن يفيته بمذهب إمامه فليس له ذلك لأنه ليس أكثر من جاهل يدعي علما بمذهب إمام معين ونسبة إليه وهو لو كان كذلك لما احتاج إلى استفتاء هذا المجتهد وسؤاله وتعبيرا عن هذا المعنى الذي لا شك ولا إشكال فيه قال العلماء : مذهب العامي مذهب مفتيه وليس للعامي مذهب معين.
ولكن ما هو مصير العامي عندما يلتفت حوله فلا يرى مفتيا ( أي مجتهدا مطلقا) ولا يرى إلا علماء مقلدين كل منهم يلتزم مذهبا معينا ومن يسمى مفتيا بينهم إنما أطلق عليه هذا الاسم تشبيها ومجازا؟.. إن قاعدة ( مذهب العامي مذهب مفتيه) لا تنطبق في هذه الحال إطلاقا كما هو واضح إذ لا مفتي له وإنما الذي يتعين عليه أن يستفتي واحدا من المجتهدين السالفين وقد مر بك أن العلماء قالوا وفي مقدمتهم ابن القيم: إن الأقوال لا تموت بموت قائلها فيجوز للحي تقليد الميت.
وخير من يستفتيه من المجتهدين السالفين الأئمة الأربعة بإجماع علماء هذه الملة بأسرها بسبب ما نالته مذاهبهم من الخدمة والتمحيص والتدوين وتوفر أسباب الطمأنينة في صحة إسنادها إلى أربابها كما لم يتوفر مثل تلك الأسباب بالنسبة لأي مذهب آخر فهو يسأل من شاء منهم عن طريق سؤال علمائه والمتفقهين فيه أو دراسة كتبه إن امكنه ذلك ثم له أن يلتزم واحدا منهم لكل ما يعرض له من مسائل واحكام وله أن ينتقل من احدهم إلى الآخر بالشروط التي ذكرها العلماء والتي أوضحنا طرفا منها فيما مضى .
والعامي – وهو يفعل هذا – لم يخرج في الحقيقة عن قاعدة ( مذهب العامي مذهب مفتيه ) لأنه لما لم يجد من حوله مفتيا واضطر إلى استفتاء الشافعي مثلا فقد أصبح مذهبه هو مذهب الشافعي نفسه بموجب نص القاعدة ذاتها.
فهذا هو معنى كلام ابن القيم تجده مفصلا واضحا في سائر كتب الأصول في باب الاجتهاد ارجع إلى أي منها شئت تجد تفصيل ذلك كله.
ثم إليك ما يقول الكمال بن الهمام في هذا الصدد:
قال في التحرير ما نصه : ( وهل يقلد غيره أي غير من قلده أولا ) في غيره أي في غير ذلك الشيء؟
المختار: نعم للقطع بأنهم كانوا يستفتون مرة واحدا ومرة غيره غير ملتمزمين مفتيا واحدا فلو التزم مذهبا معينا كأبي حنيفة أو الشافعي فقيل : يلتزم وقيل لا ثم أخذ شارح التحرير يرجح القول بعدم وجوب الالتزام وهو مذهب جمهور العلماء إذ لا واجب إلا ما أوجب الله والله ما أوجب على الجاهل إلا تقليد العالم المجتهد ولم يوجب عليه التزام واحد بعينه دائما والغريب أن صاحب الإنكار عزا إلى الكمال بن الهمام كلاما طويلا غير هذا لم يقله ولم يتفوه به إنما هو كلام ذكره ابن أمير حاج في شرحه للتحرير واسم كتابه ( التقرير والتحبير ) وقد اختلط الأمر على ( العلامة ) صاحب الإنكار فأسند الكلام الذي ساقه إلى ابن الهمام وهو لم يقله أصلا وأسند إليه كتابا اسمه التقرير والتحبير وهو لم يؤلف كتابا بهذا الاسم اصلا.
على أن ما قاله ابن أمير حاج في ذلك هو عين ما قاله ابن القيم عن العامي الذي جاء يستفتي المفتي مع أنه لا مذهب له وأن مذهبه مذهب مفتيه وقد ذكرنا معنى هذا الكلام وأوضحنا المقصود منه.
• الدليل السادس: زعم أن حدوث المذاهب الأربعة إنما كان بسبب السياسة الغاشمة واستيلاء الأعاجم ذوي الأغراض على الملك وعزا صاحب الإنكار زعمه هذا إلى مقدمة ابن خلدون فقال : ( إن أردت الاطلاع على اسباب حدوث المذاهب والطرائق فعليك بمطالعة مقدمة تاريخ ابن خلدون فإنه قد أبدع في هذا البيان فجزاه الله خيرا وأفاد أن المذاهب حدوثها وشيوعها إنما هي بسبب السياسات الغاشمة واستيلاء الأعاجم ذوي الأغراض على الملك).
أقول: وقد فعلنا ما أشار به صاحب الإنكار فرجعنا إلى مقدمة ابن خلدون وطالعناها وتتبعنا كلامه عن نشأة المذاهب وأسبابها فما وقعنا في شيء من ذلك على هذا الزعم الذي اسنده إليه صاحب الإنكار وما وقفنا من كلامه في ذلك إلا على ما هو الحق المبين المتفق عليه من قبل جمهور المسلمين مما لا يُعجب صاحب الإنكار في قليل ولا كثير .
قال في ( ص 216، ط: بولاق) بصدد حديثه عن علم الفقه وكيفية نشأته ونشأة مذاهبه ما نصه: (.... إن الصحابة كلهم لم يكونوا اهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم وغنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالاته بما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم او ممن سمعه منهم من عليتهم وكانوا يسمون لذلك القراء... وبقي الأمر كذلك صدر الملة ثم عظمت أمصار الإسلام وذهبت الأمية من العرب بممارسته الكتاب وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح صناعة وعملا فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء وانقسم الفقه فيهم إلى طريقتين :
أهل الرأي والقياس وهم اهل العراق وطريقة اهل الحديث وهم اهل الحجاز وكان الحديث قليلا في اهل العراق لما قدمناه فاستكثروا من القياس ومهروا فيه فلذلك قيل: أهل الرأي ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة النعمان وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس والشافعي من بعده ثم انكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظاهرية وجعلوا المدارك كلها منحصرة في النصوص والإجماع وردوا القياس الجلي والعلة المنصوصة إلى النص لأن النص على العلة نص على الحكم في جميع محالها وكان إمام هذا المذهب داود بن علي وابنه وأصحابهما وكانت هذه المذاهب إذ ذاك هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمة).
واوضح بعد ذلك أن مذهب الظاهرية درس بدروس أئمته بتدوين الأصول وتقعيد قواعد الاستنباط من النصوص والرأي وبسبب إنكار الجمهور على منتحليه ثم قال: ( ولم يبق إلا في بعض الكتب المجلدة وربما يعكف كثير من الطالبين ممن تكلف بانتحال مذهبهم على تلك الكتب يروم أخذ فقههم منها ومذهبهم فلا يأتي بطائل ويصير إلى مخالفة الجمهور وإنكارهم عليه وربما عد بهذه النحلة من اهل البدع بنقله العلم من الكتب من غير مفتاح المعلمين ).
ثم أخذ ابن خلدون يترجم لكل من الأئمة الأربعة ويوضح مدى فضله وعلمه ، وكيفية اخذهم الفقه واصول بعضهم وكيف مزج أصحاب ابي حنيفة طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق فتلاقت المدرستان بذلك وبين مدى انتشار مذهب كل منهم والكمال الذي انتشر فيه ثم قال:
( وسد الناس باب الخلاف وطرقه بعد ذلك لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ولما فشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه).
فهذه خلاصة ما قاله ابن خلدون عن المذاهب ونشأتها وكله مما لا يعجب صاحب الإنكار ومما لا يفيده أن يشد أزره به وأرجو من القارئ الكريم ان يعود إلى هذا البحث في مقدمة ابن خلدون فيقرأه بطوله ثم يجهد جهده أن يضع يده على كلمة واحدة يجدها تتحدث عن السياسات الغاشمة التي تدخلت في إنشاء المذاهب الأربعة على حد تعبير صاحب الإنكار وليسم القارئ بعد ذلك هذا العمل من حضرة صاحب الإنكار بالاسم الذي تطلقه اللغة العربية وغير العربية عليه وليعذرني إن لم أفعل انا ذلك ، فقد التزمت( [28]) في مقدمة هذه الرسالة ان لا أتناول الموضوع إلا بالمعالجة العلمية المجردة وأن لا أحمل قلمي على أي تعبير أو وصف ينزل عن ذلك المستوى وإن كان كلامه هو محشوا بمثل هذه الأوصاف والتعابير .
• الدليل السابع : قوله : ( يقال للمقلد : على أي شيء كان الناس قبل أن يوجد فلان وفلان الذين قلدتموهم وجعلتم اقوالهم بمنزلة نصوص الشارع ... أفكان الناس قبل وجود هؤلاء على هدى أو ضلالة ؟ فلابد أن يقروا بانهم كانوا على هدى فيقال لهم : فما الذي كانوا عليه غير اتباع القرآن والسنة والآثار وتقديم قول الله تعالى ورسوله وآثار الصحابة رضي الله عنهم على ما يخالفها والتحاكم اليها دون قول فلان وفلان برأيه ؟ وإذا كان هذا هو الهدى فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى يؤفكون؟!!...) الكراس.
ونحن نقول في الكشف عن هذا الدليل العجيب ونجيب عن المقلد الذي يسأله صاحب الإنكار هذا السؤال فنقول: كان الناس قبل وجود فلان وفلان يفعلون كما قال ابن خلدون في الفصل الذي اعتمدت أنت بنفسك على كلامه ألم يقل ابن خلدون في نفس ذلك الفصل : (إن الصحابة كلهم لم يكونوا اهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالاته). فما معنى هذا الكلام الواضح؟.
إذا كان أهل الفتيا والاجتهاد من الصحابة عددا محصورا ومميزا فيهم كما يقول وكان الباقون منهم دون هذه المرتبة فعمن يتلقى هؤلاء الباقون إذا دينهم؟.... لا جرم أنه يتلقونه من هذا العدد المحصور الممتاز عنهم بالقدرة على الاجتهاد والاستنباط وهل التقليد شيء آخر غير هذا ؟.. إذا لم يختلف الأمر ولم يتبدل بين العهدين كان العوام في عصر الصحابة يقلدون من اشتهر في عصرهم بالفتيا والاجتهاد وكانوا في عصر التابعين أيضا يفعلون ذلك وفي العصر الذي يليه يفعلون ذلك أيضا وما الشافعي وأبو حنيفة وأحمد ومالك إلا طائفة من هؤلاء المجتهدين جاء للعوام ان يقلدوهم كما جاز لمن قبلهم من العوام أن يقلدوا مثلهم وكما جاز للعوام من الصحابة أن يقلدوا مجتهدة عصرهم من امثال ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت والخلفاء الراشدين .
ألم يجمع كل علماء التاريخ وتاريخ التشريع على انه كان في عهد التابعين مذهبان عظيمان: مذهب أهل الحديث في الحجاز ومذهب أهل الرأي في العراق وأن عامة أهل الحجاز كانوا يقلدون المذهب السائد عندهم وعامة أهل العراق يقلدون المذهب السائدة فيما بينهم وأنه كان لهذا المذهب أئمته وللمذهب الآخر أئمته؟!.
فما الذي حدث مما يخالف هذا الواقع عندما ظهرت المذاهب الأربعة؟ لم يظهر جديد كل ما في الأمر أن أئمة هذه المذاهب الأربعة وضعوا منهجا للاستنباط فيما بينهم واشتقوه من أدلة الكتاب والسنة ضبطوا به الرأي والقياس السليم وميزوه عن الرأي والأقيسة الباطلة فتلاحم بذلك كل من مذهبي الرأي والحديث واختفى – تدريجيا كل من طرفي الإفراط والتفريط وكان هذا من أكبر العوامل لتبوء المذاهب الأربعة مكانة عليا في صعيد البحث والاجتهاد ولإقبال مختلف الفئات والطبقات على التزامها والأخذ منها وهذا الواقع شيء معروف ومدروس لا أظنني بحاجة إلى أن أنفق وقتا في سرد أدلة ونصوص عليه.
إذا فأي اختلاف حصل في جوهر واقع الاجتهاد والتقليد حتى يقول صاحب الإنكار: على أي شيء كان الناس قبل فلان وفلان وكأنه ألزم بذلك الخصم إلزاما لا مخلص منه؟!.. وأي ضلال وأي إفك وقع فيه مقلدوا المذاهب الأربعة وهم ليسوا في ذلك إلا كالذين قلدوا من قبلهم مذهب الرأي أو الحديث وكالذين قلدوا من قبلهم أئمة الصحابة ومجتهديهم ؟!.
لا مناص من التقليد ولا مانع من اتباع مذهب معين ودليل ذلك:
لخصنا لك فيما مضى الأدلة التي قالها صاحب الإنكار على دعواه وأوضحنا بما لا يدع أي شك لمنصف أنها ليست أدلة إلا من حيث أن صاحب الإنكار اعتبرها كذلك فهي أقوال لا ينهض بها أي دليل او جزء من دليل يقره العلم ويعتد به وتسمية صاحب الإنكار إياها ( دليلا ) لا يغير شيئا من حقيقة الأمر .
وما لم نتعرض له من كلامه بنقاش أو رد تفصيلي فكله منصب على تلك البنود الثلاثة المتفق عليها عند العلماء جميعا والتي أخرجناها من حيز الخلاف ولذلك لم نتعرض له بشيء ولم نجد ما يدعو إلى تضييع الوقت فيه ومع ذلك فما ينبغي أن نثبت عكس ما يدعيه صاحب الإنكار عن طريق تزييف أدلته فقط بل لابد أن نطالب أنفسنا من وراء ذلك ببراهين إيجابية جديدة تدل على فساد المزاعم الخطيرة التي يدعيها صاحب الإنكار وتثبيت عكسها تماما.
إن ما يحاول صاحب الإنكار تقريره ينحصر في أمرين اثنين لا ندري سبيلا للتوفيق بينهما بل ولا ندري كيف يتلاقيان معا في ذهب ذلك المنكر :
فالأمر الأول الذي يدعيه ويكرره في أكثر من مكان من كلامه هو حرمة التقليد مطلقا مستدلا بأن المجتهد غير معصوم والكتاب والسنة معصومان واتباع المعصوم أفضل من اتباع غير المعصوم وبأن الاجتهاد سهل لا يحتاج إلى أكثر من الموطأ والصحيحين وسنن أبي داود وجامع الترمذي.
والأمر الثاني الذي يدعيه ويكرره أيضا هو أن المقلد ليس عليه أن يلتزم مذهبا بعينه وإذا فعل ذلك فهو ضال وهو من الحمر المستنفرة... .
ولست أدري ما هي وسيلة الجمع بين هذين الأمرين! .. إذا كان التقليد من أصله باطلا لأنه اتباع غير المعصوم فما معنى النهي عن نوع من التقليد بعينه وهو التزام مذهب معين ؟! .. وإذا كان الباطل من التقليد هو هذا النوع فما معنى إطراح التقليد من أساسه والاستدلال له باتباع المعصوم وغير المعصوم؟! لست أدري صورة الحكم في مجموعه كما هو في ذهن صاحب الإنكار ولكني سأضع أمام القارئ الدليل على أن التقليد أمر لا مناص منه بين المسلمين وأنه مشروع وثابت وعلى أن المقلد إذا شاء أن يلتزم مذهبا معينا ولا يتحول عنه فله ذلك وليس مرتكبا لمنهي ولا مقترفا لمحرم.
أولا : لا مناص من التقليد وهو مشروع بإجماع المسلمين .
والتقليد هو اتباع قول إنسان دون معرفة الحجة على صحة ذلك القول وإن توفرت معرفة الحجة على صحة التقليد نفسه فالمقلد قد يعرف الحجة على صحة تقليده للعالم المجتهد ولكنه لا يعرف الحجة على صحة ما يقلد المجتهد فيه.
ولافرق بين أن تسمي هذا العمل تقليدا أو اتباعا فكلاهما بمعنى واحد ولم يثبت أي فرق لغوي بينهما وقد عبر الله بالاتباع عن التقليد في أسوى أنواعه فقال جل جلاله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا﴾( [29])، فما من شك أن المراد بالاتباع هنا هو التقليد الأعمى الذي لا مسوغ له وسواء اصطلحت أنت على فارق جديد من المعنى بينهما في هذا المبحث أو لا فإن القسمة ثنائية على كل حال إذ الباحث إما أن يكون عالما بالأدلة خبيرا بكيفية الاستنباط منها أو لا فهو مقلد للمجتهد وكثرة الألفاظ والاصطلاحات لا تغير من الواقع شيئا .
فما الدليل على مشروعية التقليد ووجوبه عند عدم التمكن من الاجتهاد( [30])؟!.
الدليل من وجوه
الوجه الأول : قوله جل جلاله ﴿ فاسألوا اهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾( [31]) أجمع العلماء على أن الآية أمر لمن لا يعلم الحكم ولا دليله باتباع من يعلم ذلك وقد جعل عامة علماء الأصول هذه الآية عمدتهم الأولى في أن على العامي تقليد العالم المجتهد ومثل هذه الآية في نفس الدلالة قوله تعالى ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾( [32]) فقد نهى الله تعالى أن ينفر الناس كافة للغزو والجهاد وأمر ببقاء طائفة منهم يتفرغون للتفقه في دين الله حتى إذا عاد إخوانهم إليهم وجدوا فيهم من يفتيهم في أمر الحلال والحرام وبيان حكم الله عز وجل( [33]).
الوجه الثاني : ما دل عليه الإجماع من أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يتفاوتون في العلم ولم يكن جميعهم أهل فتيا – كما قال ابن خلدون – ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم بل كانوا فيهم المفتي المجتهد وهم قلة بالنسبة لسائرهم وفيهم المستفتي المقلد وهم الكثرة الغالبة فيهم ولم يكن المفتي من الصحابة يلتزم مع ذكر الحكم بيان دليل للمستفتي وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يبعث الفقيه من الصحابة إلى المكان الذي لا يعلم سكانه من الإسلام إلا عقيدته والاعتقاد بأركانه فيتبعونه بكل ما يفتيهم بما هداه إليه الاجتهاد فيقلدونه في ذلك .
يقول الغزالي في المستصفى في باب التقليد والاستفتاء مستدلا على أن العامي ليس له إلا التقليد ما نصه : ( ونستدل على ذلك بمسلكين احدهما إجماع الصحابة فإنهم كانوا يفتون العوام ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد وذلك معلوم على الضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم)( [34]).
وقال الآمدي في كتابه الأحكام: ( وأما الإجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين ويتبعونهم في الأحكام الشرعية العلماء منهم يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير فكان إجماعا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا)( [35]).
وقد كان المتصدرون للفتوى في عصر الصحابة أفرادا محصورين عرفوا بين الصحابة بالفقه والرواية وملكة الاستنباط واشهرهم الخلفاء الأربعة وعبدالله بن مسعود وابو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت أما المقلدون لهؤلاء في المذهب والفتوى فكانوا فوق الحصر .
أما في عهد التابعين فقد استعت دائرة الاجتهاد وسلك المسلمون في هذا العهد نفس الطريق الذي سلكه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن الاجتهاد تمثل في مذهبين
رئيسيين هما مذهبا الرأي والحديث بسبب العوامل الاجتهادية التي ذكرناها عندما نقلنا كلام ابن خلدون.
ومن أقطاب مذهب الراي في العراق: علقمة بن قيس النخعي ومسروق بن الأجدع الهمداني وإبراهيم بن زيد النخعي وسعيد بن جبير وقد كان عامة من في العراق وما حولها يقلدون هذا المذهب من دون أي نكير.
و من أقطاب مذهب الحديث في الحجاز : سعيد بن المسيب المخزومي و عروة بن الزبير و سالم بن عبدالله بن عمر و سليمان بن يسار و نافع مولى عبدالله بن عمر و كان أهل الحجاز وما حولها يقلدون هذا المذهب دون نكير .
وقد كان بين اقطاب هذين المذهبين مناقشات وخصومات حادة في بعض الأحيان ولكن العوام والمتعلمين ممن كانوا دونهم في العلم والفقه لم يكن يعنيهم شأن تلك الخصومة إذ كانوا يقلدون من شاؤوا أو من كان قريبا منهم دون أي إنكار من أحد عليهم ومناقشة المجتهدين بعضهم لبعض لا تنعكس باي تبعية أو مسؤولية على الجاهل المعذور .
الوجه الثالث: الدليل القطعي (العقلي )البين ونعبر عنه بما قاله العلامة الشيخ عبدالله دراز : (.... والدليل المعقول هو أن من لم يكن عنده أهلية الاجتهاد إذا حدثت به حادثة فرعية فإما ان لا يكون متعبدا بشيء أصلا وهو خلاف الإجماع وإن كان متعبدا بشيء فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم أو بالتقليد والأول ممتنع لأن ذلك مما يفضي في حقه وحق الخلق أجمع إلى النظر في ادلة الحوادث والاشتغال عن المعايش وتعطيل الحرف والصناعات وخراب الدنيا بتعطيل الحرث والنسل ورفع التقليد راسا وهو منتهى الحرج فلم يبق إلا التقليد وانه هو المتعبد به عند ذلك الغرض)( [36]).
ولما رأى العلماء تكامل كل من دليل الكتاب والسنة والعقل على ان العامي أو العالم الذي لم يبلغ درجة الاستنباط والاجتهاد ليس له إلا أ ن يقلد مجتهدا متبصرا بالدليل.
قالوا: إن فتوى المجتهد بالنسبة للعامي كدليل الكتاب والسنة بالنسبة للمجتهد لأن القرآن كما ألزم العالم به التمسك بدلائله وبراهينه فقد ألزم الجاهل بالتمسك بفتوى العالم واجتهاده في بيان ذلك يقول الشاطبي : ( فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين والدليل عليه ان وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئا فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم ولا يجوز ذلك لهم البتة وقد قال الله تعالى ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾( [37])، والمقلد غير عالم فلا يصح له إلا سؤاله أهل الذكر واليهم مرجعه في احكام الدين على الإطلاق فهم إذا القائمون له مقام الشرع واقوالهم قائمة مقام الشارع)( [38]).
هذا ولابد أن أذكرك بالنصوص التي سقناها لابن القيم والدهلوي والعز بن عبدالسلام والكمال بن الهمام في معرض الرد على أدلة صاحب الإنكار وكلها تنطوي على أدلة مشروعية التقليد بالنسبة لمن قصرت رتبته العلمية عن القدرة على استنباط الأحكام والاجتهاد فيها .
وإذا ظهر لك الدليل الواضح القائم على اساس النقل الصحيح والإجماع القطعي والبداهة العقلية على مشروعية التقليد بل ووجوبه عند القصور عن درجة الاستنباط والاجتهاد فاي فرق عندئذ بين ان يكون المجتهد المقلد واحدا من أفراد الصحابة أو واحدا من أئمة مذاهب الرأي او الحديث أو واحدا من أئمة المذاهب الأربعة ما داموا جميعا مجتهدين وما دام الآخر مقلدا جاهلا بكيفية الاستدلال والاستنباط؟!.
وما معنى القول بأن نشأة المذاهب الأربعة بدعة وأن اتباعها وتقليدها بدعة أخرى؟ لماذا تعتبر نشاة المذاهب الأربعة بدعة ولا تعتبر نشأة مذهب الرأي والحديث ايضا كذلك ؟ ولماذا يكون مقلد الشافعي والحنفي مبتدعا ولا يكون مقلد النخعي في العراق وسعيد بن المسيب في الحجاز كذلك ؟ بل لماذا يكون اتباع هذه المذاهب الأربعة ابتداعا ولا يكون مثله في الابتداع مذهب عبدالله بن عباس أو عبدالله بن مسعود أو عائشة أم المؤمنين ؟!.
وماذا فعل أئمة المذاهب الأربعة من البدع حتى نصد العامة عن تقليدهم ونتهمهم بالابتداع إن هم التزموا اتباعهم؟ ... أي شيء زادوه على أسلافهم المجتهدين من الصحابة والتابعين ؟! إن كل ما يعتبر جديدا من عملهم أنهم دونوا السنة والفقه من جانب ووضعوا اساسا ومنهجا للاستنباط والبحث من جانب آخر فكان من نتيجة ذلك أن انكسرت حدة الخلاف بين مذهبي الرأي والحديث من قبلهما واصطلح الفريقان على تحكيم الميزان الجديد المستند هو ايضا بدوره إلى دلائل السنة والكتاب والإجماع فقويت بذلك اركان هذه المذاهب الأربعة ورسخت جذورها ودونت اصولها وفروعها وأولاها العلماء العناية والتمحيص فكان سر امتداد أجلها وانتشار كتبها ودفاع العلماء في كل عصر من العصور عنها مع الاتفاق على أنه ليس لأي عالم فهم مدرك الحكم ودليله وكان لديه من ملكة الاستنباط والبحث ما يطمئن به إلى سلامة فهمه وعلمه ان يقلد أحدا من هؤلاء الأئمة في ذلك الحكم.
هذا هو الجديد الذي امتازت به المذاهب الأربعة عن المذاهب الأخرى فأي بدعة تكتنفها واي ضلالة تحيق بأولئك الملايين الذين اتبعوها وبأي سبب علمي أو شبه علمي يدعي صاحب الإنكار هذا بأن هذه المذاهب أمور مبتدعة وأن التمذهب بها بدعة نشأت بعد القرن الثالث وبأي وجه شرعي يشبه المقلدين لهذه المذاهب بالحمر المستنفرة ؟!
حسبي بعد أن أوضحت حقيقة التقليد ودليله وموقع المذاهب الأربعة من المذاهب التي قبلها وواقع المسلمين في عصر هذه المذاهب وقبلها أن أضع أمام القارئ العاقل المنصف هذه الأسئلة التي تثير العجب العجاب من كلام هذا المنكر ولن أتبرع أنا بالجواب عن شيء من هذه الأسئلة فإن في إنصاف أي قارئ عاقل ما يقنعه بجنوح هذا الإنكار وصاحبه عن الحق البين النير الصريح.
ولننتقل بعد هذا إلى الدليل على الأمر الثاني
ثانيا: لا يحرم على المقلد التزام مذهب معين
فإذا انتهينا بعد حديثنا السابق إلى ان الجاهل المقصر عن رتبة الاجتهاد والاستنباط لا يسعه إلا التقليد وثبت لنا ذلك بالأدلة الواضحة التي عرضناها فإننا نسأل بعد ذلك هل على المقلد أن يستبدل كل يوم بإمامه الذي يتبعه إماما جديدا؟ أو هل عليه أن يفعل هذا كل شهر أو كل سنة مثلا؟ ... وإذا كان هذا هو الحكم أي إذا كان عليه أن يلتزم تغيير إمامه المتبع بين كل حين وآخر فما هو الدليل الشرعي على ضرورة الالتزام؟
نقول في الجواب: إن واجب الجاهل بدليل الحكم أن يقلد كما ذكرنا والأمر في ذلك مطلق كما هو واضح من دلالة قوله تعالى ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾( [39]). فمهما سأل الجاهل أهل الذكر وقلدهم فيما أفتوا به وذهبوا إليه فقد طبق أمر الله بالنسبة لنفسه سواء التزم إماما بعينه أو لم يلتزمه وسواء أكان التزامه بسبب قربه منه أو سهولة اطلاعه على مذهبه أو لمزيد من الاطمئنان لديه إلى آرائه ومذهبه فإن اعتقد أن عليه أن يلتزم إماما بعينه لا يحيد عنه ولا يستبدل به غيره فهو مخطئ وإن اعتقد حكما من عند الله عز وجل دون أن يتبع في اعتقاده هذا مجتهدا قد أخطأ في اجتهاده كان آثما وإن اعتقد أن عليه ان يلتزم استبدال إمامه كل يوم أو بين كل حين وآخر فهو أيضا مخطئ وإن اعتقد حكما منزلا من الله عز وجل ولم يكن له عذر الانخداع براي من يتظاهر بمظهر الاجتهاد كان آثما أيضا إذ كل ذلك تزيد على أمر الله وحكمه.
إن عليه أن يعلم بأن واجبه اتباع مجتهد في كل ما لا يستطيع فهمه من الأدلة الأصلية ولم يكلفه الله تعالى أكثر من ذلك أي لم يكلفه باي التزام لا التزام التغيير في الأئمة ولا التزام التمسك بواحد على الدوام.
هذا هو الحكم المتفق عليه لدى العلماء والأئمة ودليل ذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن إيجاب التزام إمام واحد أو التزام تغيير الأئمة حكم زائد على الأصل الذي هو واجب الاتباع والتقليد فلابد له من دليل ولا دليل له.
إذ لم يرد الدليل إلا ببيان أن على من لم يستطع تمحيص الأدلة واستنباط الأحكام منها أن يتبع إماما توفرت لديه قدرة الاجتهاد وكل شرط يزاد على مدلول هذا الدليل فهو ابتداع واختراع باطل لا يؤبه به والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيما صح عنه: ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط )( [40]).
والعجيب أن صاحب الكراس يستدل على ما يدعيه من حرمة التزام مذهب بعينه بهذا الذي نقوله من أنه لا دليل على وجوب الالتزام وإذا كان إيجاب الالتزام أمرا لا دليل عليه كما نقول فما الفرق بين أن يوجب المقلد على نفسه التزام التغيير أو التزام عدم التغيير؟ ولماذا يكون أولهما واجبا لا مناص منه وثانيهما محرما لا مسوغ له مع أن كلا منهما داخل تحت الالتزام المنهي عن تصور وجوبه؟!.
وإذا فليس على المقلد المعذور في تقليده إلا أن يعلم وجوب ذلك عليه فإن اعتقد ان واجبه التزام إمام بعينه لا يتحول عنه أو أن واجبه التزام التحول من إمام إلى آخر كل يوم فهو على خطأ ويجب تنبيهه إلى الصواب أما إن علم أن الشارع لم يكلفه بالتزام إحدى الحالتين فهو على حق سواء التزم ( من الناحية العلمية ) إماما بعينه ولم يتحول عنه أو كان دأبه التحول من إمام إلى آخر ( [41]).
الوجه الثاني : أننا نقول : إن هنالك عشر قراءات متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتلى بها القرآن وقد تجرد لخدمة كل قراءة من هذه القراءات إمام معين رواها وقرأ بها وأقرأها الناس وتتلمذوا عليه فيها وقد ثبت أن المسلم يقرأ بأي هذه القراءات شاء كما ثبت أن المسلم العاجز عن الاجتهاد يقلد أي المذاهب الأربعة أفيجب على المسلم إذا أن يقرأ كل حين بقراءة جديدة بحيث يحرم عليه التزام قراءة بعينها دون أن يتحول عنها؟! وهل قال أحد من المسلمين بهذا الكلام قديما أو حديثا؟ وصاحب الإنكار نفسه أفيقرأ القرآن كل يوم بقراءة معينة غير التي قرأ بها في الأمس.
وما الفرق بين اتباع أئمة الفقه في فروع الدين واتباع أئمة القراءات في قراءة القرآن ؟ لماذا يجب على متبع الطائفة الأولى أن يلون ويغير... ولا يجب على متبع الطائفة الثانية أن يفعل مثل ذلك؟.
سيقول بعضهم إن المسلم قد لا يتوفر إلا على تعلم قراءة واحدة وليس له من سبيل إلى معرفة سائر القراءات الأخرى ونحن نقول مثل هذا في اتباع المذاهب أيضا إن المسلم قد لا يتوفر غلا على حفظ مذهب إمام واحد من الأئمة الاربعة وليس لديه من سبيل إلى حفظ مذاهب الأئمة الأخرى فيما يحتاج من الأحكام فلماذا نعذر الأول ولا نعذر الثاني ؟ على أن القضية ليست قضية عذر أو عدمه ولكنها تعود إلى الدليل.
وليس لنا من دليل على وجوب التزام التغيير أو عدم التغيير لا في الاقتداء بأئمة القراءات ولا في الاقتداء بأئمة الفقه فالحكم فيها إذا سواء.
الوجه الثالث: أنه قد انقضى عصر الصحابة وانقضى من بعده عصر التابعين وجاء بعد ذلك دور الأئمة الأربعة والعصر الذي يليه ولم نسمع أن إماما من أئمة هذه العصور كلها حذر المقلدين للأئمة والمفتين من ان يلتزموا مفتيا بعينه ولم نسمع أن واحد منهم امر الناس ان يتنقلوا بين الأئمة يتلقون من جميعهم ويقلدون كل واحد منهم فترة من الوقت بل الذي نعلمه عكس ذلك إننا نعلم أن الخليفة كان يعلن اسم الإمام الذي عهد إليه بالافتاء ويوجه أنظار الناس في البلدة إليه ليلقوه بأسئلتهم ويتبعوه في أمر دينهم وربما منع الخليفة من دونه عن فتوى الناس كي لا يضطربوا ويحتاروا فيما يواجههم من الفتاوى المختلفة.
لقد انفرد عطاء بن أبي رباح ومجاهد بالفتوى في مكة وكان يصيح منادي الخليفة ان لا يفتي الناس إلا أحد هذين الإمامين( [42]).
ومضى على أهل مكة مدة طويلة من الزمن يلتزمون فيها مذهب هذين الإمامين وما أنكر عطاء ولا مجاهد ولا غيرهما من الأئمة على الخليفة شيئا من هذا الأمر ولا نهى واحد منهم الناس عن التزام مذهب إمام بعينه وربما اطمأنت نفس بعض الناس إلى فتاوى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما فكان لا يلقي بأسئلته واستفتاءاته إلا لهذا الصحابي الجليل وما عرف أحد من العلماء أنه أو غيره من الصحابة نهى عن هذا الالتزام وأثم صاحبه من أجله وقد عاش أهل العراق أمدا طويلا من الزمن وهم يلتزمون مذهب الحديث متمثلا في شخص عبدالله بن عمرو وتلاميذه وأصحابه فلا ينكر عليهم أحد من أهل العلم ذلك وقد تمذهب ملايين من الناس عواما ومتعلمين وفقهاء بمذاهب الأئمة الأربعة كل يختار منها ما يشاء أو ما يسهل عليه او ما هو أقرب إلى موطنه ومحل سكنه وقد سجلت كتب الطبقات أسماء آلاف مؤلفة من أعيانهم وأعلامهم تقرأ تلك الأسماء في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي وفي طبقات الحنابلة للحافظ القرشي ولم يقل واحد منهم أو من أساتذتهم وأئمتهم إنه لا يجوز للمقلد في المذهب أن يلتزم مذهبا بعينه !!.. وها هو الإمام الذهبي رحمه الله تعالى الله يتحدث عن الفقهاء الذين التزموا مذهب أئمتهم مادحا ومثنيا ومؤيدا لهم في ذلك ما لم يتعصب أحدهم لمذهب إمامه مع انكشاف الدليل الصحيح له وفهمه له على وجهه.
يقول في رسالة ( زغل العلم والطلب ) : الفقهاء المالكية على خير اتباع وفضل إن سلم قضاتهم ومفتوهم من التسرع إلى الدماء والتكفير ثم يقول : والفقهاء الحنفية أولوا التدقيق والرأي والذكاء والخير من مثلهم إن سلموا من التحيل والحيل على الربا وإبطال الزكاة ... ثم يقول والفقهاء الشافعية من أكيس الناس وأعلمهم بالدين فأساس مذهبهم مبني على اتباع الأحاديث الثابتة المتصلة وإمامهم من رؤوس أصحاب الحديث ومناقبه جمة فإن حصلت يا هذا مذهبه لتدين الله به وتدفع عن نفسك الجهل فأنت بخير.. ويقول عن الحنابلة فعندهم علوم نافعة وفيهم دين بالجملة ولهم قلة حظ في الدنيا والناس يتكلمون في عقيدتهم ويرمونهم بالتجسيم وبأنه يلزمهم؟ وهم بريؤون من ذلك إلا النادر والله يغفر لهم وينهى هؤلاء المتمذهبين عن التعصب المذموم لأئمتهم واعتقاد الواحد منهم بأن مذهبه أفضل المذاهب كلها ويقول: ( لا تعتقد أن مذهبك أفضل المذاهب وأحبها إلى الله تعالى فإنك لا دليل لك على ذلك ولا لمخالفتك أيضا بل الأئمة رضي الله عنهم كلهم على خير كثير ولهم في صوابهم أجران على كل مسألة وفي خطئهم أجر واحد)( [43]).
فتأمل يا أخي المنصف : هذا كلام الحافظ الكبير شمس الدين الذهبي تلميذ الإمام ابن تيمية يثني على المذاهب الأربعة ويقرهم على الأخذ من أئمتهم والتزام اجتهاداتهم ويثني عليهم بالذي رأيت من كلامه فيهم محذرا إياهم بإنصاف من الانسياق في العصبية وترجيح رأي الإمام على ما اتضح لهم من الدليل المبين المفهوم وتلك هي طبقات أعلام الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة وذلك هو واقع التابعين والصحابة كما شرحته لك وأوضحت ... وكل ذلك ناطق بأبين لسان مجمع بأقوى اتفاق على أن التزام المقلد لإمام معين لا يتحول عن تقليده لا ضرر فيه ولا إثم ولا حرج.. ما لم يعتقد أن الله قد كلفه بهذا الالتزام فهذا ما ننكره وينكره كافة المسلمين .
ما معنى الإمام والتمسك بمذهبه؟ وعندما توضح ما يعلمه كل مسلم منصف من أن من لم يبلغ درجة الاجتهاد لا يسعه إلا أن يتبع إماما مجتهدا سواء التزمه أو لم يلتزمه ينبغي أن نوضح أيضا معنى ضرورة اتباع هذا الإمام والتمسك بمذهبه أهو التمسك بمذهبه لشخصه أو لمزية معينة في ذاته هو؟
معاذ الله .... معاذ الله أن يكون في المسلمين من قال هذا لقد علم جميع المسلمين منذ عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليوم ان شريعة الله وحدها هي الحاكمة على الناس وهي وحدها المنار لهم واساس سلوكهم واقتدائهم .
ولكن لما اقتضت حكمة الله وسنته في خلقه ان يتفاوت الناس في العلوم والمعارف عموما وفي معرفة احكام الشريعة الإسلامية خصوصا كان لابد ليخضع الجميع لشريعة الله وقانونه من ان يتمسك الجاهل بذيل العالم وان يقتدي العالم بالأعلم حتى يلتقي الجميع على صراط واحد هو صراط الله العزيز الحميد وهذه الحقيقة ماثلة حتى بالنسبة لاقتدائنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنحن لا نقتدي به من حيث إنه محمد المتمثل بشخصه الإنساني المجرد وإنما نقتدي به من حيث إنه مبلغ عن الله سبحانه وتعالى ولذلك لا يقال: إن اتباع الكتاب أولى من اتباع السنة لأن كلام الله أحق وأولى بالاتباع من كلام البشر أيا كان لأن موجب اتباعنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كونه مبلغا عن الله عز وجل فنحن إنما نتبعه لذلك فقط وشأن ما بين الأئمة المجتهدين وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التبليغ عنه والفهم لمراده المقصود بكلامه مثل شأن ما بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وربه عز وجل من حيث التبليغ عنه وبيان ما نزل إليه من القرآن.
ولقد عبر الشاطبي عن هذا المعنى الذي أوضحته لك اجمل تعبير قال في كتابه الاعتصام (3/250) ما نصه: ( إن العالم بالشريعة إذا اتبع في قوله وانقاد الناس في حكمه فإنما اتبع من حيث هو عالم بها وحاكم بمقتضاها لا من جهة أخرى فهو في الحقيقة مبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المبلغ عن الله عز وجل فيتلقى منه ما بلغ عن العلم بانه بلغ أو على غلبة الظن بأنه بلغ لا من جهة كونه منتصبا للحكم مطلقا إذ لا يثبت ذلك لأحد على الحقيقة إنما هو ثابت للشريعة المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثبت ذلك له عليه الصلاة والسلام وحده دون الخلق من جهة دليل العصمة).
ثم قال : ( فإذا المكلف بأحكام الشريعة لا يخلو من احد أمور ثلاثة):
أحدها: أن يكون مجتهدا فيها فحكمه أداه إليه اجتهاده فيها ... الخ.
والثاني: أن يكون مقلدا صرفا خاليا من العلم الحاكم جملة فلابد له من قائد يقوده وحاكم يحكم عليه وعالم يقتدي به ومعلوم أنه لا يقتدي به إلا من حيث هو عالم بالعلم الحاكم ودليل ذلك انه لو علم أو غلب على ظنه أنه ليس من أهل ذلك العلم لم يحل له اتباعه ولا الانقياد لحكمه بل لا يصح أن يخطر بخاطر العامي ولا غيره تقليد الغير في امر مع علمه بأنه ليس من أهل ذلك الأمر كما أنه لا يمكن أن يسلم المريض نفسه إلى احد يعلم أنه ليس بطبيب إلا أن يكون فاقد العقل وإذا كان كذلك فإنما ينقاد إلى المفتي من جهة ما هو عالم بالعلم الذي يجب الانقياد إليه لا من جهة كونه فلانا أو فلانا أيضا وهذه الجملة لا يسع الخلاف فيها عقلا ولا شرعا.
والثالث : أن يكون غير بالغ مبلغ المجتهدين ولكنه يفهم الدليل وموقعه ويصلح فهمه للترجيح بالمرجحات المعتبرة في تحقيق المناط ونحوه فلا يخلوا إما أن يعتبر ترجيحه او نظره أو لا فإن اعتبرناه صار مثل المجتهد في ذلك الوجه والمجتهد إنما هو تابع للعلم والحاكم ناظر نحوه متوجه شطره فالذي يشبه كذلك وإن لم نعتبره فلابد من رجوعه إلى درجة العامي والعامي إنما اتبع المجتهد من جهة توجهه إلى صوب العلم الحاكم فكذلك من نزل منزلته
إذا علمت هذا وتصورته وانت مقبل إلى هذا الكلام بعقل منصف غير متعصب أدركت أن من الجهل الغريب والشنيع ما يقوله صاحب الإنكار ( اعلم أن المذهب الحق الواجب الذهاب إليه والاتباع له إنما هو مذهب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الإمام الأعظم الواجب الاتباع) إلى ان يقول ( فإن كان الأصل هكذا فمن أين جاءت هذه المذاهب؟ ولماذا شاعت وألزمت على ذمم المسلمين ) ثم يكيل ألفاظ السب والشتم لأتباع هذه المذاهب والمتمسكين بها! إنه يتجاهل ما يعلمه أي دارس لتاريخ التشريع الإسلامي عن نشأة المذاهب والمصدر التي جاءت منه مما ذكرنا طرقا منه في هذه الرسالة ليوهم العوام من الناس أن اتباعها إنما كان بسبب تفضيل لها على مذهب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم !!... وقد انطلى هذا الوهم على كثير من العوام الذين لا يعلمون أي علم عن معنى الاجتهاد والتقليد ونشأة المذاهب وتسللت هذه الخديعة إلى تفكيرهم حتى راح أحدهم يقول: حقل يا أخي أنحن أتباع رسول الله أم أتباع الشافعي واي قيمة لمذاهب هؤلاء الأئمة أمام مذهب رسول الله ؟!
أليس هذا الإيهام خدعة يترفع عنها كل ذي مسكة من العلم والإنصاف والإخلاص لدين الله ؟!.
أحقا لا يعلم صاحب الإنكار حقيقة معنى اتباع المذاهب وقد شرحها سائر العلماء في مئات الكتب والمراجع وأثبتها التاريخ في معظم مراجعه ومصادره حتى يكون معذورا بالجهل عندما يقول للعامة هذا الكلام العجيب ؟!
لئن كان جاهلا بهذه الحقيقة الواضحة ومع ذلك يتنطح لهذه الدعوة الخطيرة ، فإنه لأمر مؤسف وشنيع وإن كان يعلمها جميع الباحثين والمثقفين ولكنه يتجاهلها ليفسح المجال لبدعته أن تسير إلى أدمغة الناس فإن الأمر لينطوي على ما هو أشد وأشنع!!..
متى يجب الانقطاع عن تقليد المذاهب وإمامه
هنالك حالتان يجب فيهما على المقلد مهما كان شأنه أن يمتنع عن مواصلة اتباع إمامه وتقليده.
الحالة الأولى: أن يصل في معرفة مسألة من المسائل إلى الإحاطة بها والاطلاع على كافة أدلتها ومعرفة كيفية استنباط الحكم منها فإن عليه أن يتبع في تلك المسألة ما يهديه إليه اجتهاده وليس له أن يطوي ملكته العلمية فيها ليواصل السير وراء إمامه.. فإن كانت ملكته هذه تتسع لأكثر من مسألة واحدة فالحكم فيها كذلك.
الحالة الثانية: إذا رأى حديثا يدل على عكس ما يذهب إليه إمامه الذي يقلده في دينه وتاكد من صحة الحديث ودلالته على الحكم فإن عليه أن يتبع دلالة الحديث ويقلع عن التمسك بمذهب إمامه في الحكم لأن الأئمة الأربعة جميعا كانوا يوصون أصحابهم وتلاميذهم بالتحول إلى دلالة الحديث الصحيح إذا جاء مخالفا لاجتهاداتهم فالتحول إلى الحديث هو في الحقيقة من صميم المذاهب الأربعة وهو قدر مشترك يلتقون عليه ويدينون به .
ولكن لذلك شروطا لابد من معرفتها ومراعاتها فليس كل حديث يلمحه الباحث ويرى أنه يدل على خلاف اجتهاد إمامه دالا في الحقيقة على ما فهمه هذا الباحث.
وإليك ما يقوله في بيان ذلك الإمام النووي في كتابه المجموع:
(... وهذا الذي قاله الشافعي ليس معناه أن كل واحد رأى حديثا صحيحا قال هذا مذهب الشافعي وعمل بظاهره وإنما هذا فيمن له ربتة الاجتهاد في المذهب على ما تقدم من صفته أو قريب منه وشرطه أن يغلب على ظنه ان الشافعي رحمه الله لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحته وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها ونحوها من كتب أصحابه الاخذين عنه وما أشبهها وهذا شرط ضعيف قل من يتصف به وإنما اشترطوا ما ذكرنا لأن الإمام الشافعي رحمه الله ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها وعلمها لكن قام الدليل عنده على طعن فيها أو نسخها أو تخصيصها أو تأويلها أو نحو ذلك( [44]).
ولترك الإمام العمل بظاهر حديث ما أسابا اجتهادية كثيرة وأوصلها ابن تيمية رحمه الله إلى عشرة أسباب وأضاف اليها سببا آخر هو أنه يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع عليها فإن مدارك العلم واسعة( [45]).
فإذا بحثنا عن أسباب ترك الإمام المجتهد لظاهر الحديث ولم نعثر على سبب من الأسباب العشرة التي صورها ابن تيمية فلا يجوز أن يعدل بعد ذلك عن دلالة الحديث الصحيح بحجة أنه قد يكون له عذر لم نطلع عليه وقد تكون له حجة لم يذكرها إذ أن تطرق الخطأ إلى العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية بعد معرفتها وتمحيصها وفهم المقصود منها( [46]).
فهذه هي أدلة مشروعية التقليد بالنسبة لمن لم يبلغ أن يكون مجتهدا وهذه هي أدلة جواز التزام المقلد مذهبا بعينه وجواز عدم الالتزام ذكرناها مفصلة واضحة ليس حولها أي غموض ولا تكتنفها أية غاشية فإن كنت يا أخي القارئ منصفا متحررا من العصبية وحب الانتصار للذات والنفس أدركت أن ما قلته هو الحق .
إما إذا كنت مسوقا بدافع من العصبية والأهواء النفسية فإن كل هذا الذي أوضحته لك ليس إلا كلاما فارغا لا قيمة له وهيهات أن تجد فيه أي علاج لعصبيتك وأهوائك إنما العلاج أن أدعو الله لي ولك أن ينجينا من حظوظ النفس ويبعدنا عن مطارح الهوى ويهبنا نعمة الإخلاص لدينه والإنصاف في فهم شريعته.
ماذا يحدث لو أنساب الناس جميعا في بيداء اللامذهبية
وبعد كل ما أوضحناه وسردناه من الأدلة القاطعة نتسائل: لماذا أعرضنا عن كل هذه الأدلة ودعونا الناس (اجتهادا منا ) إلى الانطلاق من قيد المذاهب واتباعها والانسياح في رحب الاجتهاد؟.
وأقول لك في الجواب: ما يحدث لو دعونا الناس كلهم إلى الانطلاق في مشاريعهم العمرانية عن اتباع المهندسين والاستعانة بهم والاعتماد عليهم وفي قضاياهم وعلاجاتهم الصحية عن اتباع الأطباء والاعتماد عليهم والأخذ بأقوالهم وفي صناعاتهم وأسباب معايشهم عن اتباع أرباب الاختصاص في تلك الصناعات ونبذ الاستفادة من معلوماتهم ومهاراتهم ماذا يحدث لو دعونا الناس كلهم إلى الخروج عن اتباع هؤلاء المختصين والاستعاضة عن ذلك بالاجتهاد في كل ذلك واعتماد القناعة الذاتية التي تأتي بعد البحث والاجتهاد ثم صدقنا الناس في هذه الدعوة وفعلوا ذلك.؟
إن الذي سيحدث وراء ذلك بلا شك هو الفوضى المهلكة للعمران والحرث والنسل يعمد الناس إلى تخريب بيوتهم عن طريق التعمير ويسرعون إلى إزهاق أوراحهم باسم التطبيب ويجرون على أنفسهم الفقر والضياع من وراء العمل والتصنيع ذلك لأنهم وضعوا الاجتهاد في غير مكانه وطبقوه بدون شرطه وتجاهلوا سنة الله في الكون من ارتباط فئات الناس بعضهم ببعض في مجال التعاون والتناصر والتعليم والاسترشاد.
وهذه حقيقة يعلمها الناس جميعا حتى الأطفال الصغار وحتى دعاة اللامذهبية أنفسهم ولكن لماذا لا يفهم هؤلاء الناس هذا القانون نفسه في مجال الاختصاصات الدينية وأحكام الحلال والحرام ؟.... لا ندري!.
إن النتيجة التي ستحدث لدى اقتحام الناس جميعا ميادين الاجتهاد في تلك الاختصاصات الدنيوية هي نفس النتيجة التي ستحدث لدى اقتحام الناس جميعا ميادين الاجتهاد في العلوم الشرعية وأحكام الحلال والحرام.
عندنا اليوم فقه متكامل يتعلق بجميع أحوال الناس أفرادا وجماعات استخرجه ودونه الأئمة المجتهدون وأصحابهم العلماء فهو اليوم متجسد ماثل أمامنا يقول لسان حاله لنا: ليس بينكم وبين أن تطبقوا هذا الفقه في قضاياكم المدنية والجنائية وغيرها إلا أن تصنفوه بطريقتكم المفضلة ... فإذا عرضنا هذه الثروة الفقهية لرياح عاتية من الاجتهاد العام لكل المسلمين كان مصير هذا الفقه مصير الهشيم الذي تذروه الرياح الهائجة ... وننظر فإذا بنا من بنياننا الفقهي العتيد أمام أطلال ونثار من الأحجار والأنقاض المبعثرة هنا وهناك وإنها لنتيجة لا يماري فيها إلا مكابر من طراز غريب وأمام المسلم اليوم سبيل سائغة لفهم أحكام صلاته وصيامه وزكاته وسائر ما تتعرض له حياته الخاصة من القضايا الدينية عن طريق دراسة كتاب صغير في مذهب من المذاهب الأربعة يحوي خلاصة الأحكام الشرعية ولا عليه أن لا يفهم أو يقف على أدلتها ما دام غير مجتهد كما كان عليه حال كثير ممن يستفتون كبار الصحابة والتابعين .
فإذا ما كلفت كل مسلم بالاجتهاد والنظر في الأدلة وأقصيته عن هذه الكتب التي كان بوسعه أن يحفظ منها أحكام الحلال والحرام مقلدا أحد الأئمة فمعنى ذلك أنك قد قلت له بكل صراحة ووضوح ليس حكم الله فيما يعترضك من مشكلات إلا ما تهديك إليه قناعتك الذاتية ... وانتظر بعد ذلك أن تجد الشريعة الإسلامية كلها اسما لا مسمى تحته وعنوانا لا موضوع له وبناء كمقبرة جحا جدار أثبت فيه باب موصد بالأغلال ومن ورائه أرض سائبة ترتع فيها السباع والذئاب أما إن انطلقت به بعد اقصائك إياه عن تلك الكتب وأئمتها إلى كتب أخرى ألفها واجتهد فيها أناس آخرون فألزمته بهم وحملته على تقليدهم فأنت لم تفعل بذلك شيئا أكثر من أنك أوجبت عليه أن يتحول من تقليد الشافعي وأبي حنيفة ومالك واحمد إلى تقليد فلان وفلان من المعاصرين وليس لهذا الإلزام أي معنى إلا معنى الحقد والضغينة على الأئمة الأربعة وتابعيهم والتعصب لفلان وفلان والترويج لاجتهاداتهم.
لقد قلت( [47]) مرة لطالب صلى إلى جانبي وهو يحرك اصبعه في جلسة التشهد تحريكا مستمرا: لماذا تحرك إصبعك هكذا ؟ فقال: لأنه سنة واردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: ما الحديث الوارد في ذلك وما درجته من الصحة وما دليل النص الذي فيه على أن المقصود بالتحريك هذا التحريم المستمر؟ فقال الشاب : لا أدري ولكن سأسأل عن ذلك فلانا من الناس ....! لو أنه إذ وجد نفسه جاهلا بالدليل قال: أقلد في ذلك مذهب الإمام مالك لاستراح وأراح وأدى الواجب الذي عليه.
إذا فقد قضى هذا الإنسان على تمسكه بمذهب إمام من الأئمة الأربعة لا لشيء إلا ليرتبط بتقليد شخص آخر ولو عاش هذا الإنسان عمره كله ملازما هذا الشخص يأخذ عنه وحده لما قال له هؤلاء الناس: يحرم عليك التزام مذهب بعينه كما يقولون ذلك في حق المتمسكين بمذاهب الأئمة الأربعة !!..
أفرأيت إلى التعصب في أسوى أشكاله وأعتى مظاهره( [48])؟!.
فاي إنسان منصف يستسيغ نبذ تلك الأدلة التي سقناها على ضرورة تقليد المسلم واحدا من الأئمة المجتهدين ما دام عاجزا عن الاجتهاد ثم دعوة الناس جميعا إلى ان يجتهدوا وإن لم يكونوا أهلا لذلك وأن يتحللوا من تقليد الأئمة المجتهدين وإن اتبعهم من قبله ملايين المسلمين وأن يستخرجوا أحكام الحلال والحرام من الكتاب والسنة كما يفهمون وكما يتخليون وإن مزقوا بذلك شريعة الله بين أوهامهم وأخيلتهم المتنوعة المختلفة ؟
وأي إنسان لا يعلم أن فتح هذا الباب على مصرعيه أمام جميع الناس على اختلافهم إنما هو تمكين للمتربصين بالاسلام وشريعته من أن يمزقوها إربا إربا بسكين الاجتهاد؟!.
وهل عالمنا العربي مثقف وعى شيئا من واقع التاريخ الحديث لا يعلم السبيل الذي نفذت منه بريطانيا عقب احتلالها لمصر إلى الشريعة الإسلامية تعبث بها كما تشاء؟ لقد كان الإسلام في نظر اللورد كرومر متأخرا جامدا يستعصي على التطور وكان يبحث عن وسيلة سائغة لإفلات المجتمع المصري من هذا التقيد ... وكانت الوسيلة السائغة البارعة بث فكرة الاجتهاد في صدور أولئك الرجال الذين كانوا يؤمنون بضرورة تطور المجتمع الأوروبي الحديث وما هو إلا أن سلمت لهؤلاء الرجال المناصب الدينية الحساسة كالافتاء ومشيخة الأزهر وإدارته حتى انطلق الرجال الذين آمنوا بالمجتمع الأوروبي في كثير من مظاهره وقيمه يدعون شيوخ الأزهر وعلماءه إلى الاجتهاد قفزا فوق شروطه حتى ذهب الشيخ المراغي إلى أن للمجتهد أن لا يكون عالما باللغة العربية وقام رسل بريطانية يجتهدون في الشريعة الإسلامية وانتهوا في اجتهادهم إلى تغيير قانون الأحوال الشخصية فقيدوا تعدد الزوجات وحق الطلاق وساووا بين الرجل والمرأة في الميراث وانطلقت الفتاوى الاجتهادية نشيطة تنكر الحجاب وتجيز نسبة معينة من الفوائد الربوية في البنوك وكانوا يصفون أرباب هذه الفتاوى بسعة الأفق ومرونة الفكر وتفهم روح الإسلام( [49]).
فما هي الفائدة التي ينبغي أن نستفيدها من هذا الواقع الغريب؟
ما هو المسوغ لتهديم بنائنا الفقهي العظيم الذي شيد بأيدي أئمة مجتهدين مخلصين بإجماع القرون الماضية كلها ثم لفتح باب الاجتهاد أمام الجميع ونبذ التمسك بالمذاهب الأربعة وإن الوباء الذي اقتحم باب الاجتهاد بالأمس موجود بذاته اليوم وإن الأيدي التي تتهيأ لتمزيق أحكام الإسلام بسكين الاجتهاد اليوم أضعاف الأيدي التي فعلت ذلك بالأمس؟ دعو المسلمين يا هؤلاء يسيرون وراء أئمتهم التي أطبقت القرون كلها على مشروعية تقليدهم واتباعهم واجتهدوا إن كنتم تريدون الاجتهاد في استخراج أحكام المشكلات الحديثة التي لم تكن موجودة بالأمس ولم يتحدث عنها الأئمة في أيامهم ولسوف ندعوا لكم بالتوفيق وسداد الفكر والرأي.
ولكنكم ويا للعجب تعرضون عن الجديد الذي لم يتحدث عنه الأئمة السابقون مما يجب الاجتهاد فيه ومعرفة حكمه في هذا العصر كالتأمين على الحياة والبضاعة، وكأنواع الشركات المغلفة والمساهمة وغيرها وكأنواع الضمانات الاجتماعية المعروفة اليوم والتعويضات الداخلة في العقود ومختلف العقود الجديدة على الأرض بين ملاكها ومستأجريها... الخ. تعرضون عن البحث في هذا كله ثم تمضون في تسفيه اجتهادات الأئمة الأربعة وتحذير عامة الناس من اتباعهم والاقتداء بهم!!.. أجل والله ما رأيت واحدا من هؤلاء اللامذهبيين بحث ذات يوم في مسألة من هذه المسائل الطارئة الجديدة التي يتساءل العوام كل يوم عن حكمها إنما يوفر الواحد منهم جهده كله لتهديم ما تم بناؤه واستقرت أحكامه وأعذر كل من المجتهدين والمقلدين أمام الله في الأخذ به فأبرؤوا بذلك ذممهم وأدوا حق الله في أعناقهم!.
يا هؤلاء دعوا الأحكام المستقرة التي دونها صفوة أئمة المسلمين وتقبلها منهم المسلمون جيلا بعد جيل وشمروا لنا الساعد للاجتهاد في هذه المسائل الطارئة الجديدة التي لم يسبق لأحد من الأئمة فيها نظر أو بحث والتي يشكوا عامة المسلمين جهلهم بحكم الله فيها فإن خرجتم من اجتهادكم فيها بشيء وربطتم بينها وبين أدلتها من الكتاب والسنة وأبرزتم وجه استنباط الأحكام منها سلمنا اليكم عندئذ رقاب الأئمة الأربعة معا وتركناكم تنسخون اجتهاداتهم باجتهاداتكم ودعونا الناس جميعا إلى اتباعكم من دونهم.
خلاصة مناقشة جرت بين فضيلة الدكتور ( محمد سعيد رمضان البوطي ) حفظه الله تعالى وبين بعض اللامذهبيين قال فضيلته في اللامذهبية:
لعل هذا الفصل يفوق في الأهمية سائر فصول هذه الرسالة !. وليس السبب في ذلك ما قد تجده فيه من نقاط وموازين علمية جديدة فقد ذكرنا من الأدلة العلمية المختلفة ما يزيد عليه ولكن السبب ما ستجده فيه من مظاهر العصبية التي قد لا تجدها عند أي ذي عقل من البشر !. يتهمنا هؤلاء بالعصبية لأنا لا نرضى أن نتحول عن الحق الذي يقوم على ألف دليل ودليل ولكنك ستجدهم من خلال هذا الفصل كيف يحبسون أنفسهم في أقفاص من العصبية المذهلة حتى ولو اقتضاهم ذلك أن يستنجدوا بالتباله والجنون!.
ولست في هذا الفصل متقولا ولا متجنيا على أحد .. ولن آتي بكلمة واحدة فيه من دنيا الوهم أو الخيال ولقد قلت للأخ الذي ناقشه في هذا البحث – وهو يهدر الي بكلامه المذهل العجيب – سوف أنشر ما تقول إن أبيت إلا إصرارا عليه. ويعلم الله أني ما قلت ذلك له إلا وأنا أقصد إيقاظه إلى شيء من التدبير والتريث فيما يقول!. ولكن الرجل قال لي : انشر ما تريد فلست خائفا!.
ولسوف أتجنب التعريف بهذا الرجل وأضرب صفحا عن ذكر اسمه، وحسبك أن تعلم أنه ممن يعلم اللامذهبية لا ممن يتعلمها وهو على ذلك إنسان فاضل وشاب مستقيم ولولا هذه اللوثة التي قذفت به وبتفكيره إلى أقصى قاع في وادي العصبية العجيبة!.
جاء ومعه بعض الشبان الطيبين الذي دأبهم البحث عن الحق في سائر مظانه، وبدأت معه الحديث فقلت له:
ما هي طريقتك في فهم أحكام الله؟ أتأخذها من الكتاب والسنة أم من أئمة الاجتهاد؟
فقال: استعرض أقوال الأئمة وأدلتهم عليها، ثم أعتمد أقربها إلى دليل الكتاب والسنة!.. .
قلت: لديك خمسة ألاف ليرة سورية، مر عليها من الزمن ستة أشهر وهي مخزونة عندك، ثم اشتريت بها بضاعة وأخذت تتاجر بها فمتى تدفع زكاة هذه البضاعة؟ بعد ستة أشهر أخرى أم بعد عام كامل؟
قال وهو يفكر: معنى سؤالك هذا أنك تقرر بأن أموال التجارة تجب فيها الزكاة!.
قلت : إنني أسأل والمطلوب أن تجيبني بطريقتك الخاصة وهذه هي المكتبة أمامك فيها كتب التفسير والسنة وكتب الأئمة المجتهدين.
وفكر الرجل قليلا ثم قال:
يا أخي هذا دين وليس أمرا يسيرا يمكن الإجابة عليه عفو الخاطر لابد لذلك من نظر ومراجعة ودرس ولابد لذلك كله من وقت ونحن إنما جئنا لنبحث موضوعا آخر!.
حسنا.. وهل يجب على كل مسلم أن يستعرض أدلة الأئمة ثم يأخذ بأوفقها مع الكتاب والسنة؟
قال : نعم.
قلت: معنى ذلك أن الناس كلهم يملكون من الطاقة الاجتهادية ما يملكه أئمة المذاهب بل إنهم يملكون طاقة أعظم وأتم لأن الذي يستطيع أن يحكم على آراء الأئمة أو يحكم لها على أساس من مقياس الكتاب والسنة فهو بلا ريب أعلم منهم جميعا!!.
قال: الحقيقة أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مقلد، ومتبع، ومجتهد، فهذا الذي يتمكن من مقارنة المذاهب ببعضها وانتقاء ما كن أقرب منها إلى الكتاب إنما هو متبع وهو مستوى وسط بين التقليد والاجتهاد.
قلت: فما هو واجب المقلد؟
قال: يقلد من المجتهدين من اتفق.
قلت: وهل عليه من حرج أن يقلد واحدا منهم ويلازمه ولا يتحول عنه؟
قال : نعم يحرم عليه ذلك.
قلت: ما الدليل على حرمة ذلك؟
قال: الدليل أنه التزم شيئا لم يلزمه الله عز وجل به.
قلت: بأي القراءات السبعة تقرأ القرآن؟
قال: بقراءة حفص.
قلت: أفتلتزم القراءة بها، أم تقرأ كل يوم بقراءة مختلفة؟
قال: بل أنا ألتزم القراءة بها.
قلت: فلماذا تلتزم ذلك، مع أن الله عز وجل لم يلزمك إلا أن تقرأ بالقرآن كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم متواترا؟
قال: لأنني لم أتوفر على دراسة القراءات الأخرى ولم يتيسر لي القراءة إلا على هذا الوجه.
قلت: فهذا الذي درس الفقه على المذهب الشافعي هو الآخر لم يتوفر على دراسة المذاهب الأخرى ولم يتيسر له أن يتفقه في أحكامه الدينية إلا على هذا الإمام فإن ألزمته بمعرفة اجتهادات الأئمة كلها حتى يأخذ بجميعها لزمك أنت أيضا أن تتعلم جميع القراءات حتى تقرأ بها كلها وإن اعتذرت عن نفسك بالعجز كان عليك أن تعذر هذا المقلد أيضا. وعلى كل فنحن نقول: ومن أين لك بأن على المقلد أن يلازم التحول من مذهب إلى آخر. مع أن الله لم يلزمه بذلك أي كما لم يلزمه بالاستمرار على مذهب بعينه لم يلزمه أيضا بالتحول المستمر!..
قال: إن الذي يحرم عليه إنما هو الالتزام مع اعتقاد أن الله أمره بذلك.
قلت: هذا شيء آخر وهو حق لا شك فيه ولا خلاف ولكن هل عليه من حرج أن يلازم مجتهدا بعينه وهو يعلم أن الله لم يكلفه بذلك؟
قال: لا حرج عليه.
قلت: ولكن الكراس الذي تدرس فيه ، يذكر خلاف ما تقول إنه يقرر حرمة ذلك بل ويقرر في بعض الأماكن كفر الذي يلازم اتباع إمام معين لا يتحول عنه.
قال: أين؟..... ورجع إلى الكراس يتأمل نصوصه وعباراته. وراح يتأمل قول صاحب الكراس ( بل من التزم واحدا بعينه في كل مسائله فهو متعصب مخطئ مقلد تقليدا أعمى وهو ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعا) فقال: يقصد بالالتزام أن يعتقد وجوب ذلك عليه شرعا العبارة فيها قصور!...
قلت: وما الدليل على أنه هكذا يقصد ولماذا لا تقول إن المؤلف مخطئ؟
وأصر الرجل على أن العبارة صحيحة وأنها على تقدير محذوف وأن المؤلف معصوم عن أي خطأ فيها!..
قلت: ولكن العبارة على هذا التقدير لا تواجه أي خصم وليس لها أي فائدة فما من مسلم إلا وهو يعلم أن اتباع إمام بعينه من أئمة المذاهب الأربعة ليس واجبا من الواجبات الشرعية وما من مسلم يلازم مذهبا إلا وهو يفعل ذلك عن رغبة واختيار منه.
قال: كيف؟ إنني أسمع من كثير من الناس وبعض أهل العلم أنه يجب شرعا ملازمة مذهب بعينه حتى إنه لا يجوز التحول منه إلى غيره!... .
قلت له: اذكر لي اسم واحد فقط من العوام أو من أهل العلم قال لك هذا الكلام.
وسكت الرجل ، ولكنه تعجب من أن يكون كلامي صحيحا وظل يردد: أن كل ما يتصوره هو أن كثيرا من الناس يحرمون التنقل من مذهب إلى آخر.
قلت له: لا تجد اليوم ولا واحد يعتقد هذا الوهم الباطل نعم رووا عن بعض العصور الأخيرة من عهد العثمانيين أنهم كانوا يستعظمون تحول الحنفي من مذهبه إلى مذهب آخر ولا شك أن ذلك كان منهم – إن صح النقل – غاية في السخف والعصبية المقيتة العمياء.
قلت له بعد ذلك: ومن أين لك هذا الفرق بين المقلد والمتبع أهو فرق لغوي أم اصطلاحي.
قال: بل بينهما فرق لغوي.
وجئته بمراجع اللغة ليثبت منها الفرق اللغوي بين الكلمتين فلم يجد شيئا.
ثم قلت: إن أبا بكر رضي الله عنه قال لأعرابي اعترض على الدخل الذي أقره المسلمون له: (إذا رضي الله عنه المهاجرون فإنما أنتم تبع) فقد عبر بالتبعية عن الموافقة التي ليس معها أي حق في النظر والمناقشة والبحث.
قال: فليكن فرقا اصطلاحيا ... أليس من حقي أن أصطلح على شيء ؟ قلت: بلى ولكن اصطلاحك هذا لن يغير من حقيقة الأمر . فهذا الذي تسميه متبعا إما أن يكون خبيرا بالأدلة وطرق الاستنباط منها فهو إذا مجتهد وإن لم يكن خبيرا بها أو غير قادر على استنباط الأحكام منها فهو إذا مقلد. وإن كان في بعض المسائل هكذا وفي بعضا هكذا فهو إذا مقلد في البعض ومجتهد في البعض. فالقسمة إذا ثنائية على كل حال وحكم كل منها واضح ومعروف.
قال: إن المتبع هو ذاك الذي يستطيع أن يمايز بين الأقوال وأدلتها ويرجح البعض منها على الآخر . وهذه مرتبة مختلفة عن محض التقليد.
قلت: إن كنت تقصد بالتمييز بين الأقوال تمييزها عن بعضها بقوة الدليل وضعفه فتلك أرفع رتبة في الاجتهاد وهل بوسعك أن تكون أنت شخصيا كذلك.
قال: إني أفعل ذلك جهد استطاعتي.
قلت له: أنا أعلم بأنك تفتي بأن الطلاق الثلاث في مجلس واحد إنما يقع طلقة واحد فهل رجعت قبل فتواك هذه إلى أقوال الأئمة وأدلتهم في ذلك ثم مايزت بينها فأفتيت بناء على ذلك؟ ... إن عويمر العجلاني طلق زوجته ثلاثا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن لاعن منها. فقد قال: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتها، هي طالق ثلاثا. فما علمك بهذا الحديث وموقعه من هذه المسألة ومدى دلالته على مذهب الجمهور أو مذهب ابن تيمية؟
قال: لم أطلع على هذا الحديث.
قلت: فكيف أفتيت بهذه المسألة مخالفا فيها ما أجمعت عليه المذاهب الأربعة دون أن تقف على أدلتهم ومدى ضعفها أو قوتها؟... فها أنت قد تركت مبدأك الذي تقول إنك قد ألزمت نفسك به وتحاول أن تلزمنا به، وهو مبدأ (الاتباع) بالمعنى الذي اصطلحت عليه!..
قلت: فما الذي حملك على أن تتعجل بالفتوى مخالفا فيها جمهور المسلمين وأنت لم تطلع بعد على شيء من أدلتهم؟
قال: فماذا أفعل وقد سئلت ... وليس لدي إلا قدر محدود من المراجع؟
قلت: كان يسعك ما وسع العلماء والأئمة جميعا وهو أن تقول: لا أدري أو أن تنقل له رأي المذاهب الأربعة ورأي المخالفين دون أن تفتي بأحد القولين كان يسعك أن تفعل ذلك بل كان هذا هو واجبك خصوصا وإن المشكلة لم تنزل بك أنت حتى تكون مضطرا إلى الأخذ بمخرج ما من الأمر !.. أما أن تفتي بالرأي المخالف لإجماع المذاهب الأربعة وأنت لم تطلع – على أدلتهم مكتفيا بانشراح قلبك لأدلة المخالفين فهذا منتهى التعصب الذي تتهموننا به.
قال: لقد اطلعت على آراء الأئمة الأربعة في الشوكاني وسبل السلام وفقه السنة لسيد سابق.
قلت: فهذه كتب خصوم الأئمة الأربعة في هذه المسألة وكلها ينطق من طرف واحد ويذكر من الحجج ما يقوي طرفه أفترضى أن تحكم على أحد الخصمين بناء على سماع كلامه فقط وكلام شهوده وأقاربه؟..
قال: إنني لا أرى في تصرفي هذا ما يستوجب أي لوم لقد كان علي أن أفتي السائل وهذا مبلغ ما استطعت أن أصل إليه بفهمي.
قلت: أنت تقول بأنك متبع وأن علينا جميعا أن نكون كذلك وفسرت الاتباع باستعراض أقوال المذاهب كلها ودراسة أدلتها واعتماد أقرب هذه المذاهب إلى الدليل الصحيح. وأنت في تصرفك هذا ضربت بمبدئك عرض الحائط أنت تعلم أن إجماع المذاهب الأربعة على أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثا وتعلم أن لهم أدلة على ذلك وأنت لم تطلع عليها. ومع ذلك تحولت عن إجماعهم إلى الرأي الذي تشتهيه نفسك أفكنت على يقين سلفا بأن أدلة الأئمة أدلة مردودة.
قال: لا ولكني لم أطلع عليها إذ لا مرجع عندي لها.
قلت: فلماذا لم تنتظر؟.. لمذا استعجلت ولم يكلفك الله بذلك أبدا؟ ... أفكان عدم اطلاعك على أدلة الجمهور دليلا يقوي رأي ابن تيمية؟ ... هل التعصب الذي تتهموننا به زورا شيء آخر غير هذا؟
قال: لقد رأيت في الكتب التي توفرت لدي أدلة أقنعتني وما كلفني الله بأكثر من ذلك.
قلت: فإذا رأى المسلم فيما اطلع عليه من الكتب دليلا على شيء أفيكفيه ذلك موجبا لترك المذاهب التي خالفت فهمه وإن لم يطلع على أدلتها؟
قال: يكفيه ذلك!..
قلت : شاب جديد العهد بالتدين ليس له أي حظ من الثقافة الإسلامية قرأ قوله تعالى ﴿ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم﴾( [50]) ففهم منه أن للمسلم أن يتجه في صلاته إلى أي جهة شاء كما يدل على ذلك ظاهر اللفظ ولكنه سمع من الأئمة الأربعة مجمعون على ضرورة اتجاهه إلى الكعبة وعلم أن لهم على ذلك أدلة ولكنه لم يطلع عليها فلماذا يفعل إذا قام إلى الصلاة أيتبع قناعته من الدليل الذي توفر لديه أم يتبع الأئمة الذين أجمعوا على خلاف ما فهم؟
قال: بل يتبع قناعته..!!
قلت: ويصلي إلى جهة الشرق مثلا وتكون صلاته صحيحة؟!.
قال: نعم، إذ هو مكلف باتباع قناعته الذاتية!...
قلت: فهب أن قناعته الذاتية أوحت إليه أن لا حرج عليه أن يزني بحليلة جاره وأن يملأ جوفه خمرا وأن يسلب أموال الناس بدون حق أفيحل الله له ذلك كله بفضل (قناعته الذاتية)!؟...
وسكت الرجل قليلا ثم قال: على كل هذه الصورة التي تسألني عنها صورة وهمية لا تتحقق.
قلت: هي ليس وهمية بل ما أكثر ما يتحقق مثلها وأغرب منها. شاب لاعلم له بالإسلام وكتابه وسنته وسمع عرضا أو قرأ صدفة هذه الآية، فعلم منها ما يعلم كل عربي ينظر إلى ظاهر اللفظ أن لا حرج في أن يتجه المصلي إلى أي جهة يشاء رغم ما يراه من اتجاه الناس إلى الكعبة دون سواها... أمر طبيعي التصور والوقوع ما دام في المسلمين من يجهل كل شيء عن الإسلام. وعلى كل فقد حكمت على هذه الصورة (وهمية كانت أو حقيقية) بحكم غير وهمي واعتبرت القناعة الذاتية هي المحكمة على كل حال وهذا يناقض تقسيمك للناس إلى ثلاث فئات مقلدين ومتبعين ومجتهدين.
قال: إن عليه أن يبحث... ألم يقرأ حديثا أو أي آية أخرى؟


قلت: لم تتوفر لديه مصادر البحث تماما كما لم تتوفر لديك عندما أفتيت في مسألة الطلاق ، ولم يتح له أن يقرأ غير هذه الآية مما يتعلق بأمر القبلة وتعيينها أفلا تزال مصرا على أنه يتبع قناعته الذاتية ويترك إجماع الأئمة؟
قال: نعم إذا لم يستطع أن يتابع النظر والبحث فقد أعذر وحسبه أن يعتمد على ما هداه إليه نظره وبحثه!.
قلت: إنني سأنشر عن لسانك هذا الكلام ... إنه لكلام خطير وعجيب!.
قال: انشر ما شئت إنني لا أخاف.
قلت: وكيف تخاف مني، إذا كنت لا تخاف من الله عز وجل وتطرح بكلامك هذا قوله عز وجل ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ عرض الحائط!.
قال: يا أخي هؤلاء الأئمة غير معصومين أما الآية التي اعتمدتها فهي كلام المعصوم جل جلاله فكيف يترك المعصوم ويلحق بذيل غير معصوم؟
قلت: يا هذا المعصوم هو المعنى الحقيقي الذي أراده الله بقوله ﴿ ولله المشرق والمغرب ...﴾ وليس المعصوم هو فهم هذا الشاب البعيد كل البعد عن ثقافة الإسلام وأحكامه وطبيعة قرآنه. أي فالمقارنة التي أسألك عنها هي بين فهمين اثنين فهم هذا الشاب الجاهل وفهم الأئمة المجتهدين وكلاهما غير معصومين إلا أن أحدهما موغل في الجهل والسطحية والآخر موغل في البحث والعلم والدقة.
قال: إن الله لا يكلفه بأكثر مما وصل إليه جهده!..
قلت: أجبني إذا على هذا السؤال: رجل له طفل مريض يعاني من بعض الالتهابات . أشرف عليه جميع أطباء البلدة واتفقوا على إعطائه علاجا معينا وحذروا والده من أن يحقنه بالبنسلين وأخبروه بأنه لو فعل ذلك عرض حياة الطفل للهلاك... إلا أن والد الطفل يعلم مما قرأ في بعض النشرات الطبية أن البنسلين يفيد في حالات الالتهاب. فاعتمد على معلوماته الخاصة في ذلك ونبذ كلام الأباء لأنه لا يعلم دليلهم على ما قالوا، فاستعمل ( قناعته الذاتية) وعالج الطفل بحقنة بنسلين انتقل على أثرها إلى رحمة الله. أفيقاضى ويأثم فيما فعل أم لا؟
ففكر الرجل قليلا ثم قال: هذه غير تلك!.
قلت: بل هي عينها: سمع عن إجماع الأطباء كما سمع ذاك عن إجماع الأئمة ولكنه اعتمد على نص قرأه دون سواه في نشرة طبية كما اعتمد ذاك نصا قرأه دون سواه في كتاب الله عز وجل واستعمل هذا قناعته الذاتية كما استعمل ذاك قناعته الذاتية!.
قال: يا أخي القرآن نور.. نور.. وهل النور في دلالته مثل أي كلام آخر؟
قلت: ونور القرآن ينعكس إلى عقل أي ناظر وقارئ فيفهمه نورا كما أراد الله؟! فما الفرق بين أهل الذكر وغيرهم إذا ، ما داموا جميعا ينهلون من هذا النور؟
المثالان سواء ... لا فرق بينهما إطلاقا ولابد أن تجيبني: أيتبع الباحث فيهما قناعته الذاتية أم يتبع ويقلد أهل الاختصاص؟
قال: بل القناعة الذاتية هي الأصل.
قلت: وقد استعمل قناعته الذاتية فترتب على ذلك وفاة الطفل فهل تترتب عليه أي مسؤولية شرعية أو قضائية؟
وقال الرجل بملء فمه: لا تترتب عليه أي مسؤولية!.
قلت: فلنختم البحث والنقاش، دون هذه الكلمة التي أطلقتها. لقد انقطع بها السبيل إلى أي قدر مشترك بيني وبينك يمكن أن يقام عليه أي بحث. وحسبك أنك خرجت بجوابك العجيب هذا عن إجماع الملة الإسلامية كلها ... ولا والله لن يكون أي معنى للتعصب المقيت على وجه الأرض ، إن لم تكونوا أنتم أصحاب هذا التعصب المقيت.
المسلم الجاهل يستعمل ( قناعته الذاتية) في فهم ما اطلع عليه من القرآن... ويصلي إلى غير القبلة مخالفا كل المسلمين فتكون صلاته صحيحة!... والرجل العامي من الناس يستعمل (قناعته الذاتية) فيطبب من شاء. ويعالج كما يشاء ويموت المريض تحت يده فيقال له : الله يعطيك العافية!..
ولست أدري إذا، لماذا لا يدعنا هؤلاء الناس وشأننا لنستعمل نحن أيضا (قناعتنا الذاتية) في أن الجاهل بأحكام الدين وأدلتها لابد له أن يتمسك بمذهب إمام من الأئمة المجتهدين يتبعه من حيث إنه أبصر منه بكتاب الله وسنة رسوله.
ومهما يكن من خطأ هذا الرأي عندهم فلتشمله على كل شفاعة (القناعة الذاتية) وليكن له أسوة عنده برأي من استدبر القبلة فكانت صلاته صحيحة وقتل الطفل فكان قتله اجتهادا وتطبيبا( [51])!
هل يجوز تقليد غير المذاهب الأربعة؟
الجواب: لا يجوز ذلك لما وضحناه من أن المذاهب الأربعة هي وحدها التي تطمئن النفس لصحة أقوال علمائها لأنها نقلت الينا عن طريق الأئمة الثقات ولم يتخلل ذلك فترة عن العمل بها والأخذ بأقوال أئمتها بخلاف غيرها من المذاهب وقد نوه عدد من الأئمة إلى هذا المعنى.
فقد قال الإمام النووي: يلزم غير المجتهد أن يجتهد في اختيار مذهب يقلده على التعيين وليس له أن يتبع في ذلك مجرد التشهي والميل إلى ما وجد عليه آباءه، وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من الأولين وإن كانوا أعلم وأعلى درجة ممن بعدهم لأنهم لم يتفرغو لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه فليس لأحد منهم مذهب محرر مقرر وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناحلين لمذاهب الصحابة والتابعين القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها كمالك وأبي حنيفة وغيرهما( [52]).
وقال العلامة ابن حجر: نقل إمام الحرمين عن المحققين امتناع تقليد الصحابة على العوام لارتفاع الثقة بمذاهبهم إذ لم تدون وتحرر وبه جزم ابن الصلاح وألحق بالصحابة التابعين وغيرهم ممن لم يدون مذهبه وبأن التقليد متعين للأئمة الأربعة فقط. قال: لأن مذاهبهم انتشرت حتى ظهر تقييد مطلقها وتخصيص عامها بخلاف غيرهم ففيه فتاوى مجردة لعل لها مكملا أو مقيدا لو انبسط كلامه فيها لظهر خلاف ما يبدو منه فامتنع التقليد إذن لتعذر الوقوف على حقيقة مذاهبهم.



















خاتمة
وفي نهاية هذا الباب أقول: إن على المسلمين أن يسعوا إلى الاجتماع والوحدة، والتماسك قال تعالى ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾( [53]) والى نبذ الاختلاف والفرقة والتنازع وكل من تخالف دعوته هذه الغاية فهو عاص لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم مخالف لقوله تعالى ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾( [54]) ولم تكن المذاهب الإسلامية في الماضي سببا في تفريق المسلمين وتخالفهم وتنازعهم فقد كان الصحابة رضي الله عنهم فرقا متعددة فهناك أصحاب ابن عباس وهناك أصحاب ابن مسعود وأصحاب ابن عمر وغيرهم كما مر معنا ومع ذلك كانوا كلهم جماعة واحدة وكان الإسلام في أوجه وعزته وجاءت المذاهب الأربعة وبقي الإسلام قويا عزيزا وعندما ترك المسلمون العلم بدينهم والالتزام بمذاهبهم والتفتوا إلى الدنيا والتصارع عليها وتركوا الدعوة إلى الله عز وجل ضعفوا وهانوا وتخلفوا وصاروا أذل الأمم ولو عادوا اليوم فتمسكوا بدينهم ومذاهبهم واجتهاداتهم وجمعوا شملهم ووحدوا صفوفهم فلابد أن يعيد الله تعالى إليهم عزتهم وكرامتهم فكما اعز الله الإسلام في القرون الأولى كذلك يعزه في هذه الأيام إن تمسكنا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حق التمسك.

والحمد لله رب العالمين.