[justify]

منع المرأة من زيارة أهلها سلوك مدان


القاهرة - “الخليج”:


لجأت زوجة مصرية إلى وضع كمية من العقاقير المنومة لزوجها في كوب من الشاي لكي ينام طويلاً حتى تتمكن من زيارة والدها المريض بعد أن حرمها زوجها من زيارته بسبب مشكلات مع أهلها، وعندما عادت مسرعة من منزل والدها اكتشفت موت زوجها نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية بفعل ما دسته له من عقاقير منومة . هذه الواقعة المؤلمة تطرح من جديد قضية أو مشكلة تعاني منها كثير من الأسر، حيث

تجد الزوجة نفسها حائرة بين طاعة الزوج والالتزام بحقوقه، ومنها عدم الخروج من البيت إلا بإذنه وبين بر الوالدين وصلة الرحم، وهو أيضاً واجب عليها . طرحت “الخليج” هذه القضية للمناقشة مع عدد من علماء الشريعة الإسلامية لبيان المباح والمحظور فيها، وتوضيح الحقوق المتبادلة بين الزوجين وما جاء به الإسلام لتقوية الروابط والصلات الاجتماعية بين الزوج وأهل زوجته، وفي ما يلي رؤى العلماء حول هذه القضية .

في البداية تؤكد د .سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أن هذه الواقعة المؤلمة تكشف عن مشكلة تعاني منها بعض الأسر حيث يلجأ الزوج لأسباب كثيرة إلى منع زوجته من زيارة أهلها وحرمانها من بر والديها وصلة رحمها، ومهما كانت مبررات الزوج ودوافعه في ذلك فإن هذا الأمر يؤثر قطعاً في مشاعر المودة والمحبة بين الزوجين ويضعف العلاقة بينهما ويؤدي إلى كثير من المشكلات التي قد تعصف بالحياة الزوجية كلها وتؤدي في النهاية إلى الطلاق .

وبعيداً عن التعاطف مع الزوجات اللاتي يعشن هذه الظروف النفسية والاجتماعية الصعبة تؤكد د .سعاد صالح أن الزوجة هنا تكون بين نارين خاصة إذا كانت مرتبطة نفسياً ووجدانياً بأهلها وبارة بوالديها، فهي مطالبة بطاعة زوجها والعمل على إرضائه وفي الوقت نفسه مطالبة ببر الوالدين وصلة الرحم وقليل من النساء من يستطعن مواجهة هذا الموقف الصعب بعقلانية وحكمة من دون خسائر كبيرة من جانب الزوج أو من جانب الأهل .

إحسان الظن بالزوجة

ورغم إدانة د .سعاد صالح لسلوك هذه الزوجة التي قضت على زوجها حتى ولو من دون قصد فإنها تحمل الأزواج هنا القدر الأكبر من المسؤولية، حيث تؤكد أن حرمان الزوجة من زيارة أهلها سلوك قاسٍ وجاف يتنافى مع مبدأ المعاشرة بالمعروف الذي حث عليه الإسلام وجعله أساس استقرار الحياة الزوجية .

وتضيف: هناك أسباب كثيرة قد تدفع الزوج إلى حرمان زوجته من زيارة أهلها فهو قد يكون شديد الغيرة عليها ولا يرغب أن يراها أو يتحدث معها أحد في غيابه وبعيدا عن عينيه ورقابته، وقد يكون الزوج في حالة شك بسلوك زوجته وفي هذه الحالة فالزوج وإن كان معذوراً بسبب تغلب الهواجس والظنون عليه، إلا أنه مطالب شرعاً بإحسان الظن بالزوجة، فمن حق الزوجة على زوجها أن يحسن الظن بها وألا يتتبع عوراتها، فإساءة الظن بالزوجة سلوك يقضي على استقرار الحياة الزوجية ويحول حياة الزوجين إلى جحيم .

أيضاً قد يلعب أهل الزوجة دوراً تحريضياً لابنتهم ينغص على الزوج حياته وهو ما يدفعه إلى منعها من زيارتهم والالتقاء بهم والاستماع إليهم، وتيسير وسائل الاتصال الهاتفي الآن وعن طريق الإنترنت وغيرها يفوت على الزوج رغبته في عزل زوجته عن أسرتها فالأسرة تستطيع أن تتواصل مع ابنتها بأي وسيلة ولو كان هناك تحريض للزوجة على سلوك معين مع زوجها فسوف يستمر دون لقاء مباشر .

كل هذا يفرض على الزوج أن يعيد النظر في قراره بمنع زوجته من زيارة أهلها، حيث يستطيع أن يرافقها في زيارتها لهم حتى ولو كان على خلاف معهم، فهذا من حسن العشرة ومن علامات المروءة والشهامة التي ينبغي أن يتحلى بها كل رجل في التعامل مع أهل زوجته .

مرة في الأسبوع

د .محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية يدين سلوك هذه الزوجة ويقول: لا يوجد شيء يبرر هذا السلوك، فخداع الزوج بهذه الطريقة حتى ولو لم يحدث له ما حدث هو خيانة للأمانة والرباط الوثيق الذي يربط بين الزوجين، وإذا كان معظم الفقهاء قد قالوا بعدم جواز خروج المرأة من بيت زوجها لزيارة أهلها من دون علمه فمن باب أولى تحريم وتجريم كل سلوك يؤدي إلى خداع الزوج والتحايل عليه والإضرار به بهذه الصورة البشعة .

وبعيداً عن هذا السلوك الغبي من الزوجة والذي فقدت بسببه زوجها وعرضت نفسها للمساءلة القانونية، فضلاً عن الإحساس القاتل بالذنب وتأنيب الضمير يؤكد د .عثمان أن الزوجة في مثل هذه الحالة مطالبة بطاعة زوجها وعدم الخروج من البيت إلا بإذنه ورضاه، فالحرص على العلاقة الزوجية يفوق الحرص على بر الوالدين وصلة الرحم، وكان بإمكان الزوجة أن تبذل مزيداً من الجهد لإقناع زوجها بالسماح لها بزيارة والدها بدلاً من ارتكاب هذه الجريمة .

ويضيف: طاعة الزوجة لزوجها في مثل هذا الموقف لا تعني أن الزوج على حق، فكل زوج يحرم زوجته من بر والديها وصلة رحمها هو زوج تنقصه المروءة وحسن الخلق، فحرمان امرأة من زيارة والدها أو والدتها المريضة قسوة وجحود من الزوج وسوف يعاقبه الله على ذلك .

وإذا كان الزوج قاسياً وجاحداً ويرفض زيارة زوجته لأهلها؟

وكانت الزوجة حريصة على استقرار حياتها الزوجية فعليها أن تصبر ولا تيأس من تغيير موقفه وتحاول إصلاح ما بينه وبين أسرتها، فلو استمر عناده وجحوده وقسوته من دون مبرر فلها أن تخرج لزيارة والدها أو والدتها المريضة مرة كل أسبوع سواء أذن لها أو لم يأذن، وهذه القضية سبق وعرضت على الإمام الفقيه الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية الأسبق وأجاب عنها بما ذكرت، وأنا هنا أضيف: لو كانت الزوجة تعلم أن خروجها لزيارة أهلها دون إذن زوجها سيؤدي إلى إلحاق ضرر ما أو سيفسد العلاقة بينها وبين زوجها فعليها أن تكف عن ذلك وتترك الإثم عالقاً برقبته على سلوكه المرفوض والمدان شرعاً وعرفاً .

مبررات الأزواج

د .صبري عبدالرؤوف أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر يرى أنه لا ينبغي إصدار أحكام شرعية في أمور ومشكلات اجتماعية دون الوقوف على أسبابها ودوافعها، ويقول: من الأمور المقررة شرعاً أن الرجل مسؤول عن المحافظة على سمعته وسمعة الأسرة كلها، وسمعة زوجته التي اختارها شريكة لحياته والحديث الشريف يقول: “والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، ومن الرعاية أن يراقب سلوك أولاده وأن يبتعد بزوجته عن مواطن الشبهات، فإذا كان خروج المرأة لزيارة أهلها سيضاعف الشبهات حول الزوجة أو سيؤدي إلى مشكلات في حياته مع زوجته فمن حقه هنا منعها من زيارة أهلها والاكتفاء بصلة الرحم عن طريق الهاتف، ولو بحثنا في كل حالة على حدة لوجدنا أن هناك مبررات لدى الأزواج الذين يرفضون لقاء زوجاتهم بأسرهن وسواء أكانت هذه المبررات مقنعة وكافية لمنع الزوجة من زيارة أهلها أم لا، فينبغي أن تكون الزوجة في كل الأحوال محل ثقة لزوجها، فالزوج الذي يثق في زوجته لن يمنعها من زيارة أهلها حتى ولو كان على خلاف معهم .

وهنا ننبه إلى أن بعض الزوجات لا يحافظن على حقوق أزواجهن، فالزوجة كثيراً ما تكشف عن أسرار بيتها لأسرتها وهذا مرفوض شرعاً، وقد تأخذ في يدها من مال زوجها لبر والدها أو والدتها أو أشقائها دون علم زوجها وهذا مرفوض شرعاً، وقد تجالس في بيت أهلها من لا يستريح لهم زوجها وهذا مرفوض شرعاً، وقد تحرضها أمها أو شقيقتها أو والدها ويدفعونها إلى معاملة زوجها بجفاء أو قسوة وهذه مفسدة تعطي للزوج حق منعها من زيارتهم .

من هنا يرفض د .صبري عبدالرؤوف وضع الأزواج في قفص الاتهام في هذه المسألة، بل لابد من بحث الأسباب والتعرف إلى الدوافع وإزالة أسباب الأشكال قبل إدانة الأزواج .

جحود وقسوة

د .علي جمعة مفتي مصر يرى أن منع الزوجة من زيارة أهلها جحود وقسوة لا ينبغي أن تصدر عن رجل متوازن عاقل يعرف حقوق زوجته ويقدر مشاعرها ويحترم إرادتها .

ويضيف: الحياة الزوجية ليست سجناً وولاية الزوج على زوجته لا تعني التسلط والعناد والقسوة وإهدار الحقوق، والزوج العاقل هو الذي يعين زوجته على بر والديها وصلة رحمها، فلا خير في زوجة جاحدة لا تقدر مكانة الأب ولا تحرص على البر بالأم وتقبل ببساطة الدعوة إلى قطيعة الأهل .

ويؤكد مفتي مصر أن إعانة الزوجة على بر والديها وصلة رحمها هو من حسن العشرة الذي أمر به الإسلام، وهذا السلوك في حد ذاته يوثق علاقة الزوجة بزوجها ويدفعها إلى مزيد من الحب والوفاء له والحرص على حقوقه والعمل على إسعاده وطاعته في كل ما هو مباح ومشروع .

حق الوالدين

د .آمنة نصير أستاذة الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية تدين سلوك الأزواج الذين يتعاملون مع زوجاتهم بقسوة وجحود ويشجعون زوجاتهم على العقوق والعصيان وتقول: الزوجة التي لا خير لها في أهلها لا يرجى منها أي خير لزوجها، وهذه حقيقة ينبغي أن يدركها كل زوج وتقول: الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الحكيم: “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً”، ويقول سبحانه وتعالى: “ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير . وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا” . هذه الآيات الكريمة تؤكد أن أعظم حقوق العباد بعد حق الله سبحانه وتعالى هو حق الوالدين، حتى الوالدان المشركان لم يمنع الإسلام من برهما مع شركهما .

وتنتهي د .آمنة نصير إلى القول: ماذا لو طلبت الزوجة من زوجها عدم زيارة أمه أو أبيه أو أشقائه أو شقيقاته، هل يستجيب لها؟ وإذا استجاب ونفذ لها ما تريد كيف ستكون صورته في عيون الناس؟

وتضيف: لا يوجد رجل عاقل ومتزن يمنع زوجته من زيارة أهلها، هذا أمر غير جائز من الناحية الشرعية ومرفوض من الناحية الاجتماعية، فالرجل ينبغي أن يعين زوجته على بر أهلها والإحسان إليهم وأن يذهب معها لزيارتهم وأن يدعوهم وخاصة الوالدين إلى زيارته في بيته، فهذا مقتضى المصاهرة التي شرعها الله تعالى، فهؤلاء أجداد أطفاله وجداتهم، وإخوانهم أخوالهم، وأخواتها خالاتهم، ولهم جميعاً حقوق ذوي الأرحام وأولي القربى.[/justify]