[justify]جمعة الماجد تبرع لها بوحدة ترميم آلي للمخطوطات

المكتبة الوقفية في حلب حفظ الذاكرة الإسلامية


يضاهي الجامع الأموي الكبير في مدينة حلب الموغلة في القدم أهم وأكبر المساجد في العالم الإسلامي وإلى جانبه من ناحية الشمال تطالعك المكتبة الوقفية التي تحتوي مخطوطات قيمة ومهمة للتاريخ بشكل عام والإسلامي بشكل خاص، الأمر الذي يجعلها مقصداً للمهتمين والباحثين والمفكرين لأنها كنز بما تحتويه من مخطوطات حاول البعض سرقتها مراراً .

لقد اهتم سكان مدينة حلب منذ بداية العهد الإسلامي باقتناء الكتب وبناء مراكز تخصها سواء في المنازل أو في الزوايا والتكايا والمساجد، التي انتشرت بفعل حث الدين الإسلامي على العلم والبحث العلمي، وقد شجع الولاة في مدينة حلب هذه الظاهرة ودعموها بكل ما يمتلكون من إمكانات وحمل لواءها في حلب العلماء . كانت البداية الحقيقية لهذه الظاهرة في عهد سيف الدولة الحمداني، ومن ثم في عهد نور الدين محمود بن زنكي،

زينة ووجاهة

استمرت النهضة في عهد الأيوبيين حتى غدت حلب مقصداً لطلاب العلم من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، ومن المرجح أن الميسورين من أهل حلب اهتموا باقتناء الكتب وبناء المكتبات ليستفيد المقتني من بعض الكتب في العلوم البسيطة، ولتكون زينة وتورث الغنى، بالإضافة إلى أن الكتب في ذلك الوقت كانت تمنح صاحبها مكانة محترمة ووجاهة عند أهل العلم والذين هم بحاجة دائمة للاطلاع على الكتب وجديدها وقد تعرضت هذه الكتب في كثير من الأوقات إلى النهب والدمار بالحرق . وكان تجار الكتب والمخطوطات يترددون إلى بلاد الشام وخاصة مدينة حلب حيث يأخذون من مكتباتها ما استطاعوا حمله بالإضافة إلى ضياع بعض الإرث المعرفي من خلال قيام بعض الوارثين له والذين لا يعرفون حقيقة أهميته ببيعه بأبخس الأثمان إلى أي عابر سبيل .

وقد فقدت حلب في عهد تيمورلنك الكثير من المكتبات كمكتبة بني الشحنة وبني العديم وبني الخشاب، وغيرهم من الأسر العلمية . بالإضافة إلى المكتبات الوقفية المفقودة: مكتبة الجامع الكبير ومكتبات المدارس الكبرى كالمدارس السلطانية والعصرونية والحلوية والشرفية والرواحية حيث قام تيمورلنك بأخذ ما أعجبه مع أتباعه، ومنها ما نهبته العامة .

مقر المكتبة

ولقد أفتى العلماء بضرورة المحافظة على الكتب بعد تعرض معظمها للضياع والتلف ولتكون في متناول الباحثين، فقامت المكتبة الوقفية بجمع بقايا الكتب الموجودة في مدارسها وزواياها وتكاياها ومساجدها . وتم اختيار المدرسة الشرفية الشافعية لتكون مقراً للمكتبة الوقفية لأسباب تتعلق بشرف المكانة والمكان، فمكانة هذه المدرسة تتمثل بما لها من تاريخ عريق، منذ تأسيسها على يد شرف الدين عبد الرحمن بن العجمي (ت 658ه)، حيث وقف عليها الكتب النفيسة من كل فن من تفسير وحديث وفقه وغير ذلك، وخاصة كتب الإمام الشافعي وأصحابه، فلم يفته منها سوى كتب الرافعي والنووي، إذ لم تصل كتبهما إلى حلب آنذاك، وأما المكان فهي تتوسط المدينة، وتجاور جامعها الكبير حيث كانت أسماء الكتب في هذه المكتبة مثبتة عند أقارب الواقف في درج كبير، حيث قتل ابن الواقف الذي كان يدرس في المدرسة شهيداً بأيدي التتار، وتوفي هو بعد استيلاء التتار على حلب . وتعرضت المكتبة للنهب زمن أبي العلاء المعري في فتنة وقعت أيام عاشوراء، ثم جددها الوزير أبو النجم هبة الله بن البديع وزير الملك الرضوان، كما ذكر ابن العديم ثم تم افتتاح المكتبة عام (1345) للهجرة، وكان القيّم عليها الشيخ محمد علي الكحال، ومن بعده الشيخ أحمد السردار الذي بقي أميناً لها إلى تاريخ وفاته (1420) للهجرة، ثم هجرت وأهملت من بعده، وتضم المكتبة حالياً 2846 مخطوطاً من مخطوطات المدرسة الشرفية وهذا العدد أكثر من الذي أثبت في محضر الاستلام عند عودتها إلى الشرفية، وهو (1122) مخطوطاً، ما يدل على أنه ازداد عددها في ما بعد . أما العدد الكلي للكتب بعد ضم المكتبات الأخرى إليها فقد بلغ ما يقارب عشرة آلاف كتاب بين مخطوط ومطبوع .

واليوم تم تنظيم المكتبة بما ينسجم مع مكونات الجامع الكبير ويتناسب أيضاً مع المعايير المعتمدة في المكتبات الحديثة وتوجد في المكتبة عدة أقسام حيوية كالإدارة والديوان وخزائن للأمانات وقسم للفهارس اليدوية وخزائن للكتب الثابتة تتسع لحوالي 70000 كتاب وخزائن متحركة للمجلات والدوريات وقاعة مطالعة تتسع لحولي 140 باحثاً .

صالات متعددة الأغراض

وهناك أيضاً صالات متعددة الأغراض للمحاضرات والمؤتمرات والدورات التدريبية وورشات العمل والمعارض، مع إمكانية الترجمة الفورية لأربع لغات وشاشة عرض وشاشات بلازما ويزود هذا القسم بالانترنت المفتوح للباحثين، وخدمة المكتبة الإلكترونية وخدمة قواعد البيانات بالإضافة إلى قاعة إعداد قواعد البيانات والفهرسة والتزويد والخدمات المكتبية .

وتضم المكتبة أيضاً متحفاً لعرض مقتنياتها من المخطوطات والأدوات الفلكية والنحاسيات والفخاريات واللوحات القماشية الأثرية والخشبيات واللقى الأثرية التي وجدت أثناء ترميم الجامع الكبير واعتمدت قواطع خفيفة بين أقسام المكتبة مكونة من إطارات خشبية وزجاجاً مغشى، والقواطع لا تنتهي إلى الأسقف وذلك للمحافظة على رحابة المكان والجو العام الواحد فيه حيث استوحيت الزخارف في المكتبة من العناصر الهندسية في المكتبة القديمة (المدرسة الشرفية) والجامع الكبير .

وقد أرفق بالمكتبة الوقفية متحف تاريخي لحلب في العصر العثماني في المدرسة الأحمدية ومركز للوثائق والمخطوطات في المدرسة الشرفية، وذلك ضمن التعاون مع الدليل التنفيذي لبرنامج التعاون الإقليمي السوري التركي، كما ألحق بالمكتبة متحف لسجاد الجامع الكبير في تكية أصلان دادا، تعرض فيه بعض القطع المحدودة المختارة من السجاد وتمت الموافقة على إقامة مركز الخطوط والزخارف الإسلامية في المدرسة الحلوية، يتبع أيضاً للمكتبة الوقفية، وبناء على طلب قدمته المكتبة لمديرية أوقاف حلب تمت الموافقة على أن يكون مقر وحدة ترميم المخطوطات اليدوي والآلي التابعة للمكتبة في (خانقاه الفرافرة)، وقد تبرع جمعة الماجد رئيس مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي بوحدة الترميم الآلي لمصلحة المكتبة الوقفية .

الخليج :الجمعة ,17/12/2010[/justify]