اعلام علماء الشام





مفتي الديار الحمصية السيد العلامة محمد توفيق بن عبداللطيف بن محمد أبي الفتح الأتاسي
رئيس جمعية العلماء بحمص
1283-1385 من الهجرة = 1866-1965م




الشيخ العلامة محمد توفيق أفندي بن الشيخ المفتي عبداللطيف أفندي بن المفتي محمد أفندي الثاني الأتاسي، مفتي محافظة حمص، العالم المعمر، صاحب العلم الغزير والفكر النيّر، ولد في حمص في الثالث والعشرين من شهر جماد الأول عام 1283 من الهجرة (1866م)[1]، ونشأ نشأة علم، فأبوه أفتى في حمص، وكذلك فعل عمه وجده، ودرس على هؤلاء الفقه والشريعة واللغة، وظهر حذقه وبانت فطنته، فعين كاتباً للمجلس البلدي وأحد أعضائه عام 1898م عندما كان أبوه مفتي المدينة[2]، ثم رُسم له بالفتوى والتدريس في حمص بعد وفاة ابن عمه الشيخ طاهر بن خالد الأتاسي عام 1359 للهجرة (1940م) وعمره خمسة وسبعون عاماً، وظل مفتياً فيها حتى وفاته عام 1385 من الهجرة (1965م) وعمره قرابة القرن أو يزيد، أي أنه تولى الفتوى مدة ربع قرن، وكان من المعمرين لما توفي وهو مفت، فسبحان الله مبقي الفطن والأذهان ومذهبها[3]. ولكن العلامة الأتاسي كان زعيماً في بلدته، ومشهوراً بين مواطنيه قبل أن يتبوأ الإفتاء ويحوز بعلمه أسمى درجات البهاء.
العلامة الأتاسي قبل مرحلة الفتوى:
في العقد الثاني من القرن العشرين كانت الدولة العثمانية في طريقها إلى الإنحدار في سياستها الخارجية والداخلية بعد أن سيطر العلمانيون عليها وقللوا من شأن الخليفة الإسلامي. فعلى الصعيد الخارجي كانت الدولة تخوض حروباً مع دول أوروبا في الحرب العالمية، أما في الداخل، فقد بدأت بنيتها تتفكك بظهور جمعيات عربية تطالب بدور أكبر للعرب في سياسة الدولة. ولما رأت الدولة العثمانية أن الخطر أحدق بها من الداخل والخارج أرادت أن تؤلف بين قلوب رعاياها وتستميلهم إليها بدلاً من أن تشغل نفسها بحروب داخلية تضيفها إلى حروبها الخارجية. فقصد جمال باشا وزير البحرية وقائد الفيلق الرابع المدن السورية يطلب من حكامها تشكيل وفود من أعيان المدن لإرسالهم إلى العاصمة، فيستشعروا عظمتها لعلهم يعودون إلى إخلاصهم لها، ويؤثرون على أهليهم عند عودتهم إلى مدائنهم.
وفي حمص، تراجع الأعيان عن الإقدام بهذه الرحلة لخوفهم من مكر الدولة وخداعها، خاصة أن زعماء الأسر الكبيرة كانوا منتظمين في الجمعيات المعادية للأحزاب التركية المهيمنة، فما كان من قائمقام المدينة، أمين التميمي، إلا أن رشح ثلاثاً من أعيانها يختارهم جمال باشا لهذا الغرض، وهؤلاء كانوا الشيخ جمال الدين الجمالي، وعبدالرحمن سلام، والشيخ توفيق الأتاسي. ووقع خيار الوزير على الأخير لأنه "من سلالة أكبر الأسر الحمصية أولاً، ولأنه ابن وحفيد مفتي حمص ثانياً"[4] (كما عبر مؤرخ حمص)، بينما كان الأول إمام المسجد النوري الكبير، وكان الثاني ذا أصل غير حمصي.
واضطر الأتاسي للسفر مع باقي مندوبي المدن الشامية إلى الأستانة لهذا الغرض، وكان ذلك 29 إيلول عام 1915م، غير مبال بما قد يكون في ذلك من خطر، ولكنه عاد سالماً إلى حمص في 27 تشرين الثاني نفس العام.
الأتاسي مفتيا ومدرسا ورئيسا لجمعية العلماء بحمص ومؤسسا للميتم الإسلامي:
ولما عقد مؤتمر العلماء الأول في دمشق في رجب من عام 1357 من الهجرة (1938م) للتشاور في أمور الأمة والوطن كان الأتاسي من الذين توجهوا إليه وكانوا من أعضائه ضمن وفد ضم واحداً وعشرين من كبار علماء حمص من بينهم الشيخ طاهر الأتاسي، والشيخ عاطف الأتاسي، والشيخ طيب الأتاسي، وشارك الأتاسي في نشاطات ذلك المؤتمر الذي ترأسه ابن عمه الشيخ طاهر الأتاسي، فانظر بيانات المؤتمر في ترجمة الأخير[5]. وبعد عامين من انعقاد هذا المؤتمر الخطير توفي الشيخ طاهر الأتاسي مفتي حمص فتربع محله السيد العلامة توفيق الأتاسي في منصب الفتوى الحمصية عام 1359 الهجري (1940م) حتى وفاته عام 1385 الهجري (1965م).
وفي يوم الجمعة الثامن من صفر عام 1365 من الهجرة (11 كانون الثاني عام 1946م) اجتمع العلامة الأتاسي برهط من علماء مدينة ابن الوليد المحمية في مكتبة الجامع النوري الكبير واستعرضوا ما وصلت إليه الأمة من الفرقة والتدني والجهل بالعلوم الدينية وانتشار المنكرات، واتفقوا على وجوب العمل لصيانة الوطن والناس من ظلمات الجهل والقيام بخدمة الشريعة الإسلامية وقرروا تشكيل جمعية للعلماء بمحافظة حمص لتقوم بمهمة نشر العلم ومحاربة الفاسد من العادات والمنكرات المنتشرة وتأسيس مدرسة شرعية، وانتخبوا من بينهم خمسة عشر عضواً ليشكلوا الهيئة الإدارية واعتبروا الأعضاء المؤسسين مع اشتراط كونهم من العلماء، وانتخب العلامة توفيق الأتاسي رئيساً للهيئة الإدارية للجمعية كما انتخب ابن عمه الشيخ عاطف الأتاسي عضواً إدارياً مؤسساً، أما باقي أعضاء الهيئة الإدارية فكانوا العلامة عبدالقادر الخجا (نائب الرئيس)، والشيخ محمد سعيد السباعي الجابي (أميناً للسر)، والشيخ أبو السعود عبدالسلام (خازناً)، والشيخ أبو النصر خلف، والشيخ بدوي السباعي، والشيخ حسني السباعي، والشيخ راغب الوفائي، والشيخ طاهر الرئيس، والشيخ عبدالجليل مراد، والشيخ عبدالفتاح الدروبي، والشيخ عبدالكريم أتماز السباعي، والشيخ محمد علي عيون السود، والشيخ محمد جنيد، وقام هؤلاء بوضع القانون الأساسي للجمعية واتفقوا على أهداف الجمعية التي تتمثل في تأسيس مدرسة دينية تدرس فيها العلوم الشرعية والعربية، وإرسال الوعاظ إلى القرى متجولين، ومراقبة شؤون الأئمة فيها ومساجدها ومعلمي أطفالها، والتعهد بالمدارس الدينية والمعاهد الشرعية ورفع مستواها وترقيتها، والسعي في إزالة المنكرات والأمر بالمعروف بالحكمة والموعظة الحسنة، وتأسيس لجان فرعية في القرى والنواحي[6].
كما أن العلامة الأتاسي كان من الأعضاء المؤسسين للجمعية الخيرية الإسلامية عام 1340 من الهجرة (1921م)، تلك الجمعية التي كان لها أحسن الأثر في حمص والتي عملت على تأسيس المدرسة الخيرية التي ناهضت المدارس التبشيرية المنتشرة وخرجت المئات من كبار الناجحين والمثقفين بحمص، وكذلك الميتم الإسلامي الذي ساهم في تعليم الأيتام الفقراء في حمص والإنفقاق عليهم والرفع من شأنهم حتى كان منهم كبار الأطباء والمحامين والأساتذة في حمص[7].
وقد كان توفيق الأتاسي من كبار المدرسين في حمص تخرج عليه جمهور من علماء حمص وغيرها من المدن، ومن الدارسين عليه المتلقين عنه الشيخ العلامة المحدث عبدالفتاح بن محمد بن بشير أبو غدة الخالدي المخزومي القرشي الحلبي الحنفي[8]، استجازه الشيخ أبو غدة في حمص فأجازه[9]، ومنهم الشيخ سعيد بن يحيى بن سعيد بلبل الذي طلب من أستاذه أن يقرظ له كتابه الطريقة السعدية وذكر ذلك التقريظ في نهاية الكتاب حيث عرّف بأستاذه فقال: "هذا ما كتبه شيخي وأستاذي البحر الفهامة التقي البارع الحاذق الفطن النحرير الذكي من هو إلى الخيرات سابق الفاضل الحاج توفيق أفندي الأتاسي أتم النفع به" وانظر كلمة الأتاسي على الكتاب ملحقة بترجمة الشيخ خالد الأتاسي، وممن طلبوا العلم على الأتاسي كذلك الشيخ وصفي المسدي والذي قرأ عليه حاشية ابن عابدين في الفقه الحنفي وكان يحضر هذا الدرس الشيخ فائق الأتاسي والشيخ ابراهيم الأتاسي، ومنهم الشيخ طيب الأتاسي مفتي حمص[10]، وغيرهم خلائق كثيرة، كما أن الأتاسي كان مدرسا في مسجد القاسمي[11].

الأتاسي شاعرا:
كان الأتاسي من أدباء مدينة الحمص المشاهير ومن شعرائها كغالب علماء آل الأتاسي، قرض الشعر في جميع الأغراض، وله نثر جميل، لذا تجد تقريظات له عديدة على الكتب بطلب من مؤلفيها، فمن شعره قصيدة مدح بها أنور باشا وكيل القائد الأعظم للجيوش الإسلامية العثمانية وناظر الحربية الجليلة الذي وصل إلى حمص عام 1334 من الهجرة (1915م) في وقت كانت الأمة الإسلامية تحضر للدفاع عن نفسها ضد الخطر الأوروبي الصليبي، وفيها يتضح شعور الرعية الإسلامية ممثلة في شخص الشيخ الأتاسي تجاه خليفة المسلمين وجيوش الدولة والشريعة الغراء. نقل هذه القصيدة العلامة الكبير والأديب الشهير محمد كرد علي في كتابه "الرحلة الأنورية". قال السيد توفيق أفندي الأتاسي[12]:
هذا الـجـلال وهـذه الأنـوار --
قد أشرقت فلتهنـأ الأبـصـار
يا ثغر سوريا ابتسم أنسـاً فـأف --
واه الهنا لثمـتـك والأقـمـار
والروض باكره الغمام بمـزنـهِ --
فزها وطاب وزانـه الـنـوار
والدهر وافى بالسرور وبالمنـى --
وعلى الغصون تغرد الأطـيار
يا حمص تيهي حيث زارك أنور --
ردءُ الخليفة سيفـه الـبـتـار
وكذا جمال الدين والدنـيا مـعـاً --
قطب الوغى فلك العلا الـدوار
بدرٌ تلألأ في سـمـاء بـلادنـا --
فأضاءَت الأنـجـاد والأغـوار
حسنت بمدحهما القوافي وازدهت --
وتزينت بعلاهمـا الأشـعـار
فمهابة مـمـزوجة بـلـطـافة --
دانت لها الأشـرار والأخـيار
طابت بك الأيام والـدنـيا بـمـا --
فيها وطاب بذكرك الأخـبـار
عم البسيطة والـبـرية عـدلـه --
فالخلق شخص والبسـيطة دار
لا البيد بيدا أن يهـم ونـهـضة --
نحو القنال ولا القفـار قـفـار
ولقد درى ال***ـون أن وراءه --
خطراً تقاصر دونه الأخـطـار
ولكم له في أرض مصر مفاسد --
للهيبها في الخافـقـين شـرار
وإذا طغى فرعون فيها واعتـدى --
فعصى الكليم لواؤُك الخـطـار
علم به نصر الهـدى فـكـأنـه --
علم النبي وحولـه الأنـصـار
يا واحد الدنيا الذي بشبـيهـكـم --
عقم الزمان وضـنـت الأدوار
أيدت دين الهاشمي فلـم يضـع --
لبني الشريعة عند سيفـك ثـار
يخشى مقامكم العـدو وبـركـم --
للمخلصـين سـحـابة مـدرار
لا زال أنور نوره بسما الـعـلا --
يزهو وفيه تزدهي الأبـصـار
وكذاك لا برح الجمال جمـالـه --
في الكون يسطع من سناه نهار
أيامه الأعياد وهـي نـواضـر --
زهر وعودك في العلاء نضار

وبعد، لقد كان العلامة الأتاسي محترماً ومحبوباً من الجميع، وكان يُذكر بالخير، جاء في ترجمته في كتاب "وجوه":
"سماحة توفيق الأتاسي: يكفي أن تذكر اسم توفيق الأتاسي في مدينة ابن الوليد حتى تسمع كلمات الإحترام والتقدير والإعجاب والثناء، فهو من البيت الذي اشتهر بالعلم والفضل والمجد. مفتي حمص الآن، وعالمها الفاضل، وأستاذها الكبير. مجالسه دوماً مجالس دراسة علمية وتثقيفية ممتازة، لا يطلب من الدنيا إلا أن يؤدي الخدمة التي نذر نفسه لها، وهي خدمة أبناء دينه فيما يرضي الله والوجدان. رجل وقور ومحترم من كل الأوساط، أنه توفيق الأتاسي مفتي حمص وكفى"[13].

وللأتاسي كذلك ترجمة مبسطة في كتاب "معالم وأعلام من حمص الشام" للشيخاني[14]، كما مر على ذكر "العالم الفاضل الشيخ توفيق أفندي" نقيب دمشق الشريف محمد أديب الحصني الحسيني، في تجميعه لأسماء مشاهير مدينة حمص[15].

توفي العلامة الأتاسي رحمه الله رحمة واسعة عام 1385 من الهجرة (1965م) في مدينته حمص[16] وعمره مائة وسنتان، ودفن في مدافن الأسرة. وقد كان المترجم رحمه الله متزوجاً ابنة عمه السيدة لطيفة بنت الشيخ محمود بن المفتي محمد الأتاسي كما في الشجرة الوليدية.

[1] وجدنا تاريخ الولادة في دفتر مكتوب بخط يد والده العلامة المفتي عبداللطيف الأتاسي يؤرخ فيه لولادة ابنه، والدفتر موجود عند السيد أحمد نشوان بن صدر الدين بن المفتي توفيق بن المفتي عبداللطيف بن محمد الأتاسي، وذكر الزهراوي في "الجذر السكاني الحمصي-الجزء السادس، ص 218 أنه ولد عام 1288=1871، والأدق ما أثبتناه أعلاه.
[2] تاريخ حمص-منير الخوري عيسى أسعد- الجزء الثاني، ص 413
[3] أخبرني بتاريخ توليه الفتوى جدي زياد الأتاسي، سلمه الله، وأنه ظل مفتياً حتى وفاته، وأخذنا تاريخ وفاته من ثبت الشيخ عبدالفتاح أبو غدة، تلميذه، المسمى "إمداد الفتاح" للشيخ محمد آل رشيد (ص 255).
[4] المرجع السباق- ص 498.
[5] بيان مؤتمر العلماء الأول المنعقد بدمشق-اللجنة التنفيذية المركزية للمؤتمر-ص 17.
[6] جمعية العلماء-القانون الأساسي والنظام الداخلي-ص 1-13.
[7] وتخفق الرايات: الجمعية الخيرية الإسلامية-فارس-ص 12-13.
[8] عبدالفتاح بن محمد أبو غدة (1336-1417=1917-1997م): من كبار علماء حلب، ونائب برلماني. ولد بها ودرس في مدارسها وبالأزهر (1944-1948م) وحصل على الشهادة العالمية من كلية الشريعة، ودرس في الأزهر أيضاً في "تخصص أصول التدريس" (1948-1950م)، وعاد إلى بلاده. تلقى العلم على أكثر من مائة شيخ وعالم في سورية ومصر والحجاز وتركية واليمن والهند وباكستان وأجاز عدداً كبيراً من العلماء وأجازوه في هذه الأصقاع، وكان من المحدثين المسندين. تولى الخطابة بالجامع الحموي بحلب، ثم بجامع الثانوية الشرعية. تولى التدريس في المدرسة الشعبانية والثانوية الشرعية في حلب، وفي جامعات أم درمان واليمن، وفي كلية الشريعة بالرياض (1385=1965م)، وفي المعهد العالي للقضاء، وفي قسم الدراسات العليا بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وأشرف على رسائل الماجستير والدكتوراة فيها (1965-1988م)، وكان من واضعي مناهج الجامعة، ودرس في جامعة الملك سعود بالرياض (1988-1991م). عين عضواً في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ممثلاً لعلماء سورية. انتخب نائباً عن حلب في المجلس النيابي عام 1382 للهجرة (1962م). وكان من الدعاة والمصلحين يسافر إلى إلى بلاد المسلمين كآسيا الوسطى لنشر العلم بينهم ويعمل في الإصلاح بين الفئات المسلمة كتلك التي تنازعت فيما بينها في أفغانستان. له تحقيقات ورسائل علمية كثيرة، وتخرج على يديه مئات الطلاب. توفي في الرياض ودفن بالمدينة ورثاه العلماء والشعراء والأعيان. (إمداد الفتاح-رشيد-ص 146 وما بعدها).
[9] إمداد الفتاح-رشيد-ص 255.
[10] من المقابلة التي أجراها الشيخ زهير الأتاسي مع الشيخ وصفي المسدي في جدة عام 1421 والمسجلة على شريط.
[11] الجذر السكاني الحمصي-الزهراوي-الجزء السادس، ص 218.
[12] الرحلة الأنورية-محمد كرد علي.
[13] وجوه-فوري أمين-ص 23.
[14] معالم وأعلام من حمص الشام-الشيخاني وكاخيا- ص 426.
[15] منتخبات التواريخ لدمشق-الحصني-الجزء الثاني، ص 925.
[16] أخذنا تاريخ الوفاة من ثبت الشيخ عبدالفتاح أبو غدة، تلميذه، المسمى "إمداد الفتاح" للشيخ محمد آل رشيد (ص 255).
.




http://alatassi.net/view.php?action=article&id=43