[justify]

التنمية الاقتصادية الإسلامية


أحمد حلمي سيف النصر

التنمية الاقتصادية الإسلامية قوامها الإنسان المسلم الذي تربى في مدرسة النبوة وعمل على استغلال كل ما هو متاح من الموارد وفقا للمنهج الإسلامي في العمل حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه” ويبقى الهدف الأسمى للإنتاج والتعمير “التنمية” هو مرضاة الله سبحانه وتعالى وابتغاء وجهه وليس المردود المادي فقط .

لقد سبق الاسلام كل فكر متقدم في معالجة قضايا التنمية، وإن لم يكن مصطلح التنمية موجوداً بلفظه، فقد وجد بألفاظ عديدة مترادفة، في كثير من النصوص القرآنية والسنة النبوية وكتابات علمائه، مثل “التعمير”، و”العمارة”، و”الحياة الطيبة”، و”التثمير”، فمصطلح التنمية يقترب من مصطلح العمران في الاقتصاد الإسلامي، وتعني العمران “العمل بشرع الله، لتحقيق الكفاية للجميع، للوصول الى نمو مستمر للطيبات، وذلك بالاستخدام الامثل لكل ما سخر الله من موارد”، لقوله تعالى “هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها” (هود: 61) وقوله: “من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى فلنحيينه حياة طيبة” (النحل: 97).

ويشير الباحثون إلى أن النظرة الإسلامية للتنمية (العمران)، هي نظرة شاملة تتضمن جميع نواحي الحياة المادية والروحية والخلقية، وركز الإسلام على بناء الإنسان كمحور للعملية التنموية، بوصفه الكائن الوحيد في هذا الكون القادر على إحداث تغيير وتطوير، والقيام بعملية التنمية لهذا الكون، وذلك بما اختصه الله سبحانه وتعالى عن بقية الكائنات، وقد حارب الإسلام السلوك السيئ مثل الكسل، والاتكالية وعدم السعي، الذي ينتج عنه التخلف والفقر، وهما معيقان لأي عملية تنموية وعمرانية .

فالإسلام حرص على تنمية الإنسان وموارده، ليعيش حياة طيبة هانئة مليئة بالإنجاز، كي ينال ثمرة عمله الصالح في الدنيا والآخرة .

إن ظاهرة النمو في المفهوم الإسلامي تعالج كظاهرة جزئية من عملية الاستخلاف التي تمثل إطار حركة المجتمع وتحدده، أما مفهوم “الزكاة” فيعني لغة واصطلاحاً الزيادة والنماء الممزوجة بالبركة والطهارة

وسمى الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه مادياً بمعايير الاقتصاد، لأنه ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي من الله تعالى . وهو عكس الربا الذي قال عنه الله: “يمحق الله الربا ويربي الصدقات” (البقرة: 276)

الحياة الطيبة

يتضح من ذلك أن مفهوم النمو في الفكر الإسلامي يُعبر عن الزيادة المرتبطة بالطهارة والبركة وأجر الآخرة وإن لم يتجاهل مع هذا “الحياة الطيبة” في الدنيا، بينما يركز المفهوم الغربي للنمو على البعد الدنيوي من خلال قياسه بمؤشرات اقتصادية مادية في مجملها، حيث تقوم المجتمعات الغربية بالإنتاج الكمي، بصرف النظر عن أية غاية إنسانية، وتهتم بالنجاح التقني ولو كان مدمراً للبيئة ولنسيج المجتمع، وتؤكد على التنظيم الاجتماعي ولو أدى إلى اضطهاد الآخر .

وتعد “التنمية” من المفاهيم القليلة التي تجمع بين البعد النظري والجانب التطبيقي، وتستدعي الرؤية الفلسفية والغيبية للمجتمعات ومقاصد تطورها . .فالحياة الطيبة هي فن فردي ومجتمعي يستطيع الإنسان بمقتضاه أن يحيا سعيداً، وقد استطاعت مجتمعات فقيرة أن تحقق لأفرادها المسكن والتعليم والغذاء والأمن من دون تكاليف تذكر . وأدى التحديث إلى عجز معظم الناس عن الحصول على هذه الأساسيات رغم الإنفاق الكبير الذي يُبذل؛ حيث يأتي في سياق أنظمة معيشية تتطلب تكاليف هائلة حتى يستطيع الإنسان أن يشارك فيها من دون معاناة؛ فهي مصممة للأغنياء فقط، ولتحقيق ترف مكلف وغير ضروري .

والإسلام جعله الإنسان قيمة حقيقية عندما استخلفه في الأرض بما لديه من قدرات ذهنية وجسدية، قال تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة” (البقرة:30)، ولذا فإن على الإنسان أن يغير وينمي ولا ينتظر المفاجآت الكونية والنمو الطبيعي، قال تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (الأنفال:52)، أي أن على الإنسان أن يعمل بجد لعمارة الأرض .

الاستخلاف في الأرض

إن الإسلام يعلم المسلم أن المال في الحقيقة هو مال اللّه، واللّه تبارك وتعالى هو الذي استخلفه فيه، والسائل والمحروم إذا لم يُعط حقه في هذا المال يمتلئ قلبه حقداً وحسداً على الغني الذي منعه حقه، أما إذا أدى الأغنياء حقوق اللّه في المال فإن الفقراء سيشعرون أنهم أخوة لهم، وبهذا يعيش المجتمع المسلم حياة كلها وئام وصفاء لا ترى فيها الأنانية أو النفعية الخاصة، التي لا تعرف الرحمة، ولا تعرف حق الإنسان نحو الإنسان الذي يدعو إليه دعاة (حقوق الإنسان) الذين أكلوا حقوق الإنسانية كلها تحت هذا الستار .

ونظام الإسلام الاقتصادي أفسح المجال للعاملين والكادحين لمضاعفة الإنتاج في شتى النواحي الاقتصادية والزراعية والصناعية والتجارية على السواء، وأتاح الفرصة أيضا لتسخير جميع القوى الإنسانية الفردية منها والجماعية والآلية على طول الخط، شريطة ألا تضر بالمصالح العامة لحساب المصالح الخاصة، كما أن استثمار الأموال يجب أن يبعد عن الطرق غير المشروعة كالقروض الربوية الطويلة والقصيرة المدى وما شابه ذلك من احتكار وغش وتدليس .

تلك هي بعض الأسس التي يقوم عليها النظام الإسلامي لتنظيم حياة البشرية في شتى مجالات الحياة، ولن تصل الإنسانية كافة إلى ما تصبو إليه من سعادة وطمأنينة واستقرار، وتحقق معنى الخلافة في الأرض إلا إذا طبقت منهج اللّه العادل، الذي يبدو واضحاً وواسعاً وشاملاً في الوقت نفسه .

والاقتصاد الإسلامي يؤكد على تسخير ما في السماوات وما في الأرض للناس على السواء، وحرية الكسب والتحصيل بطرق شرعية ومراعاة المصلحة الفردية على أن تكون مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد في حدود العدل والإنصاف ومحاربة الفوائد الربوية بشتى طرقها .

وتسخير الله ما في السماوات وما في الأرض للناس على السواء يدل على أن الإسلام خول للناس جميعا حرية العيش في الأرض، واستخدام الوسائل التي تمكنهم من الاستفادة مما خلق اللّه لهم في السماوات والأرض بشتى الطرق . فالله سبحانه وتعالى ذلل لهم ما خلق في السماوات وما خلق في الأرض وسخر جميع ما فيها من خيرات ومواد وخامات وجعلها معايش للناس جميعا لا احتكار فيها ولا استئثار فيها لأحد دون أحد، وهناك آيات كثيرة تشير إلى ذلك وتحث الناس على أن يشكروا اللّه على تلك النعم التي لا تحصى، مثل قوله تعالى في سورة البقرة: “هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً” وقوله تعالى من سورة الأعراف: “وَلَقَدْ مَكناكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ” وقوله تعالى من سورة الملك: “فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النشُورُ” .

تنمية شاملة

إن التنمية في الإسلام هي تنمية شاملة للإنسان، الذي يؤدي وظيفته في القيام بأعباء الاستخلاف في الأرض وإعمارها، لكونه خليفة الله على الأرض، وأن الكون سخر له من أجل إعماره أو تنميته، وهذا أمر واجب على كل مسلم فهو جانب من جوانب العبادة كما أشرنا سابقا، فالإسلام لا يؤيد “التنمية الرأسمالية التي تضمن حرية الرأي ولا تضمن قوت اليوم”، ولا يؤيد “التنمية الاشتراكية التي تضمن قوت اليوم ولا تضمن حرية الرأي” .

وقد جاء الإسلام داعماً مالياً لأي عملية تنموية من خلال مؤسساته المختلفة كالزكاة والصدقات، وهما جناحان الزامي وتطوعي، وإحياء هذه المؤسسات هو أولوية لتحقيق التنمية في المجتمعات الإسلامية .

وعليه فإن الدعوة الصادقة لتحديد المشكلات الاقتصادية التي تواجهنا ودراستها وفقاً للمنظور الاقتصادي الاسلامي فرض يجب أن يأمر به الحاكم ويطيعه المحكومون .

كما أن العمل على تنشيط الإدارات المشرفة على جباية الزكاة والبدء في تنفيذ جباية الزكاة من موازنات الشركات المساهمة والعامة ووضع السبل الآمنة لكيفية توزيعها تعتبر من الخطوات المهمة في المنظور الإسلامي للتنمية الاقتصادية . . ولاننسى البدء في مراقبة البنوك الإسلامية وتوجيهها إلى الأسلوب الصحيح الذي يبعدها عن الوقوع في الأخطاء لأن منها من له الاسم الإسلامي فقط بينما عمله التنفيذي تشوبه كثير من التساؤلات .

الرأسمالية المتهاوية

خلال العقدين الماضيين تسيد النظام الرأسمالي العالم وانطلقت الرأسمالية المتوحشة بقيادة الولايات المتحدة وفلسفة المحافظين الجدد لتستخدم قوتها العسكرية للسيطرة على ثروات العالم، وجاءت التطورات لتؤكد ما تكهن به كارل ماركس من أن الرأسمالية تحمل في طياتها بذور فنائها . .

فكما في كل الأحلام في هذه الحياة الفانية، كان حتمياً أن يتبخّر حلم الرأسمالية كفقاعة صابون مع انبلاج الخيوط الأولى لشمس النهار، حيث أفاق العالم على حقيقة أن الرأسمالية دائمة الثورة والغليان، وهي تمقت الاستقرار مقتاً شديداً وتختنق إن لم تكبر وتتوسع وتتضخم . كما أفاق العالم على حقيقة ثانية هي أن هذا الاستقرار كان وهمياً إلى حد كبير، إذ تم تمويله بالديون الضخمة، وكان لابد في يوم ما من أن تستحق هذه الديون دفعة واحدة .

أوروبياً البداية كانت في اليونان . لكن سرعان ما تمددت الأزمة إلى إسبانيا والبرتغال وإيرلندا، قبل أن تصل إلى الدول الكبرى الأربع التي تشكّل نواة الاتحاد الأوروبي: ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا . إذ بلغ الدين العام لإيطاليا 115 في المئة من ناتجها المحلي العام، 20 في المئة منه يجب أن يُدفع (أو تعاد جدولته) هذا العام . وفي بريطانيا بلغ عجز الموازنة نحو 12 في المئة، وهو الأضخم في أوروبا . وألمانيا لاتزال تسعى إلى موازنة اقتصادها على الرغم من أنها الاقتصاد الثالث الأقوى في العالم .

في ظل هذه المعطيات، شنّت العولمة الرأسمالية هجومها المعاكس ووضعت العمال والطبقات الأوروبية أمام خيارين: إما دفع ثمن الأزمات الاقتصادية، أو خسارة القدرة التنافسية في الاقتصاد العالمي .

الفرنسيون ردوا على هذا الخيار بآخر ثالث: رفض دفع الثمن والنزول إلى الشارع . وعلى رغم أن الانتفاضة الشعبية هناك لم تحقق شيئاً، إلا أنها مع ذلك كانت النذير الأول لمجابهات أخرى آتية لاريب فيها . وكما العادة في التاريخ، ماسيحدث في فرنسا، سيتردد صداه لدى بقية الشعوب الأوروبية، التي ستجد نفسها مدفوعة إلى البحث عن خيار آخر، بعد أن يُسدل الستار على مسرحية “الرأسمالية الإنسانية” . ونحن في المنظور الإسلامي للتنمية الاقتصادية لا نرفض المنظور الرأسمالي أو المنظور الاشتراكي رفضاً مطلقاً بل نتعامل معهما من خلال منظورنا الإسلامي، فما يتماشى فيهما مع تعاليم القرآن والسنة نقتبسه، وما فيهما من توجهات تختلف عن القرآن والسنة نبتعد عنها، وكل ذلك لن يتم الا من خلال الإيمان بالله ورسوله، يقول صلى الله عليه وسلم “تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً . . كتاب الله وسنتي[/justify]