النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: قالوا في حلب ...

  1. #1
    كلتاوي مميز
    الصورة الرمزية منتهى

    الحاله : منتهى غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Sep 2009
    رقم العضوية: 5426
    المشاركات: 689
    معدل تقييم المستوى : 98
    Array

    افتراضي قالوا في حلب ...







    حلب... ملهمة الشعراء العرب...بقلم محمود أسد


    لكل مدينة خصوصيتها وقدرتها على احتضان الوافدين إليها، ولحلب سحرها في انتزاع الحب والإعجاب، فكانت عبر تاريخها الممتد مبعث الإعجاب، وملاذ القوافي الساحرة...
    فيها ذرات كثيفة من كيمياء الحب والفتنة.. تاريخها سجل حافل طباعها آثرة، خصوصيتها في العلاقات الاجتماعية لافتة وفاتنة. تحكي عنها موائدها وأعراسها وحماماتها ومساجدها وقلعتها..لا عجب إن سحرت ألباب الشعراء الوافدين والمقيمين وسحرها، وجمالها ومعالمها.
    تغنّى بها أبناؤها قديماً وحديثاً، وحفرت سحرها وفتنتها في قوافي الشعراء العرب المعاصرين، هؤلاء الشعراء الذين وفدوا إليها في مناسبات وطنية وقومية واجتماعية مختلفة، ولكنهم لم يستطيعوا تجاوزها وإدارة الظهر عنها بل كانت ملهمة لهم بأبدع القصائد وأجملها.
    هذه القصائد التي تناثرت في الدواوين وكتب الدراسات وإعداد مجلة الضاد الحلبية والصحف، وكلها شكلت روافد دراستي، والمدن الملهمة للإبداع قليلة في مقدمتها حلب ودمشق والقاهرة وبغداد.. وهذا يبرز العلاقة بين الإبداع وجلال المكان وما يحويه من منشطات تثير قريحة المبدعين. حلب تملك هذه القدرة فاقترب منها الشعراء وغازلوها إعجاباً وحباً فلم يخفوا بهجتهم وسرورهم، فالشاعر الدكتور حسن إسماعيل من مصر أطلق لشعره العنان قائلاً:



    إني أحب حبيبتي " حلبا " ... والشوق يشعل مهجتي لهبا
    شهباء يا امـلا يراودني ... أشعــلت فــي آفاقنــا الشهبا
    شهباء يا فلاً يعطـــرني ... وأريجه المعطار كـم سكبا
    فلديك يحيا الفـــن مؤتلقاً ... أحييت فينا الشعــر والأدبا
    أمجادك التاريــخ خلدها ... أسفـاره قرأت لنا العجبـــا



    ثم يشير إلى بطولة سليمان الحلبي الذي مزج دمه بتراب مصر وهو يواجه القائد الفرنسي كليبر:


    بطـــــــل لدينا فيــك منبته ... طعن الغشوم مقطعا إربا
    قد هب من حلب إلى مصر ... بعروبة الإســلام منتسبا
    روى دماه تربـها عطــــراً ... فدم الشهيد يعطــر التربا
    ذكرى سليمــان تعـــاودني ... هل عادنا فيوحـد العربـا



    فالإحساس القومي بوحدة الدم والهدف والنضال تحلى بالقصيدة وهذا يدل على وعي قومي متأصل في نفوس الشعراء والأدباء فلم تعقه الحواجز والحدود ومن السعودية انطلق صوت الشاعر السعودي خالد الخنين والذي يعمل في السلك الدبلوماسي السعودي في دمشق زار حلب وألقى فيها قصائده فانتزعت منه هذا الحب والاعتراف الذين صاغهما شعراً جميلاً معبراً:


    أتيــــت أستلهــــم التــاريـــخ والحقبـــا ... وأنشد الظرف والأمجاد والأدبا
    أليـــــــس قبلي شـــــدا بالشعـــر قائله: ... وإن خلقــــت لها إن لم تزر حلبا
    يا ملعب الصيد من حمدان كم صدحت ... لك القوافـي فكنت النجم والشهبا



    وتعلو قامة الشعر والشاعر إعجاباً بماضي هذه المدينة وبطولاتها وحاضرها الواثب:


    قلاعك الشـــم ما ذلـــت ولا وهنت ... تطاول الدهــر والأنواء والسحبا
    شهبــــــاء ما لبــــس التاريـخ حلته ... إلا وكنـــت له التيجان والذهــــبا
    ولا تغنى على الأيــــام في طـــرب ... إلا وكنت عروس الشعر والأدبا
    ما سطـــر المتنبــــي وحيـــه أبـــداً ... إلا وفيك، فأبـــدى البدعـة العجبا
    يا معجز الشعر، ما أخبارها حلب؟ ... وأين خيـل بني حمـــدان والقضبا


    والقصيدة طويلة وحافلة بذكر أعلام حلب ومآثرها، فالشاعر يطرب ويشدو لهذه المكانة الممتدة في سفر التاريخ:


    هنا العراقة والأنساب طيبة ... واليوم تحفر في أعماقنا النسبا


    وقد كرم شاعر الأرز ((شبلي الملاط)) في حلب وذلك أثناء زيارته في 26/5/1934 فألقى قصيدة مؤثرة في النفوس تعبق منها قوافي الشعر وصوره الجميلة ومعانيه السامية:


    وددت لو أن في الشهباء داري ... إذا أزمعت عن وطني ارتحالا
    وإن جار الزمــــان علـيّ فيـــه ... فلست أرى سوى حلــــب مآلا



    ويعبر عن ألمه إن غادرها بعد هذه الزيارة الجميلة:


    بني أمّــــي يعــــز عليّ أني ... أشدُّ غداً إلى الوطــــن الرحالا
    وكنت أحب لو يومي تمادى ... وليلي امتـــد بينـــــكم وطــــالا
    يميناً قد شغفـــت بكم، وكنتم ... بعيني في محيّا الحســــن خالا
    وكنتم خير من كرموا نفوسا ... ومن طابوا ومن شرفوا خلالا



    إن شاعرنا لم يحجب مشاعره، ولم يخف انطباعه وآماله وهو يودع هذه المدينة.
    وقال الشاعر اللبناني المغترب إلياس فرحات وهو يكرم في حلب،.......



    يا أبا الطيـــــب في الشهباء من روحك نار ... لم يزل منها على أرواحنا يهوي شرار
    أكؤس الشهباء ما زاـــــلت على الناس تدار ... وهي من شعرك فيها لا من الكرم العقار
    يا بني الشهباء يا من بأبي الشعر استناروا ... داركم في دورة التاريــــخ للأمجــــاد دار
    أي عصر مالــــــها فيــه نمـــــــو وازدهار ... أي حرب مالكم فيــــــها بلاء وانتصـــار



    صفاء القريحة، ونقاء الفكرة، تتجلى في هذه القصائد التي تعتبر شهادات خالدة.
    وللشاعر اللبناني الأخطل الصغير قصيدة رائعة في حلب، وتعتبر من درر القصائد فيها وقالها بمناسبة زيارته حلب:


    نفيت عنك العلى والظــرف والأدبا ... وإن خلقت لهــا إن لم تزر حلبا
    خير الطريق الذي يرضى الفؤاد به ... ولا تخف فقديمـــاً ماتت الرقبا
    لو ألف المجــــــد سفراً عن مفاخره ... لراح يكتــب في عنوانـــه حلبا
    لو أنصف العرب الأحرار نهضتهم ... لشيدوا لك في ساحاتها النصبا
    ملاعب الصــيد من حمدان ما نسلوا إلا الأهلة والأشبــــال والقضبا



    ثم يشير إلى سيف الدولة ومواقفه وإلى سيف الشعر ( المتنبي ):


    ماجرد الدهــــر سيفاً مثل ((سيفهم))... يجري به الدم أو يجــري به الذهبا
    ربّ القوافي على الاطلاق شاعرهم ... الخلد والمجـــد في آفاقــه اصطحبا
    سيفان في قبضة الشهبـــاء لا ثلمــا ... قد شرفا العرب بل قد شرفا الأدبا


    فالشعراء قرؤوا الماضي، واستحضروا الأمجاد والشعراء والفن فكانت مبعث إلهامهم الشعري الجميل في هذه المدينة التي مازالت تجود بالحب والعطاء. وهناك الكثير من القصائد التي أوحت بها حلب للشعراء العرب فخليل مطران في زيارته حلب قال:

    أي هـــــذه الشهبــــــاء .... والحسن في ذلك الشهب
    حبـــذا في ثـــــراك ما .... فيه من عنصر الشهب
    ذلـــك العنصــــر الذي .... ظل حــــراً ولم يشـــب
    عنصراً قد أصاب منه .... ابن حمــــدان مـــا أحب
    وبــه ((أحمد)) ارتـقى .... ذروة الشعر في العرب

    فيشير بأحمد إلى المتنبي، وبابن حمدان إلى سيف الدولة .
    وقد أشاد الشاعر المصري محمد عبد الغني حسن بالشهباء وذلك في حفل تكريم المحامي فتح الله الصقال:


    أيــــن المنابر في الشهباء قائمة ... و أين في أمسها التاريخ والأدب
    وأيــن ملك بني حمدان مزدهرا ... يسيل منه علــــى أعطافها الذهب
    ما سميت حلب الشهباء عن ثقة ... إلا لأنــــكم فــي جــوها شهـــــب
    هي العروبة قربى بيننا، وكفى ... إنا إلى العـــــرب الأحرار ننتسب



    هذي حلب ملهمة المبدعين وسحر فاتن لأعين وأفئدة الزائرين وشعر ثري عبق يقيم الخير والحب والجمال.


    التعديل الأخير تم بواسطة منتهى ; 27-Feb-2011 الساعة 09:54 PM


    ما ضاق قلب
    قد
    احتوى معاني الرحمة

  2. #2
    كلتاوي الماسي
    الصورة الرمزية فياض العبسو

    الحاله : فياض العبسو غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: May 2007
    رقم العضوية: 119
    الدولة: حلب
    الهواية: دينية أدبية تاريخية
    السيرة الذاتيه: طالب علم
    العمل: مدرس
    المشاركات: 2,900
    معدل تقييم المستوى : 126
    Array

    افتراضي رد: قالوا في حلب ...

    لو ألف المجــــــد سفراً عن مفاخره ... لراح يكتــب في عنوانـــه حلبا

    شكرا جزيلا لكم أختي الكريمة .
    [align=center][/align]

  3. #3
    المشرف العام
    الصورة الرمزية أبوأيمن

    الحاله : أبوأيمن غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Apr 2007
    رقم العضوية: 3
    الدولة: أبوظبي
    الهواية: القراءة والتصفح
    العمر: 43
    المشاركات: 5,392
    معدل تقييم المستوى : 10
    Array

    افتراضي رد: قالوا في حلب ...

    حلب في شعر شعرائها زمن الأيوبيين ـــ د.أحمد فوزي الهيب

    ظلت حلب على مدى الأزمان عقبة كأداء مستعصية أمام الطامعين, وحباً تخفق به قلوب العاشقين, وأغنية تصدح بها حناجر المغنين، وسِفْراً عظيماً كتبت فيه الحضارة العربية الإسلامية أسمى صفحاتها, وقصيدة عصماء يزين بها كبار الشعراء دواوينهم. نجد ذلك واضحاً في دواوين شعراء سيف الدولة الحمداني قاهر الروم, وفي مقدمتهم شاعر العربية الأول المتنبي وأبو فراس الحمداني وغيرهما,كما نجد ذلك جلياً أيضاً في شعر شعرائها, من أبنائها أو من غيرهم الذين اتخذوها موطناً لهم, زمن صلاح الدين الأيوبي وأبنائه من بعده, صلاح الدين قاهر الصليبيين ومحرر القدس من رجسهم, والذين قال يوم فتحت لـه قلعة حلب ذراعيها, وصعد إليها حامداً لله تعالى معبراً عن سعادته بها: "ما سُررت بفتح قلعة أعظم سروراً من فتح حلب"([1">), ومثلما سعد هو بها سعدت هي وأهلوها به, وعبر عن ذلك الشعراء بعامة وشعراؤها بخاصة، ومنهم سعيد بن محمد الحلبي بقوله([2">):

    وصبّحتَ شهباء العواصم مُصْلتاً قواضبَ عزم لا يُفلّ شهيرُها

    فأمطيتَ منها غارباً فيك راغباً وعاد يسيراً في يديك عسيرُها

    وأوطأتَ منها أخمصيك تنوفةً يعزُّ على الشعرى العبور عبورُها

    وردَّ إليها رَوح عدلك روحَها وكانت رميماً لا يُرجّى نشورُها([3")

    وسأكتفي هنا بالحديث عن الشعر الذي قاله فيها, وفيها فقط, شعراؤها زمن الأيوبيين,مادحين لها أو واصفين لما فيها, أو معبرين عن مشاعرهم اتجاهها في حِلّهم فيها, أو متحدثين عن أشواقهم في ترحالهم عنها, سواء أكانوا من أبنائها أم من الذين طاب لهم المقام فيها, فاتخذوها لهم موطناً وسكناً.

    أعجب الشعراء بمعالم حلب الكثيرة الغنية، وأهمها قلعتها الفريدة المنيعة الشماء التي أخافت صروف الدهر وأخجلتها, وسخرت من الزمان ومعاوله وكسرتها, وقهرت الملوك القاهرين، وردتهم على أدبارهم مهزومين, قال ابن أبي منصور، علي بن ظافر([4">):

    وفسيحةِ الأرجاء ساميةِ الذُّرى قلبتْ حسيراً([5">) عن عُلاها الناظرا

    كادت لفرط سموّها وعلوّها تستوقف الفلك المحيط الدائرا

    وردتْ قواطنُها المجرَّة منهلاً ورعتْ سوابقُها النجومَ أزاهرا

    شماءُ تسخر بالزمان وطالما بشواهق البنيان كان الساخرا

    ويظل صرف الدهر منها خائفاً وجِلاً فما يمسي لديها حاضرا

    ويشوقُ حُسْنُ رُوائها مع أنها أفنت بصحتها الزمان الغابرا

    فلأجلها قلب الزمان قد انثنى قلقاً وطرْفُ الجوِّ أمسى ساهرا

    غلاّبة غُلْبَ الملوكِ فطالما قهرتْ من اغتصب الممالك قاهرا

    ووصف محمد بن محمد بن علي أبراجها العالية الحصينة وسورها المنيع([6">):

    طلعتْ نجومُ النصر من أبراجها فبروجُها تحكي بُروجَ سمائها

    والسور باطنُه ففيه رحمةٌ وعذابُ ظاهرهِ على أعدائها

    وأُعجب عبد الرحمن بن النابلسي بالميدان الأخضر الذي جدده الملك الظاهر حتى غدا مرجاً من مروج الجنة، ليكون مجرى للخيل وملعباً للكرة([7">):

    فحبذا من حلبٍ مسارحٌ للحسن روح الروح في عِيانها

    وحبذا ما تمرح الأعين في مروجه الفيحاء من ميدانها

    وما اكتست أقطارهُ من حُللٍ تنوّقَ الصانع في ألوانها

    وما جرى حوليه من جداول عينُ الحياة الوِرْدُ من غدرانها

    رَحْبُ مجال الخيل ممتدّ مدى الـ ـسابق في الحلبة من فرسانها

    لا يبلغ الغاية من أقطاره إلا فتى يُطلق من عنانها

    يشرح إذ يحلُّه صدرَ الفتى وتمرح الجياد في أرسانها

    فما لمَلكٍ لذة أحلى به من كرة اللعب وصولجانها

    كأنه بعض مروج الجنة الـ ـفيحاء قد زُحزح عن رضوانها


    وكان لنهر حلب "قُويق" منزلة هامة لدى الشعراء, فتأنقوا في وصفه والتشوق إليه, فمحمد بن محمد الخضري لا يعدل به أنهار بردى ودجلة والنيل, ويتلهف على جرعة منه تبلّ غليله([8">):

    ما بردى عندي ولا دجلة ولا مجاري النيل من مصر

    أحسنُ مرأى من قُويق إذا أقبل في المدّ أو الجزر

    يا لهفتا منه على جرعة تبلّ مني غلة الصدر

    وكذلك تمنى ابن المعجمي أن يضع فمه فيه, ويشرب منه مباشرة، ليبل شوقه الشديد إليه, ويروي منه عطشه الشديد([9">):

    فيا ليت شعري والأماني تعلّةٌ أيضحي بعيدُ الدار وهْو قريبُ

    وأكرع من صافي قويق بمرودٍ([10">) هو الدهرَ لي دون المياه حبيب

    ويرى ابن سعيد الأندلسي في شط قويق ملاعب لنسيم الصبا العليل لا تستطيع العين أن تتجاوزها إلى غيرها:

    ومجرّ الصبا بشطّ قويقٍ لا عدَتْهُ حدائق الأحداقِ

    وكان جبل الجوشن المطل على حلب مغنى للشعراء, وصفوه وتغنوا به وتشوقوا إليه, مثل ابن نوفل الذي سفح الدمع شوقاً لنفحة تأتيه منه رطبة بماء قويق, ليسألها عن أحبابه الغالين في حلب, وليطمئن عليهم, ويتلذذ بذكرهم والحديث عنهم([11">):

    صبٌّ بأنواع الهموم موكّلُ وأقلُّها لا يُستطاع فيُحملُ

    فدموعه لا تأتلي مسفوحة لوميض برق أو حمام يهدل

    أو نفحة نقلت لـه من جوشن وهضابه الأخبار فيما تنقل

    تأتي وذيلُ ردائها من ماء ور د قويقه عطِرُ النسيم مُصندل

    فتظل وهْو مكرِّرٌ تسآلها تتلو عليه وذو الصبابة يسأل

    فتعيد جامحَهُ ذلولاً طائعاً والشوق للصعب الجموح مذلِّل

    كما تغنى أيضاً ابن سعدان برقة نسيم الجوشن العليل وتلذذه بشمه واستنشاقه([12">):

    واللهِ ما خفَقَ النسيم بأرضكم إلا طربتُ من النسيم الخافقِ

    وإذا الجنوب تخطّرت أنفاسها من سفح جوشن كنتُ أول ناشق

    ورجا ابن العجمي أحبابه أن يخلّوا بينه وبين نسيم الجوشن, ليحمّله أشواقه وسلامه إليهم, وليسرح طرفه في ملاعب صباه في شعابه وهضابه الخضراء([13">):

    فخلّوا نسيم الريح من سفح جوشنٍ بما فيه منه نسمة وهبوبُ

    أحمّلها شوقاً سلامي إليكمُ فيعبق منها للجنوب جيوب

    فيسرح طرفي في ثنايات جوشنٍ بروض رعاه العز وهْو خصيب

    وذكر محمد بن محمد الخضري معالم أخرى من حلب, مثل بطياس وحيلان والميدان وغيرها, كما أقسم ألا ينسى ساعات الأنس فيها والرياض والأشجار والمنازل مدى الحياة([14">):

    كم فيكَ من يوم ومن ليلة مرَّ لنا من غُرَرِ الدهرِ

    ما بين بطياسٍ وحيلانَ والـ ـميدانِ والجوشنِ والجسر

    منازلُ لا زال خِلْفُ([15">) الحيا على رباها دائمَ الدَّرِّ

    تالله لا زلتُ لها ذاكراً ما عشتُ في سري وفي جهري

    وكيف ينساها فتى صِيغَ من تربتها الطيبةِ النشر

    وكلُّ يوم مرَّ في غيرها فغير محسوب من العمر

    يا ليت شعري هل أراها وهل يسمح بالقرب بها دهري

    وأُعجب ابن سعيد أيضاً بمتنزهات حلب التي تسر العين والقلب بتغريد طيورها وأزهار غصونها التي تتمايل للعناق([16">):

    كم بها مرتع لطرف وقلب فيه تُسقى المنى بكأس دِهاق([17">)

    وتَغني طيورِهِ لارتياح وتثني غصونِه للعناق

    ثم دعا لها ولجبل الجوشن ومنتزه بطياس والسعدي بالسُّقيا([18">):

    لا خلا جوشنٌ وبطياسُ والسعـ ـديُّ من كل وابلٍ غَيْداقِ([19">)

    وكذلك فعل ابن سعدان([20">):

    يا ديار الشام حيّاك الحيا وسقى ساحتَكِ الغيثُ الهمولُ

    وتمشَّتْ في نواحي حلبٍ شارداتُ الروض والساري البليل

    هذا الحب الشديد لحلب من أبنائها, ومن الذين نزلوا فيها, وآثروها على بلادهم, فاتخذوها موطناً و مقاماً, جعلهم جميعاً يشتاقون إليها إذا ما ابتعدوا عنها شوقاً شديداً, غنوه بأشعار رقيقة موارة بآلام الشوق والعاطفة الصادقة، مثل عيسى بن سعدان الذي ابتعد عن حلب فاشتاق إليها فمثّلها لـه البرق لامعة أمام ناظريه([21">):

    يا لبرقٍ كلما لاح على حلبٍ مثّلها نُصْبَ عِياني

    كما ذكر أيضاً في قصيدة أخرى لـه تلعات حلب الخضراء والأطلال الدارسة بسفح الجوشن مشتاقاً, واستنجد بنسيم منها يطفئ نيران آلام بعده عنها الذي طال([22">):

    يا حبذا التلعاتُ الخُضْرُ من حلبٍ وحبذا طللٌ بالسفح من طللِ

    يا ساكني البلد الأقصى عسى نفسٌ من سفح جوشنَ يطفي لاعجَ الغُلل

    طال المقام فوا شوقاً إلى وطن بين الأحصِّ وبين الصَحْصحِ الرمِلِ([23">)

    وسافر محمد بن محمد الخضري إلى دمشق, فلم يطق اغترابه عن حلب, فغدا حرّان من الوجد والشوق, فقال يخاطبها ويذكر بعض معالمها مثل العين والفيض([24">):

    أصبحتُ في جلّقَ حرّانَ من وجدٍ إلى مربعكِ النضرِ

    والعينُ من شوق إلى العين والـ ـفيض غدتْ فائضة تجري

    ومثلما اشتاق الشعراء إليها, في أثناء بعدهم عنها, اشتاقوا إلى أهلها, سواء أكانوا من أبنائها أم نزلائها, أو من الملوك والخاصة أم العامة، فهذا ملكها الأيوبي الناصر يوسف الذي سافر عنها فمنعه شوقه إليها من التهويم، بل من النعاس, فلم يجد بدّاً من أن يرسل إليها تحياته على جناح السرعة مع مسافر تحمله ناقة سريعة شديدة أصيلة([25">):

    أيا راكباً يطوي الفلاةَ بشَمْلةٍ عُذافرةٍ وجْناءَ من نسل شَدقمِ

    إذا حلباً وافيتها حيِّ أهلها وقل لهم: مشتاقكم لم يُهوِّم

    وهذا أيضاً ابن العجمي أحمد بن عبد العزيز لم يُنسِهِ بعدُهُ عن حلب وأهلها حبَّه الكبير لهم في حالتي القرب والبعد([26">):

    فيا جيرةَ الشهباء إنْ طال نأيُنا وحالت حزونٌ بيننا وسهوبُ

    صفوتُ لكم حباً على القرب والنوى فسِيّان منكم مشهدٌ ومغيب

    كما رأى أن بُعدَهُ عنها صيّر كل ما يلقاه من حسنات دهره ذنوباً, فقال([27">):

    وكل الذي يأتيه من حسناته زماني معْ هذا البعاد ذنوبُ

    فيا ليت شعري والأماني تعلّةٌ أيضحي بعيدُ الدار وهْو قريب

    وأما الحسن بن نوفل فقد اجتاحته لبعده عن حلب هموم عظيمة، أقلُّها لا يمكن تحمّله, وقد كاد يهلك كلما عنَّ لـه ذكرُها, فلم يجد سوى الآمال يلوذ بها لعلها تتحقق([28">):

    صبٌّ بأنواع الهموم موكَّلُ وأقلُّها لا يُستطاع فيُحملُ

    شوقاً إلى بلد يكاد لذكره يقضي جوى لكنه يتحمّل

    ويلوذ بالآمال علّ بعيدَها يدنو وجامحَها يلين ويسهل

    والشاعر شميم الحلّي العراقي, وهو الغريب عن حلب, يتمنى أن تتسنى لـه زيارتها, ويستقر بها, ليحمد بذلك غربته في حلب, تلك الغربة التي لا تُحمد في سواها([29">):

    لئن سمحَتْ أيدي الليالي برحلة إلى حلبٍ حلّ الحيا عندها الحِبا([30">)

    شكرتُ لما أولت يداً غربةُ النوى زماني بها شُكْرَ المُجازي على الحبا([31">)

    وابن سعيد, وهو الأندلسي, ينكر على قائد القافلة التي كانت تنقله إلى حلب كثرة وقفاتها, ويطلب منه الإسراع إليها, لأنها مقر حبه وقبلة أشواقه([32">):

    حاديَ العيس كم تنيخ المطايا سقْ فروحي من بعدهم في سباقٍ

    حلبٌ إنها مقرُّ غرامي ومرامي وقِبلةُ الأشواق

    وأما محمد بن محمد بن علي فقد رأى حلب تفوقت على غيرها من المدن بكل ما فيها, بمائها وهوائها وأبنائها ومبانيها المتميزة، فقد أزرت بضوء الشمس وبالشهب, وأنسى كرم ضيافة أهلها الغريب غربته, فقال([33">):

    حلبٌ تفوق بمائها وهوائها وبنائها والزُّهر من أبنائها

    نور الغزالة دون نور رحابها والشهب تقصر عن مدى شهبائها

    بلدٌ يظل به الغريب كأنه في أهله فاسمعْ جميلَ ثنائها

    وكذلك رآها الشاعر ابن أبي طيّ النجار أسَّ الفخار ومحل العلياء, مَن ملكها ملكَ الأرض كلها, فقال([34">):

    هي أسُّ الفخار مَن نال أعلا ها تعالى فخامة وتغالى

    ومحل العلاء مَن حلَّ فيها تاه كبْراً وعزة وجلالا

    مَن حواها مملّكاً ملك الأر ض اقتساراً سهولة وجبالا

    هذا غيض من فيض مما قاله الشعراء في حلب وعنها في العصر الأيوبي الذي أخذت فيه حلب حيّزاً كبيراً من شعر شعرائه الذين أحبوها حباً جماً, وتساووا جميعاً في هذا الحب, سواء أكانوا من أبنائها أم من غير أبنائها الذين اتخذوا منها موطناً أنساهم بلادهم وأهليهم, فمدحوها جميعاً, ووصفوها واشتاقوا إليها, وبكوها إذا ابتعدوا عنها بأشعار صادقة رقيقة وعواطف ساخنة، كما بدؤوا قصائدهم بتحيتها تحية حب وإجلال وإكبار, ودعوا لها بالسقيا على عادة الأقدمين, ووصفوا معالمها, ومدحوا أهليها, وأعطوها حقها من التقدير والتبجيل, وتحدثوا عما وجدوه فيها من منزلة ومنعة وإباء, شأنهم معها شأن كل الشعراء معها في كل زمن من الأزمان, لذلك لا غرو إذا اختارتها الأمة الإسلامية ـ هذا العام ـ عاصمة للثقافة الإسلامية.

    ________________________________________

    (* ) اتحاد الكتاب العرب ـ حلب.

    [1"> البداية والنهاية، أبوا لفداء, مطبعة السعادة، مصر 1932, 12/313,

    [2"> الروضتين, أبو شامة، ت: محمد حلمي محمد أحمد, لجنة التأليف والترجمة والنشر, مصر 1956, 2/45.

    [3"> مصلتاً: مجرِّداً, قواضب: سيوف، شهيرها: مسلولها, الغرب: ما بين الظهر والعنق, تنوفة: فلاة، الشعرى: كوكب, رَوح: رائحة.

    [4"> الأعلاق الخطيرة، ابن شداد, ت: دومينيك سودريل, المعهد الفرنسي, دمشق 1956, 1/170.

    [5"> حسيراً: كليلاً.

    [6"> إعلام النبلاء، الطباخ, المطبعة العلمية، حلب 1343هـ، 3/548.

    [7"> الأعلاق الخطيرة 1/167.

    [8"> المصدر نفسه 1/143,

    [9"> إعلام النبلاء 3/557.

    [10"> نفخ الطيب, المقري, ت: إحسان عباس, بيروت 1968, 2/326.

    [11"> الأعلاق الخطيرة 1/168.

    [12"> معجم البلدان 2, ياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي, بيروت 1979, 2/417.

    [13"> إعلام النبلاء 3/557.

    [14"> الأعلاق الخطيرة 1/166.

    [15"> هو للناقة كالضرع للشاة.

    [16"> نفح الطيب 2/326.

    [17"> ممتلئة.

    [18"> نفح الطيب 2/326.

    [19"> كريم.

    [20"> الأعلاق الخطيرة 1/165.

    [21"> معجم البلدان 1/307.

    [22"> المصدر نفسه 2/102.

    [23"> الأحص: موضع قرب حلب, الصحصحان: موضع بين حلب وتدمر (معجم البلدان 1/112, 3/394.

    [24"> الأعلاق الخطيرة 1/166.

    [25"> ذيل مرآة الزمان 2, اليونيني, دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد, 2/143.

    [26"> إعلام النبلاء 3/557.

    [27"> المصدر السابق.

    [28"> الأعلاق الخطيرة 1/168.

    [29"> المصدر السابق 1/164.

    [30"> قام للرحيل.

    [31"> العطاء.

    [32"> نفح الطيب 2/326.

    [33"> الوافي بالوفيات, الصفدي ت: هلموت ريتر, فيسبادن 1969, 1/186.

    [34"> الروضتين 2/45.
    التعديل الأخير تم بواسطة أبوأيمن ; 01-Mar-2011 الساعة 10:14 PM

  4. #4
    كلتاوي فضي
    الصورة الرمزية أبوابراهيـم

    الحاله : أبوابراهيـم غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Oct 2008
    رقم العضوية: 2841
    المشاركات: 726
    معدل تقييم المستوى : 104
    Array

    افتراضي رد: قالوا في حلب ...

    حلب...وما ادراك ماحلب...بلد الصالحين والذاكرين..
    شكراااا......

  5. #5
    كلتاوي مميز
    الصورة الرمزية منتهى

    الحاله : منتهى غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Sep 2009
    رقم العضوية: 5426
    المشاركات: 689
    معدل تقييم المستوى : 98
    Array

    افتراضي رد: قالوا في حلب ...

    بارك الله فيكم شيوخنا الأفاضل لمروركم الكريم و إضافاتكم النيرة .....
    كثير هم الذين تغنوا في حلب و عراقتها ، حتى أنني سمعت أن مجموعة أكاديمية من الغرب زارت حلب فأعجبتها أبنيتها القديمة العريقة وهم الذين قد بلغوا من التطور ما بلغ عمارتهم !

    نسأل الله أن يبارك في أرضنا و بلادنا و بلاد المسلمين أجمعين .


    ما ضاق قلب
    قد
    احتوى معاني الرحمة

  6. #6
    كلتاوي مميز

    الحاله : د.محمد نور العلي غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Sep 2009
    رقم العضوية: 5441
    الدولة: سوريا حلب
    الهواية: البحث الشعر التأليف تحقيق مخطوطات
    السيرة الذاتيه: دكتور في الحديث من جامعة الأزهر
    المشاركات: 667
    معدل تقييم المستوى : 98
    Array

    افتراضي رد: قالوا في حلب ...

    رائع ................
    جزاك الله خيرا أخت منتهى
    اطّلاعك على فكر غيرك إثراء لفكرك
    احترامك للرأي الآخر هو احترام لرأيك أولا
    ليكن نقاشك للفكر لا لصاحبه
    د. محمد نور العلي

  7. #7
    كلتاوي مميز
    الصورة الرمزية منتهى

    الحاله : منتهى غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Sep 2009
    رقم العضوية: 5426
    المشاركات: 689
    معدل تقييم المستوى : 98
    Array

    افتراضي رد: قالوا في حلب ...


    وجزاك الله خيراً شيخنا الفاضل على المرور الكريم...


    ما ضاق قلب
    قد
    احتوى معاني الرحمة

المواضيع المتشابهه

  1. قالوا عن الحجاب
    بواسطة أبو حسام الدين في المنتدى الفتاة المسلمة والأسرة السعيدة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 23-Dec-2010, 04:22 PM
  2. مباحث الأضحية
    بواسطة ابومحمد في المنتدى عالم الأحكام الفقهية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 04-Nov-2010, 08:03 PM
  3. في ذكرى الإسراء والمعراج
    بواسطة المعتصم بالله في المنتدى منتدى المناسبات الدينية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-Jul-2010, 05:11 PM
  4. حكم الغناء على المذاهب الاربعة
    بواسطة ابومحمد في المنتدى فتاوى وحوارات
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 14-May-2010, 09:29 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •