المسلمون أهملوا العلم فتخلفوا

د . محمود حمدي زقزوق

عندما يكون الحديث عن نهضة الأمة الإسلامية وتقدمها وارتقائها فإن الأمر يتطلب منا أن نحاول التعرف أولا إلى أهم الأسباب التي أدت بهذه الأمة إلى التراجع الحضاري الراهن .

وفي ضوء ذلك يمكن البحث عن أفضل السبل للخروج من هذه الأوضاع المتردية التي تعيشها الأمة منذ عدة قرون .

وحقيقة الأمر أن أي مراقب محايد يقوم بإجراء بحث موضوعي لأحوال عالمنا الإسلامي ستعتريه الدهشة وتنتابه الحيرة لما آلت إليه أوضاع هذه الأمة ذات الحضارة العريقة، الأمر الذي دعا أحد المفكرين المسلمين المعاصرين إلى وصف الأمة الإسلامية في عالمنا المعاصر بأنها “أمة حائرة في عالم محير” . ويعجب المرء أشد العجب ويتساءل: كيف يحدث ذلك لأمة ركز كتابها المقدس منذ أول لحظة على الأمر بالقراءة، والإشادة بالعلم، وبالقلم الذي هو وسيلة تدوين العلم وبالإنسان حامل لواء هذا العلم؟

إن مشكلات أمتنا الإسلامية كثيرة ومتنوعة، وفي مقدمة هذه المشكلات أو على رأسها تأتي المشكلة الحضارية، ولا نعدو قول الحق إذا قلنا إن حل هذه المشكلة يعد المفتاح الحقيقي لحل بقية المشكلات، والقرآن الكريم يعطينا في هذا الصدد إشارات هادية تضيء لنا الطريق، فلم يكن من قبيل المصادفة أن تكون بداية الوحي القرآني على محمد صلى الله عليه وسلم معنية بالدرجة الأولى بلفت الأنظار والعقول إلى مفاتيح الحضارة المتمثلة في العلم والبحث والدراسة لآيات الله في الكون وفي الإنسان .

وتأكيدا لذلك وصف القرآن الكريم العلماء بأن هم أخشى الناس لله، لأنهم الذين يستطيعون أن يدركوا أسرار الخلق وقوانين الكون وجلال الخالق، ومن هنا جعل الإسلام مداد العلماء مساويا لدماء الشهداء . وإذا بحثنا عن أسباب التدهور القائم . والمتمثل في التخلف الحضاري الذي لا تخطئه العين في عالمنا الإسلامي، فإننا سنجد أنفسنا أمام كم هائل من الأسباب على جميع المستويات الدينية والعلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها .

وحتى لا تتشعب بنا السبل في هذا المقام الذي لا يحتمل الإسهاب في القول نود أن نركز على أهم هذه الأسباب التي نعتقد أن بقية الأسباب الأخرى تتعلق بها أو ترجع إليها بشكل أو بآخر .

وأبرز هذه الأسباب في نظرنا إهمال العلم والحضارة، فليس هناك من شك في أن إهمال المسلمين للعلم والحضارة يتصدر قائمة الأسباب التي أدت إلى التراجع الحضاري في عالمنا الإسلامي، حيث لم يعد العلم ولا التقدم الحضاري يشكل أولوية في قاموس الأمة الإسلامية وأبرز مثال على ذلك يتجلى في ارتفاع نسبة الأمية في العالم الإسلامي، حيث تزيد طبقا للبيانات الصادرة عن الإيسيسكو على 46%، أي: ما يقرب من نصف عدد المسلمين في العالم، في حين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان منذ أربعة عشر قرنا من الزمان يفرج عن الأسير من غزوة بدر إذا علّم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة .

وقد تخلى المسلمون عن مفاتيح الحضارة منذ بضعة قرون وتركوها لغيرهم، واكتفوا بقشرة حضارية مستوردة يراها المرء في أنحاء شتى من العالم الإسلامي، ويعتقد البعض أننا بذلك لا نقل تحضرا عن العالم المتقدم . ولكن الحقيقة المرة هي أننا نستخدم كل منتجات الحضارة الحديثة بوصفنا مستهلكين أو زبائن دائمين في “سوبر ماركت” الآخرين . ونعتقد أننا بذلك متقدمون . ولكن الأمر الذي ينبغي ألا يغيب عن الأذهان أن الحضارة القائمة إذا باعتنا منتجاتها فلا يمكن أن تبيعنا روحها وجوهرها القائم على العلم والإبداع والابتكار، وكل المعاني التي لا تلمسها الأنامل، فعملية التحضر عملية منبعثة من الداخل أساسا، وهذا يعني أن هناك شيئاً ذاتياً أساسياً يجب أن يقود عملية التحضر . وعدم مشاركة المسلمين في صنع الحضارة الحديثة يعني أنهم قد تخلوا عن مسؤوليتهم في عمارة الأرض وتركوها لغيرهم، وهي تلك المهمة التي أكدها القرآن الكريم .

واهتمامنا بالشكل الحضاري بعيدا عن الجوهر جعلنا أيضا نختزل ديننا العظيم في مجرد أداء الشعائر الدينية المعروفة والاهتمام المفرط بالشكليات بعيدا عن جوهر الدين ومقاصده .