[justify]
النفحات الرمضانية وقاية وعلاج من جنوح الأحداث والجريمة


د . محمد محمد سعيد الصاحي



الحمد لله الذي فرض رمضان وأنزل القرآن المجيد في ليلةٍ مباركة وفي ليلةٍ خير من ألف شهر ألا وهي ليلةُ القدر، وجعل صوم رمضان فيه وقاية وعلاج من مفاسد السلوك وأمراض الروح والقلب وما يؤذي البدن، وجعل منافعه وثماره لا تعد ولا تحصى ومنها الثمرة الطيبة المباركة المتميزة بالإخلاص وهي ثمرة “التقوى” لا ينالها إلا من وقر في قلوبهم الإيمان بالله وحده إذ قال سبحانه وتعالى: “يأيها الذين آمنوا كُتبَ عليكم الصيام كما كُتبَ على الذين من قبلكم لعلكم تتقون” سورة البقرة 183 . فقد فرض الله صوم شهر رمضان لتعرف أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم قَدْرَ نعمة القرآن الكريم الذي فرق الله به بين الهدى والضلال والحق والباطل وليخرج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور وليكون للعالمين نذيراً، وفيه الشفاء والرحمة إذ قال تعالى: “ونُنزلُ من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا” سورة الإسراء الآية 82 .

فشهر رمضان سيد الشهور وهو فرصة غالية ونعمة ثمينة للأسرة المسلمة الصالحة المحبة لأبنائها والساعية لوقاية فلذات أكبادها من الانزلاق في براثن الجنوح وشرَك الجريمة والحريصة على الحفاظ على مستقبل ذريتها ومستقبل وطنهم لتكون رايته متواصلة في السمو والرفعة والرقي عبر الأزمان والأجيال القادمة حيث قال جل جلالهُ: “يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسَكم وأهليكم نارا وَقودُها الناسُ والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللهَ ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون” سورة التحريم الآية .6 ومما لا شك فيه أن الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية الأولى المسؤولة عن رعاية الأبناء والنواة الاجتماعية المهمة في احتضان الأبناء الأحداث وتقديم التوجيه التربوي للحفاظ على سلوكهم القويم . فالأسرة لها دور إيجابي وفاعل في تقويم سلوك الأبناء وجعلهم أفرادا صالحين في المجتمع . كما أن البيئة الأسرية لها دور مؤثر في تشكيل سلوك الأبناء منذ ولادتهم وصونهم من الوقوع في مهالك الجنوح أو براثن الجريمة . فتحمل الأم الصالحة والأب المؤمن المسؤولية التربوية والرعائية تنعكس ثمارها الطيبة المباركة على سلامة سلوك الأبناء وعقيدتهم وعاداتهم ليكونوا أفرادا نافعين وصالحين في خدمة أسرتهم وأنفسهم ومجتمعهم الكبير . إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا ويولد على الفطرة . فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (أي سليمة الأعضاء لا عيب فيها) هل تُحسون فيها من جدعاء (أي مقطوعة الأنف أو الأذن) ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه “فطرة الله التي فطر الناس عليها” صحيح البخاري ج1 ص456 .

وفي ذات السياق أن الأسرة عليها واجب ديني واجتماعي وأخلاقي في تحمل مسؤولية تربية الأبناء وتقديم الخدمات الرعائية والتهذيبية وإصلاح السلوك السيئ الاجتماعي الذي يقترفه الأبناء وتقويمه كل ذلك في إطار التوجيه التربوي والإصلاحي المقرون بحنان الوالدين من دون استعمال القسوة أو الشدة ابتغاء أداء الأمانة والمسؤولية التربوية والرعائية ووقاية الأبناء من الانزلاق في الجنوح أو الجريمة . فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته” صحيح البخاري ج1 ص 304 .

وعندما تحسن الأسرة المسلمة وتتمسك بالصبر بقصد تربية الأبناء التربية الصالحة وتعود ذريتها منذ الصغر على العقيدة السليمة المستمدة من ينابيع الشريعة الإسلامية الغراء فإن ثوابهم الحسنى ليس مقصوراً في الدنيا الفانية بل لهم الجزاء الأوفى في الدار الباقية ويجمعهم الله في رضوانه وينعمون في جناته الخالدة إذ يقول الحق سبحانه: “جناتُ عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكةُ يدخلون عليهم من كلّ باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار” (الرعد الآية 23)، وفي ذات المعنى يقول تعالى: “والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كلُ امرئٍ بما كسبَ رهين” (الطور الآية 21) فبمناسبة قدوم شهر رمضان الكريم ينبغي أن ينتهز الآباء والأمهات مثل هذه الفرصة العظيمة في استقبال هذا الشهر الكريم بالفرحة والسرور والحرص على إدخالها في نفوس أبنائهم من أجل تعويدهم على القيم الطيبة واستشعار النفحات الخيرة التي يحملها شهر رمضان الكريم ومساعدة الأبناء على تعلم الدروس وأخذ العبر الروحانية والربانية طوال شهر رمضان والتمسك بها بعد الانتهاء من رمضان لتكون زادا نافعا تعين الأبناء على مواصلة الاستقامة في سلوكهم وتصرفاتهم والتخلص من الشوائب والسلوكيات الشائنة وغير المرغوبة في المجتمع والمتعارضة مع الأخلاق والنظام والآداب والعادات والأعراف العربية الإسلامية الأصيلة .

غرس الوازع الديني

فمن أجل وقاية الأبناء الأحداث من الانزلاق في براثن الجنوح ومهالك الجريمة أو معالجة من يعاني الاضطراب في السلوك ينبغي على الأسرة اتباع الإجراءات والوسائل الوقائية والعلاجية للاستفادة من نفحات رمضان وغرس الوازع الديني في نفوس الأبناء وتطهير نفوسهم من السلوكيات المضطربة والتصرفات الشائنة التي تقودهم إلى الجنوح أو الجريمة . فليكن شهر رمضان أحد العوامل الوقائية والعلاجية لمساعدة الأسرة للحفاظ على أبنائها وإبعادهم من التورط في الجنوح أو الجريمة والاستفادة من نفحات وبركات شهر الخير والرحمات وفقا للإجراءات والوسائل التالية:

1- حيث إن شهر رمضان موسم تكثر فيه إجابة الدعاء فينبغي من الوالدين الالتجاء بإحسان النية والتضرع إلى الله وحده بالدعاء الخالص وطلب العون منه سبحانه في إعانتهم على التربية الصالحة لأبنائهم وأن يرزقهم الذرية الطيبة إذ قال سبحانه وتعالى: “وإذا سألك عبادي عنيّ فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون” سورة البقرة الآية 186 . فقد تضرع زكريا عليه السلام بالدعاء بأن يرزقه الله سبحانه بالذرية الصالحة إذ قال تبارك وتعالى: “وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليا، يرثني ويرث من آل يعقوب وأجعله ربّ رضياً” سورة مريم الآية 5 و6 . ومن الأدعية المستحبة لإعانة الوالدين في إصلاح سلوك الأبناء الذين يعانون الاضطراب السلوكي المؤدي إلى الوقوع في الجنوح أو الجريمة ووقايتهم منه إذ يفضل التضرع بالدعاء في قوله تعالى: “ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قُرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً” سورة الفرقان الآية 74 . وقوله سبحانه: “ . . . ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاهُ وأصلح لي في ذريتي إني تبتُ إليك وإني من المسلمين” سورة الأحقاف الآية 15 .

2- على الولدين تهيئة المناخ الأسري ونبذ الخلافات والمشاجرات التي قد تكون بينهما وأن يكون كلاهما قدوة حسنة في أقواله وأفعاله لكي يتأسى بهما أبناؤهما وأن يحرص الوالدان على غرس المحبة والمودة بين كافة أفراد الأسرة وزرع الفرحة والسعادة في وجوه ونفوس الأبناء وإشعارهم بالاستعداد لاستقبال شهر الرحمات والخير والحسنات .

3- على الوالدين شرح فضائل شهر صوم رمضان وترغيب الأبناء على صيامه وقيامه ورفع معنوياتهم النفسية وتذكيرهم بأنه شهر كريم فيه خيرات حسان وفيه يتضاعف ثواب تلاوة القرآن الكريم وفيه انتصر الإسلام على المشركين في موقعة بدر وفيه تزداد البركات والحسنات وفيه التسامح والتصافح بين المتخاصمين وتقديم الصدقات للفقراء والمساكين والأيتام المحتاجين وتبادل الهدايا والأطعمة الرمضانية والتواصل والتراحم بين الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء الصالحين .

خصلتان

وقد أجمل ذلك أن سلمان رضي الله عنه قال: “خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان، قال: يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، ومن تقرب فيه بخصلة من الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه . وشهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يُزاد في رزق المؤمن فيه، ومن فطر فيه صائما، كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء . قالوا: يا رسول الله، ليس كلنا يجدُ ما يفطّر الصائم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة، أو على شربة ماء، أو مذقة لبن . وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه فيه غفر الله له، وأعتقه من النار . واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بها ربكم، وخصلتين لا غناءَ بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان تُرضون بها ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غناءَ بكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار . ومن سقى صائماً، سقاه الله من حوضي شَربة لا يظمأُ حتى يدخل الجنة” د . وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج2 ص 572 .

4- على الوالدين وضع برنامج للأعمال اليومية التي تساعد الأبناء على الاستفادة من فضائل شهر رمضان الكريم وبيان كيفية استغلال وقت فراغهم طوال فترة شهر صوم رمضان ليكون شهر رمضان في نفوس الأبناء بأنه مدرسة إيمانية يتعلمون فيه تلاوة القران العظيم وقراءة الأحاديث الدالة على فضائل صوم رمضان وأحكامه والالتزام على أداء الصلوات المفروضة وصلاة التراويح في جماعة بالمساجد وحضور الدروس التي تقام بعد صلاة العصر والمحاضرات والندوات التي تقام بعد صلاة العشاء والتراويح .

5- لكي يتمكن الوالدان من تصحيح سلوك الأبناء وتؤتي الدروس الإيمانية والنفحات الرمضانية ثمارها الطيبة ينبغي على الوالدين الابتعاد عمّا يبثُ عبر الفضائيات من أفلام ومسلسلات مسمومة وملوثة لأفكار الأحداث .

تجنب رفقاء السوء

ويمكن للوالدين توجيه الأبناء الأحداث وإرشادهم بطريقة تربوية لمشاهدة الفضائيات أو الاستماع إلى الإذاعات الملتزمة والمحافظة على مشاعر الشهر الفضيل بما يبث على سبيل المثال من أحاديث وندوات ومحاضرات دينية وعلمية ومقابلات لكبار علماء المسلمين أو مشاهدة المسلسلات النافعة والهادفة إلى المحافظة على سلامة العقيدة الإسلامية والعادات والتقاليد العربية والآداب والأخلاق الحميدة . وإلى جانب ذلك ينبغي على الوالدين توجيه الأبناء بعدم الاختلاط برفقاء السوء والتجول في الشوارع والمحلات التجارية أو الجلوس في المقاهي والكافتيريات والسهر إلى وقت متأخر من الليل وذلك من أجل أن يتمكن الأبناء من الاستفادة من أجر وبركة تناول السحور وفضل صلاة الفجر في جماعة بالمسجد، إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “تسحروا، فإن في السحور بركة” عزالدين بليق، منهاج الصالحين، ص 184 .

6- وحيث إن شهر رمضان شهر الرحمات وشهر المحبة والألفة فعلى الوالدين تشجيع الأبناء على التواصل بين الأرحام والأهل والأصدقاء والجيران حتى تطهر نفوسهم من العزلة ويستقيم سلوكهم على الرفق والتراحم والاحترام والتعاون والتقيد بأحكام الأخلاق الحميدة والآداب الرفيعة، إذ قال الله تعالى: “والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب” سورة الرعد الآية .21 وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرحمُ معلقة بالعرش تقولُ: من وصلني، وصله الله، ومن قطعني، قطعه الله” عزالين بليق، منهاج الصالحين، ص ،368 فقد روى الطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما وقد حضر رمضان: “أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويُحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل” د . وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ص 57 ج 2 وحيث إن كافة أفراد المجتمع ملتزمون بأحكام شهر رمضان الكريم ويعيشون في بيئة روحانية وإيمانية فمثل تلك الفرصة الطيبة تساعد الأسرة على الاستفادة من نفحات وبركات صوم رمضان وتدريب الجانحين من الأبناء في إصلاح سلوكهم ووقاية الأبناء المعرضين للانزلاق من براثن الجنوح أو مهالك الجريمة على أن تتواصل رقابتهم وتوجيهاتهم التربوية والتهذيبية من خلال حصيلة الدروس الرمضانية في بقية الأيام والشهور ولتكون حصنا منيعا وزادا نافعا لحياتهم اليومية وحياتهم المستقبلية . ومما لاشك فيه أن الوازع الديني هو إحدى الوسائل العلاجية والوقائية إذا ما وَقرَ في القلب وطَهُرَت به النفس فإن له أثراً فاعلاً ودوراً مهماً في تصحيح سلوك الحدث الجانح أو ووقاية للحدث المعرض للجنوح . وخاصة أن شهر رمضان كله خير وبركة ورحمة وفيه الشفاء بتلاوة القرآن الكريم وفيه تزداد الحسنات وفيه تصفد الشياطين، وعن أبي هريرة، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: “إذا جاء رمضان، فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين” عزالين بليق، منهاج الصالحين، ص 180 فلنتضرع إلى الله عز وجل بأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا وصالح أعملنا وأن يغفر لنا ذنوبنا ويرحمنا ويعتق رقابنا من النار ويصلح لنا في ذريتنا وأن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل، إنه بالإجابة لجدير وإنه على ذلك لقدير .

[/justify]