المصلحة والعدالة دعامتا التشريع الإسلامي

د . نصر فريد واصل

مفتي مصر الأسبق


توازن التشريعات الإسلامية، بين النفع والضرر . . فما كان فيه ضرر تمنعه وتنهى عنه وما كان فيه مصلحة للإنسان تجيزه ولا تمنعه . . ولهذا فان الشريعة الإسلامية لم تحرم على الناس أمرا إلا إذا كان مفسدا لهم ولم توجب عليهم أمرا إلا إذا عاد عليهم بالنفع من دون ضرر، مثل تحريم الخمرة لما لها من آثار سيئة تعود على الإنسان .

كما أن التشريع الإسلامي يربط الحكم التشريعي بالمصلحة وجودا وعدما، فحيثما وجدت المصلحة وجد الحكم وإن كان ذلك يخفى علينا في بعض التشريعات، فتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وما في حكم ذلك يترتب عليه مصلحة وهي إبقاء حبل المودة متصلا بين الأرحام وهي مصلحة ثابتة لا تتغير بمرور الزمن بخلاف الحكم بحل ذلك، حيث يؤدي إلى تقطيع أواصر المحبة والرحم ومن هنا غلب جانب المصلحة الذي هو ثابت دائما ولا غنى عنه، فكان الحكم التشريعي بحرمة هذا الجمع بين النساء في الزواج في حالات خاصة . ولكون الحكم يدور مع المصلحة وجودا وعدما فإن الحكم قد يتغير تبعا لذلك .

والنسخ وان كان قد انتهى بانتهاء الوحي فان الشارع علل الأحكام ليرشدنا إلى أن الحكم يتبع علته ويتغير بتغيرها في الكثير الغالب من مسائل المعاملات التي كثيراً ما تتأثر باختلاف المكان وتغير الزمان، فإذا تضاربت المصالح لوحظ تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ومن اجل هذا لم تتناول النصوص التشريعية في الإسلام أحكام المعاملات بالتفصيل وإنما دلت عليها بوجه عام حتى يكون ولاة الأمر في سعة من اخذ الأحكام منها في دائرة ما يحقق الصالح العام .

والعدالة من دعائم التشريع الإسلامي . . وقد حرصت الشريعة الإسلامية على رعاية هذا الأساس التشريعي المهم في جميع أحكامها .

وأول ما يلاحظ من هذا أنها ساوت في أحكامها الدنيوية بين الناس جميعاً أما في أحكامها الأخروية فقد اقتصرت على من آمن بها وخضع لأحكامها .

ففي تقريرها لحقوق الأفراد عملت على موازنتها ومعادلتها بالواجبات فلا يكاد يوجد فيها حق الا ويقابله واجب على صاحب الحق نفسه، ومن ذلك الزوج فله على زوجته حق الطاعة ولها في مقابل ذلك حق حسن المعاشرة وعدم المضارة والنفقة، ومنه أيضاً وجوب الإنفاق في مقابلة حق الإرث . . فالذي يثبت له حق الإرث في تركة قريبه لو مات يكون عليه في مقابل ذلك واجب الإنفاق عليه في حياته، وقد استنبط الفقهاء من الفروع الفقهية بناء على ذلك قاعدة فقهية تؤكد المعنى السابق وهي “أن الغرم بالغنم” .

وأوجبت الشريعة الإسلامية التكافؤ بين العوضين في عقود المعاوضات المالية ولهذا حرمت الربا قليله وكثيره . . وقرر الفقهاء لهذا بأن المعقود عليه يجب أن يكون موجوداً عند العقد وأن يكون مقدوراً على تسليمه، لأنه إن لم يكن موجوداً بل كان ممكن الوجود مستقبلاً لاحتمل ألا يوجد أو أن يؤخذ على نحو غير الذي رغب فيه المشتري فلا يتحقق التكافؤ بين العوضين، ولو كان غير مقدور التسليم فقد يباع بأقل من ثمنه لو كان مقدوراً على تسليمه، فلو قدر عليه المشتري يكون غبنا للبائع ولو لم يقدر عليه يكون المشتري قد غبنه البائع وفي كلتا الحالتين لا يتحقق التكافؤ بين العوضين . . وتبع هذا أيضاً اشتراط الفقهاء أن يكون المعقود عليه معلوماً عند العقد علماً كافياً تنتفي معه المنازعة لأنه لو كان مجهولاً فلا يتحقق التكافؤ بين العوضين .

وأوجبت الشريعة الإسلامية القصاص لأنه يحقق المساواة في الجناية والألم بين الجاني والمجني عليه . . وقد أبطلت الشريعة ما كان يجري عليه العرب في الجاهلية من التفرقة بين الناس في العقوبة، حيث كانوا لا يقتصون من الرجل بسبب قتل المرأة ولا من الكبير بسبب قتله الصغير ولا من الشريف بسبب قتله شخصاً عادياً وأوجبت المساواة بين الجميع عند استوائهم في الجناية .