[justify]خطبة الدكتور البوطي: واحسرتاه على من أضاع هذه الأيام وما بقي منها بالفساد والإفساد
تاريخ الخطبة
‏‏الجمعة‏، 08‏ ذو الحجة‏، 1432 الموافق ‏04‏/11‏/2011‏
واحسرتاه على من أضاع هذه الأيام وما بقي منها بالفساد والإفساد
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله. خير نبي أرسله. أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى. أما بعد فيا عباد الله:
إن شهر ذا الحجة هذا واحد من الأشهر الحرم التي نوه به كتاب الله عز وجل في أكثر من موضع، وأعلن أنه معلمة بين أشهر العام للأمن والسلم والتراحم فقال عز من قائل:
(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) [التوبة : 36].
جعل البيان الإلهي أفراد المجتمع الإنساني بمثابة النفس الواحدة وحذر وبالغ في التحذير من أن يتظالم أصحاب النفس الواحدة لاسيما في هذه الأشهر الحرم ذاتها، وقال جل جلاله:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) [البقرة : 217].
أي يتضاعف وزر القتل ووزر الظلم في الأشهر الحرم، ويحذر الله سبحانه وتعالى الذين يتَحَدَّون مزية هذه الأشهر فيمعنون بالظلم لأنفسهم والقتل والإفساد ونحو ذلك.
وإن الأيام التي نمر بها يا عباد الله من هذا الشهر الحرام هي تلك الأيام والليالي التي أقسم بها الله عز وجل في محكم تبيانه عندما قال:
(وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ) [الفجر : 1-5].
إنها الأيام والليالي الأولى من شهر ذي الحجة التي نمر بها، وهي جزء من الأشهر الحرم، وقد بالغ البيان الإلهي في خصوصية هذه الأيام والليالي ونبه المصطفى r إلى ذلك عندما قال:
(ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام).
وكما أوضح أهمية العمل الصالح في هذه الأيام وقد بيَّنَ لنا المصطفى r خطورة العمل الطالح إذ يتحدى به العبد مولاه وخالقه فيحشو هذه الأيام والليالي القدسية بسخط الله سبحانه وتعالى.
ألا وتعلموا يا عباد الله أن هذه الساعات الوضيئة التي نستقبلها بين يدي يوم عرفة ويوم عيد الأضحى، هذه الساعات الوضيئة هي براعة استهلال بين يدي الرحمة الإلهية العظمى التي يُذَكَّرُنَا بها الله عز وجل من خلال أمره لنا بالتراحم، ألا تعلموا قدسية هذه الساعات التي نستقبلها الآن والتي تمتد إلى يوم عرفة ثم إنها تمتد إلى صباح عيد الأضحى؟ إنها كما قلت لكم براعة استهلال تُذَكِّرُنَا بواجب التراحم من خلال الرحمة التي يغدقها الله سبحانه وتعالى على عباده في هذه الأيام، إنها مناسبات ثلاث متداخلة كلها يهيب بالمسلمين أن يعودوا إلى الله فيتوبوا إليه ويصطلحوا معه وأن يعلنوا دخلوهم في السلم كافة كما أمر عز وجل. هذه المناسبات الثلاث تهيب بنا – أيها الإخوة – أن نقبل إلى الله وأن نصحو من ذنوبنا وأخطاءنا وانحرافاتنا.
عباد الله: إن من عرف الله أحبه، ومن أحب الله أحب عباده، هذه حقيقة لا مرية فيها، وكيف لا يحب من عرف الله وأحبه، كيف لا يحب عباده الذين أعلن الله عز وجل عن تكريمه لهم إذ قال:
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء : 70].
وإني أقول لكم بحق: لقد عرفني الباري سبحانه وتعالى على ذاته – وهذا فضل كبير منه – ومن ثم فقد غرس في قلبي قدراً كبيراً من حبه فكيف لا أحب عباده؟! كيف لا أحب عباده الذين كرمهم وقد غرس الله عز وجل في قلبي حبه؟!
تعالوا نجدد معرفتنا لهذا الإله، إن لم نكن قد عرفناه بعد، تعالوا نغرس في أفئدتنا حبه، وهل الفؤاد إلا وعاء لحب الله؟! تعالوا يا عباد الله نغرس في أفئدتنا الفرع الذي لابد أن يتفرع من أصل محبة العبد للرب عز وجل، محبة الإنسان لعباد الله سبحانه وتعالى. كيف نعبر عن حبنا لعباد الله الذين أكرمهم الله سبحانه وتعالى كما قلت لكم؟
تأملت ورأيت وعلمت أن خير سبيل نعبر به عن حبنا لعباد الله ذلك المتفرع عن حبنا لله عز وجل هو النصيحة، كل من عرف الله أحبه، وكل من أحب الله أحب عباده ومن ثم لابد أن يقيم حياته كلها على خدمة عباد الله والنصح لهم، تعالوا نتناصح، رسولنا المصطفى يقول: (الدين النصيحة) قالوا: لمن؟ قال: (لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
معنى النصيحة لله أي الانقياد لأمر الله سبحانه وتعالى إذ نتجه إلى عباده بالتناصح، الانقياد لأمر الله فيما قد شرع وفيما قد أمر وفيما قد نهى.
تعالوا إذاً نتناصح يا عباد الله.
إن هذا الدين في معتقداته وفي أحكامه السلوكية كلها إذ يطوف على محور واحد هو محور الدعوة إلى الإصلاح والابتعاد عن الفساد والإفساد، ومن ثم فقد جعل البيان الإلهي الدليل الأوحد على صدق العبد في التزامه بأوامر الله والسير على صراطه، جعل الدليل الأوحد على ذلك أن يبذل كل ما يملك من جهد لبناء الإصلاح فوق هذه الأرض التي أقامه الله عليها ولاجتثاث الفساد وأسباب الفساد أياً كانت، فإن هو سار على هذا النهج فهو صادق فيما أعلن عن عبوديته لله وإيمانه به وإن هو تجاهل ذلك فهو كاذب فيما ادعى، وصدق الله القائل:
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) [البقرة : 204-205].
وصدق الله القائل: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) [الأعراف : 56].
وانظروا إلى النصيحة التي وجهها إلى قارون فأعرض عنها واستكبر وكان عقابه أن خسف الله به وبداره وبممتلكاته الأرض، ألم يقل له:
(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص : 77].
كانت جريمة قارون أنه استكبر على هذه التذكرة فأوغل في الفساد ثم أوغل في الفساد وأعلن الباري عز وجل قائلاً:
(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ) [القصص : 81].
يا عباد الله إن بين الإفساد وبين الإصلاح تناقضاً حاداً، ولا يمكن للنقيض أن يحتضن نقيضه قط، لا يمكن لعاقل أن يتصور أن بالإمكان أن يقام الفساد أساساً لبنيان الإصلاح، من ذا الذي يتصور ذلك؟! ليس في العقلاء من يتصور أن دعائم الفساد والتخريب هي التي تكون أركاناً لبنيان الصلاح أو الإصلاح، لا يتأتى ذلك، لا يحتضن النقيض نقيضه بشكل من الأشكال يا عباد الله.
والخالق عز وجل غني عن عباده ولكنه يُبَصِّرُ عباده بالسبل التي تمد فيما بينهم آصرة الود، آصرة الحب ويهيب بهم أن يتمسكوا بهذه الآصرة وأن ينهجوا النهج الذي شرعه الله لهم لكي تكون هذه الأرض مهداً للسعادة ولا تكون سبباً للتهارج والتقاتل. أعود فأقول وأُذَكِّر بكلام رسول الله r: (الدين النصيحة) لمن (لأئمة المسلمين وعامتهم).
وها أنا أتوجه بهذه النصيحة إلى نفسي أولاً ثم إلى أئمة المسلمين في هذه البلدة وعامتهم، أجل، ولا أتوجه بهذا إلى نفسي وإليهم جميعاً إلا من منطلق حبي لله أولاً ثم حبي لعباد الله ثانياً:
عباد الله أياً كنتم: الإصلاح الإصلاح، التسامي التسامي فوق مهايع التخريب والفساد، إياكم وأن توغلوا فيما أوغلت به بنو إسرائيل إذ ذَكَّرَهُم الله عز وجل فاستكبروا على تذكرته، ألم يقل:
(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) [المائدة : 32].
استكبروا على هذا فكانت العاقبة أن أعلن الله عز وجل لعنته على هؤلاء، اقرؤوا كتاب الله، اقرؤوا قوله بعد ذلك:
(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) [النساء : 93].
أجل أقول هذا لكل مؤمن، أقول هذا لكل إنسان: ما ينبغي أن تمتد اليد – اليد الإنسانية – إلى أخٍ في الإنسانية بقتل، بظلم، بإساءة، أياً كان هذا القاتل وأياً كان هذا المقتول، مهما كانت مكانته وسدته في المجتمع إلا بحق، وأنتم تعلمون ضوابط الشريعة الإسلامية بل الضوابط الإنسانية التي توضح لنا الحق، فكيف بمن نسي وصايا الله وأوامره وكيف بمن يتحدى هذه الأوامر ومتى؟! في الأشهر الحرم! ومتى؟! في العشر الأفضل الأفضل الأفضل من كل الليالي من هذا الشهر الذي هو واحد من الأشهر الحرم، ومتى؟! في تلك الساعات الوضيئة التي هي براعة استهلال بين يدي يوم عرفة، بين يدي يوم عيد الأضحى، تلك الساعات التي يتجلى ربكم فيها عليكم برحمته لكن من خلال دعوته لكم إلى أن تتراحموا.
يا عباد الله: أدعو نفسي أولاً وأدعو كل أخٍ لي في الإنسانية ثانياً غرس الله في قلبي تكريمه بعد أن كرَّمه الله وغرس في قلبي وده بعد أن أحبه الله، أدعو نفسي وأدعو كل واحد منكم إلى أن نصطلح مع الله في هذه الساعات، إلى أن نؤوب إلى الله عز وجل في هذه الساعات، لا أتصور أن فينا من يعشق الإفساد والتخريب، لا أتصور، كيف أكون إنساناً ثم إني أطرب وأنتشي بمظاهر التخريب والفساد والقتل، كيف؟! حتى لو كنت مسؤولاً، حتى لو كانت لي مرتبة أياً كانت في المجتمع الإنساني، لا يمكن. لابد أن يكون الإنسان وهو إنسان ممن يطمح إلى الإصلاح، ممن يطمح إلى محاربة الفساد والإفساد، قد نخطئ، كلنا يخطئ، وقد يوغل في طريق حسبه يؤدي إلى الغاية فتبين أنه طريق لا يؤدي إلى الغاية، ولكن العود بابه مفتوح والتوبة بابها مفتوحة، ومن يقبل التوبة إلا الله، من ذا الذي يغفر الذنوب إلا الله.
عباد الله: أجدني في هذه الأشهر الحرم، وفي هذه الأيام المباركة، في هذه الليالي التي أقسم الله عز وجل بها وفي هذه الساعات التي هي براعة استهلال بين يدي يوم عرفة ويوم عيد الأضحى المبارك أجدني مدعواً إلى أن أقبل إلى الله فأعلن اصطلاحي الجديد معه، أعلن توبتي إليه أنا لأنني مثقل بالأوزار فعلاً، أجدني مدعوٌّ وبيني وبين الموت لا أدري كم من المسافات الزمانية أجدني مدعواً إلى أن أعلن توبتي وإنابتي إلى الله، فهلا اشتركنا يا عباد الله في أن نطرق باب الله الذي لا يُغْلَق نقول: ها قد عدنا إليك يا رب العالمين، ها قد تبنا إليك يا رب العالمين فاقبل الله توبة التائبين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.[/justify]