صحوة القلب المريض
في ليلة ليلاء ، يسودها السكون والحيرة ، جلس العاشق متخفياً تحت أستار الظلام ، وكأنه خجل مما ألم به من بعد وقطيعة ....
لقد رقد كل من حوله ولم يرقد ، وغطوا في سباتهم ولم يذق سنة من نوم ، جلس ينادي مولاه :
مولاي أجفاني جفاهن الكرى ، وعيناي أعياهن الأرق...
وراح يبحث عن سبب ما ألم به من كرب وحيرة ، ولكن دون جدوى ، وأنى للعقل وحده أن يدرك ما هو فيه ..
يتأمل في الأفق ، ويقلب نظره في السحاب الداكن ، ويستغيث بربه ومولاه ، لعله يفرج ما به من كرب
وبات ليله قائماً يدعو ربه ، ولكن أنى يستجاب لمن ابتعد عن الحبيب ، ونسي العهد الذي بينه وبينه ، أنى لدعواته أن ترفع إلى السماء فضلاً عن أن تدق أبواب الإجابة ...
ولكنه لم ييأس قط على ما حل به من الكرب ، وجلس يسترجع ماضيه وذكرياته ، وبينما هو على هذه الحالة إذا بالبدر المنير يزيح الغمام بنوره وبركاته ، وإذا بعناية الحبيب تأبى أن تترك أحدا تعلق يوماً من الأيام بأستار المحبة ...
ولم يلبث هنيهة حتى بدأت إشعاعات الحبيب تطرق قلبه ، وتنادي وجدانه :
أي بني أنسيت العهد الذي بيننا وبينك!! ، فإن كنت نسيت فإنا لا ننسى ، وإن كنت جفوت فإننا لا نجفو ، نحن الذين نعطي ، ونحن الذين نعفو ، ونحن الذين نحسن ، أنسيت تلك الأيام والليالي ، أم حجبتك عنها الدنيا بأقنعتها الزائفة....
أي بني : ألم تعلم بأننا نرعاك من المهد ، بل مذ كنت في الرحم جنيناً ، فما أصابك ، أرضيت بالحياة الدنيا من حبنا ، فما متاع الحياة الدنيا في هوانا إلا قليل ....
من دخل دارنا حاشا أن نضيعه وقد أصبح ضيفنا ، ألم يأن لك أن تصحو من سكرتك وتعود إلى حقيقتك ، فنحن حقيقتك ونحن سر وجودك ....
وظل الحبيب يعاتب ... فكانت كلماته تقع في القلب أشد من وقع السيوف ، وعرت العاشق رعشة تمشت في جسده كأنها صعقة كهربائية تعيد القلب إلى الحياة من جديد ...
وانهمرت الدموع من عينيه فكأنها شفيع تطلب الشفاعة من الحبيب ،ـ وتلظى القلب بنار الحياء والندم
ولكن الحبيب استمر في عتابه ، فكأنه ينفي الخبث من القلب المريض ، ويصليه نارا متلهبة ليصفو مكنونه ، ويظهر كنه ذاته ، أو كأنه يمسح الغبار المتلبد على تلك الجوهرة – وكيف لا يكون قلب أحبك يا سيدي وعشقك كذلك – لتعود براقة لامعة تخطف أبصار الناظرين ..
ولما أخذت اللوعة مأخذها منه ، ووقع في بحر من الحيرة ، أيعتذر من حبيبه ولكن كيف لكلمات الاعتذار أن تكفي ، أم يقتل نفسه فذلك جزاء من خان عهد المحبة ...
إذا بالرحمة المهداة تكشف أنوارها أمام عينيه ، وصوت من الداخل يناديه ، تعال إلي يا بني إن لم نكن نحن أهل العفو وأهل المودة فمن يكون ، تعال إلي يا بني فما أنا بمن يجفو أحبابه
إيه يا سيدي.... إيه يا حبيبي.... فإن كلماتك تبعثني من حياة إلى حياة ، وأنفاسك تغذي قلبي بالنبضات ...

كيف لا وهو نور الأبصار وضيائها ، وعافيه الأبدان وشفاؤها ...
وبدأت كلمات سيدنا رضي الله عنه ، تترنم في أذنيه ، فكأنها أغنية تحدو به إلى الكلتاوية ، إلى منبع النور الصفاء ، إلى تلك الأرض المقدسة ...
ولما أبصر العاشق أرض حبيبه عصفت به العبرات الخانقة، واحتضنته نفحات الحنان ، فتلك هي الكلتاوية ، تلك أرض حبي التي تملأها السكينة وتغشاها الرحمة
وراح يصعد تلك الدرجات المقدسة الواحدة تلو الأخرى ، فكأنه يجتاز السموات الطباق ، وهو على متن براق أشواقه وحنينه ، وصدح القلب بنبرات اللوعة ، كما تفعل البنية التي لاقت أمها بعد طول غياب ..
وتجلت ليلى وانكشف الستار ، وما إن أبصرت عيناه تلك المعالي ، حتى غدا المحب شخصاً آخر ، لا يعرف معنى للحياة إلا بحبيبه ، ولا تقر عينه إلا برؤيته ، فنظرة منك يا سيدي كافية لأن تقلب أعتى الطغاة ، وتجعله من عشاقك ...
إنها النظرة النبهانية التي تشع على الوجود النور ، ولولا تلك النظرة يا سيدي لما صلح لذي دين دينه ...
إنها النظرة التي تقف الشمس كل يوم بين يديها فتنال من بركاتها وتستأذن بالشروق ...
تلك العينان الكحلاوان ، التي هام بها أهل الله في الشرق والغرب ، إنهما عينا وارث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظراته ...
وسكر الموله سكرة لم يفق منها وما أراه يفيق ، إنها خمرة الحبيب قد طاب شرابها وشاربها، خمر تسبي عقول الشاربين ....
وتوالت نظرات الحبيب عليه فكانت كل نظرة ترفعه من منزلة إلى منزلة حتى هام وصاح بأعلى صوته :
زدني بفرط الحب فيك تحيرا ، واحرق حشا بلظى هواك تسعرا ، احرقه يا سيدي بحبك ، لعله يكفر آثام بعده وقطيعته ...
آه يا كلتاوية ، يا من احتضنتي غرفة سيدي ، لو أني ذرة في أرضك ، أو نسمة في هوائك
سيدي ومولاي وولي نعمتي : إني أتوب إليك مما اقترفت ، وأعدك وأعاهدك ألا يحوز القلب غيرك ، كيف وقد ملك حبك كياني وملأ أرجاء قلبي ...
ألستم سيدي أنتم عمادي ، وقلبي باسمكم دوماً ينادي ، يردد آهات تبرح مغرما ، بذكر الحبيب فؤاده متمادي ، إذا ما الليل أرخى سدوله ، عليه وانفض النوادي ، فما للحب قد حرم الكرى ، عليه وأورثة ذوق السهاد ، أبا أحمد المعطاء إني ، بحبك مستهام القلب شادي
ولما وصل العاشق إلى أقدام حبيبه ، وراح يلثمهما ويقبلهما ، أخذ الروح باريها ، مطمئنة راضية مرضية ...
من مولى يطلب العفو من مولاه