"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم . .


بقلم : د . أحمد عمر هاشم

عضو مجمع البحوث الإسلامية - رئيس جامعة الأزهر الأسبق


وجّه القرآن الكريم أنظار الناس إلى السير في الأرض والنظر فيها بعين الاعتبار ليعرفوا ما حدث للذين من قبلهم “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين”، وهذا الذي حل بهم من هلاك وابتلاء، حتى كانت بيوتهم خاوية، وكان ذلك بسبب تكذيبهم وكفرهم بالنعم التي أنعم الله بها عليهم .

وإذا كان ربط الصلة بالله على أساس متين، وربط الصلة بالمجتمع، والدعوة إلى الخير من ركائز التمكين في الأرض، فإن هناك أسساً أخرى لا تقوم سعادة الفرد أو الجماعة، ولا الذكر ولا الأنثى، ولا الأسرة أو الهيئة أو المجتمع أو الأمة . . إلا على أساسها .

وقد حددها القرآن الكريم وجعل منها نظاماً إلهياً يربط به سعادة الفرد والجماعة . قال سبحانه وتعالى: “من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون” .

وهكذا نرى أن الله تعالى يوفر لعباده أسباب الحياة الطيبة، وهي السعادة والاستقرار والأمن والتمكين في الدنيا . وأما في الآخرة، فإن لهم جزاء وافراً على ما كانوا عليه من إيمان واستقامة، وهذا الجزاء ليس بمقدار ما كانوا يعملون ولا أوسط ما كانوا يعملون ولا أدنى ما كانوا يعملون وإنما هو جزاء “بأحسن ما كانوا يعملون” .

ومن أهم أسباب السعادة والتمكين، ما تحدث عنه القرآن في قوله تعالى: “فأما من أعطى واتقى . وصدق بالحسنى . فسنيسره لليسرى . وأما من بخل واستغنى . وكذب بالحسنى . فسنيسره للعسرى . وما يغني عنه ماله إذا تردى” .

وهكذا نرى كيف سعى الناس في الحياة، فمنهم من يتجه إلى ما فيه الخير، فيزداد بالخير والحسنى، ومنهم من يتجه بغير الخير، فيتردى في العسرى، ويؤكد القرآن الكريم الوعد الحق بالحياة الطيبة وبالسعادة والتمكين، وبالرغد في العيش لمن استقاموا على الجادة وساروا على هدى الله ونوره، بأن الله سبحانه وتعالى يزيل عنهم كل أزمة أو ضائقة ويدفع عنهم كل بلاء وكارثة، ويأتيهم بالرزق من كل مكان وينزل عليهم بركات من السماء والأرض . قال سبحانه: “ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض” . وقال تعالى: “ومن يتق الله يجعل له مخرجاً . ويرزقه من حيث لا يحتسب” .

وتكشف السنة الشريفة مع كتاب الله تعالى عن أسباب الكوارث والضائقة المالية أو الضائقة النفسية، وما يصيب الإنسان، وأن لذلك سبباً مباشراً هو عصيان الله وعدم الاستقامة على منهج الحق، وذلك بارتكاب الذنوب . يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه “والذي نفس محمد بيده، ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر” . ويقول الله سبحانه وتعالى: “وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير” .

وقد ضرب الله الأمثلة في القرآن الكريم بتلك الأمم التي ظلمت وكفرت، فذهبت وزالت، وأصبحت أثراً بعد عين، وذلك بما جحدوا وكفروا وظلموا أنفسهم بأيديهم، وما ربك بظلام للعبيد . فنبه كل الظالمين بهذه العبرة ليكون لهم في ذلك ما يوضح لهم حقيقة الأمر في الحياة، وأن الله لا يغفل عما يعمل الظالمون . قال تعالى: “ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء . وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال . وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال” .

فالقرآن الكريم يركز كل أسباب السعادة والتمكين والنصر والاستقرار في الحكم بما أنزل الله . يقول سبحانه: “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً” .