كيف واجه الاسلام مظاهر الفساد؟

بقلم أحمد حلمي سيف النص
ر

الفساد ظاهرة عالمية، فلا يوجد أى مجتمع من المجتمعات سواء فى دول العالم المتقدم أو المتخلف مستثنى من هذه الظاهرة، وانتشار الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ والوساطة كلها تعتبر من صور الفساد، وعدم الاخلاص فى العمل والتقصير فيه وعدم إنجازه فى موعده فى انتظار رشوة كلها صور من أكل أموال الناس بالباطل .

الرسول صلى الله عليه وسلم وضع الأساس المتين لبناء المجتمع السليم ولاسيما في ما يتصل بقضية الرشوة فقال عنها رسول الله “الراشي والمرتشي في النار” فهي عمل لا أخلاقي ويتنافى مع الدين ومع صالح المجتمع ولا تقره المجتمعات ولا الشرائع السماوية كلها أو الصالح العام ولا الضمير السليم، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون) . البقرة 188 ويقول في ذم اليهود: (أكالون للسحت) (المائدة 42) ولا شك في أن الرشوة من السحت كما فسر ابن مسعود رضي الله عنه الآية بذلك .

والرشوة اصطلاحاً هي: بذل المال للتوصل به إلى باطل، إما بإعطاء الباذل ما ليس من حقه، أو بإعفائه من حق واجب عليه

وفي اللغة: رشا: والرشو: فعل الرشوة، يقال: رشوته . والمراشاة: المحاباة (معجم المخصص لابن سيده): وجمع الرشوة رشى، قال سيبويه: من العرب من يقول رشوة ورشى وقال ابن الأثير: الرشوة الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به إلى الماء، فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ، والرائش الذي يسعى بينهما .

ذنب عظيم

عد بعض العلماء الرشوة من الكبائر، ومما يدل على ذلك ما رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش) ومعلوم أن اللعن لا يكون إلا على ذنب عظيم ومنكر كبير .

إن الإنسان الذي تحمل الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها هو بظلمه وجهله، مطلوب منه أن يؤدي الأمانة على الوجه الأكمل المطلوب لينال بذلك رضا الله تعالى ويكون سببا في إصلاح المجتمع، أما إذا ضيعت الأمانة ففي ذلك فساد المجتمع واختلال نظامه وتفكك عراه وأواصره وإذا فشت الرشوة بين الناس فلا شك في أن مجتمعهم فاسد، محكوم عليه بالعواقب الوخيمة، وبالهلاك المحقق .

لقد اقتحمت الرشوة الكثير من الجوانب في المجتمعات المختلفة حتى لم يكد يسلم منها مجال من المجالات، فبسببها يقضي المرتشي لمن لا يستحق أو يمنع من يستحق أو يقدم مَن ليس من حقه أن يتقدم ويؤخر الجديرين بالتقدير والتقديم، أو يحابي لقرابة أو جاه .

ومن صور الرشوة ان يقوم الشخص بدفعها للمسؤول عن الوظيفة فيعينه رغم استحقاق غيره، وهذا إضافة إلى أنه أكلٌ للحرام وسحت خيانة للأمانة؛ حيث ينبغي أن يوظف الأصلح والأكفأ: (إن خير من استأجرت القوي الأمين) (القصص26) .

حكم الهدية

مما لا شك فيه أن الرشوة والهدية قد يشتبهان في الصورة لكن الفرق الرئيس بينهما هو في القصد والباعث على كل منهما حيث إن قصد الْمُهْدِي في الأساس هو استجلاب المودة والمعرفة والإحسان اما غير ذلك فالقصد هو المصلحة الخاصة .

وذهب كثير من أهل العلم إلى أن أخذ المسؤول للهدية هو نوع من الرشوة؛ لما رواه الشيخان عن أبي حميد الساعدي قال: (استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتيبة على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أُهدي لي . قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: (ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أُهدي لي! أفلا قعد في بيت أبيه “أوفي بيت أمه” حتى ينظر أُيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر) ثم رفع يديه حتى رأينا عُفرتي إبطيه، ثم قال: (اللهم هل بلغت؟) مرتين .

قال النووي رحمه الله: في الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول؛ وقد بين صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه السبب في تحريم الهدية عليه وأنها بسبب الولاية بخلاف الهدية لغير العامل فإنها مستحبة، وأما ما يقبضه العامل ونحوه باسم الهدية فإنه يرده إلى مُهْديه، فإن تعذر فإلى بيت المال .

وقال ابن بطال: هدايا العمال تُجعل في بيت المال، وإن العامل لا يملكها إلا إذا طلبها له الإمام .

والهدايا الممنوحة للموظفين إذا كانت على الصفة التي تكلمنا عنها سابقاً هي نوع من الرشوة، ولكن ماذا يفعل صاحب الحق في مجتمع فشت فيه الرشوة، وفسد المجتمع حيث لا يستطيع أن يصل إلى حقه إلا برشوة يدفعها؟

قرر فريق من العلماء في مثل هذه الحالة أن الإثم يقع على الآخذ ويبرأ المعطي من الإثم إن كان عطاؤه بغرض التوصل إلى حق أو دفع ظلم قد يقع على النفس أو الدين أو المال .

وإذا كان العلماء قد أفتوا بجواز الدفع عند الاضطرار مع إثم الآخذ، أفلا يدل هذا على أن الرشوة نوعٌ من السرقة؟ بل قد تكون أقبح؛ لأنها تفسد ضمير المسؤول، وتجعله يهضم الحقوق من أجل مصلحة الراشي، وحينئذ يفسد جهاز الدولة ويصبح ألعوبة بأيدي المجرمين وأصحاب الأهواء الظالمين الذين بأيديهم أموال يبذلونها رشوة لمن بأيديهم الأمر من أصحاب المناصب العامة .

فتنة المال

ومن آثار انتشار مثل هذه الأمراض واستحلال الناس للأموال الحرام انتشار الأمراض المهلكة وفساد الذمم والانسجام مع ذلك الفساد يقول صلى الله عليه وسلم: “أيما جسم نبت من سحت فالنار أولى به” فإذا ترعرع الأطفال على أكل الحرام وربى الأب أبناءه على الحرام فإنه لن ينتظر منهم خيراً في مستقبلهم فأبناء الحرام هم كل من جاؤوا نتيجة حرام فقد يتزوج الشاب من مال حرام ويطعم زوجته حراماً، وبالتالي يكون الابناء أبناء حرام في المطعم والمسكن والملبس والتربية .

ومن رحمة الله بهذه الأمة أنه أخبرها بما سوف تلقاه من الفتن ودلها على سبل الوقاية والحماية منها، وقد جاء ذلك في كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الفتن التي وقعت فيها هذه الأمة هي فتنة المال، وما أدراك ما المال؟ المال أذلّ أعناق الرجال، والمال غيّر المبادئ، والمال أفسد أمور الدين والدنيا إذا أخذ بغير حق .

والله سبحانه أخبر بأن المال مما فطر الناس على محبته وأنه شهوة من شهوات الدنيا، “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً” (الكهف:46)، وقال جل وعلا عن حال الإنسان مع المال: “وَتُحِبونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً” (الفجر:20)، كما وصف سبحانه المال بأنه فتنة: “وَاعْلَمُواْ أَنمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَن اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ” (الأنفال:28) .

خطأ شائع

وعلى الجانب الآخر يقول فريق ثان من العلماء إن الرشوة هي الرشوة صغرت أم كبرت ويخطئ من يتصور انه بعيد عن الاثم ما دام لم يحصل على رشوة أو لم يقدم رشوة لأحد وهويعرف المرتشين أو قد يدل عليهم أصحاب المصالح فكل من شارك في عملية رشوة حتي بمجرد الصمت شريك في الاثم كذلك كل من علم ولم يبلغ عن هؤلاء المجرمين شريك لهم ايضا .

وهناك حقيقة مهمة وخطأ شائع تسبب باستشراء هذا المرض الاجتماعي الرهيب ألا وهو تصور أن الرشوة لقضاء المصالح حلال بشرط ألا يسبب ذلك أذى لأحد أو حرمان آخرين من حق والحقيقة ان الرشوة هي الرشوة سواء أضرت آخرين أو لم تضرهم لان المنهج الإسلامي جاء للقضاء على الأمراض الاجتماعية قضاء مبرماً فإذا تهاونا وترخصنا في مثل هذه الأمور غلبنا المرض الاجتماعي وانتصر علينا وهذا ما حدث فالرشوة حرام على الاطلاق والذين يقولون إنه يجوز للإنسان ان يدفع ما دامت مصلحته تقضي بذلك وما دام دفعه لن يضر آخرين إنما يفتحون باباً واسعاً لانتشار الرشوة واستشرائها إلى درجة رهيبة نقرأ عنها كثيرا الأمر الذي يضر بالاقتصاد والناس ويصل بالرشوة إلى أن تصبح سلوكاً يكاد ان يكون عادياً .

ومن الاخطاء الشائعة بين الناس ان المسلم عليه ان ينأى عن الجريمة وانه يكفيه ألا يكون طرفاً فيها وينسى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” وينسى تحذير القرآن من عدم التناهي عن المنكر يقول تعالى: “لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) ومن هنا فإن كل من يعلم بجريمة من دون أن يشارك في منعها بالتبليغ عنها هو آثم .