موقف الاسلام من التدخين

د . عكرمة صبري

* رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس


تُعد مشكلة التدخين من المشكلات المستفحلة في مختلف أرجاء العالم، وقد تبين بعد التحليل الكيمياوي للدخان أنه يحوي مئتي مادة كيماوية، منها مواد سامة، مثل: النيكوتين، السيانيد وحامضه، القطران، البيوتان، الامونيا، الايدروجين ا لمكبرت، حامض الكبريتيك، الرصاص، اول أكسيد الكربوليك . ومن التحليل أيضاً تبين أن اثنتي عشرة مادة من مركبات الدخان تسبب مرض السرطان بمختلف أنواعه .

وبعد دراسة التحاليل المخبرية الدقيقة للتدخين فإني أرى أن عدداً من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة لها علاقة بالتدخين، وأشير أولاً إلى الآيات الكريمة حسب ترتيبها في القرآن الكريم:

- “ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً” (سورة النساء الآية 29)، لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بالعقل والجسم وسائر الأعضاء، وأمره بالمحافظة عليها، وعدّ التعدي عليها جريمة يعاقب الشرع عليها، وهذه الآية الكريمة تنهى عن قتل النفس فقتل النفس، كما هو معلوم محرم شرعاً، وأن المدخن الذي يعلم أن الدخان مركّب من مواد سامة ويستمر في تدخينه فكأنه يقتل نفسه، وبخاصة أن المدخن يسمع ويشاهد عدداً من المدخنين قد أصيبوا بأمراض سرطانية وبأمراض أخرى ناجمة عن التدخين وماتوا على إثرها، فكأن المدخن يصر على قتل نفسه .

- “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين” (سورة الأعراف الآية 31)، في هذه الآية الكريمة نهي عن الإسراف، وهو بذل المال في طرق غير مشروعة، فالمال الذي ينفق في سبيل الدخان يعد إسرافاً، لأن الدخان شيء ضار وفيه أنواع من السموم، وفي كثير من الأحيان يضيّق المدخن على عائلته في الإنفاق نتيجة شرائه للدخان، فالتدخين أوقع المدخن في محظور آخر من الناحية المالية .

- “ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث” (سورة الأعراف الآية 157)، والخبائث هي ما أضرت بالعقل أو بالجسم أو بالمال . وكما هو ملاحظ فإن الدخان مضر بالأمور الثلاثة جميعها فهو من أشد أنواع الخبائث، كما هو واضح لدى المدخنين، فيدخل الدخان في حكم التحريم .

- “وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً” (سورة الإسراء الآيتان 26 و27) . فإن التبذير منهي عنه، وإن المبذرين هم إخوان الشياطين لأن التبذير هو إنفاق في غير حق .

أما الأحاديث النبوية الشريفة، فأكتفي بإيراد ثلاثة منها:

- روت الصحابية الجليلة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر (أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه)، ويضبط لفظ “مفتر” بضم حرف الميم وتسكين حرف الفاء وكسر حرف التاء، أو بضم حرف الميم وفتح حرف الفاء وتضعيف حرف التاء بحركة الكسر . والمفتر هو ما أدى إلى تفتير في الأعصاب وضعف في الأعضاء، وهذا ما ينطبق على الحشيش والكوكايين والأفيون والدخان، مع تفاوت في التأثير المباشر . ولدى استعراضنا لآراء الأطباء والمختصين حول الدخان فإنهم يجمعون على أن الدخان مفتر فيقع الدخان في دائرة المنهي عنه .

- عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من تردى من جبل وقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن يحّس سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً . . .” (متفق عليه) . وقد أوضح هذا الحديث النبوي الشريف أن من يشرب أو يتجرع مادة سامة قاتلة وأدى ذلك إلى هلاكه فإنه يعد منتحراً، وأن مصيره في الآخرة بالكيفية التي مات بها، ومن المعلوم أن الدخان يشمل مواد سامة، وأن الذي يدخن فإنه يقوم بعملية انتحارية بطيئة لاستنشاقه أو بلعه هذه المواد .

- عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال . وإضاعة المال” (أخرجه مسلم وأحمد) . وإضاعة المال تشمل الإنفاق في الأمور المحرمة، كالقمار وشرب الخمر مهما بلغ مقدار المصاريف . وكذلك فإن شراء السم ليقتل الإنسان نفسه أو يقتل غيره فيه إضاعة للمال، وكراهة الله عز وجل للشيء يعني تحريمه .