Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get 

Adobe Flash player

 

 
 
العودة   منتديات أحباب الكلتاوية > المنتديات الإسلامية > المكتبة العلمية
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة
المكتبة العلمية جديد الكتب والمقالات والأبحاث

 
 
رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 21-Feb-2008, 12:51 AM   #1
معلومات العضو
كلتاوي مميز
 
إحصائية العضو

رقم العضوية : 561
تاريخ التسجيل : Jan 2008
المشاركات : 622
العمر : 39
الإتصال : أيمن السيد غير متواجد حالياً
المواضيع : 138
مشاركات : 484

افتراضي كتاب الحب والمحبة الإلهي للشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي

كتاب (( الحب والمحبة الإلهية ))

من كلام الشيخ الأكبر مولانا محي الدين ابن العربي رضي الله عنه وأرضاه

العلم أشرف المقامات والحب أسنى الأحوال
نسبة الحب إلى الله تعالى
فالحب مقام إلهي وصف الحق تعالى به نفسه وتسمى بالودود وفيه الخبر بالمحب فمما أوحى الله تعالى به إلى موسى عليه السلام في التوراة ( يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك يا ابن آدم إني وحقي لك محب ىفبحقي عليك كن لي محباً ) وقد وردت المحبة في القرآن الكريم والسنة المطهرة الشريفة في حق الله وحق المخلوقين وذكر أصناف المحبوبين بصفاتهم وذكر الصفات التي لا يحبها الله وذكر الأصناف الذين لا يحبهم الله فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم آمراً أن يقول لنا (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )) وقال تعالى (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه )) وقال في ذكر الأصناف الذين يحبهم (( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين )) ويحب المطهرين ويحب المتوكلين ويحب الصابرين ويحب الشاكرين ويحب المتصدقين ويحب المحسنين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنياناً مرصوص كم نفى عن نفسه أن يحب قوماً لأجل صفات قامت بهم لا يحبها فحوى الخطاب أنه سبحانه يحب زوالها ولا تزال إلا بضدها ولا بد فقال (( إن الله لا يحب المفسدين )) و (( لا يحب الفساد )) وضده الصلاح فعين ترك الفساد صلاح وقال (( إن الله لا يحب الفرحين )) و (( لا يحب كل مختال فخور )) و(( لا يحب الظالمين )) و (( ولا يحب المسرفين )) و (( ولا يحب الكافرين )) و(( ولا يحب الجهر بالسوء من القول)) و (( لا يحب المعتدين )) ثم أنه سبحانه حبب إلينا أشياء منها بالتزيين ومنها مطلقة فقال ممتناً علينا (( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم )) وقال (( زين للناس حب الشهوات )) الآية ةقال في حق الزوجين (( وجعل بينكم مودة ورحمة )) ونهانا أن نلقي بالمودة إلى أعداء الله فقال (( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليه بالمودة )) – والمحبة الوردة في القرآن الكريم كثيرة وأما الأخبار فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل قال ( كنت كنزاً لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني ) فما خلقنا إلا له لا لنا لذلك قرن الجزاء بالأعمال فعلمنا لنا لا له وعبادتنا له لا لنا وليست العبادة نفس العمل فالأعمال الظاهرة في المخلوقين خلق له فهو العامل ويضاف إليه حسنها أدباً مع الله مع كونها كل من عند الله لأنه قال (( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها )) ((والله خلقكم وما تعملون )) وقال ((الله خالق كل شيء )) فدخلت أعمال العباد في ذلك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يقول ( ما تقرب المتقربون بأحب إلي من أداء ما افترضته عليهم ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ) الحديث وفي الخبر ( إن الله يحب كل مفتن تواب ) وفي الخبر ( وجبت محبتي للمتحابين فيّ ) وفي الخبر ( أحبوا الله لما أسدى عليكم من نعمه ) وفي الخبر ( إن الله جميل يحب الجمال) و( إن الله يحب أن يمدح ) وقال عليه السلام ( حبب إليّ من دنياكم ثلاث ) والأخبار كثيرة في هذا الباب
الحب سبب وجود العالم :


ورد في الحديث الصحيح كشفا غير الثابت نقلا عن رسول الله صلى الله عليه السلام عن ربه عز وجل انه قال ما هذا معناه (( كنت كنزا لم اعرف فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني )) وذكر الله نفسه بنفس الرحمن ، فلما ذكر المحبة علمنا من حقيقة الحب ولوازمه مما يجده المحب في نفسه وان الحب لا يتعلق إلا بمعدوم يصح وجوده وهو غير موجود في الحال والعالم محدث والله كان ولا شئ معه ، فكان الحب أصل سبب كونه وبهذا الحب وقع التنفس واظهر العالم نفس الرحمن لإزالة حكم الحب وتنفس ما يجد المحب وخرج ذلك النفس عن أصل محبة في الخلق الذي يريد أن يتعرف إليهم ليعرفوه فكان العماء المسمى بالحق المخلوق به فكان ذلك العماء جوهر العالم فقبل صور العالم وأرواحه وطبائعه كلها وهو قابل لا يتناهى فالعماء من تنفسه والصور المعبر عنها بالعالم من كلمة كن فالمحبة مقامها شريف وهى أصل الوجود 0
ولما لم يكن علم الله تعالى بالعالم إلا علمه بنفسه إذ لم يكن في الوجود إلا هو فما ظهر في الكون إلا ما هو عليه في نفسه فلا بد أن يكون العالم على صورته وصورة العالم على قدر الحضرة الإلهية الأسمائية فما في الحضرة الإلهية اسم الهي إلا وهو على قدر أثره في نشئ العالم من غير زيادة أو نقصان فخلق الله العالم في غاية الإحكام والإتقان كما قال الإمام أبو حامد الغزالي من انه لم يبق في الإمكان أبدع من هذا العالم فاخبر انه تعالى خلق آدم على صورته والإنسان مجموع العالم فطابق العالم الأسماء الإلهية وكأنه تعالى كان باطنا فصار بالعالم ظاهرا فعرف نفسه شهودا بالظاهر بقوله فأحببت أن اعرف0

ولما اظهر تعالى العالم في عينه كان مجلاه فما رأى فيه غير جماله فالعالم جمال الله فهو تعالى الجميل المحب للجمال ورد في الخبر الصحيح في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال (( إن الله جميل يحب الجمال)) فاوجد الله العالم في غاية الجمال والكمال خلقا وإبداعا فانه تعالى يحب الجمال وما ثم جميل إلا هو فأحب نفسه ثم أحب أن يرى نفسه في غيره فخلق العالم على صورة جماله ونظر إليه فأحبه حب من قيده النظر فما خلق الله العالم إلا على صورته فالعالم كله جميل وهو سبحانه يحب الجمال0
ومن هنا تعلقت الأسماء الإلهية فتسمى تعالى بالودود فهو تعالى ثابت المحبة من كونها ودا كيف لا يحب الصانع صنعته ونحن مصنوعاته بلا شك فإنه خالقنا وخالق أرزاقنا ومصالحنا والصنعة مظهرة علم الصانع لها بالذات واقتداره وجماله وعظمته وكبريائه فان لم نكن فعلى من وفيمن وبمن فلا بد منا ولا بد من حبه فينا فهو بنا ونحن به كما قال صلى الله عليه وسلم في ثنائة على ربه: (( فإنما نحن به وله )) فالود حضرة العطف 0
فلم يزل يحب فلم يزل ودودا فهو يوجد دائما في حقنا فهو كل يوم في شأن ولا معنى للوداد إلا هذا فنحن بلسان الحال والمقال لا نزال نقول له افعل كذا افعل كذا ولا يزال هو تعالى يفعل أترى هذا فعل مكره ولا مكره له تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا بل هذا حكم الاسم الودود منه فانه الغفور الودود ذو العرش المجيد الذي استوي عليه بالاسم الرحمن فانه ما رحم إلا صبابة المحب وهو رقة الشوق إلى لقاء المحبوب وهو طلب كل محب فان محبوبه الاتصال بمحبوبه ولذلك تسمى الحق بالاسم الجامع فهو الجامع لنفسه بك لمحبته فيك وأنت المحبوب 0
واعلم أن الحق لا يلقي العالم إلا بصفته وصفته الوجود فأعطاه الوجود ولو كان عنده أكمل من ذلك ما بخل به عليه ولو كان وادخره لكان بخلا ينافي الجود وعجزا يناقض القدرة فاخبر تعالى: ((انه الغفور الودود)) أي الثابت المحبة في غيبه فانه عز وجل يرانا فيرى محبوبه فله الابتهاج به والعالم كله إنسان واحد وهو المحبوب وأشخاص العالم أعضاء ذلك الإنسان وما وصف المحبوب بمحبة محبه وإنما جعله محبوبا لا غير وإنما قال : (( الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد )) فهو الودود فهو المحب وهو فعال لما يريد فهو المحبوب فعال لما يريد بمحبوبه والمحب سامع مطيع مهيأ لما يريد محبوبه لأنه المحب الودود هنا هو الفعال لما يريد0

المحبة الإلهية

اعلم وفقك الله أن الحب الإلهي هو أن يحبنا الله تعالى لنا ولنفسه أما حبه إيانا لنفسه فهو قوله ( أحببت أن أ عرف فخلقت الخلق فتعرفت إليهم فعرفوني ) فما خلقنا إلا لنفسه حتى نعرفه وقوله (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )) فما خلقنا إلا لنفسه خلق سبحانه الخلق ليسبحوه فنطقهم بالتسبيح له والثناء عليه والسجود له ثم عرفنا بذلك فقال (( وإن من شيء إلا يسبح الله )) أي بالثناء عليه بما هو عليه وبما يكون منه وهذا تسبيح فطري ذاتي عن تجل تجلي لهم فأحبوه فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكلف بل اقتضاء ذاتي وهذة هي العبادة الذاتية التي أقامهم الله فيها بحكم الاستحقاق الذي يستحقه فالعالم كله في مقام الشهود والعبادة إلا كل مخلوق له قوة التفكر وليس إلا النفوس الناطقة الإنسانية والجانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له والسجود فأعضاء البدن كلها بتسبيحه ناطقة وهذا من حكم حبه إيانا لنفسه فمن وفّى شكره ومن لم يوف عاقبه فنفسه أحب وتعظيمه والثناء عليه أحب وأما حبه إيانا لنا فلما عرفنا به من الأعمال التي تؤدينا إلى سعادتنا ونجاتنا من الأمور التي لا توافق أغراضنا ولا تلائم طباعنا وعرفنا بمصالحنا دنيا وآخرة ونصب لنا الأدلة على معرفته حتى نعلمه ولا نجهله ثم انه رزقنا وانعم علينا مع تفريطنا بعد علمنا به وإقامة الدليل عندنا على إن كل نعمة تتقلب فيها إنما ذلك من خلقه وراجعة إليه وانه ما أوجدها إلا من أجلنا لننعم بها ونقيم بذلك وتركنا نرأس ونربع ثم انه بعد هذا الإحسان التام لم نشكره والعقل يقضي بشكر المنعم وقد علمنا أنه لا محسن إلا الله فمن إحسانه أن بعث إلينا رسولا من عنده معلما ومؤدبا فعلمنا بما لنا في نفسه فشرع لنا الطريق الموصل إلى سعادتنا وإبانه وحذرنا من الأمور المردية واجتناب سفساف الأخلاق ومذامها ثم أقام الأدلة على صدقه عندنا فجاء بالنيات وقذف في قلوبنا نور الإيمان وحببه إلينا وزينه في قلوبنا وكره إلينا الفسوق والعصيان فأمنا وصدقنا ثم منّ علينا بالتوفيق فاستعملنا في محابه ومراضيه فعلمنا انه لولا ما أحبنا ما كان سيء من هذا كله ثم إن رحمته سبقت غضبه وان شقي من شقي فلابد من شمول الرحمة والعناية والمحبة الأصلية التي تؤثر في العواقب ولما سبقت المحبة وحقت الكلمة وعمت الرحمة وكانت الدار الدنيا دار امتزاج وحجاب بما قدره العزيز العليم خلق الآخرة ونقلنا إليها وهي دار لا تقبل الدعاوي الكاذبة فاقر الجميع بربوبيته هناك كما اقروا بربوبيته في قبضة الذر من ظهر ادم فكنا في الدار الدنيا وسطا بين طرفين طرفي التوحيد وإقرار وفي الوسط وقع الشرك مع ثبوت الوجود فضعف الوسط ولذلك قالوا (( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )) فنسبوا العظمة والكبرياء إلى الله تعالى في شركهم ثم اخبرنا تعالى انه طبع على قلب كل من ظهر في ظاهر لقومه بصفة الكبرياء والجبروت وما جعل ذلك في قلوبهم إلا بسبب طابع العناية فهم عند نفوسهم بما يجدونه من العلم الضروري أذلاء صاغرون لذلك الطابع فما دخل الكبرياء على الله قلب مخلوق أصلا وان ظهرت منه صفات الكبرياء فثوب ظاهر لا بطانة له منه وهذا كله من رحمته ومحبته في خلقه ليكون المآل إلى السعادة فما ضعف الوسط وتقوى الطرفان غلب في آخر الأمر وامتلأت الداران وجعل كل واحدة منهما نعيما لأهلها يتنعمون به بعد ما طهرهم الله بما نالوه من العذاب لينالوا النعيم على طهارة ألا ترى المقتول قودا كيف طهره القتل من ظلم القتل الذي من قتل به فالسيف محاء وكذلك إقامة الحدود في الدنيا كلها تطهير للمؤمنين حتى قرصة البرغوث والشوكة يشاكها وثم طائفة أخرى تقام عليهم حدود الآخرة في النار ليتطهروا ثم يرحمون في النار لما سبق من عناية المحبة وان لم يخرجوا من النار0
هل حب الله له بدء وغاية فيتصف بالحدوث:


حب الله عباده لا يتصف بالبدء ولا بالغاية من وجه فانه لا يقبل الحوادث ولا العوارض لكن عين محبته لعباده عين مبدأ كونهم متقدميهم ومتأخريهم إلى ما لا نهاية له ونسبة حب الله لهم نسبة كينونته معهم أينما كانوا في حال عدمهم وفي حال وجودهم فكما هو معهم في حال وجودهم هو معهم في حال عدمهم لأنهم معلومون له وهو مشاهد لهم محب فيهم لم يزل ولا يزال لم يتجدد عليه حكم لم يكن عليه بل يزل محبا خلقه كما لم يزل عالما بهم فقوله (( فأحببت أن اعرف )) تعريف لنا بما كان الأمر عليه في نفسه كل ذلك كمالا يليق بجلاله لا يعقل تعالى إلا فاعلا خالقا وكل عين فكانت معدومة لعينها معلومة له محبوبا له إيجاده فكما انه لا أول لوجوده سبحانه فلا أول لمحبته عباده سبحانه وذكر المحبة يحدث عند المحبوب عند التعريف الالهى لا نفس المحبة ومن وجه آخر إذا قلنا إن للحب الالهى بدءا فبدؤه النفس الالهى عن رؤية المحبوبة فصف الحب بما شئت من حادث وغيره فليس الحب سوى عين المحب فما في الوجود إلا محب ومحبوب 0



ذكر من أحبهم الله تعالى وآثار المحبة الإلهية فيهم

حبه سبحانه للتوابين:


التواب صفته ومن أسمائه تعالى يقول عز وجل (( إن الله هو التواب )) فما أحب إلا اسمه وصفته وأحب العبد
لاتصافه بها ولكن إذا اتصفت بها على حد ما أضافها الحق إليه وذلك أن الحق يرجع على عبده في كل حال يكون العبد عليه مما يبعده من الله وهو المسمى ذنباً ومعصية ومخالفة فإذا أقيم العبد في حق من أساء إليه من أمثاله وأشكاله فرجع عليه بالإحسان إليه والتجاوز عن إساءته فذلك هو التواب ما هو الذي يرجع إلى الله فإنه لا يصح أن يرجع إلى الله إلا من جهل أن الله معه على كل حال وما خاطب الحق بقوله (( ترجعون فيه إلى الله )) إلا من غفل عن كون الله معه على كل حال0
فإذا كنت من التوابين على من أساء في حقك كان الله تواباً عليك فيما أسأت من حقه فرجع عليك بالإحسان وقد جاء ذكره تعالى لهذه المحبة في التوابين عقب ذكر الأذى الذي جعله في المحيض وكذلك قال عليه الصلاة والسلام ( إن الله يحب كل مفتن تواب ) أي مختبر يريد أن يختبره الله بمن يسيء إليه من عباد الله فيرجع عليهم بالإحسان إليهم في مقابلة إساءتهم وهو التواب لأن الله يختبر عباده بالمعاصي حاشا الله أن يضاف إليه مثل هذا 0
حبه سبحانه للمتطهرين

قال تعالى (( ويحب المتطهرين )) فالتطهير صفة تقديس وتنزيه وهى صفته تعالى وتطهير العبد هو أن يميط عن نفسه كل أذى لا يليق به أن يرى فيه وان كان محمودا بالنسبة إلى غيره وهو مذموم شرعا بالنسبة إليه فإذا طهر نفسه من ذلك أحبه الله تعالى كالكبرياء والجبروت والتفخر والخيلاء والعجب وكل إنسان يعلم عجزه وذلته وفقره لجميع الموجودات وأن قرصة البرغوث تؤلمه والمرحاض يطلبه لدفع ألم البول والخراؤة عنه ويفتقر إلى كسيرة خبز يدفع بها عن نفسه ألم الجوع فمن صفته هذه كل يوم وليلة كيف يصح أن يكون في قلبه كبرياء وجبروت ولذلك طبع الله على القلب فلا يدخله شيء من ذلك فان كل إنسان يعرف ذلك من نفسه وأما ظهوره على ظاهره فمسلم ولكن جعل الله مواطن للعبد يظهر فيها بهذه الصفات ولا يكون مذموما وجعل لها مواطن يذمه فيها فمن طهر ذاته عن أن ترى عليه هذه النعوت في غير مواطنها فهو متطهر ويحبه الله كما نفي محبته عن كل مختال فخور فانه لا يظهر بهذه الصفة إلا من هو جاهل والجهل مذموم فانه لا يخلو أن يفتخر على مثله أو على ربه وخالقه فان افتخر على مثله فقد افتخر على نفسه والشيء لا يفتخر على نفسه ففخره واختياله جهل ومحال أن يفتخر على خالقه لأنه لا بد أن يكون عارفا بخالقه أو غير عارف بأن له خالقا فان عرف وافتخر عليه فهو جاهل بما ينبغي أن يكون لخالقه من نعوت الكمال وان لم يعرف كان جاهلا فما أبغضه الله ولم يحبه إلا لجهله إذ لم يكن هذا في غير موطنه إلا لجهله فالمتطهر من مثل هذه النعوت محبوب لله0

حبه سبحانه للمطهرين:


قال الله تعالى ((والله يحب المطهرين)) وهم الذين طهروا نفوسهم فتعدت طهارتهم إلى غيرهم فقاموا فيها مقام الحق نيابة عنه فانه المطهر على الحقيقة والحافظ والعاصم والواقي والغافر فمن منع ذاته وذات غيره أن يقوم بها ما هو مذموم في حقها عند الله فقد عصمها وحفظها ووقاها وسترها عن قيام أمثال هذه بها فهو مطهر لها بما علمها من علم ما ينبغي لينفر عنه بنور العلم وحياته ظلمة الجهالة وموتها فيكون في ميزانه يوم القيامة ومن الأنوار التي تسعي بين يديه وهو محبوب عند الله مخصوص بعناية ولاية إلهية واستخلاف والولاة الخلفاء من المقربين ممن استخلفهم عليهم لأنهم موضع مقصور على من استخلفهم دون غيرهم وكل إنسان وال على جوارحه فما فوق ذلك وقد أعلمه الله بما هي الطهارة التي بها يطهر بها رعاياه0


حبه سبحانه للصابرين:


وهو قوله تعالى ((والله يحب الصابرين )) وهم الذين ابتلاهم الله فحبسوا نفوسهم عن الشكوى إلى غير الله الذي أنزل بهم هذا البلاء ((وما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا )) عن حمله لأنهم حملوه بالله وإن شق عليهم لا بد من ذلك وإن لم يشق عليهم فليس ببلاء ((وما استكانوا)) لغير الله في إزالته ولجؤوا إلى الله في إزالته كما قال العبد الصالح ((مسني الضر وأنت أرحم الراحمين )) فرفع الشكوى إليه لا إلى غيره فأثنى الله عليه بأنه وجده ((صابرا نعم العبد إنه أواب)) مع هذه الشكوى فدل أن الصابر يشكو إلى الله لا إلى غيره بل يجب عليه ذلك لما في الصبر إن لم يشك إلى الله من مقاومة القهر الإلهي وهو تعلم أن صبرك ما كان إلا بالله ما كان من ذاتك ولا من حولك ولا قوتك فإن الله يقول ((اصبر وما صبرك إلا بالله )) فبأي شيء تفتخر وهو ليس لك فما ابتلى الله عباده إلا ليلجؤا في ذلك إليه ولا يلجؤا في رفعه إلى غيره فإذا فعلوا ذلك كانوا من الصابرين وهو محبوب الله ومن أسمائه تعالى النعتية ((الصبور)) فما أحب إلا من رأى خلعته عليه ثم إن هنا سرا وأقامك فيه مقامه فإن الصبر لا يكون إلا على أذى وقد عرفنا أن في خلقه من يؤذي الله ورسوله ونعتهم لنا لنعرفهم فندفع ذلك الأذى عنه تعالى بمقابلتهم أو بتعليمهم إن كانوا جاهلين طالبين العلم وقد سمى نفسه صبوراً وقد رفع إلينا ما أوذى به وعرفنا بهم لنذب عنه وندفع الأذى مع الأتصاف بالصبور لنعلم أنا إذا شكونا إليه ما نزل من البلاء وسألناه في رفعه عنا وسؤلنا إياه لا يزول عنا اسم الصبور فلا تزول عنا محبته كما لم يزل عنه اسم الصبور بتعريفه إيانا من آذاه حتى ندفع عنه فإنه ورد في الصحيح ( ليس أحد أصبر على أذى من الله ) 0


حبه سبحانه للشاكرين:


وصف الحق نفسه في كتابه: ((أنه يحب الشاكرين )) والشكر نعته فإنه شاكر عليم فما أحب من العبد إلا ما هو صفة له ونعت والشكر لا يكون إلا على النعم لا على البلاء كما يزعم بعضهم ممن لا علم له بالحقائق لأنه تعالى أبطن نعمته في نقمته في نعمته فالتبس على من لا علم له بالحقائق أي بحقائق الأمور فتخيل أنه يشكر على البلاء وليس بصحيح كشارب الدواء المكروه وهو من جملة البلاء ولكن هو بلاء على من يهلك به وهو المرض الذي لأجله استعمله فالألم هو عدو هذا الدواء إياه يطلب ولكن لما قام البلاء بهذا المحل الواجد للألم ورد عليه المنازع الذي يريد إزالته من الوجود وهو الدواء فوجد المحل لذلك كراهة وعلم أن في طي ذلك المكروه نعمة لأنه المزيل للألم فشكر الله تعالى على ما فيه من النعمة وصبر على ما يكره من استعماله لعلمه بأنه طالب ذلك الألم حتى يزيله فما سعي إلا في راحة هذا المحل فتفطن لهذا فلهذا كان شاكرا فلما شكره على ما في هذا المكروه من النعمة الباطنة زاده نعمة أخرى وهي العافية وإزالة المرض وتصبره الدواء الكره عليه ولذلك قال( لئن شكرتم لأزيدنكم )) فزاده العافية وكذلك أيضا لما أوذي الحق وسعينا في إزالة ذلك المؤذي بأن آذيناه حتى رجع عن الأمر الذي والشكر يطلب المزيد فطلب من عباده سبحانه بشكره أن يزيدوه فزادوه في العمل وهو قوله عليه السلام(( أفلا أكون عبدا شكورا )) فزاد في العبادة لشكر الله له شكرا فزاد الحق في الهداية والتوفيق في موطن الأعمال حتى إلى الآخرة حيث لا عمل ولا ألم على السعداء فاشحذ فؤادك واعلم أن الله شاكر عليم فأردف وصف نفسه بالشكر بصفة العلم فزد في عملك تكن قد جازيت ربك على شكره إياك على ما عملت له وذلك العمل هو الصوم فإنه له ودفع الأذى عنه وهو قوله (( هل واليت فيٍٍِِِِ وليا عدوا )) وهو قوله ((وجبت محبتي للمتحابين في والمتزاورين في والمتجالسين في والمتباذلين في )) والله يجعلنا ممن أنعم عليه فرأي نعمة الله عليه في كل حال فشكر0

حبه سبحانه للمحسنين:


وهو قوله تعالى (( والله يحب المحسنين )) والإحسان صفته وهو المحسن المجمل فصفته أحب وهي الظاهرة في نفسه والإحسان الذي به يسمى العبد محسنا هو أن يعبد الله كأنه يراه أي يعبده على المشاهدة وإحسان الله هو مقام رؤيته عباده في حركاتهم وتصرفاتهم وهو قوله (( إنه على كل شئ شهيد )) (( وهو معكم أينما كنتم )) فشهوده لكل شئ هو إحسانه فإنه بشهوده يحفظه من الهلاك فكل حال ينتقل فيه العبد فهو من إحسان الله إذ هو الذي نقله تعالى ولهذا سمي الأنعام إحسانا فإنه لا ينعم عليك بالقصد إلا من يعلمك دائما وليس الإحسان في الشرع إلا هذا وقد قال له (( فإنه لم تكن فإنه يراك )) أي فإن لم تحسن فهو لم المحسن فالزم الحياء منه والوقوف عند ما كلفك فإنه لما علم صلي الله عليه السلام أن العبادة علي الغيب تصعب على النفوس قال: (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) أي احضر في نفسك أنه يراك وهو نوع آخر من الشهود من خلف حجاب تعلم أن معبودك يراك من حيث لا تراه ويسمعك وإذا أضفنا إلى قوله صلى الله عليه السلام (( أن الله في قبلة المصلى)) وإلى قوله ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) علمنا بذلك أنه ما أراد صلى الله عليه وسلم المناجاة وإنما أراد شهود من ناجاه فيها ولهذا أخبر أن الله في قبلة المصلي فقال (( أعبد الله كأنك تراه)) فإنه صلى الله عليه وسلم كان يراه في عبادته ما كان كأنه يراه ولولا حصولها ما قرنها بالعبادة دون العمل فما قال ((اعمل لله كأنك تراه )) فإن العبادة من غير شهود صريح أو تخيل شهود صحيح لا تصح ولذلك ما ذكر صلى الله عليه وسلم العين في قوله (( وجعلت قرة عيني في الصلاة )) إلا لأن متعلق الرؤية إدراك عين المرئي فإذا رآه قرت عينه بما رآه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال صلاته صاحب رؤية وشهود ولذلك كانت الصلاة محل قرة عينه لأنه مناج0


حبه سبحانه للمقاتلين في سبيل الله بوصف خاص:


قال تعالى ((إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص)) يريد لا يدخله خلل فإن الخلل في الصفوف طرق الشياطين والطريق واحدة وهي سبيل الله وإذا قطع هذا الخط الظاهر من النقط ولم يتراص لم يظهر وجود للخط والمقصود وجود الخط وهذا معنى الرص لوجود سبيل الله فمن لم يكن له تعمل في ظهور سبيل الله فليس من أهل الله وكذلك صفوف المصلين لا تكون في سبيل الله حتى تتصل وتتراص الناس فيها وحينئذ يظهر سبيل الله في عينه فمن لم يفعل وأدخل الخلل كان ممن سعى في قطع سبيل الله وإزالته من الوجود واعلم أنه لما كان سبيل الله في إيجاد خلقه إنما كان بتراص الأسماء الإلهية فأراد الله من عباده التخلق بالأسماء فتظهر في إيجاد الطريق المستقيم بتراصها فإن داخلها في الكون خلل زال سبيل الله وظهرت سبل الشياطين التي تتخلل خلل الصفوف فإذا قام العبد بأسماء الحق وقاتل بهذه الصفة الأعداد الذين هم بمنزلة الشياطين التي تتخلل خلل الصف فبالضرورة ينصرون لأنه لم يبق هناك خلل يدخل منه العدو فأحب الله من هذه صفتهم وكذا الإنسان وحده هو صف في كل ما هو فيه متحرك فتكون حركاته كلها لله لا يتخللها شئ لغير الله فلا يقاومه أحد فإن الأعداء أبصارهم إليه محدقة ينظرون في حركاته وأفعاله عسي يجدون خللا يدخلون عليه منه فيقطعون بينه وبين الله بقطع سبيل الله ومن كان بهذه الصفة كان محبوبا لله تعالى ومن كان محبوبا لم يدر أحد ما يعطيه محبه إذ لنفسه يعطى0

الأتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما شرع:

قال تعالى ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )) وقال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له ((يا رسول الله إني أحب أن يكون نعلى حسنا وثوبي حسنا)) ((إن الله جميل يحب الجمال )) خرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان وفي حديث عنه صلى الله عليه وسلم ((الله أولي من تٌجمل له)) وأضاف الله الزينة إلى الله وأمرنا أن تنزين له فقال ((خذوا زينتكم عند كل مسجد )) يريد وقت مناجاته وهى قرة عين محمد صلى الله عليه وسلم وكل مؤمن لما فيها من الشهود فإن الله في قبلة المصلي ولا شك أن الجمال محبوب لذاته فإذا انضاف إليه جمال الزينة فهو جمال على جمال كنور على نور فتكون محبة على محبة فقال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله إذ وقد أخبرت عن نفسك أنك تحب الجمال وإن الله يحب الجمال فإذا تجملت لربك أحبك وما تجمل له إلا بإتباعي فإتباعي زينتك هذا قوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: (( إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)) أي تزينوا بزينتي يحببكم الله فإن الله يحب الجمال فتزين تارة بنعتك من ذلة وافتقار وخشوع وخضوع وسجود وركوع وتارة بنعته عز وجل من كرم ولطف ورأفة وتجاوز وعفو وصفح ومغفرة وغير ذلك مما هو لله من زينه الله التي ما حرمها الله على عباده فإذا كنت بهذه المثابة أحبك الله لما جملك به من هذه النعوت وهو الحب الذي ما فيه منة لأن الجمال استدعاه فتجمل إن أردت أن ترتفع عنك منة الله من هذا الوجه الخاص ويكفيك حكم الامتنان بما وفقت إليه من التجمل بزينة الله فإن ذلك إنما كان برحمة الله ومن هنا نقول للأحبة منزل في المحبة فحبيب جنيب قريب فالمحب إذا كان ذا جنابة فما هو من القرابة وإذا لم يكن جنيبا كان قريبا قرب الحبيب بالاشتراك في الضفة وجنابته في عدم الاشتراك فيها كما أعطت المعرفة: تقرب إلي بما ليس لي لما طلب القرب الولي والذي ليس له الذلة والافتقار فهو الغني العزيز الجبار0
واعلم أن لله محبتين أو تعلقين محبته لعباده الذي هو خصوص إدارة التعلق الأول حبه إياهم ابتداء بذلك الحب وفقهم للإتباع إتباع رسله سلام الله على جميعهم ثم أنتج لهم ذلك الإتباع تعلقين من المحبة لان الإتباع وقع من طريقتين من جهة أداء الفرائض والتعلق الآخر من جهة ملازمة النوافل قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال الحديث وفيه ((وما تقرب إلي عبدي بشئ أحب إلي من أداء ما افترضه عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا )) وإذا كان الحق سمع العبد وقواه في النوافل فكيف بالحب الذي يكون من الحق له بأداء الفرائض وهو أن يكون الحق يريد بإرادته هذا العبد المجتبي ويجعل له التحكم في العالم بما شاء بمشيئته تعالى الأولية التعلق التي بها وفقه فاندرج هذا التعلق في الأول وهو قوله ((وما تشاءون إلا الله أن يشاء الله ))فحب المخلوق خالقه محصور بين حب الله الذي أوجب له أن يحبه وحب جزاء محبته فهو محظوظ عليه وجوده وعلامة المحب أتباع المحبوب فيما أمر ونهى في المنشط والمكره والسراء والضراء ودليل المحب الحمد لله المنعم المفضل ودليل المحبوب الحمد لله على كل حال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في السراء ((الحمد لله المنعم المفضل )) ويقول في الضراء ((الحمد لله على كل حال)) هذا هو الثابت عنه ذكره مسلم في الصحيح فحب الاعتناء بالجزاف عطاء بغير حساب ولا هنداز وحب الجزاء بالميزان من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئات فله مثلها حب الاعتناء منه وحب الجزاء عنه فإن حب الجزاء عرفناه بالتعريف وحب الاعتناء عرفناه بالوجود والتصريف0
وكل صفة ذكرها الحق إنه يحب من أجلها من قامت به فما حصلت له تلك الصفة إلا بالإتباع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنها وذلك عن الله فإنه ما ينطق عن الهوى ومعنى الإتباع أن نفعل ما يقول لنا فإن قال اتبعوني في فعلي اتبعناه وإن لم يقل فالذي يلزمنا الإتباع فيما يقول فينتج لنا الإتباع فيما أمرنا به ونهانا عنه الوقوف عند حدوده أن تتبعه في أفعاله في خلقه ينتج لنا هذا آية أي علامة على صدق الإتباع وهى المسماة كرامة في حقنا وآية في حق الرسل فإنهم أيضا تابعون يقول عليه السلام: (( إن اتبع إلا ما يوحي إلي )) وهذه الكرامة هي الفعل بالهمة والتوجه من غير مباشرة فيظهر على يد هذا العبد من خرق العوائد مما لا ينبغي أن يكون إلا على ذلك الوجه من غير سبب إلا مجرد الإرادة إلا لله تعالى فإن ذلك الفعل إذا ظهر عن سبب موضوع ظاهر لم يكن من هذا الباب فالإنسان إذا اخترق الهواء ومشى فيه بمجرد الإرادة لا بسبب ظاهر معتاد أشبع فعل الحق في تكوين الأشياء بالإرادة فهذا الفارق بينه وبين وقوع ذلك بالأسباب وأصله التحقق بالإتباع والمتبع في التشريع إنما هو الله والمتبع في الفعل بالإرادة إنما هو الله والكل بعناية الله مشيئته لا إله إلا هو العزيز الحكيم0

نسبة الحب إلى الإنسان

ما هو الحب:

اعلم أن الحب معقول المعنى وإن كان لا يحد فهو مدرك بالذوق غير مجهول ولكنه عزيز التصور فإن الأمور المعلومات على قسمين منها ما يحد ومنها ما لا يحد والمحبة عند العلماء بها المتكلمين فيها من الأمور التي لا تحد فيعرفها من قامت به ومن كانت صفته ولا يعرف ما هي ولا ينكر وجودها ولهذا قلنا:

الحب ذوق ولا تدرى حقيقته
أليس ذا عجـب والله iiوالله

واختلف الناس في حد الحب فما رأيت أحدا حده بالحد الذاتي بل لا يتصور ذلك فما حده من حده إلا بنتائجه وآثاره ولوازمه ولا سيما وقد اتصف به الجنات العزيز وهو الله فلا حد للحب يعرف به ذاتيا ولكن يحد بالحدود الرسمية واللفظية فمن حد الحب ما عرفه ومن لم يذقه شرابا ما عرفه ومن قال رويت منه ما عرفه فالحب شرب بلا ري قال بعض المحجوبين (( شربت شربة فلم أظمأ بعدها أبدا )) فقال أبو يزيد (( الرجل من يحسو البحار ولسانه خارج على صدره من العطش )) وأحسن ما سمعت فيه ما حدثنا به غير واحد عن أبي العباس ابن العريف الصهناجي قال سمعناه وقد سئل عن المحبة فقال (( الغيرة من صفات المحبة والغيرة تأبى الا الستر فلا تحد )) ولنا في هذا الباب:
الحب أوله نحـب iiوأوسطـه
موت وليس له حد iiفينكشـف
فمن يقول بأن الحـب iiيعرفـه
فما لقوم به أعمارهم iiشغفـوا
ولم يقولوا بأن الحب iiنعرفـه
خلف ولكنه بالقلـب iiيأتلـف
فليس يعرف منه غير iiلازمـه
البث والوجد والتبريح والأسف
بماذا يتعلق الحب:

الحب تعلق خاص من تعلقات الإرادة فلا تتعلق المحبة إلا بمعدوم غير موجود في حين التعلق يريد المحب وجود ذلك المحبوب أو وقوعه وإنما قلت أو وقوعه لأنها قد تتعلق بإعدام الموجود وإعدام الموجود في حال كون الموجود موجودا ليس بواقع فإذا عدم الموجود الذي تعلقت به المحبة فقد وقع ولا يقال وجد الإعدام فإنه جهل من قائله وقولنا يريد وجود ذلك المحبوب وأن المحبوب على الحقيقة إنما هو معدوم فذلك أن المحبوب للمحب هو إرادة أوجبت الاتصال بهذا الشخص المعين كائنا من كان إن كان ممن من شأنه أن يعانق فيحب عناقه أو ينكح فيحب نكاحه أو يجالس فيحب مجالسته فما تعلق حبه إلا بمعدوم في الوقت من هذا الشخص فيتخيل أن حبه متعلق بالشخص وليس كذلك وهذا هو الذي يهيجه للقائه ورؤيته فلو كان يحب شخصه أو وجوده في عينه فلا فائدة لمتعلق الحب به فإن قلت إنا كنا نحب مجالسة شخص أو تقبيله أو عناقه أو تأنيسه أو حديثه ثم نرى تحصل ذلك والحب لا يزول مع وجود العناق والوصال فإذا متعلق الحب قد لا يكون معدوما قلنا أنت غالط إذا عانقت الشخص الذي تعلقت المحبة بعناقه أو مجالسته أو مؤانسته فإن متعلق حبك في تلك حال ما هو بالحاصل وإنما هو بدوام الحاصل واستمراره والدوام والاستمرار معدوم ما دخل في الوجود ولا تتناهى مدته فإذا ما تعلق الحب في حال الوصلة إلا بمعدوم وهو دوامها وما أحسن ما جاء في القرآن قوله( يحبهم ويحبونه)) بضمير الغائب والفعل المستقبل فما أضاف متعلق الحب إلا لغائب ومعدوم وكل غائب فهو معدوم إضافي فالمحبوب أمر عدمي يتعلق المحب به أن يراه موجودا في عين موجودة فإذا رآه انتقل حبه إلى دوام تلك الحال التي أحب وجودها من تلك العين الموجودة فلا يزال المحبوب معدوما وما يشعر بذلك أكثر المحبين إلا أن يكونوا عارفين بالحقائق ومتعلقاتها فمن شأن المحبوب أن يكون معدوما ولا بد فيحب إيجاد ذلك المعدوم ولا بد لا في معدوم هذا أمر محقق لا بد منه0

من حقائق المحبة:

الحب لا يقبل الاشتراك:


اعلم أن الحب لا يقبل الاشتراك فلا يصح أن يحب المحب اثنين أصلا لأن القلب لا يسعهما فإن قلت هذا يمكن أن يصح في حب المخلوق وأما في حب الخالق فلا فإنه قال ((يحبهم)) فأحب كثيرين قلنا الحب مجهول النسبة إلى الله تعالى فإن الله ليس كمثله شيء فلا يعرف نسبة الحب إلى الحق إلا من يعرف ذات الحق وهى لا تعرف فلا تعرف النسبة وتعرف المحبة فإنه ما خاطب عباده إلا بلسانهم وبما يعرفونه من لحنهم من كل ما ينسبه إلى نفسه ووصف أنه عليه ولكن كيفية ذلك مجهولة وأما قولنا إن الحب لا يقبل الاشتراك ولكن إذا كانت ذات المحب واحدة لا تنقسم فإن كانت مركبة جاز أن يتعلق حبها بوجوه مختلفة ولكن لأمور مختلفة وإن كانت العين المنسوب إليها تلك الأمور المختلفة واحدة أو تكون تلك الأمور في كثيرين فيه فتتعلق المحبة بكثيرين فيحب الإنسان محبوبين كثيرين وإذا صح أن يحب المحب أكثر من واحد جاز أن يحب الكثير الواحد كما قال أمير المؤمنين

ملك الثلاث الآنسات عناني وحللن من قلبي بكل iiمكان

هنا سر خفي في قوله عناني فأفرد وما أعطى لهؤلاء المحبوبين من نفسه أعنه مختلفة فدل أن هذا المحب وإن كان مركبا فما أحب إلا معنى واحدا قام له في هؤلاء الثلاثة أي ذلك المعنى موجود في عين كل واحدة منهن والدليل على ذلك قوله تمام البيت ((وحللن من قلبي بكل مكان )) فلو أحب من كل واحدة معني لم يكن في الأخرى لكان العنان الذي يعطي لواحدة غير العنان الذي يعطي الأخرى ولكان المكان الذي تحله الواحدة غير الواحدة غير المكان الذي تحله الأخرى فهذا واحد أحب واحدا وذلك الواحد المحبوب موجود في كثيرين فأحب الكثير لأجل ذلك

الحب يعمي ويصم:

واعلم أن كل حب لا يحكم على صاحبه بحيث أن يصمه عن كل مسموع سوى ما يسمع من كلام محبوبه ويعميه عن كل منظور سوى وجه محبوبه ويخرسه عن كل كلام إلا عن ذكر محبوبه وذكر من يحب محبوبه ويختم على قلبه فلا يدخل فيه سوى حب محبوبه ويرمى قفله على خزانة خياله فلا يتخيل سوى صورة محبوبة وإلا فليس بحب ولا صاحبه بمحب فإن الأصل في المحبة أن تكون أنت عين محبوبك وتغيب فيه عنك فيكون هو ولا أنت ولهذا فإن الحق يغار على المحب أن يكون له وجود في نفسه لغير محبوبه ألا ترى الملائكة المهيمة بجلال الله تعالى أمالها الحب عن رؤية ذاتها ومشاهدة كونها 0
لا يحب احد محبوبا لنفس المحبوب وإنما يحبه لنفسه:

ومن عرف الحقائق قال ليس من الخير حب الغير فما أحب المحب في غيره إلا نفسه فما أحب الغير ولا يصح حب الغير أبدا لأن حب الغير ما فيه خير فإذا كان فيه خير يعود على المحب فنفسه أحب لأنه أحب إعادة ذلك الخير عليه فإن ذلك الغير من حقيقته أن يكون له وجود ما هو عين هذا الآخر والمحبوب كما قلنا أبدا لا يكون إلا معدوما إما في موجود أو لا في موجود فإن الموجود محال أن يحب لذاته وإنما يحب لأمر عدمي ذلك الأمر العدمي هو المحبوب منه أن يكون والعدم ليس بغير للمحب ولا يزال هذا المعدوم منوطا بالمحب لقيام حبه به وتعلقه بذلك المحبوب فلا يزال متصلا به وصل خيال حتى يقع في الحس هذا شأنه في المخلوق وفي الحق الإيجاد فعلى الحقيقة لا يحب أحد محبوبا لنفس المحبوب وإنما يحبه لنفسه هذا هو التحقيق فإن المعدوم لا يتصف بالإرادة فيحبه المحب له ويترك إرادته لإرادة محبوبة ولما لم يكن الأمر في نفسه على هذا لم يبق إلا أن يحبه لنفسه0
عز الحب وذل المحب:

ولما كان الحب من صفات الحق حيث قال ((يحبهم )) ومن صفات الخلق حيث قال ((ويحبونه)) اتصف الحب بالعزة لنسبته إلى الحق ووصف الحق به وسرى في الخلق بتلك النسبة العزية فأورثت في المحل ذلة من الطرفين فلهذا ترى المحب يذل تحت عز الحب لا عز المحبوب فإن المحبوب قد يكون مملوكا للمحب مقهورا تحت سلطانه ومع هذا تجده يذل له المحب فعلمنا أن تلك عزة الحب لا عزة المحبوب قال أمير المؤمنين هارون الرشيد في محبوباته:

ملك الثلاث الآنسات iiعناني وحللن من قلبي بكل iiمكـان
مالي تطاوعني البرية iiكلهـا وأطيعهن وهن في iiعصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى وبه قوين أعز من iiسلطاني

فأضاف القوة إلى الهوى بقوله: (( سلطان الهوى )) يقول الله في غير ما موضع من الأخبار متلطفا بعباده (( يا عبادي اشتقت إليكم وأنا إليكم أشد شوقا )) ويخاطبهم بنزول من لطف خفي وهذا الخطاب كله لا يتمكن أن يكون منه إلا من كونه محبا ومثل ذلك يصدر من المحبين له تعالى فالمحب في حكم الحب لا في حكم المحبوب ومن هي صفته عينه فعينه تحكم عليه لا أمر زائد فلا نقص غير أن أثره في المخلوقين التلاشي عند استحكامه لأنه يقبل التلاشي فلهذا يتنوع العالم في الصور فيكون في صورة فإذا أفرط فيها الحب من حيث لا يعلم وحصل التجلي من حيث لا يظهر تلاشت الصورة فظهرت في العين صورة أخرى وهي أيضا مثل الأولى في الحكم راجعة إليه يزال الأمر كذلك دائما لا ينقطع 0

سريان الحب في الوجود:

ثم إن من كرمه سبحانه أن جعل هذه الحقيقة سارية في كل عين ممكن متصف بالوجود وقرن معها اللذة التي لا لذة فوقها فأحب العالم بعضه بعضا حب تقييد من حقيقة حب مطلق فقيل فلان أحب فلانا وفلان أحب أمراما وليس إلا ظهور حق في عين أخرى كان ما كان فمحب الله لا ينكر على محب حب من أحب فإنه لا يرى محبا إلا الله في مظهر ما ومن ليس له هذا الحب الإلهي فهو ينكر على من يحب 0

ثم إنه ثم دقيقة من كون قال إنه يستحيل أن يحب أحد الله تعالى فإن الحق لا يمكن أن يمكن أن يضاف إليه ولا إلى ما يكون منه نسبة عدم أصلا والحب متعلقه العدم فلا حب يتعلق بالله من مخلوق لكن حب الله يتعلق بالمخلوق لأن المخلوق معدوم فالمخلوق محبوب لله أبدا دائما ومادام الحب لا يتصور معه وجود المخلوق فالمخلوق لا يوجد أبدا فأعطت هذه الحقيقة أن يكون المخلوق مظهرا للحق لا ظاهرا فمن أحب شخصا بالحب الإلهي فعلى هذا الحد يكون حبه إياه فلا يتقيد بالخيال ولا بجمال ما فإنها كلها موجودة له فلا يتعلق الحب بها 0

السكر من شراب الحب:

اعلم أن للحب شرابا هو تجل متوسط بين تجليين وهو التجلي الدائم الذي لا ينقطع وهو أعلى مقام يتجلى الحق فيه لعباده العارفين وأوله تجلي الذوق ومن لم يذقه شربا ما عرفه 0

لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من iiيعانيهـا

وأما التجلي الذي يقع الري فهو لأصحاب الضيق فغاية شربهم ري وأما أهل السعة فلا ري لشربهم فإنه من قال رويت من الحب ما عرفه فالحب شرب بلا ري قال بعض المحجوبين شربت شربة فلم أظمأ بعدها أبدا فقال أبو يزيد ((الرجل من يحسو البحار ولسانه خارج على صدره من العطش ))
وكأس شراب الحب هو القلب من المحب لا عقله ولا حسه فإن القلب يتقلب من حال إلى حال كما أن الله الذي هو المحبوب كل يوم هو في شأن فيتنوع المحب في تعلق حبه بتنوع المحبوب في أفعاله كالكأس الزجاجي الأبيض الصافي يتنوع بحسب تنوع المائع الحال فيه فلون المحب لون محبوبه وليس هذا إلا للقلب فإن العقل من عالم التقييد ولهذا سمي عقلا من العقال والحس فمعلوم بالضرورة أنه من عالم التقييد بخلاف القلب وذلك أن الحب له أحكام كثيرة مختلفة متضادة فلا يقبلها إلا من في قوته الانقلاب معه فيها وذلك لا يكون إلا للقلب0

وإذا أضفت مثل هذا إلى الحق فهو قوله: (( أجيب دعوة الداع إذا دعاني )) ((وإن الله لا يمل حتى تملوا )) ((ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)) والشرع كله أو أكثره في هذا الباب وشرابه عين الحاصل في الكأس وقد بينا أن الكأس هو عين المظهر والشراب عين الظاهر فيه والشرب ما يحصل من المتجلي للمتجلي له كل ذلك من تجليه سبحانه في اسمه الجميل قال صلى الله عليه وسلم: (( إن جميل يحب الجمال )) وهو حديث ثابت فوصف نفسه بأنه يحب الجمال وهو يحب العالم فلا شيء أجمل من العالم وهو جميل والجمال محبوب لذاته فالعالم كله محب لله وجمال صنعه سار في خلقه فحب العالم بعضه بعضا هو من حب الله نفسه فإن الحب صفة الموجود وما في الوجود إلا الله 0

والجلال والجمال لله وصف ذاتي في نفسه وفي صنعه فالجمال هو نعوت الرحمة والألطاف من الحضرة الإلهية باسمه الجميل وهو الجمال الذي له الجلال المشهود في العالم وأما الجلال فهو نعوت القهر من الحضرة الإلهية الذي يكون عنده الوجود والهيبة التي هي من أثر الجمال والأنس الذي هو من أثر الجلال نعتان للمخلوق لا للخالق ولا لما يوصف به فإن الأنس ومشاهدة جمال الحضرة الإلهية في القلب وهو جلال الجمال وأما الهيبة فهي مشاهدة جمال الله في القلب وأكثر الطبقة يرون الأنس والبسط من الجمال وليس كذلك ولا يهاب ولا يأنس إلا موجود ولا موجود إلا الله فالأثر عين الصفة والصفة ليست مغايرة للموصول في حال اتصافه بها بل هي عين الموصوف فلا محب ولا محبوب إلا الله عز وجل فما في الوجود إلا الحضرة الإلهية وهي ذاته وصفاته وافعاله0

وإذا علمت أن تغاير التجليات إنما كان من حيث ظهوره فيك فوصف نفسه بالحب من أجلك أسكرك هذا العلم الحاصل لك من هذا التجلي عن أن تكون أنت المحب له أي المحب من أجله فلم تحب أحدا من أجله وهو أحب من أجلك فلو زلت لم يتصف هو بالمحبة وأنت لا تزول فوصفه بالحب لا يزول
0

وإذا علمت أن شراب حبه إياك وهو أن تحبه فإذا أحببته علمت حين شربت شراب حبه إياك أن حبك إياه عين حبه إياك وأسكرك عن حبك إياه مع إحساسك بأنك تحبه فلم تفرق وهو تجلى المعرفة فالمحب لا يكون عارفا أبدا والعارف لا يكون محبا أبدا فمن هنا يتميز المحب من العارف والمعرفة من المحبة فحبه لك مسكر عن حبك له وهو شراب الخمر الذي لو شربه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء لغوت عامة الأمة وحبك له لا يسكرك عن حبه لك وهو شراب اللبن الذي شربه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فأصاب به الفطرة التي فطر الله الخلق عليها فاهتدت أمته في ذوقها وشربها وهو الحفظ الإلهي والعصمة وعلمت ما لها وما له في حال صحو وسكر0

فشراب حبه لك هو العلم بأن حبك إياه من حبه إياك فغيبك عن حبك إياه فأنت محب لا محب وهو المعبر عنه بالسكر إذ السكران هو الذي لا يعقل0
هل الحب صفة نفسية في المحب أو معنى زائد على ذاته أو هو نسبة بين المحب والمحبوب لا وجود لها:

المحب من شأنه إذا قام بالصورة أن يتنفس لما في ذلك النفس من لذة المطلوب فإن المحبة حكم يوجب رحمة الموصوف بها بنفسه ولهذا يجد المتنفس راحة في نفسه فبروز النفس من المتنفس عين رحمته بنفسه لذلك قلنا إن العالم أظهره نفس الرحمن لإزالة حكم الحب وتنفس ما يجد المحب فالنفس أصله من حكم الحب والحب له الحركة في المحب والنفس حركة شوقية لمن تعشق به متعلق له في ذلك التنفس لذة فالحب هو نفس المحب وعينه لا صفة معنى فيه يمكن أن ترتفع فيرتفع حكمها والعلاقة هي النسبة بين الحب والمحبوب والحب هو عين المحب لا غير 0

سبب الحب :

اعلم وفقك الله أن للحب سببين الجمال والإحسان ورد في الخبر في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إن الله جميل يحب الجمال )) فنبهنا بقوله جميل أن نحبه وعذر الحبين بهذا الخبر لأن المحب لا يرى محبوبه إلا أجمل العالم في عينه فما أحب إلا هو جمال عنده لا بد من حكم ذلك فإنه لا شك أن الجمال محبوب لذاته وهو تعالى صانع العالم أوجده على صورته وهو تعالى الجميل فالعالم كله في غاية الجمال ما فيه شيء من القبح بل قد جمع الله له الحسن كله والجمال فليس في الإمكان أجمل ولا أبدع ولا أحسن من العالم ولو أوجد ما أوجد ما أوجد إلى ما لا يتناهى إذ لو نقص منه شيء لنزل عن درجة كمال خلقه فكان قبيحا ثم هدى أي بين لنا ذلك بقوله : (( أعطى كل شيء خلقه ثم هدى )) فلولا جمال الحق ما ظهر في العالم جمال ولولا حسن القديم 0

والسبب الآخر للحب هو الإحسان وأكثر العباد يحبون إحسانه فإن الإحسان مشهودهم وما ثم إحسان إلا من الله ولا محسن إلا الله فإن أحببت الإحسان فما أحببت إلا الله فإنه المحسن وإن أحببت الجمال فما أحببت إلا الله تعالى فإنه الجميل فعلى كل وجه ما متعلق المحبة إلا الله 0

حب الجمال :

فمن أحب العالم لجماله فإنما أحب الله فإنه ليس للحق منزه ولا مجلى إلا العالم فإنه أوجده على صورته فالعالم كله جماله ذاتي وحسنه عين نفسه إذ صنعه صانعه عليه 0
ولما كان الحق يتجلى في حضرة المثال في الصور في عالم التمثيل وهو تجل شهادي متنوع في الصور جاء في الحديث : (( رأيت ربي في صورة شاب على رأسه تاج من ذهب وفي قدميه نعلان من ذهب )) كما جاء في مسلم عن تجلى الحق لأهل الموقف في القيامة وتحوله في الصور بالعلامات فهو هو تجل شهادي متنوع في الصور وفي هذه الحضرة تتجسد المعاني المجردة والمعارف والأرواح في الصور المثالية فتظهر صورا في الجسم المشترك كما أخبر عليه السلام من أن الزهراوين البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة لهما لسانان وشفتان يشهدان لمن قرأهما وكالدين صورة القيد والعلم في صورة اللبن وكجبريل عليه السلام في صورة دحية وفي صورة الأعرابي فيلحق هذه الصور ما يلزمها من رؤية وكلام وكل ما يلزم الصورة وتنعت هذه الصورة المتجلي فيها بما تستحقه من جمال وضحك ودلال إلى غير ذلك من النعوت والصفات وكان لها التقييد بالزمان فتصف بالفراق والبين والهجران ذكر مسلم في صحيحه في الحديث: ((إن الله يضحك )) وإذا تجسدت الأرواح وتمثلت في الصور الجسدية قبلت النعوت الطبيعية ورد في الخبر: ((أن جبريل وميكائيل يبكيان خوفا من مكر الله ))
ولما كان العالم على صورة الحق والإنسان بمفرده على صورة الحق فله حضرة الاسم الجامع فهو كالمرآة للحق فالحق يتجلى للمحب والعارف في الحق وهو التجلي في الصور فيؤدي ذلك إلى التعلق بالأكوان لما ظهر التجلي فيها فحنين العارف والمحب أبدا إنما هو لموطن التجلي من حيث التجلي لا من حيث الصور فغرامه وتهيامه وتعلقه إنما هو بالتجلي ما هو غرامه لمن يتجلى فيه إلا بحكم التبعية كالتولع بمنازل الأحبة من حيث هي منازل لهم خاصة لا من حيث هي منازل 0


((جمال الصور جمال مطلق وجمال مقيد عرضي))



انقسم أهل الله في حب الجمال على قسمين فمنا من نظر إلى جمال الكمال وهو جمال الحكمة فأحب الجمال في كل شئ لأن كل شئ محكم وهو صنعة حكيم فمن أحب العالم بهذا النظر فقد أحبه بحب الله وما أحب إلا جمال الله فجمال العالم جمال الله وصورة جماله دقيقة أعني جمال الأشياء وذلك أن الصور تين في العالم وهما مثلا شخصان ممن يحبها الطبع وهما جاريتان أو غلامان فقد اشتركا في حقيقة الإنسانية فهما مثلان وكمال الصورة التي هي أصول من كمال الأعضاء والجوارح وسلامة المجموع والآحاد من العاهات والآفات ويتصف أحدهما بالجمال فيحبه كل من رآه ويتصف الآخر بالقبح فيكرهه كل من رآه فما هو هذا الجمال الذي انطلق عليه اسم الجمال حتى أحبه كل رآه هذا إذا وقع حب الشخص من مجرد الرؤية لا بعد الصحبة والمعاشرة هذا هو الجمال العرضي الذي تعرفه العامة لا جمال الحكمة فمنا من لم يبلغ مرتبته من نظر إلى جمال الكمال وهو جمال الحكمة وما عنده علم بالجمال إلا هذا الجمال المقيد الموقوف على الغرض وهو في الشرع موضع قوله((اعبد الله كأنك تراه)) فجاء بكاف الصفة فتخيل هذا الذي لم يصل إلى فهمه أكثر من هذا الجمال المقيد فقيده كما قيده بالقبلة فأحبه لجماله ولا حرج عليه في ذلك فإنه أتي بأمر مشروع له على قدر وسعه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وكذا نفوس العامة يتعلق حبها بجارية أو غلام أي شئ كان فهم أهل الجمال العرضي والحب العرضي ظل زائل وغرض ماثل وجدار مائل وهذا الجمال العرضي المقيد إنما هو الجمال المطلق الساري العالم وفي هذا الجمال العرضي يفضل آحاد العالم بعضه على بعض بين جميل وأجمل وراعى الحق ذلك على ما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم في قول الصحابي له ((إني أحب أن يكون نعلي حسنا وثوبي حسنا)) فقال صلى الله عليه وسلم : ((إن الله جميل يحب الجمال))0
والجمال المقيد يدرك بأول وهلة ,وإدراك الجمال المطلق يحتاج فيه إلى غور بعيد وقوة يشق بها الرائي حجاب الطبع إلى إدراك الجمال الإلهي المودع في ذلك القبح
وأقول أنا جامع هذا الكتاب إن الجمال المقيد يستند إلى حقيقة التجلي الإلهي في الصور وهو أي الجمال العرضي في الأكوان مقيد بالحصر والحد والمقدار
والمناسبة والمشاكلة والذوق والطبيعة فهو في آحاد العالم بين جميل وأجمل ,وقد
راعى الحق حب الجمال العرضي بالشرية فقال لنبيه عليه الصلاة والسلام (( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك)) فأثبت له صلى الله عليه وسلم حب الجمال العرضي ,وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر له جمال صفية بنت حيي أم المؤمنين تزوج بها ,كما ذكر له عن جمال امرأة من العرب فأرسل يخطبها لنفسه ,ولم يزل جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وكان أجمل أهل زمانه ,وبلغ من أثر جماله في الخلق أنه لما قدم المدينة واستقبله الناس ما رأته امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها من حسن صورته, فكان نزول جبريل عليه السلام في صورة دحية كأن الحق يبشر نبيه صلى الله عليه وسلم ويقول له: ((يا محمد ما بيني وبينك إلا صورة الحسن والجمال )) يخبره تعالى بما له في نفسه بالحال إذ كان الرسول حسن الصورة , فذلك إشارة إلى المرسل إليه وتعريف بجمال المكانة والسورة ,فحصلت البشرى للرسول وإدراك البغية بنزول جبريل عليه في صورة دحية 0

أقول للقلب قـد أوردتنـي iiسقمـا
فقال عينـاك قادتنـي إلـى تلـف
لو لم تر العين لم تمس حليف ضنى
وإن أمت فيه ما في الحب من iiحلف
لذاك قسمت ما عندي علـى iiبدنـي
من الضنى والجوى والدمع iiوالأسف

((حب النساء))

جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ((صلى الله عليه وسلم))أنه قال: ((خلق الله آدم على صورته)) وقال ((صلى الله عليه وسلم))في حديث صحيح آخر : ((إن الله جميل يحب الجمال)) وما أعلم أن الله سبحانه تجلى لأحد من خلقه في اسمه الجميل إلا للإنسان وفي الإنسان خاصة , فلهذا ما فنى وهام في حبه بكليته إلا في ربه أو فيمن كان مجلى ربه ,ومن هنا حبب لرسول الله((صلى الله عليه وسلم))النساء فإن الحب أعظم شهوة وأكملها ,والشهوة آلة النفس تعلو بعلو المشتهى وتسفل با ستفال المشتهى ,وكل صفه لنا نحو عنصرها تطلبه مثل الشوق يعلو نحو عنصره الذي هو الشوق الأعظم الموصوف به الجناب العالي وكالمحبة منا تطلب المحبة الإلهية من قوله: ((يحبهم ويحبونه)) فحبنا نتيجة عن حبه,فإن التجليات في أوقات تقع في الصور الجميلة الحسنة في عالم التمثيل , والشهوة إرادة الالتذاذ بما ينبغي أن يلتذ به ,واللذة لذتان روحانية وطبيعية والنفس الجرئية متولدة من الطبيعة وهي أمها والروح الإلهي أبوها , فالشهوة الروحانية لا تخلص من الطبيعة أصلا ,وبقي من يلتذ به ,فلا يلتذ إلا بالمناسب والإنسان فيه مناسب من كل شئ في العالم ,فيضاف كل مناسب إلى مناسبه بأظهر وجوهه, ولا مناسبة بيننا وبين الحق إلا بالصورة,والتذاذ الإنسان بكماله أشد إلا لتذاذ ,فالتذاذه بمن هو على صورته أشد التذاذ,برهان ذلك أن الإنسان لا يسري في كله الالتذاذ ولا يفنى في مشاهدة شئ بكليته ولا تسري المحبة والعشق في طبيعة روحانيته إلا إذا عشق جارية أو غلاما ,وسبب ذلك أنه يقابله بكليته لأنه على صورته ,وكل شئ في العالم جزء منه فلا يقابله إلا بالجزء المناسب ,فلذلك لا يفنى في شئ يعشقه إلا في مثله ,فإذا وقع التجلي الإلهي في عين الصورة التي خلق آدم عليها طابق المعنى المعنى ووقع الالتذاذ بالكل وسرت الشهوة في جميع أجزاء الإنسان ظاهرا ,ألا ترى إلى قيس المجنون في حب ليلى كيف أفناه عن نفسه لما ذكرناه, فمن عرف قدر النساء وسرهن لم يزهد في حبهن بل من كمال العارف حبهن فإن ميراث نبوي وحب إلهي ,قال رسول الله ((صلى الله عليه وسلم)) : ((حبب إلى من ديناكم ثلاث النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة)) فذكر النساء, أترى حبب إليه ما يبعده عن ربه ,لا والله بل حبب إليه ما يقربه من ربه قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لك من النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك )) فأبقى عليه رحمة به لما جعل في قلبه من حب النساء ملك اليمن ,قال صلى الله عليه وسلم : ((حبب إلى)) فلم ينسب حبه فيهن إلا إلى الله تعالى0
تحقيق :
لا يفنى الإنسان في حبه نفسه للقرب المفرط الذي ما يكون مثله قرب إليه البتة , كذلك لا يفنى الإنسان في حب ولده ولا ماله ولا أهله لأنه منوط بقلبه بمنزلة نفسه للقرب المفرط ,فإنه يخفي ذلك فيه , فإن اتفق أن يطلق امرأته وقد كان حبه إياها كامنا فيه لا يظهر لإفراط القرب أخذه الشوق إليها وهام فيها وحن إليها لبعدها عن ذلك القرب المفرط لتعلق الشوق والوجد بها, ولهذا يفنى العاشق في معشوقه الأجنبي لأنه ليس له ذلك القرب الظاهر الذي يحول بينه وبين الاشتياق إليه ولقرب الحق من قلوب العارفين بالعلم المحقق الذوقي الذي وجدوه لهذا صحوا ولم يهيموا فيه هيمان المحبين لله من كونه تجلى لهم في جمال مطلق وتجليه للعلماء في كمال مطلق وأين الكمال من الجمال ,فإن الأسماء في حق الكامل تتمانع فيؤدى ذلك التمانع إلى عدم تأثيرها فيمن هذه صفته, فيبقى منزها عن التأثير مع الذات المطلقة التي لا تقيدها الأسماء ولا النعوت, فيكون الكامل في غاية الصحو كالرسل وهم أكمل الطوائف,لأن الكامل في غاية القرب ,يظهر به في كمال عبودتيه مشاهدا كمال ذات موجده,ولهذا قلنا العارف لا يكون محبا والمحب لا يكون عارفا.
حب الخيال
لما كان الحب الطبيعي سببه نظرة أو سماع فيحدث في خيال الناظر مما رآه إن كان المحبوب ممن يدرك بالصبر , وفي خيال السامع مما سمع فحمله في نشأته فصوره في خياله بالقوة المصورة, وقد يكون المحبوب ذا صورة طبيعية مطابقة لما تصور في الخيال أو دون ذلك أو فوق ذلك,وقد لا يكون للمحبوب صورة ولا يجوز أن يقبل الصور , فصور هذا المحب من السماع ما لا يمكن أن يتصور ,و لم يكن مقصود الطبيعة في تصوير ما لا يقبل الصورة إلا اجتماعها على أمر محصور ينضبط لها مخافة التبديد والتعلق بما ليس في اليد منه شيء,فهذا هو الداعي لما ذكرناه من تصوير من ليس بصورة أومن تصوير من لم يشهد له صورة وإن كان ذا صورة ,وفعل الحب في هذه الصورة أن يعظم شخصها حتى يضيق محل الخيال عنها فيما يخيل إليه فتثمر تلك العظمة والكبر أحوالا نذكرها في الحب الطبيعي ,قد تلتبس تلك الصورة في خيال المحب فتلصق بصورة نفسه المخيلة له,وإذا تقاربت الصورتان في خياله تقاربا مفرطا وتلتصق به لصوق الهواء بالناظر ,يطلبه المحب في خياله فلا يتصوره ويضيع ولا ينضبط له للقرب المفرط,فيأخذه لذلك خبال وحيرة حتى إذا تقوت تلك الصورة في خيال المحب أثرت في المحبوب تأثير الخيال في الحس مثل الذي يتوهم السقوط فيسقط أو يتوهم أمرا ما مفزعا فيتغير له المزاج فنتغير صورة حسه ,كذلك هذه الصورة إذا تقوت أثرت في المحبوب فقيدته وصيرته أشد طلبا لها منها , فإن النفوس قد جلبت على حب الرياسة والمحب عبد مملوك بحبه لهذا المحبوب, فالمحبوب لا يكون له رياسة إلا بوجود هذا المحب فيعشقه على قدر عشقه رياسته, وإنما يتيه عليه للطمأنينة الحاصلة في نفس المحبوب بأن المحب لا يصبر عنه وهو طالب إياه فتأخذه العزة ظاهرا وهو الطالب له باطنا ولا يرى في الوجود أحدا مثله لكون ملكه,كما أن من شأن الحب الطبيعي أن تكون الصورة التي حصلت في خيال المحب على مقدار المحل الحاصلة فيه بحيث لا يفضل عنها منه ما يقبل به شيئا أصلا , وإن لم يكن كذلك فما هو صورة الحب وبهذا تخالف صورة الحب سائر الصور .
وكما سبق أن ذكرنا أن العالم كله في غابة الجمال ,فأن العالم ثلاث حضرات عالم الغيب وعالم الشهادة وعالم الخيال ,فسبحان واضع الحكم وناصب الآيات ومظهر جمال الدلالات,فمن أجملها عينا وأكملها كونا عالم الخيال ,يدرك الرائي فيه ما يكون قبل كونه وما كان وما هو الوقت عليه ,فهو الحضرة الجامعة, وكل من تعشق بأمر ما فما تعشق به إلا بعد أن حصله في خياله في جعل له في وهمه مثالا وطبق محبوبه على مثاله ,لو لم يكن الأمر كذلك لكان إذا فارقه من تعلق به بصره أو سمعه أو أي شئ من حواسه فارق التعلق به,ونحن لا نجد الأمر كذلك ,فدل على أن المحبوب عند المحب على مثال صوره وأنشأه في خياله فلزم مشاهدته فتضاعف وجده وتزايد حبه وصار ذلك الأصل هو روح هذا الخيال وبه بقاؤه وهو الذي يحفظه ,وما اشتد حب المحب إلا في صنعته وفعله ,فإن الصورة التي تعشق بها في خياله هي من صنعته, فما أحب إلا ما هو راجع إليه , فبنفسه تعلق وعلى فعله أثنى , فمن علم هذا علم حب الله عباده وأنه تعالى أشد حبا فيهم منهم فيه ,بل لا يحبونه عينا وإنما يحبون إحسانه فإن الإحسان هو مشهودهم ,ومن أحبه عينا فإنما أحب مثالاً صوره في نفسه وتخيله وليس إلا المشبهة خاصة ,فكل محب لولا التشبيه ما أحبه ولولا التخيل ما تعلق به , ولهذا جعله الشارع في قبلته ووسعه قلب عبده وجعله من القرب به كهو أو كبعض أجزائه , فمثل هؤلاء عبدوه ممثلاً وشاهدوه محصلاً . ولما كان الخيال هو الحضرة التي يتجلى فيها الحق وكان التجلي على ما هو المتجلي عليه في نفسه لنفسه محال حصوله لأحد, فلا يقع التجلي إلا من دون ذلك , أي على قدر طاقة المتجلى له,فإنه لو تجلى على ما هو عليه في نفسه لنفسه لأحد لأحاط التجلى له علما به وهو محال ,فالفائدة من جانب الحق لعباده بكل ما أعطى التقييد فإنه إذا تقيد تميز وتعينت المرتبة, ولهذا يدعو الحق قلوب المحبين إلى حسن جماله المقيد, فإن اللحظ المطلق لا تقع به الفائدة في العالم أصلاً ,فالمشهد الذاتي لا يتحصل منه علم في نفس المشاهد لأنه تجلى في غير صورة مادية فلم يكن للخيال ما يضبطه به فلم يكن للعقل ما يعقله , إذ لا يدخل تحت كيف ولا كم ولا نعت ولا وصف فالمشهد الذاتي لا ينتج شيئا في قلب العبد لأنه لا ينضبط ولا يتحصل منه سوى شهوده عند خفقانه ,فإنه تعالى أن يحضره كون أصلاً ,بخلاف التجلي في الصورة في عالم التمثيل فإن الرائي يضبط صورة ما تجلى له ويعبر عنها فالتجلي الصوري أليق بالعاشق والمشهد الذاتي أتم للعارف0

والمحب الإلهي إذا رأى الحق في الخلق والتجلي الإلهي في الصور أداه ذلك إلى التعلق بالأكوان وهي الصورة الطبيعية في عالم الشهادة لما ظهر التجلي فيها فغرامه لمن يتجلى فيه الحق بحكم التبعية كالتولع بمنازل الأحبة من حيث هي منازل لهم خاصة لا من حيث هي منازل ولو وقع تجلي الحق على القلوب وهو تجلي الهوية لحن أيضاً هذا المحب إلى عالم التنزيه والغيب من حيث ما قد شاهد أيضاً محلاً للتجلي في تجل أنزه من تجلي الصور في عالم الشهادة فحنين المحب الإلهي أبداً لمواطن التجلي من حيث التجلي لا من حيث هي فإذا تجلى الحق في عالم الصور كان في باطن تلك الصور مطلب العارف والمحب مغيب مبطون فيها ولهذا يورث التجلي في الصور حالاً وأما التجلي على القلوب فيورث علماً .
ولما كان المحب لله في هذه الدار الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً والإنسان في هذه الدار مركب من عناصر وهو مدبر لهذا المركب لم يتمكن له دوام الرؤية بحكم الاتصال فإنه مطلوب بإقامة ملك بدنه وتدبيره فلا بد من الحجاب بينه وبين المطلوب الذي تيمه وهيمه وهيجه بنيران النظرة إلى التجلي فلا يكون التجلي إلا كالبرق في نوره وسرعة زواله وهو الوقت الذي لا يسعه فيه غير ربه فإنه لا حجاب لقلوب العارفين إلا هذا العالم الطبيعي والمناظر العلى متأهبة لإدراكات قلوب العارفين وعالم الطبيعة يحجبها عن إدراك تلك المناظر فالقلوب لها أوقات مع الله تعالى وأوقات مع نفوسها وحظوظها فإذا سمعت المحقق يطلب التجرد من الهيكل الطبيعي والتحاق روحه بعالمها البسيط أي يطلب الموت فاعلم أنه يطلب التجرد عنه حالاً وفناءاً لا انفصال علاقة لما للروح بوجود هذا الهيكل المركب من المزيد فيما هي بسبيله فبقاء عين الكون ظهور الحضرة الإلهية وأسماؤها الحسنى وهو جمال الكون فلو ذهب الكون لم تعلم فبالرسوم و الجسوم انتشرت العلوم وتميزت الفهوم وظهر الإسم الحي القيوم فسبحان من أرسل رحمته عامة على خلقه وكونه لشهود صنعته وعينه.
آخر مواضيعي في منتديات احباب الكلتاوية
التوقيع

أنا الفتى الأيمن الأحمدي السيد الكيالي إبن العربي حاتمي الأصل هاشمي النسب جدي الحسين سبط النبي

أيمن السيد غير متواجد حالياً    رد مع اقتباس
قديم 23-Oct-2011, 02:11 AM   #2
معلومات العضو
كلتاوي نشيط
 
إحصائية العضو

رقم العضوية : 5407
تاريخ التسجيل : Aug 2009
المشاركات : 150
العمر : 55
الإتصال : فراج يعقوب غير متواجد حالياً
المواضيع : 1
مشاركات : 149

افتراضي رد: كتاب الحب والمحبة الإلهي للشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي

مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
آخر مواضيعي في منتديات احباب الكلتاوية
التوقيع

اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي الحبيب العالي القدر العظيم الجاه وعلى آله وسلم

فراج يعقوب غير متواجد حالياً    رد مع اقتباس
قديم 29-Oct-2011, 07:20 AM   #3
معلومات العضو
كلتاوي مميز
 
إحصائية العضو

رقم العضوية : 561
تاريخ التسجيل : Jan 2008
المشاركات : 622
العمر : 39
الإتصال : أيمن السيد غير متواجد حالياً
المواضيع : 138
مشاركات : 484

افتراضي رد: كتاب الحب والمحبة الإلهي للشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي

شكرا لمرورك على موضوعي وهذا شرف لي ووسام على صدري
آخر مواضيعي في منتديات احباب الكلتاوية
أيمن السيد غير متواجد حالياً    رد مع اقتباس
رد

Bookmarks

أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الشيخ محمد بهاء الدين المعروف بـ ((شاه نقشبند حمزة منتدى التراجم 0 19-Nov-2007 07:43 PM
الإسلام يتحدى يوسف ( أبومحمد) المكتبة العلمية 4 06-Nov-2007 03:06 PM
الحب ماء الحياة ... للقرني فياض العبسو الفتاة المسلمة والأسرة السعيدة 7 19-Oct-2007 06:38 AM
تعرف على أحد أعلام القراء السابقين العلامة ناصر الدين الطبلاوي رحمه الله تعالى روح الإسلام منتدى التراجم 4 03-Sep-2007 04:43 PM
كتاب البرهان المؤيد للامام الرفاعي الحنفي1900 المكتبة العلمية 6 30-Aug-2007 07:51 PM

 

مجموعات Google

اشتراك في أحباب الكلتاوية

البريد الإلكتروني:

زيارة هذه المجموعة

عدد زوار الموقع حتى الان


الساعة الآن 08:44 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2014
تركيب بواسطة الإمارات للتقنيه والتصميم

جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها