أحباب الكلتاوية أحباب الكلتاوية
التزكية والأخلاق

الهمة العالية في طلب العلم

✦ الشيخ محمود خل 2026/10/20 5 دقائق قراءة 5 مشاهدة

كلمات موجزة مقتضبة في أخذ أهل العلم أنفسهم بالدأب والمثابرة دون كلل أو ملل، وصبرهم على شظف العيش وشدته دون تبرم أو ضجر. يملأ نهارهم الدَرْسُ والحفظ، ويشغل ليلهم القيام والذكر.

الهمة العالية في طلب العلم

** مقدمة:

الحمد لله الذي جعل لطريق الحق أعلاماً وعلامات، ورفع لأهل الفضل مقاماً ورايات.

والصلاة والسلام على حبيبنا محمد سيد الكائنات وسراج الظلمات.

وعلى آله الأطهار ذوي المكرمات، وأصحابه الأبرار عالي الدرجات، وبعد:

 

فهذه كلمات موجزة مقتضبة في أخذ أهل العلم أنفسهم بالدأب والمثابرة دون كلل أو ملل، وصبرهم على شظف العيش وشدته دون تبرم أو ضجر. يملأ نهارهم الدَرْسُ والحفظ، ويشغل ليلهم القيام والذكر...

أكرموا العلم الذي حملوه فأكرمهم الله، وعرفوا قدر ميراثهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحبهم الله...

جعلهم الله للبشر نبراسا ومنارا، فقال سبحانه: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (الأنعام: من الآية90).

ونُقلت حكاياتهم بين العالمين ليكونوا للخلق عبرة وعظة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ).../ يوسف111

اقتدوا بالأنبياء والمرسلين في حياتهم فخلدوا معهم واكتسبوا شرفاً من شرفهم: (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ).../ هود 120

يقول الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه : الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحبّ إلي من كثير من الفقه، لأنها آداب القوم وأخلاقهم.

 

أيها الطالب للعلم الشرعي !.

اعلم أخي "طالب العلم الشريف..."  أن سلف هذه الأمة من العلماء والأدباء كانت أخبارهم أعطر الأخبار، وجاءت آثارهم أطيب الآثار... فلا عجب أن كان الحديث عنهم مجلاةً للقلوب من الصدأ والكسل، ومدعاةً لتحريك الهمة للجدّ والعمل.

 

وفي هذا المقام أنقل لإخوتي وأحبابي في الله أخباراً ثلاثة عن الهمة العالية لعلماء الأمة من كتاب "صفحات من صبر العلماء" للشيخ العالم الرباني عبدالفتاح أبي غدة، وأنا متيقن أن فيها عبرة وعظة وهدىً لمن ألقى السمع وهو شهيد.

 

الخبر الأول : عرق العلماء تخلده صفحات المراجع:

1- قال القِفْطِي في إنباه الرواه، وابن خَلِّكَان في "وَفَيَات الأعيان" وياقوت في "معجم الأدباء"، والذهبي في "سير أعلام النبلاء"، في ترجمة أبي زكريا يحيى بن علي، المعروف بالخطيب التبريزي (ت 421 - 502 هـ)

 

قال: كان له معرفة تامة بالأدب من النحو واللغة وغيرهما، قرأ على أبي العلاء المعري، وغيره، وكان سبب توجهه إلى أبي العلاء، من تبريز إلى المعرة... أنه حصلت له نسخة من كتاب "التهذيب" في اللغة لأبي منصور الأزهري.. في عدة مجلدات لطاف، وأراد تحقيق ما فيها وأخْذها عن رجل عالم باللغة، فدُل على المعري، فجعل الكتاب في مخلاة وحملها على كتفه من تبريز إلى المعرة، ولم يكن له ما يستأجر مركوباً، فنفذ العرق من ظهره إليها، فأثّر فيها البلل، وهي ببعض المكتبات الموقوفة ببغداد، وإذا رآها من لا يعرف صورة الحال فيها، ظن أنها غريقة، وليس بها سوى عرق الخطيب التبريزي!!.. رحمه الله، ورعى له اجتهاده في طلب العلم.

 

الخبر الثاني : كتب العلم عزيزة على أهلها:

وحكى القاضي ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان".

في ترجمة الشريف المرتضى أبي القاسم "علي بن الطاهر" شقيق الشريف الرضي الشاعر المعروف حكاية عجيبة، وقعت لأبي الحسن الفالي، "علي بن أحمد بن سَلَّك الفالي" المحدث الأديب المتوفي سنة (448) رحمه الله تعالى قال :

 

حكى الخطيب التبريزي، أن أبا الحسن الفالي الأديب، كانت له نسخة من كتاب "الجمهرة" لابن دريد، في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها، فاشتراها الشريف المرتضى، بستين ديناراً وكان هذا ثمناً كبيراً، وتصفحها فوجد بها أبياتاً بخط بائعها الفالي . . . وهي :

أُنِسْتُ بها عشرين حولاً وبعتُها

 

لقد طال وجدي بعدها وحنيني

وما كان ظني أنني سأبيعها

 

ولو خلدتني في السجون ديوني
                                               

ولكن لضعفٍ وافتقار وصبيةٍ

 

صغارٍ، عليهم تستهلّ شؤوني

فقلتُ ولم أملك سوابق عبرتي

 

مقالةِ مكويِّ الفؤاد حزينِ

وقد تُخْرِجُ الحاجات يا أم مالك

 

كرائمَ من ربٍ بهنّ ضنين

فأرجع الشريف النسخة إليه، وترك له الدنانير رحمهما الله تعالى.

 

الخبر الثالث : لا يضير شيخ الإسلام أن يجوع:

وأختم الحديث بخبر شيخ الإسلام مصطفى صبري (1286 - 1373هـ)

فإنه حين هاجر بدينه من تركيا، بعد أن وقف من طاغيتها مصطفى كمال الموقف المشرف الشجاع، وعلم أن القوم يأتمرون به ليقتلوه، فرّ بدينه وعلمه من تركيا وترامت به البلاد.. ثم استقر في مصر، على فاقةٍ وإملاق شديدين، مع التجمل في الظاهر والتجلد للشدائد، لا يريق ماء وجهه لأحد، ولا يقبل أن يذل العلم بسببه.

وفي تلك الأيام نشرت الصحف العالمية خبر صيام "غاندي" زعيم الهند احتجاجاً على بريطانيا التي احتلت بلده فقامت الدنيا ولم تقعد وضج الناس لجوع وهزال غاندي وأثارت صورة البعيد والقريب.

فأنشأ الشيخ مصطفى صبري رحمه الله تعالى أبياتاً قارن فيها بين جوعه الدائم وجوع غاندي المؤقت . . فقال :

صام شيخُ الهند الحديثة غاندي

 

صومةَ المستميتِ والمتحدي
                                               

وأراني على شفا الموت، أدعى

 

شيخ الإسلام، بلهَ هندٍ وسندِ

غير أن الصومين بينهما فر

 

قٌ عجيب أُبْدِيه من غير ردِّ
                                               

صام مع وُجْدِه، وصمتُ لعُدْمٍ
                                               

 

دام مُذ ضِفْتُ مصر كالضيف عندي

وغدا صومُه حديث جميع النا

 

سِ أما صومي فأدْريه وحدي
                                               

في سبيلِ الإسلام ما أنا لاقٍ
                                               

 

ولئن مِتُّ، فلْيعشْ هو بعدي

لِيَعشْ رغم مسلمي العصر دينٌ
                                               

 

ضيعوه، ولم يَفُوْهُ بعهد

  كان مثلي يموت جوعا ولا يُعـــــــــرف!!. لو كان شيخُهم شيخَ هندِ!!

 

وأخيراً :

 

فشمر يا أخي في طلب العلم عن ساق الجد سائلاً الله سبحانه من فضله الإرادة الصادقة والعلم النافع، واصبر نفسك واحتسب عملك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجه الله وينهلون من موارد العلم.

 

واعلم أن العلم الشرعي لا ينال براحة البدن ولا يطلب بالتمني والتحلي . . . إنا هو رهين العزيمة الصادقة وأسير الهمة العالية . . .

وإياك إياك أن يشغلك فاتر العزيمة ودعيّ العلم عن هدفك ومقصدك. أو أن تنصرف بك الشهوات والملذات عن أَرَبك وغايتك.

 

واعلم - بارك الله فيك - أن جمهرة أهل العلم عبَّدوا الطريق قبلك وذللوه لك، فلا تعد عيناك عنهم (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).

والحمد لله رب العالمين.

وكتبه / محمود خليف

راجعه / عبدالله نجيب سالم

                                                     الثلاثاء :      8 من ربيع الأول 1425هـ

                                                                              27 من نيسان 2004م

اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

 أدب العلاقات الأخوية
التزكية والأخلاق

أدب العلاقات الأخوية

قال الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فالأخوة ثابتة بين المؤمنين بمجرد الإيمان

الشيخ مصطفى العلو 5 دقائق
التزكية والأخلاق

قيمة الوقت في حياة المسلم

حقيقة إن الوقت نعمة من نعم الله تعالى على الإنسان إن حافظ عليها فقد شكر الله تعالى وإن لم يحافظ فقد فرط في جنب الله تعالى والإنسان حقيقة يعيش ضمن دائرة الوقت من مبتداه إلى منتهاه ويعيش أعظم لحظتين من...

8 دقائق
التزكية والأخلاق

البيئة في شعر الشريف الرضي

تظهر بيئة كل شاعر في مفردات شعره ولاينفك الشاعر متعلقا ببيئته يذكر أرضها وسماءها وأشجارها وأزهارها ونجدها ووهاده وجبالها وأنهارها وكل تفاصيلها، حتى ينصبغ شعره بلون بيئته ،ويقبس من طبيعتها ما يترك في ش...

7 دقائق