أحباب الكلتاوية أحباب الكلتاوية
العقيدة والفكر

زوايا النظر إلى الإيمان بالقدر ١

✦ الشيخ إبراهيم منصور 2026/11/01 5 دقائق قراءة 20 مشاهدة
زوايا النظر إلى الإيمان بالقدر ١

بحثٌ بعنوان: [زوايا النظر إلى الإيمان بالقدر] سبق أن قدّمتُه عبر منبر الجمعة قبل نحو خمس سنوات، في سلسلة خُطب بلغت أربع عشرة خطبة. أردت من خلاله توضيحَ عقيدة الإيمان بالقدر، والإجابةَ - من زوايا نظر م...

زوايا النظر إلى الإيمان بالقدر

 

بقلم الشيخ إبراهيم منصور

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الجزء الأول 1-12

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد رسول الله وإمام المؤمنين، وعلى آله وصحبه ومن اقتدى بهداه إلى يوم الدين.

أما بعد.

فهذا بحثٌ بعنوان: [زوايا النظر إلى الإيمان بالقدر] سبق أن قدّمتُه عبر منبر الجمعة قبل نحو خمس سنوات، في سلسلة خُطب بلغت أربع عشرة خطبة. أردت من خلاله توضيحَ عقيدة الإيمان بالقدر، والإجابةَ - من زوايا نظر متعددة - عن الشبهات والإشكالات التي قد أثيرت عبر تاريخ الفكر الإسلامي وما تزال، حول هذه العقيدة الأصيلة في أركان الإيمان، فإن الركن السادس من أركان الإيمان هو الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.

 

فما معنى الإيمان بالقدر:

قال النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم: وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ إِثْبَات الْقَدَر، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَّرَ الْأَشْيَاء فِي الْقِدَم، وَعَلِمَ سُبْحَانه أَنَّهَا سَتَقَعُ فِي أَوْقَات مَعْلُومَة عِنْده سُبْحَانه وَتَعَالَى، وَعَلَى صِفَات مَخْصُوصَة، فَهِيَ تَقَع عَلَى حَسْب مَا قَدَّرَهَا سُبْحَانه وَتَعَالَى. اهـ شرح النووي (1/ 154)

فكلُّ ما تراه وما لا تراه، من الذَّرَّة إلى المَجَرة، وكلُّ ما يقع في هذا العالم، بعيده وقريبه، وعلويه وسفليه، مما يعنيك أو لا يعنيك، مما جلّ وكبُر، كالحروب والجوائح والأوبئة، أو مما حقُر وصغُر، كحبة الرمل، أو قطرة المطر، أو ورقة من هذا الشجر، كل ذلك قد سبق في علم الله أزلا وقوعه، وجرى به قلَم قَدَره سبحانه، فهو يقع على وفق ذلك العلم السابق، وذلك القَدَر المكتوب، تماما بتمام. كما قال سبحانه في سورة الأنعام: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59]

 

الفرق بين "القضاء" و "القَدَر":

وأرى أنه من الخلاف اللفظي الذي لا أثر له عمليا. ولذلك يعبَّر بأحدهما عن الآخر.

وقد قيل في الفرق بينهما قولان:

القول الأول: الْقَضَاء: هو علم الله السابق في الأزل، المكتوب في اللوح المحفوظ.

وَالْقَدَر: هو الخلق والإيجاد اللاحق، لذلك القضاء السابق، عَلَى التَّفْصِيل في أوانه ومكانه وجميع شأنه المسطور.

ويستدل لهذا القول بقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21]

فعلى هذا فإن القضاء من صفات ذات الله سبحانه، لأنه عبارة عن علمه الأزلي. والقدر من صفات أفعاله سبحانه. لأنه عبارة عن خلق الأشياء وإيجادها بقدرته. وقد ورد عن الإمام أحمد قوله: القدَرُ قُدرة الله.

القول الثاني: (عكس القول الأول) القَدَر: هو العلم السابق المكتوب في اللوح المحفوظ.

والقضاء: هو الخَلْق والإيجاد اللاحق، على وفق العلم السابق. ومنه قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 12] أي فَخَلَقَهُنَّ.

وعلى هذا فإن القضاء من صفات أفعاله سبحانه، والقَدَر: من صفات ذاته.

قال ابن الأثير في (النهاية في غريب الأثر): فالقضاء والقَدَر أمران مُتَلازِمان لا يَنْفَك أحدُهما عن الآخَر، لأن أحدَهُما بمَنْزلة الأساس؛ وهو القَدَر، والآخَرَ بمنزلة البِناء؛ وهو القَضاء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هَدْم البِناء ونَقْضَه. اهـ

 

تأصيل الإيمان بالقَدَر في القرآن والسنة:

فأما في القرآن:

فقال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38]

قال ابن كثير في تفسيرها: أي: وكان أمره الذي يقدِّره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدِل، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. اهـ

وقال سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]

جاء في سبب نزولها حديث مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْقَدَرِ، فَنَزَلَتْ: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)

 

وأما في السنة:

ففي صحيح مسلم عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاَءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي؛ أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، .. فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، يَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ. قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَمِ. ... إلى أن قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ صَدَقْتَ.

قال راوي الحديث سيدنا عمر رضي الله عنه: فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ.

إيضاحات حول الحديث:

معبد الجهني: نَزِيْلُ البَصْرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالقَدَرِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، قتله الحجاج سنة 80 من الهجرة.

يتقفرون العلم: أي يطلبونه ويتتبعونه ويجمعونه.

الأمر أُنُف: أي مستأنَف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى، وانما يعلمه بعد وقوعه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

فَلَبِثْتُ مَلِيًّا: معناه: وقتا طويلا. وعند غير مسلم، أنه صلى الله عليه وسلم قال له ذلك بعد ثلاث ليال.

وفي سنن الترمذي عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ القَدَرَ؛ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ.

وفي رواية أبي داود: قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.

وفي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ؛ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ.

هذا تأصيل عقيدة الإيمان بالقدر من القرآن والسنة.

ولكن هذه العقيدة استتبعت - وما تزال - إشكالاتٍ عميقةً وأسئلة كبرى نشأت عن إغفال بعض زوايا النظر إلى الإيمان بالقدر، أو نشأت عن غبش في النظر إليه من هذه الزاوية أو تلك.

ولنا عود إن شاء الله تعالى، لننظر إلى القضية من زوايا متعددة، نجيب فيها على تلك الأسئلة والإشكالات، بحيث يكون الإيمان بالقدر هو الأمرَ البدهي الذي يقتضيه كمال صفات الله تعالى. والذي يعود بمنافع جمة على المؤمن في المجال العقدي والعملي والاجتماعي والنفسي، وبحيث ننتهي إلى أنْ لا إشكال في الإيمان بالقَدَر. وأنّ الإشكال حقيقة سيكون فيما لو لم تكن في ديننا عقيدة الإيمان بالقدر.

 

والله أعلم.

 

اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

العقيدة والفكر

الاعتداء الاثم على المسجد النبوي

لا أحد لا يحزن لما آلِت إليه الأوضاع في عالمنا العربي . انهيارات متلاحقة ومخيفة وتنذر بالأسوأ . ووصل الأمر إلى العدوان الآثم على المسجد النبوي الشريف ، وترويع زواره وهو المكان الذي يجب أن يكون آمناً ل...

1 دقائق
العقيدة والفكر

بدعة البدعة

كان الإسلام بالنسبة لنا عقيدة ومنهجاً وسلوكاً ، وكانت العروبة انتماءً قومياً نفخر به . كنا نعيش آمال الوطن العربي وآلامه . لم نكن نختلف في الثوابت والأصول . كان الخلاف مظهراً للتعبير عن الذات . لم تكن...

3 دقائق
العقيدة والفكر

المعلم في عيده

حيُّوا المعلم مُكْرَماً في عيده وضعوا الورود قلادة في جيده لو كان في كفّيْ النجوم وضعتها في كفه وتلوتُ سِفْر خلوده

1 دقائق