حين يذكر المؤمن الحج - وهو في أي مكان من الدنيا - يسرع إلى قلبه شعور روحي يفعم القلب بالنور والصفاء والقرب من الله تعالى ، ويدعوه إلى مناجاته مناجاة الراجي فواضل رحمته أو الخائف من شدائد حسابه أو المت...
روح الحج في كلمات القرآن
الدكتور محمود أحمد الزين
حين يذكر المؤمن الحج - وهو في أي مكان من الدنيا - يسرع إلى قلبه شعور روحي يفعم القلب بالنور والصفاء والقرب من الله تعالى ، ويدعوه إلى مناجاته مناجاة الراجي فواضل رحمته أو الخائف من شدائد حسابه أو المتشوق إلى لقائه ورؤية نوره .
هذا الشعور فيض من نعيم الجنان الذي يملأ النفس برحيق السعادة دون حدود ، وقد أراد لنا الله سبحانه وتعالى أن نزداد من هذا الشعور وهذا الحضور في أوقات الحج كلها وأن لا نقطعه أو نعكره برغائب الشهوة ومشاكل الدنيا ، فقدم لنا هدية من الوصايا تحقق هذا الهدف السامي العظيم فقال : " الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب " .
وإنما قال سبحانه وتعالى " الحج أشهر معلومات " تقريراً لما ورثه الناس من توقيت الجح عن أبي الأنبياء ابراهيم عليه الصلاة والسلام واستمر عملهم به أحقاباً متلاحقة ، وأفاد بذلك فائدة أخرى أثمرتها الفائدة الأولى وهي التنبيه إلى ضرورة المحافظة على هذا التوقيت دون تقديم أو تأخير ، وأن يصان عن زيادة المبالغين الذين يمكن أن يأتوا في أي زمن قادم فيزيدوا في هذه الأشهر وعن إجحاف المقصرين الذين يريدون الإسراع في الخروج من أجواء الآخرة إلى أجواء الدنيا وشهواتها ومآربها ، وأكد ضرورة الالتزام بهذا التوقيت في قوله سبحانه وتعالى " فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " وكلمة " فيهن " تعني أن حقوق الحج وأعماله إنما تكون في هذه الأشهر دون زيادة أو نقصان أو تأخير أو تقديم ، وللمرء أن يستغرق الوقت كله في هذه الأشهر بعبادة الله تعالى مما يكون من أعمال الحج وما يصاحبها .
وأسلوب التعبير القرآني يرشد إلى هذا الاستغراق بقوله سبحانه وتعالى : " الحج أشهر معلومات " فالحج أعمال والأشهر أزمان والأعمال لا تكون هي الأزمان إنما يكون ذلك على معنى أن هذه الأعمال ملأت تلك الأزمان حتى كأن الأزمان صارت كلها أعمالاً ، كما قال سبحانه وتعالى عن ابن سيدنا نوح عليه السلام : " إنه عمل غير صالح " والعمل لا يكون هو الشخص إلا على معنى أنه لكثرة عمله غير الصالح صار كأنه هو عمل غير صالح ، وأما قول المفسرين في آية : " الحج أشهر " أي ( عمل أشهر ) أو ( مدة الحج أشهر ) ونحو ذلك فإنما هو لبيان المعنى لا لشرح فائدة الأسلوب اللغوي الذي صيغت به الآية الكريمة .
ولما كانت أشهر الحج معلومة وهي قليلة إذا قيست بعمر الإنسان أو قيست بمدة العام كان في ذلك التعيين للمدة تنبيه إلى أن الالتزام فيها بأعمال الحج السامية لا حرج فيه ولا مشقة حتى على من استغرق كل أوقاتها في العبادة ومباعدة مكدرات القلوب فكيف بمن لم يستغرق ، ولذا نجد الآية ترتب طلب مبـاعدة الـرفـث والفسـوق والجـدال عـلى كـون هذه الأشهر معلومة " فمن فرض .. " وذلك لا يترتب على مجرد العلم بها إنما يترتب على العلم بقلتها .
ثم إن قوله سبحانه وتعالى : " فمن فرض فيهن الحج فلا رفث " فيه بيان عدم الحرج من وجهين آخرين
أولهما : أن إطالة مدة العمل وتقصيرها موكول إلى مريد الحج بمعنى أنه يستطيع أن يستغرق في عبادة ربه كل المدة المعلومة ويستطيع أن يقتصر على المقدار الضروري لأداء المناسك ومن فرض على نفسه شيئاً باختياره كان جديراً بأن لا يقصر فيه .
الأمر الثاني : هو التنصيص على أن هذه العبادة تقع في وقت ضمن هذه الأشهر ، وذلك بدلالة قوله " فيهن " وهي صريحة في بيان أن أعمال الحج ضمن الأشهر المعلومة وليست تزيد عليها .
وكانت رعاية حق الإيجاز تقضي أن لا يكرر لفظ الحج بل يقال ( فمن فرضه فيهن فلا رفث ..) لكن الآية كررت لفظ الحج ثانية فقالت : " فمن فرض فيهن الحج " إيقاظاً لشعور الحاج بأن الرفث والفسوق والجدال هي أمور تتنافى مع الحج وهذا الإيقاظ يتحقق بلفظ الحج صريحاً أكثر من ضميره ، والتأكيد على هذا الالتزام يظهر في لفظين : لفظ " فرض " الدال على قوة الثبوت دون لفظ " أدى - أو أتى - أو بدأ " أو غير ذلك ، ولفظ " من " الشرطية الدال على العموم أي ينبغي لكل حاج أن يتجنب الرفث والفسوق والجدال ، ولتقوية الشعور بأهمية هذا التجنب كررت الآية الكريمة لفظ الحج مرة ثالثة : " فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " لما فيه من التنافر مع هذه المحظورات ، وذلك أدعى لتجنبها والحفاظ على صفاء العبادة وكمال السعادة بها .
وجاء النهي عن الرفث والفسوق والجدال بغير صيغة النهي المعهودة نحو ( لا ترفثوا ....) بل جاء بصيغة النفي " لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " ، على معنى أن ذلك لا ينبغي أن يكون وهو منفي عن الحج الذي يحبه الله ويقرب أهله ، وإذا كان الشيء المنهي عنه بهذه المثابة فواجب على كل حاج أن يتجنبه لما فيه من إضاعة الحج أو قطع آثاره عن الروح أو إبعاد صاحبه عن رحاب حب الله ورضاه ، فالرفث انشغال بمطالب شهوانية في جو روحي حتى ولو كان مجرد حديث بلا أفعال ، والفسوق معصية تجلب ظلمة القلب وكراهية الرب في جو كله نور وقرب من الله ، والجدل فتح لأبواب الخصومة والشجار والإساءة في جو أخوي كريم يسمو بالأرواح عن الأثرة والأنانية والمناحرة بالباطل وغرور القول ، فحق على كل حاج أن يتجنب هذه المفاسد الثلاث حفاظاً على روح الحج وصفائها ، وتأكيداً على تأكيد جاء النفي ( بلا ) النافية للجنس ليشمل النفي والنهي - المتولد منه - ما قل وما كثر من هذه المفاسد .
وبعد ذلك كله جاء قوله سبحانه وتعالى : " وما تفعلوا من خير يعلمه الله " ترغيباً في المحافظة على حق الحج وصيانته ، لأن المراد بعلم الله به ما يترتب على هذا العلم من مكافأة الله على أعمال الحج القويمة ، إذ إن الإله الحق سبحانه وتعالى لا يدع مكافأة فاعل الخير ، وفي هذه الجملة أنواع من التعبيرات لتحقيق هذا الوعد الإلهي الكريم وتأكيده في نفس الموعودين به :
أولها : الكناية بعلمه سبحانه وتعالى عن مكافأته لفاعل الخير ، مع أن علمه سبحانه وتعالى غير مترتب على فعل العبد بل هو ثابت قبله وبعده والغرض من ذلك الإشعار بضمان حصول المكافأة وثبوتها كثبوت علم الله تعالى بعمل عباده .
الثاني : هو شمول لفظ " ما " الشرطية لكل خير يعمل - أياً كان - قليلاً أو كثيراً .
الثالث : لفظ " خير " الذي فسرت به "ما " الشرطية وهو نكرة تفيد إذا وضعت موضع الشرط معنى العموم والشمول ، وتأكد عمومها أكثر بدخول " من " عليها للتنصيص على القليل والكثير من عمل الخير حجاً أو غيره لكن مجيء هذا في مناسبة الحج يجعله أول ما يقصد بالعموم .
والرابع : تخصيص ما يفعلون بأنه من الخير أي هو بيان لما يفعلون كأنه قيل إن تفعلوا شيئاً من الخير يعلمه الله ، والله يعلم ما يفعلون من خير أو شر ولكنه سبحانه وتعالى ذكر الخير وحده لأن المراد بعلمه سبحانه وتعالى أنه يكافئهم عل عملهم فلا بد أن يكون خيراً ، وعلم الله سبحانه وتعالى ليس مشروطاً حصوله بفعلهم بل يعلمه قبل أن يفعلوه ولكنه لما أريد به المكافأة جزم كأنه هو جواب الشرط نظراً إلى المعنى .
وقوله سبحان وتعالى : " تزودوا " حث على الإكثار من فعل الخير لأجل الآخرة وعقباتها ومواقفها الطويلة ، فالمرء إنما يتزود للأسفار وكلما طال السفر عظمت الحاجة إلى الزاد ، وزادهم ترغيباً في هذا الزاد وهو تقوى الله تعالى بوصفه أنه أفضل الزاد ، واستعمال لفظ الزاد هو نفسه يتضمن الترغيب والحث لأنه حاجة ماسة .
ثم يقول سبحانه وتعالى : " واتقون يا أولي الألباب " بعدما بين سبحانه وتعالى أهمية التقوى بأنها بمنزلة الزاد للمسافر أمر بها ووجه الأمر إلى أولي الألباب خاصة أي أهل العقول النيرة والقلوب اليقظة حثاً لغيرهم على أن يسلكوا سبيلهم وكان هذا الكلام ختاماً لما مضى ومفتاحاً للإذن بالعمل والاكتساب من زاد الدنيا لدفع التواكل وغفلة القلوب عن الخالق بسؤال الخلق فغفلة العمل إن وجدت أخف من غفلة التوكل على الخلق باسم التوكل على الله .
فهذه غفلة مركبة لا تليق بأجواء السمو الروحي في الحج وأعماله وأهدافه ومن أجل هذا رفع سبحانه الحرج عن المتكسب في وقت الحج فقال : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم " وسماه الله سبحانه فضلاً منه ليشعر المتكسب أنه واقف بباب الله تعالى وإن كان يعمل لسد حاجته من الدنيا ، فالمهم أن يكون القلب حاضراً مع الله متذكراً لمعاني جلاله وجماله ، ولذا جاءت الآيات بعد هذا تدعو إلى بقية أعمال الحج على أنها ذكر لله تعالى : " فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً " .
وإنما شبهه بذكر الآباء لأن العرب كانوا يكثرون المفاخرة بالآباء في هذه الأوقات ، ثم يذكر سبحانه أيام منى على أنها أيام ذكر لله : " واذكروا الله في أيام معدودات ... " ويختم حديث الحج بالحث على التقوى - وهي مراقبة الله تعالى وخشيته عند كل عمل من ذكر وغيره - فيقول سبحانه في آخر كلمات الحج : " واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون " وفي لفظ التقوى تحذير من التقصير يؤكده التذكير بالحشر إلى الله تعالى ، وختم سبحانه بالتقوى أول آية تعرضت للحج من هذه الآيات : " واتقوا الله لعلكم تفلحون " كما بث سبحانه الحث على التقوى ضمن آيات الحج كلها ، ليشعر السامع بأن هذه المناسك كلها مراد فيها تقوى الله ويقظة القلب في عبادته ومعاملته ، وفهم من ذلك العلماء أن علامة قبول الحج أن تكون تقوى صاحبه من بعده أتم وأسمى .