أحباب الكلتاوية أحباب الكلتاوية
العالم الإسلامي

الإمام محمد بن إسماعيل البخاري وصحيحه ا لجامع

19 دقائق قراءة 2,313 مشاهدة

السنة هي المصدر الثاني للأحكام في الشريعة الإسلامية بعد كتاب الله سبحانه ، وهي الموضحة لأحكامه والمبينة لكثير من معانيه ، وقد أراد بعض الصحابة تدوين الحديث تثبيتاً لحفظهم إلا أن النبي صلى الله عليه وس...

 

الإمام محمد بن إسماعيل البخاري وصحيحه ا لجامع

 


*-مقدمة:

 

قال سبحانه وتعالى: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " الحشر (7) السنة هي المصدر الثاني للأحكام في الشريعة الإسلامية بعد كتاب الله سبحانه ، وهي الموضحة لأحكامه والمبينة لكثير من معانيه ، وقد أراد بعض الصحابة تدوين الحديث تثبيتاً لحفظهم إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن ذلك ، حتى لا يختلط ما يكتبونه من كتاب الله بحديث الرسول ، وظل الأمر هكذا إلى خلافة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه حيث لم يعد هناك خوف من أن يختلط على الناس القرآن بالسنة ، في الوقت الذي خشي على سنة رسول الله من الضياع و الاندراس ، ولذلك أمر بكتابة الحديث وندب علماء الأمة إلى هذا العمل الجليل ومنذ ذلك الحين بدأ العلماء بكتابة الحديث والتسابق في خدمة هذا العمل الجليل من جمع وتصنيف وتمحيص(مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 6 )

وقد صنف كثير من العلماء كتبا في الحديث إلا أن هذه الكتب حوت في كثير منها الضعيف والحسن والصحيح وفي بعض الأحيان الموضوع أيضاً، حتى جاء محمد بن إسماعيل وصنف كتاب "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه" المعروف بصحيح البخاري فقد التزم فيه بصحة الحديث وبين أنه لم يكتب في كتابه هذا إلا الحديث الصحيح (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 8 )

 

 

*-الإمام البخاري: محمد بن إسماعيل:


هو محمد بن إسماعيل البخاري ولد يوم الجمعة – بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربعين وتسعين ومائة ببخارى. وقد ذكرت لوالده محمد ترجمة في كتب الثقات لابن حبان، فقال في الطبقة الرابعة: إسماعيل بن إبراهيم والد البخاري يروى عن حماد بن زيد ومالك، صحب ابن المبارك، وذكر عنه أنه قال عن قوته: إنه لا يعلم في ماله حراماً ولا شبهة. وقد مات إسماعيل ومحمد صغير في حجر أمه.


تحدث الإمام البخاري رحمه الله عن بداية طلبه للحديث وتعلقه به فقال: ألهمت الحفظ وأنا في الكتّاب. قلت: كم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتّاب فجعلت اختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يوماً فيما كان يقرأ للناس: سفيان بن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت: إن أبا الزبير لم يروِعن إبراهيم، فانتهرني فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك فدخل فنظر فيه ثم رجع، فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير وهو ابن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت. فقال له: إنسان ابن كم حين رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة. قال: فلما طعنت في السادسة عشرة حفظتُ كتاب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء. قال: ثم خرجت مع أبي وأخي إلى الحج، فأقام البخاري بمكة يطلب العلم وعاد أخوه إلى بخارى.


وتحدث البخاري عن رحلته في طلب الحديث فقال: دخلت إلى الشام ومصر والحجاز مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين وقال حاشد بن إسماعيل: كان البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب، حتى أتى على ذلك أيام فلمناه بعد ستة عشر يوما.ً فقال: قد أكثرتم عليّ فأعرضوا عليَّ ما كتبتم، فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نُحْكِم كتبنا من حفظه. وقال ورّاق البخاري: سمعته يقول: خرجت إلى آدم بن أبي إياس فتأخرتْ نَفقتي، حتى جعلت أتناول حشيشَ الأرض، فلما كان في اليوم الثالث أتاني رجل لا أعرفه، وأعطاني صرة فيها دنانير. وحكى أبو يوسف عن أبي ذر البخاري أن محمد بن إسماعيل مَرِض فعرضوا ماءه على الأطباء، فقالوا: إن هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النصارى، فإنهم لا يأتدمون، فصدقهم محمد بن إسماعيل وقال: لم آتدم منذ أربعين سنة. فسألوا عن علاجه؟ فقالوا: علاجه الإدام فامتنع حتى ألح عليه المشايخ وأهل العلم، فأجابهم إلى أن يأكل من الخبز سكرة. ولقد شاع ذكره وعظمت محبته في بلاد المسلمين فكان لا يدخل بلداً إلا ويخرج جميع أهلها لاستقباله. وقال أبو الأزهر: كان بسمرقند أربعمائة محدث، فتجمعوا وأحبوا أن يغالطوا محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما استطاعوا مع ذلك أن يتحملقوا عليه بسقطة.


*-البخاري ثري ومجاهد :


ولم يكن البخاري في ماله فقيراً معدماً، بل كان غنياً ثرياً، ولكنه كان متواضعاً كريمأً. جاءته ذات مرة تجارته، فاجتمع التجار عنده عشية يراودونه على بضاعته، حتى دفع له بعضهم خمسة آلاف درهم، (وفي رواية) دينار ربحاً صافياً، فقال لهم: انصرفوا الليلة. ولما كان الغد جاءه آخرون فعرضوا عليه عشرة آلاف ربحاً صافياً فردهم وقال: إني نويت البارحة أن أدفعها إلى الأولين، ولا أحب أن أنقض نيتي، فدفعها إليهم.
ويقول ورّاقه (صاحب كتبه وورقه الذي يعده للتأليف):كنا بفربر، وكان أبو عبدالله يبني رباطاً ( قاعدة لحراسة الحدود والاستعداد للعدو) مما يلي بخارى، فاجتمع بشر كثير يعينونه على ذلك، وكان ينقل اللّبِن، فكنت أقول له: يا أبا عبدالله إنك تكفى ذلك. فيقول: هذا الذي ينفعني.

 

كما كان شجاعاً قوي النفس حسن الرمي إذا رمى، إذا تعب من العلم والكتابة شغل نفسه بالمرابطة في الثغر، فإذا أدركه التعب الشديد استقلى قبالة جهة العدو، لما يرى من أن الاستلقاء ينبغي إذا استطاع أن يعود عليه بفائدة فلا أقل من النظر إلى العدو ومراقبته وسرعة التحرك للقائه.


يقول أحد تلاميذه: كان يركب إلى الرمي كثيراً فما أعلم أني رأيته في طول صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين، وخرجنا مرة إلى الدرب الذي يؤدي إلى الفرضة، فجعلنا نرمي، فأصاب سهم أبي عبدالله وتد (عمود) القنطرة التي على النهر، فانشق الوتد، فما زال حتى سامحه صاحب القنطرة، ورفض أن يأخذ ما بذله من عوض.


ولم يكن البخاري ممن يداهن الأمراء أو يلاينهم، فقد استقبله والي بخارى عندما دخلها مع عامة أهل البلد، ونثر عليه الدراهم والدنانير، ثم لما رآى مجالسه لعامة الناس في المسجد بعث إليه: أن احمل إليّ كتاب الجامع والتاريخ لأسمع منك، فقال لرسوله: قل له: إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي أو داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس، ليكون لي عند الله تعالى عذر، فَجَفاه، ثم نفاه عن بلده .

 

 

*- خاتمة زكية تبشر بحسن العاقبة :

 

 

وفي آخر حياته بعدما جفاه والي بخارى خرج إلى خرتنك، وهي قرية من قرى سمرقند له بها أقرباء فنزل عندهم، فسُمع في ليلة يقول بعد صلاته: اللهم ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، فما تم الشهر حتى قبضه الله بعد مرض قصير لم يمهله طويلاً ولم يستطع أن يجيب دعوة أهل سمرقند، الذين أحبوا أن يكون عندهم في أخريات عمره.
ويقول مضيفه الذي قضى عنده في بيته بخرتنك: إنه قبل أن يموت بقليل دعى بدعوات ثم اضطجع فقضى، فلما أدرجناه في أكفانه وصلينا عليه ووضعناه في حفرته فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك، ودامت أياماً. (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 493 ).


* مؤلفاته وتصانيفه وثناء العلماء عليه :


(الجامع الصحيح من حديث رسول الله وسننه وأيامه) والمعروف بصحيح البخاري وكتاب (الأدب المفرد) و(رفع اليدين في الصلاة) و(القراءة خلف الإمام) و(بر الوالدين) و(التاريخ الكبير) و(التاريخ الأوسط) و(التاريخ الصغير) و(خلق أفعال العباد) و(كتاب الضعفاء) و(الجامع الكبير) و(المسند الكبير) و(التفسير الكبير) و(كتاب الأشربة) و(أسماء الصحابة) و(كتاب الوجدان) وهو من ليس له إلا حديث واحد من الصحابة و(المبسوط) و(كتاب العلل) و(كتاب الكنى) و(كتاب الفوائد). (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 491ـ492)
- وقد ألف كتاب قضايا الصحابة والتابعين وهو في الثامنة عشرة من عمره ، ثم صنف التاريخ في المدينة المنورة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وكان يكتبه في الليالي المقمرة.
وقد روي عنه مشايخه وأقرانه وتلامذته، فممن روى عنه من مشايخ عبدالله بن محمد السندي وعبدالله بن منير، ومن أقرانه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وإبراهيم الحربي ومن كبار تلامذته مسلم من الحجاج وأبو عبدالرحمن النسائي وأبو عيسى الترمذي.


ولقد أثنى عليه علماء عصره وفضلاءه فقال أحمد بن حنبل رحمه الله: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل، وقال محمود بن النضر الفقيه: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم. وقال أيضا: سمعت أكثر من ثلاثين عالماً من علماء مصر يقولون: حاجتنا في الدنيا النظر إلى محمد بن إسماعيل. (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 477ـ484 )


*- سبب تصنيف الصحيح الجامع:


وقبل أن نخوض في ثنايا كتابه العظيم (الجامع الصحيح المسند عن حديث رسول الله وسننه وأيامه) نذكر سبب تصنيفه لهذا الكتاب. فقد قال أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتابا مختصراً لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح. وقال محمد بن سليمان بن فارس: سمعت البخاري يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب. فهذا الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح. وقد ذكر محمد بن يوسف الفربري قال: قال البخاري: ما كتبت في كتاب الصحيح حديثا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصليت ركعتين. وقال أبو علي النسائي عن البخاري أنه قال: خرّجتُ الصحيح من ستمائة ألف حديث. (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 6ـ 7) وقد ذكر الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه. وقد قال الشيخ محيي الدين في مقدمة شرح البخاري: قد استدرك الدراقطني على البخاري ومسلم أحاديث، فطعن في بعضها، وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جداً، مخالفةٍ لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم، وقد سمع من البخاري كتابه تسعون ألفاً.


*- البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله:

 

والسبب في جعله أصح كتاب بعد كتاب الله هو ما اشترطه البخاري لكتابة الحديث فيه فقد ذكر أبو المعر المبارك بن أحمد عن البخاري أنه يخرج الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلاً غير مقطوع، وإن كان للصحابي راويان فصاعداً فحسن، فإن لم يكن إلا راو واحد وصح الطريق إليه كفى.


*- ترتيب أبواب البخاري :


وقد رتب الإمام البخاري أحاديث كتابه على النحو التالي:


بدء الوحي، ثم كتاب العلم، ثم كتاب الوضوء، فكتاب الصلاة، فكتاب الأذان، ثم كتاب الجمعة، ثم كتاب الجنائز، ثم كتاب الزكاة، ثم كتاب الحج، ثم كتاب الصوم، ثم كتاب البيوع، ثم كتاب الشهادات، ثم كتاب الجهاد، ثم كتاب بدء الخلق، وأخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمناقب النبوية وعلامات النبوة وفضائل الصحابة، ثم كتاب المغازي، ثم كتاب التفسير، ثم كتاب النكاح، ثم كتاب الطلاق، ثم كتاب الأضاحي، ثم كتاب الأشربة.
فمن يتتبع كيفية ترتيب أبواب الجامع يرى أنها في غالبها حسب الترتيب الذي يرد في كتب الفقه وعند الفقهاء.
وقال الكرماني تقدم في أول " كتاب التوحيد " بيان ترتيب أبواب الكتاب وأن الختم بمباحث كلام الله لأنه مدار الوحي، وبه تثبت الشرائع ولهذا افتتح ببدء الوحي، والانتهاء إلى ما منه الابتداء، ونعم الختم بها، ولكن ذكر هذا الباب ليس مقصودا بالذات بل هو لإرادة أن يكون آخر الكلام التسبيح والتحميد، كما أنه ذكر حديث الأعمال بالنيات في أول الكتاب لإرادة بيان إخلاصه فيه كذا قال. قال ابن حجر: والذي يظهر أنه قصد ختم كتابه بما دل على وزن الأعمال لأنه آخر آثار التكليف فإنه ليس بعد الوزن إلا الاستقرار في أحد الدارين إلى أن يريد الله إخراج من قضى بتعذيبه من الموحدين فيخرجون من النار بالشفاعة كما تقدم بيانه.( فتح الباري كتاب التوحيد )
وقد بلغ عدد أحاديث كتاب الجامع سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً بالمكرر وبإسقاط المكر أربعة آلاف، وعدد الأحاديث المعلقة ألف وثلاثمائة وواحد وأربعون حديثاً، وأكثرها مكرر مخرج في الكتاب أصول متنه، وليس فيه من المتون التي لم تخرج في الكتاب ولو من طريق أخرى إلا مائة وستون حديثاً أفردها بعض العلماء متصلة الأسانيد إلى من علق عنه. (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 465 )


تكرار الحديث في البخاري وفوائده:


وأما السبب في تكرار الأحاديث في كتاب الجامع الصحيح للبخاري: فقد بين أهل العلم بأنه كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع، ويستدل به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلما يورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، وإنما يورده من طريق أخرى لمعان عدة: فمنها: أنه يخرج الحديث عن حد الغرابة، وكذلك يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة، ومنها: أحاديث يرويها بعض الرواة تامة، ويرويها بعضهم مختصراً، فيوردها كما جاءت ليزيل الشبهة عن ناقليها، ومنها: أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم، فحدث راوٍ بحديث فيه كلمة تحتمل معنى، وحدث به آخر، فيورده بطريقه إذا صحت على شرطه، ومنها: أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال ورجح عنده الوصل فاعتمده، وأورد الإرسال فيها على أنه لا تأثير له عنده في الوصل، ومنها: أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحكم فيها كذلك، ومنها: أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلاً في الإسناد ونقصه بعضهم فيوردها على الوجهين، حين يصح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدثه عن آخر ثم لقي الآخر فحدثه به، فكان يرويه على الوجهين، ومنها: أنه ربما أورد حديثاً عنعنه راويه فيورده من طريق أخرى مصرحاً فيها بالسماع على ما عرف من طريقته في اشتراط ثبوت اللقاء في المعنعن. فهذا جميع ما يتعلق في إعادة المتن الواحد في موضع آخر.


وأما تقطيع البخاري للحديث في الأبواب تارة واقتصاره منه على بعض أخرى، فذلك لأنه إن كان المتن قصيراً أو مرتبطاً بعضه ببعض - وقد اشتمل على حكمين فصاعداً - فإنه يعيده بحسب ذلك مراعيا مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية، وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك كما تقدم تفصيله، فنستفيد بذلك تكثير الطرق لذلك الحديث، وربما ضاق عليه مخرج الحديث حيث لا يكون له إلا طريق واحدة فيتصرف حينئذ فيه، فيورده في موضع موصولاً وفي موضع معلقاً، ويورده تاماً وتارة مقتصراً على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب، فإن كان المتن مشتملاً على جمل متعددة لا تعلق لإحداهما بالأخرى فإنه يخرج كل جملة فيها في باب مستقل فراراً من التطويل، وربما نشط فساقه بتمامه، فهذا كله في التقطيع.
وأما اقتصاره على بعض المتن ثم لا يذكر الباقي في موضع آخر فإنه لا يقع له ذلك في الغالب، إلا حيث يكون المحذوف موقوفاً على الصحابي وفيه شيء قد يحكم برفعه، فيقتصر على الجملة التي لها حكم بالرفع ويحذف الباقي، وإذا تقرر ذلك اتضح أنه لا يعيد إلاّ لفائدة، حتى لو لم تظهر لإعادته فائدة من جهة الإسناد ولا من جهة المتن لكانت إعادته لأجل مغايرة الحكم، الذي تشتمل عليه الترجمة الثانية، لئلا يُعَدَّ مكرراً بلا فائدة. (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 15 )

 

رواة البخاري وتوثيقهم وعدالتهم:


وقد كان عدد الذين تكلم بالضعف فيهم ممن أخرج لهم البخاري في صحيحه ثمانون رجلاً.قال ابن حجر: ولو نقّبنا وبحثنا في العلل التي ذكرت في تضعيفهم لوجدناها غير مقبولة وضعيفة، إذ إن مدار الجرح والطعن فيهم على خمسة أسباب: البدعة، أو المخالفة، أو الغلط، أو جهالة الحال، أو دعوى الانقطاع في السند بأن يوصف الراوي بأنه كان يدلس أو يرسل.
فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم البخاري في الصحيح، لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفاً بالعدالة، فمن زعم أن أحداً مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف، ولا شك بأن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته، لما مع المثبت من زيادة العلم. وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط: ينظر فيما أخرج له إن وجد مروياً عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء. وأما المخالفة - وينشأ عنها الشذوذ والنكارة - فإذا روى الضابط والصدوق شيئاً، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عدداً بخلاف ما روي - بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين - فهذا شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكراً، وهذا ليس في الصحيح منه إلا نذر يسير، وقد أجاب عن ذلك بعض أهل العلم وبيّنه. وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما علم من شرطه. وأما البدعة فالموصوف بها إما أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق، وليس في الصحيح من حديث لأحد من هؤلاء الذين يكفرون ببدعتهم، وإنما الذين وصفوا بالبدعة في كتاب البخاري فإنهم كانوا ممن قُبل حديثُهم مع بدعتهم عند جمهور أهل الحديث. (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ص 384ـ385 )

 

*- فوائد متفرقة:


قال ابن بطال: حدثني أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند أبي نُعيم أكتب الحديث، وهناك شيخ يقال له: أبو بكر بن علي عليه مدار الفتيا، فسُعيَ به عند السلطان فسُجن، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي صلى الله عليه وسلم: قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه.( فتح الباري كتاب الدعوات ).


أشاع بعض الحسّاد عن البخاري أنه قال: إن القرآن مخلوق، إلا أنه نفى ذلك أشد النفي. فقد ذكر الحاكم فقال: سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعت محمد بن نعيم: يقول سألت محمد بن إسماعيل لما وقع في شأنه ما وقع عن الإيمان فقال: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأفضل أصحاب رسول الله أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، على هذا حييت، وعليه أموت، وعليه أُبعث إن شاء الله تعالى.


ذكر عبدالواحد بن آدم الطواويسي أنه رأى النبي  في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع، قال: فسلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: ما وقوفك هنا يا رسول الله؟ قال: أنتظر محمد بن إسماعيل. فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرت فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت فيها النبي ، وكان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين تغمده الله برحمته.


- أراد أهل الحديث مرة أن يمتحنوه، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الحديث لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس بعد أن حفّظوا كل واحد منهم عشرة أحاديث بالصورة المغلوطة المقلوبة، وأمروهم إذا حضر المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، ثم حددوا موعداً لمجلسهم الذي حضره مشايخ بغداد وجماعة من أهل خراسان وغيرهم، ليشهدوا نتيجة ذلك الامتحان العجيب.
ولما اطمأن المجلس بأهله، انتُدب رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري:
ـ لا أعرفه. فما زال يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ، والبخاري يقول: لا أعرفه.
وكان العلماء الحاضرون في المجلس ممن حبكوا الامتحان واخترعوه يتبادلون النظرات فيما بينهم ويقولون:
ـ فَهِم الرجل...
أما من لم يدرِ بالمسألة فكان يقضي على البخاري بالعجز وقلة الحفظ.
ثم قام رجل ثان فألقى أحاديثه واحداُ واحداُ والبخاري لا يزيد على: لا أعرفه، حتى اكتمل عقد العشرة .
فلما علم أنهم فرغوا التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول، فقلت: كذا وكذا، وصوابه كذا وكذا، وحديثك الثاني قلت فيه: كذا وكذا، وصوابه كذا وكذا، يذكر له ما أورد من خطأ ثم يصحح له، حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل إسناد إلى متنه، وكل متن إلى إسناده، وفعل بالآخرين مثل ذلك... فأقر الناس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل، ويعلق على هذه الحادثة ابن حجر فيقول: العجب كل العجب ليس إيراده الصواب، بل في حفظه للخطأ على الترتيب الذي ألقوه.

 

والله ولي التوفيق....


 


إعداد الشيخ: عمر قاسم الأحمد
المراجعة العلمية للشيخ: عبدالله نجيب سالم
الثلاثاء 19 من صفر/1426هـ29/3/ 2005م

اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

العالم الإسلامي

شرُّ الخطباءِ مَنْ لا يُنْتَفَعُ بعلمِه

إذا كان الخطيب لا يحاول توضيح حكم شرعي، او حل مشكلة، او معالجة امر فيه صلاح العباد والبلاد، او تتبع أخطاء المجتمع ليدرسها ويبين فسادها متحلياً بالحكمة والدقة من دون إثارة أو تهويل او فتنة، فقد أضاع ال...

2 دقائق
العالم الإسلامي

تأثير الخطبة الصادقة في النفوس عظيم

حينما يكون الخطيب ذا سمت حسن، وخلق رفيع، وعاملاً بعلمه، ومتميزاً في خطبته، ونافعاً لجمهوره، حسن الأداء، يتكلم بكل مفيد، تجد الناس يتزاحمون على حضور الصلاة في مسجده، لسماع خطبته، ويحضرون إلى المسجد في...

2 دقائق
العالم الإسلامي

غزة المجاهدة

مازال العدوان الإسرائيلي متواصلاً على شعبنا في غزة المجاهدة , لا جهاد أكثر تعبيراً عن ملامح الجهاد كجهاد شعب فلسطين ضد من اغتصبوا أرضه وطردوه منها وأقاموا فيها مستوطنات جعلوها حصوناً لهم..بالرغم من جر...

2 دقائق