الرعاية النبوية للشؤون القضائية والتجارة والعلاقات الخارجية و للأفراح واللهو والألعاب
يعتبر القضاء ركناً هاماً من أركان المجتمع الأساسية، فبدونه يختل عقد المجتمع، وينخر فيه الفساد ... وقد كان للقضاء في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتمام خاص وشديد ولا أدل على ذلك من أنه صلى الله ع...
الرعاية النبوية للشؤون القضائية والتجارة، والعلاقات الخارجية
الشيخ : عبد الله سالم
الرعاية النبوية للشئون القضائية
تمهيد:
يعتبر القضاء ركناً هاماً من أركان المجتمع الأساسية، فبدونه يختل عقد المجتمع، وينخر فيه الفساد ... وقد كان للقضاء في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتمام خاص وشديد ولا أدل على ذلك من أنه صلى الله عليه وسلم باشر القضاء في المجتمع بنفسه غالباً، ولم يكل أمره إلى أصحابه إلا لحاجة ملحة أو مصلحة معتبرة وكان ذلك في مسائل محدودة.
القاضي إنسان توجهه الأدلة:
وعلى الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم رسول يوحى إليه، ومحفوف بالعناية الإليهة التي ترعاه وتعصمه من الخطأ، إلا أنه بين للناس عموماً أمراً مهماً يتعلق بقضائه وبقضاء من بعده من الناس، وهو أنه يبني أحكامه على ظاهر الحال وموجب البينات. فعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما سمعت، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعاً من النار".
مجلس القضاء:
ولم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم مكان معين للقضاء وإنما يستفاد من بعض الروايات أن أول من اتخذ داراً للقضاء في الإسلام هو عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ولكن كثيراً من أحكامه القضائية صلى الله عليه وسلم كانت في المسجد فقد فصل في خصومة كعب بن مالك مع ابن أبي حدرد في دين بينهما في المسجد، كما لاعن بين زوجين في المسجد وغير ذلك كثير، أورد المرغيناني في (الهداية) أنه عليه الصلاة والسلام قال: " إنما بنيت المساجد لذكر الله وللحكم "ولكن ـ حفاظاً على حرمة المسجد ـ جاء النهي الصريح عن إقامة الحدود ورفع الأصوات بالخصومات في المسجد لما في ذلك من انتهاك حرمته، فعند ابن ماجة عن واثلة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسلّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع".
صفات القاضي:
وكان من هديه عليه السلام في القضاء أن القاضي ينبغي أن يكون عالماً عادلاً تقياً حتى يكون منصفاً مصيباً، وإلا فإنه بغير ذلك يكون ظالماً ضالاً ولو أصاب الحق مصادفة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قاضيان في النار وقاض في الجنة، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فجار متعمداً أو قضى بغير علم فهما في النار ".
أقضية رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
وقد تناولت أقضية النبي صلى الله عليه وسلم جملة كبيرة من القضايا التي وقع فيها التنازع في الأموال والجنايات والحدود والأحوال الشخصية والحقوق والأنساب والحلال والحرام والشبهات والطب والجهاد والغزو والنذور والأيمان والدعاوي والبينات وغير ذلك من المسائل، التي كان فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكماً عادلاً وقاضياً موفقاً مسدداً من عند الله. والأمثلة على ذلك من السيرة النبوية كثيرة، نسوق منها ما يلي:
في الصحيحين عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله. فقام خصمه ـ وكان أفقه منه ـ فقال: صدق اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي. فقال: قل. قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا (أجيراً) فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله. المائة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فاسألها فإن اعترفت فارجمها). فاعترفت فرجمها.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام. فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إليّ أنه ابنه. انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى شبهاً بيّناً بعتبة. فقال: (هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه ياسودة). فلم تره سودة قط.
وفي الصحيحين من حديث البراء بن عازب أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد رضي الله عنهم. فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: (الخالة بمنزلة الأم).
الأسس العامة للقضاء:
وقد أسس النبي صلى الله عليه وسلم للقضاء أسساً أصلية مهمة جداً :
منها: أن البينة على من ادعى، فإن لم يكن له بينة استحلف المدعى عليه. ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم. ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ".
ومنها أن البينة قد تكون شاهدين ذكرين أو شاهد ذكر وامرأتين من العدول. وقضى عليه الصلاة والسلام بشاهد ويمين وقال تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) البقرة/.
ومنها أن الحكم قد يعتمد على القرينة عند انعدام البينة أو تعارض البينات. روى الدارقطني عن جابر رضي الله عنه قال: إن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ناقة فقال كل واحد منهما: نتجت هذه الناقة عندي وأقام بينة. فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي بيده.
ومنها أنه إذا اشتبه الأمر على القاضي في إدانة متهم فعليه أن يرجح جانب العفو على جانب الإدانة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأن يخطئ القاضي في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ".
ومنها أن القاضي لا يقبل شفاعة أحد في حد من حدود الله بعد أن يصل أمره إلى مجلس القضاء حتى ولو كان الشفيع الشاكي نفسه. ففي سنن أبي داود والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بقطع سارق رداء صفوان بن أمية وكان نائماً عليه في المسجد. فأراد صفوان أن يهبه إياه أو يبيعه منه توصلاً لإسقاط الحد عنه فقال عليه السلام: هلاّ كان قبل أن تأتيني به. ومنها أن على القاضي التأكد من الواقعة المعروضة أمامه حتى لا يخامره شك في إدانة المتهم ولو كان معترفاً. فعند البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال لماعز لما جاء معترفاً بالزنا: (أبك جنون ؟ قال: لا. قال:أحصنت؟ قال: نعم). وفي رواية للبخاري قال له:( لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت) وفي رواية أنه شهد على نفسه أربع شهادات. ومنها أن المرأة لا يقام عليها الحد حتى تضع حملها ـ ولو من زنا ـ فقد رد النبي صلى الله عليه وسلم الغامدية بعد أن ثبت عليها الزنا فقال: (اذهبي حتى تلدي. فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته. قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز) فرجمها بعد ذلك.
ومنها أن للقاضي أن يشفع فيما هو من حقوق العباد لدى صاحب الحق لعله يتجاوز عن المحكوم عليه. وذلك بعد أن يظهر الحق ويبينه. جاء في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أن رجلاً ادعى على آخر أنه قتل أخاه فاعترف فقال: (دونك صاحبك. فلما ولّى قال: إن قتله فهو مثله. فرجع فقال: إنما أخذته بأمرك فقال صلى الله عليه وسلم: أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك ؟ فقال: بلى. فخلّى سبيله). وغير ذلك من القواعد العامة في القضاء كثير لا يكاد يحيط به الحصر إلا بمشقة وطول عناء.
درجات التقاضي:
وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترفع إليه قضايا أصحابه القضاة لينظر فيها فيؤكد ما يراه صواباً منها، وهو ما يسمى اليوم بدرجات التقاضي، من محكمة ابتدائية إلى استئناف إلى تمييز. روى أحمد والبزار أن قوماً احتفروا بئراً باليمن فسقط فيها رجل فتعلق بآخر والثاني بالثالث والثالث بالرابع فسقطوا جميعاً فماتوا، فارتفع أولياؤهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضياً وداعياً، فقال: اجمعوا من حفر البئر من الناس، وقضى للأول بربع الدية لأنه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني بثلثها لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث بنصفها لأنه هلك فوقه واحد، وللرابع بالدية تامة. فأبوا أن يرضوا بقضاء علي، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العام المقبل فقصوا عليه القصة فقال: (هو ما قضى بينكم).
القضاء على أهل الكتاب:
وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب في الحدود بحكم الإسلام بعد ترافعهم إليه. ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأْتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا فيها آية الرجم. فقالوا: صدق يا محمد، إن فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. وفي بعض الروايات أنه دعا بالشهود فجاؤوا أربعة فشهدوا على الرجل بالزنا.
اتخاذ السجن:
كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجن المحكوم عليه حتى ينفذ الحكم. أخرج عبد الرزاق في مصنفه أنه صلى الله عليه وسلم سجن رجلاً أعتق شرْكاً له في عبد فوجب عليه استتمام عتقه، حتى باع غنيمة له. وعند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تُهمة.
ولم يكن أيام النبي صلى الله عليه وسلم مكان خاص للسجن، إلا أن عمر رضي الله عنه أول من اتخذ داراً للسجن.
تعدد القضاة:
وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم قضاة للناس بحسب الحاجة، إما بين يديه وإما في المناطق النائية، فممن قضى بين يديه أبو بكر الصديق وعمر وعلي رضي الله عنهم. فعند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم جاءه خصمان فقال لعمر: " اقض بينهما " وكذلك قال لعقبة في خصمين جاءاه: " اقض بينهما ".
وممن أرسله إلى أطراف بلاد المسلمين قاضياً: علي بن أبي طالب ففي (الاستيعاب) أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن وهو شاب يقضي بينهم، وقال له: (إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضي بينهم حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء).
وأرسل معاذ بن جبل إلى اليمن وسأله معلماً وممتحناً: (كيف تقضي؟ قال: أنظر في كتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أنظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب بين منكبيه وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحب الله ورسوله).
وعن مسروق فيما أخرجه الطبراني: كان أصحاب القضاء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستاً: عمر وعلياً وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبا موسى الأشعري.
وأخرج الحاكم وأحمد عن معقل بن يسار: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقضي، قال: (إن الله مع القاضي ما لم يَحِف عمداً).
أجرة القاضي، وولاية المظالم:
وتدل بعض الروايات على أنه أرسل عتاب بن أسيد إلى مكة فولاه أمارتها وقضاءها وفرض له ـ أي أجرى له راتباً ـ كل يوم درهماً، أو كل سنة أوقية..
كما يستفاد من تتبع سيرته عليه السلام أنه كان يباشر بنفسه ولاية المظالم أي رفعها عن المظلومين، كما فعل في السرب الذي تنازعه الزبير بن العوام ورجل من الأنصار في شراج (أي مسيل ماء) فأمر الزبير أن يجري الماء لحاجة ولو بغير رضا صاحبه.
كتابة العقود وتوثيقها:
وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه وثق بعض العقود بالكتابة، فعند الترمذي أنه كتب كتاباً للعداء بن خالد بن هودة بشرائه عبداً، كما كتب عقد عتق أبي رافع مولاه عليه السلام وأشهد عليه أبا بكر وعثمان وعلياً.
قال القضاعي: كان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات. وكان عليه الصلاة والسلام يشير إلى العارفين بالمواريث والفرائض فيقول ـ كما جاء عند الترمذي ـ : أفرضكم زيد. وكان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عائشة عن الفرائض.
مؤلفات القضاء:
هذا ويطول استقصاء بحث عنايته صلى الله عليه وسلم بشئون القضاء. ولقد أفرد كثير من العلماء النوازل التي نزلت في حياته وحكم فيها جماعة من الأئمة بالتأليف وأشهرها ـ كما يقول الكتاني ـ كتاب أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام ابن الطلاع الأندلسي، وكتاب الفتاوى النبوية في المسائل الدينية والدنيوية لابن المبارك الموصلي، وكتاب أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام علي المرغيناني الحنفي، وكتاب إعلام الموقعين لابن القيم ففيه جزء كبير من قضائه عليه السلام، وغير ذلك كثير.
الرعاية النبوية للتجارة الداخلية
تمهيد:
للتجارة الداخلية في حياة العرب أهمية كبرى، فهي شريان الحياة الذي يوفر لهم حاجاتهم المعاشية، ويؤمن للمجتمع البدوي الصحراوي في جزيرة العرب منتجات ومصنوعات المجتمعات الأخرى المحيطة به من كل جانب، مقابل ما ينتجه هو من مواد وسلع، كما أن قوافل التجارة كانت بالنسبة للعرب تمثل قنوات للاتصال وتبادل الأخبار والأفكار مع العالم الخارجي.
وإذا نظرنا إلى المجتمع المكي والمجتمع المدني نجد أن التجارة هي القاسم المشترك بينهما، فكل من المدينة ومكة مركز تجاري مهم لتبادل السلع ونقطة عبور أساسية للقوافل... لذلك فلا عجب إن كان للتجارة حظ وافر من اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم من نواحٍ شتى.
التجارة داخلية وخارجية:
ولكننا من باب تبسيط البحث وإثرائه سوف نقسم التجارة بحسب حركتها إلى نوعين:
تجارة داخلية تتعلق بتقليب الأموال وتداول السلع داخل إطار الدولة النبوية وتأمينها وتنظيم سوقها والإشراف على مسيرتها.
وتجارة خارجية تتعلق بالقوافل التي كانت تتردد فيما بين اليمن والشام ومصر والحجاز.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم تاجراً:
ويجب أن لا ننسى ابتداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ريعان شبابه دخل معترك التجارة بقوة، عندما قاد قافلة خديجة بنت خويلد نحو الشام، بمالها الوفير الذي كان يعدل أحياناً مال قريش. قال ابن هشام: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالٍ لها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار... وهكذا كان.
ولم ينقطع النبي صلى الله عليه وسلم عن الاتصال بالأسواق رغم عبء الرسالة في مكة، حتى كان تردده على الأسواق مثار عجب عند قريش: أيكون رسولاً من عند الله وتاجراً في آن واحد! (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق). كأنهم يعيبون عليه ذلك، وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعاب...
أسواق المدينة ورعايتها:
إلا أن الرعاية الكبرى للتجارة وإدارة السوق وتتبع مصالح المجتمع فيه برزت بشكل واضح في المدينة المنورة، بعد أن أمن المسلمون على أنفسهم ودينهم، وبعد أن وجد لهم كيان مستقل، وبعد أن أصبحوا قوة اقتصادية لها وزن واعتبار.
ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان فيها عدة أسواق متنوعة الأغراض. منها سوق حباشة وهي مخصوصة لبيع العبيد، وسوق زبالة، وسوق بني قينقاع وتسمى سوق الجسر، وسوق مزاحم، وسوق الصفصاف.
وكان أعظم تلك الأسواق وأكثرها نشاطاً سوق بني قينقاع من اليهود وكان بنو قينقاع واليهود عموماً هم الذين يتحكمون فيها ويستفيدون منها ولا ينافسهم فيها أحد، رغم أن كثيراً من الصحابة رضوان الله عليهم ـ وكانوا في مكة تجاراً ـ شاركوا في تلك السوق في بداية الأمر... وعلى رأسهم عبد الرحمن بن عوف الذي سأل أخاه الأنصاري سعد بن الربيع أن يرشده إلى السوق بعد هجرته إلى المدينة مباشرة، شاكراً له عرضه مقاسمته ماله وأهله.
للمسلمين سوق خاص:
ويذكر السمهودي في (وفاء الوفا) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة حدد لأصحابه مكاناً معيناً للسوق في موضع بقيع الغرقد، وضرب فيه قبة ودعاهم إلى التعامل فيه بعيداً عن سوق اليهود.
ثم لما كثر الناس فيه وزادت السلع رأى غير هذا المكان أنفع منه وأكثر تحقيقاً لمصالح المسلمين، فعدل عنه وذهب إلى مكان فسيح وخطه برجله طولاً وعرضاً، وكان أقرب إلى الطول منه إلى العرض، في المنطقة المعروفة اليوم بالمناخة غربي المسجد النبوي، وهي تمتد من الحد الشمالي لمصلى العيد (في موضع مسجد الغمامة اليوم) إلى منطقة جرار سعد في منازل بني ساعدة قرب ثنية الوداع شمالي المدينة... وقال لأصحابه: (هذا سوقكم فلا ينتقصن، ولا يضربن عليه خراج).
ويبدو من النصوص الواردة في هذا الشأن أن النبي صلى الله عليه وسلم استعرض أسواق المدينة فلم يعجبه منها شيء حتى أنشأ سوق المسلمين هذا. روى ابن ماجة عن أبي أسيد: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى سوق النبيط فنظر إليه فقال: ليس هذا لكم بسوق. ثم ذهب إلى سوقٍ فنظر إليه فقال: ليس هذا لكم بسوق. ثم رجع إلى هذا السوق فطاف فيه ثم قال: هذا سوقكم ... إلخ."
الدعوة لممارسة التجارة:
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على العمل في التجارة ودعاهم إلى المشاركة فيها، خاصة أولئك المهاجرين الذين لم يكونوا يملكون أراضٍ زراعية يستغلونها. فكان مما قاله في هذا المضمار؛ ما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء".
كما روي عنه أنه امتدح العمل في التجارة مبيناً أن فيها رزقاً كثيراً. روى سعيد بن منصور في (سننه) عن نعيم بن عبد الرحمن مرسلاً " تسعة أعشار الرزق في التجارة"... وهذا ولا شك يشمله قوله تعالى: (فإذا قُضيتِ الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) الجمعة/ وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم) النساء/ . وقد روى ابن أبي الدنيا عن موسى بن عقبة مرفوعاً " إذا رزق أحدكم في الوجه من التجارة فليلزمه ".
استجابة طيبة من المسلمين:
ويلاحظ هنا أن كثيراً من المهاجرين اشتغلوا بالتجارة حتى كأنهم اختصوا بها. كما أشار إلى ذلك أبو هريرة رضي الله عنه عندما قال: (وأما إخواننا المهاجرون فكان يشغلهم الصفق في الأسواق)...
وكان على رأس هؤلاء التجار من الصحابة رضوان الله عليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وحكيم بن حزام وسعد بن عائذ المؤذن ومنقذ بن عمرو الأنصاري وغيرهم كثير... روى البغوي أن سعد القرظ (المؤذن) اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قلة ذات يده، فأمره بالتجارة، فخرج إلى السوق فاشترى شيئاً من قرظ فباعه فربح فيه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره بلزوم ذلك...
بل كان يشجع الصبيان الصغار على التدرب في التجارة قبل البلوغ. روى البغوي عن عمرو بن حريث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعبد الله بن جعفر وهو يبيع بيع الصبيان فقال: " اللهم بارك له في بيعه أو صفقته "... وفي رواية: كنا غلماناً نعمل في السوق.
كانوا سماسرة فأصبحوا تجارا:
وقد غيّر النبي صلى الله عليه وسلم اسم المتعاملين في السوق من سمسار إلى تاجر. فعند ابن ماجة والطبراني عن قس بن أبي عرازة قال: (كما نُسمى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم السماسرة فمر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمانا باسم هو أحسن منه. فقال: " يا معشر التجار إن البيع محضرة الحلف واللغو فشوبوا بالصدقة " فكان أول من سمانا التجار).
أنواع السلع والبضائع:
هذا وقد كانت سوق المدينة في عهده صلى الله عليه وسلم عامرة بأنواع من سلع كثيرة، منها السمن والأقط واللبن والتمر والحنطة ونحوها من المطعومات، وكان ممن اشتهر بها حاطب ابن أبي بلتعة والمقداد بن معد يكرب رضي الله عنهما.
ومنها اللحم، واشتهر ببيعه الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز وخالد بن أسيد بن أبي العيص الأموي.
ومنها الجلود المدبوغة التي اشتهر بها سعد القرظ وأم المؤمنين زينب بنت جحش وأسماء بنت عميس وأم المؤمنين سودة بنت زمعة كانت تعمل الأديم الطائفي. روى ابن سعد في طبقاته عن أسماء بنت عميس قالت: أصبحت في اليوم الذي أصيب فيه جعفر (زوجها) وأصحابه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ولقد هنأت (يعني دمغت) أربعين إهاباً من أدم... إلخ.
ومن بضائع السوق (البز) القماش، الذي اشتهر ببيعه عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسويد بن قيس العبدي. روى أحمد وأصحاب السنن عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزاً من هجر، فأتيت مكة " فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى، فساومنا سراويل فبعناه منه، فوزن ثمنه وقال للوازن: زن وأرجح ". وقد قيل أنه كان للبزازين جناح خاص في سوق المدينة.
ومنها أنواع الطيب والعطور والأسلحة والماشية والخيل والإبل والبقر وغير ذلك من السلع التجارية المنتجة محلياً أو المستوردة بواسطة القوافل...
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحض على ملء السوق بالسلع المطلوبة، وينهى عن حبسها في المخازن انتظاراً لفقدها من السوق وغلاء أسعارها فقال: " الجالب لسوقنا مرزوق والمحتكر ملعون ".
مراقبة السوق:
ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى تعهد النبي صلى الله عليه وسلم لشئون التجارة والبيع والشراء في السوق، فكان عليه السلام يتردد عليه بنفسه مراقباً أحواله. فعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أنه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى (بداية السوق آخر المصلى) فرأى الناس يتبايعون فقال: " يا معشر التجار. فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه. فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق " رواه الترمذي.
وكما شدد النبي صلى الله عليه وسلم على الصدق في بيان حقائق السلع شدد كذلك على عدم استخدام الأيمان الكاذبة لإنفاق السلعة.
البيوع المحرمة:
وشدد على منع كثير من البيوع المتعارف عليها في الجاهلية، وهي بيوع مشتملة على الغرر أو الغبن أو الغش والخداع أو الربا، ومنها بيع الملامسة أو المنابذة، أو بيع الملاقيح، أو بيع حبل الحبلة، أو بيع ما لم يملك الإنسان. ومن تلك المتابعات النبوية الكريمة للسوق ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على صَبُرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعُه بللاً. فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس منا".
تحريم الربا:
أما الربا فله شأن كبير في التحريم لا يدانيه فيه محرم آخر، فقد استشرى التعامل بالربا بين التجار بشكل خاص وبين الناس بشكل عام، حتى غالوا فيه ووصلوا إلى المراباة بالأضعاف المضاعفة، واستعملوا الربا التجاري والربا الاستهلاكي. وكان المستفيدون الأساسيون في الربا اليهود أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة الذين يضمنون أرباحهم سلفاً في البداية، وكانوا إضافة إلى تعاملهم بالربا يتعاطون تجارة السلاح، فيحرضون القبائل ويهيجون المتخاصمين وينحازون إلى هؤلاء وهؤلاء، وهم في ذك كله يراعون مصالحهم التجارية...
فلما جاء تحريم الربا ونقل السوق من ديارهم وتضررت مصالحهم بشكل قوي عمدوا إلى التآمر مع قريش وغطفان وقبائل أخرى لضرب المسلمين واجتثاثهم، مما دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعجيل بإجلائهم عن المدينة وإخلائها منهم.
ومما جاء في تحريم الربا قوله عليه السلام: " لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه"، وقال: " ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب "...
وبناء على تحريم الربا فقد منع النبي صلى الله عليه وسلم جملة من المبايعات تتعلق بالربا، كبيع العينة والمزابنة والعرايا، وبيع الكالئ بالكالئ، وبيع اللحم بالحيوان، وبيع الرطب بالتمر، وبيعٍ وسلف، وبيع وشرط، ونحو ذلك، أخرج عبد الرزاق عن يحيى بن كثير أن عثمان بن عفان وحكيم بن حزام رضي الله عنهما كانا يبتاعان التمر ويجعلانه في غرائر، ثم يبيعانه بذلك الكيل، "فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعاه حتى يكيلا لمن ابتاعه منهما". وفي رواية أحمد عن عثمان قال: كنت أبتاع التمر من بطن من بطون يهود ويقال لهم قينقاع، وأبيعه بربح فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا عثمان إذا اشتريت فاكتل وإذا بعت فكل".
بيع المحرمات:
كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المحرمات، كالأصنام وآلات اللهو والكلاب، ونهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ونهى عن البيع في وقت صلاة الجمعة، ونهى عن السوم على سوم أخيه والبيع على بيع أخيه، ونهى عن بيعتان في بيعة وغير ذلك من أصناف البيوع المحرمة.
النساء، والوكلاء في السوق:
واشتركت النساء في التجارة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعلمه، فأقرهن على ذلك، وكن يملكن كسبهن، وأحياناً يستأجرن الرجال للاتجار والعمل في أموالهن.
وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أحياناً وكلاء عنه في البيع والشراء. فقد وكل عروة بن أبي الجعد البارقي مرة، ووكل حكيم بن حزام مرة أخرى. فعند البخاري عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه. وكان لو اشترى التراب ربح فيه. وعند الترمذي عن حكيم بن حزام قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يأتيني الرجل فيسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال: " لا تبع ما ليس عندك ".
التسعير والاحتكار:
وكان من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في السوق أن لا يتدخل بالأسعار في التجارة حتى ولو غلت بعض الشيء، وذلك اتباعاً لمبدأ حرية السوق. روى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعّر لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال..."
وبدلاً من التسعير فقد منع النبي صلى الله عليه وسلم الاحتكار المؤدي إلى غلاء الأسعار، وخاصة في المواد الضرورية كالطعام والغذاء. روى أحمد والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ ". زاد الحاكم قوله عليه السلام: " وقد برئت منه ذمة الله ". وروى أحمد وأبو يعلى والبزار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه".
ويلاحظ أنه كانت هناك عقوبات مادية للمخالفين للأوامر في شأن السوق. روى البخاري عن سالم عن أبيه: رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم.
مراقبة سوق مكة:
وكما كان عليه السلام يراقب أحوال التجارة في المدينة كان يصدر أوامره إلى أهالي مكة للتقيد بالتوجيهات النبوية في ذلك. روى ابن حبان والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديث أفتأذن لنا أن نكتبها؟ قال: " نعم ". فكان أول ما كتب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة: " لا يجوز شرطان في بيع، ولا بيع وسلف جميعاً، ولا بيع ما لم يضمن، ومن كان مكاتباً على مائة درهم فقضاها إلا عشرة دراهم فهو عبد، أو على مائة أوقية فقضاها إلا أوقية فهو عبد ". هذا إضافة إلى ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية بعد الفتح على سوق مكة.
لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله:
وأخيراً فقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يحث التجار على الإكثار من ذكر الله في أسواقهم والصدقة الدائمة من أموالهم، مصداق قوله سبحانه: ( رجالُُ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) وقد نقل بعض المفسرين في تفسير الآية قال: كانوا حدادين وخرازين فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفى، فسمع الأذان، لم يخرج الأشفى من الغرزة ولم يوقع المطرقة ورمى بها، وقام إلى الصلاة. ويؤيد هذا ما أخرجه عبد الرزاق من كلام ابن عمر (أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة فإنها تطفئ غضب الرب".
الرعاية النبوية للتجارة الخارجية
تمهيد:
لا بد من التعرف ابتداءً على أهمية التجارة الخارجية في حياة الجزيرة العربية عموماً، وحياة أهل مكة والمدينة خصوصاً؛ لنفسر إصرار الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة وبكل الوسائل الممكنة على الإمساك بزمام تلك التجارة، وإحكام السيطرة على طرقها وقوافلها وحمولاتها.
ومن المعروف بداهة أن أرض العرب صحراوية تقل فيها الزروع والثمار إلا في بعض بقع متناثرة فيها، كما أن العرب أنفسهم لم يكونوا أهل حرف صناعية، بل كانوا قبل الإسلام يستهينون بالعمل اليدوي ويستحقرونه، إضافة إلى أن علاقتهم بالأمم التي حولهم من روم وفرس وأحباش وغيرهم كانت في الغالب علاقات جوار حسنة... وهذه العوامل جملة مهدت الطريق أمام التجارة الخارجية، لتنشط القوافل المحملة بالبضائع والأموال غادية ورائحة، في رحلات مكوكية لا تتوقف صيفاً ولا شتاءً باتجاه الشمال والجنوب.
مراكز التجارة الخارجية في جزيرة العرب:
وقد كانت كل من مكة والمدينة ـ ضمن أهم المدن العربية ـ مركزاً للقوافل والتجارات، ونقطة عبور ومبادلة وبيع، بسبب ما فيها من بضائع تُحمَل منهما كالجلود والتمور والمواشي، أو بضائع تحمل إليهما كالحبوب والتوابل والأقمشة والأطياب، أو أسواق شهيرة فيهما كسوق عكاظ وذي المجنة وسوق بني قينقاع، أو قوة شرائية ضخمة داخلهما…
ونتج عن أهمية هاتين البلدتين (مكة والمدينة) بالنسبة للتجارة الخارجية؛ أن القوافل التي كانت تنطلق منهما من الضخامة بمكانٍ، حتى بلغت قافلة قريش إلى الشام قبيل غزوة بدر ألف بعير، بينما بلغت قافلة عبد الله بن جدعان قبيل البعثة ـ إبان مجاعة ألمت بمكة وما حولها ـ ألفي بعير، أرسلها ابن جدعان إلى الشام لتحمل له من هناك البر والشهد والسمن لعامة أهل مكة ومن حولها.
خبرة عريقة بالتجارة الخارجية:
وقبل أن نخوض في الرعاية النبوية للتجارة الخارجية واهتمامه الشديد بها، ننوه إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من ربابنة التجارة المعروفين قبل بعثته، فقد مضى بمال خديجة إلى الشام ـ وكان من أعظم أموال قريش ـ واطلع عن قرب على الأسواق والبضائع والطرق وأساليب البيع ومراكز التسويق التجاري، وبذلك تكونت لديه فكرة دقيقة جداً عن أهمية...
تلك التجارات مع العالم بالنسبة لجزيرة العرب عموماً ومكة والمدينة خصوصاً، من حيث إنها شريان اقتصادي للحياة أولاً، ومظهر من مظاهر السيادة في الجزيرة ثانياً، وباب من أبواب الاتصال بالعالم ونقل الأخبار إليه ومنه ثالثاً، وغير هذا وذاك من الحيثيات المهمة.
قريش تتاجر بأموال المسلمين:
وتبدأ مؤشرات الصلة بين المسلمين والتجارة الخارجية في السيرة النبوية مع الأيام الأولى لهجرة المسلمين من مكة إلى المدينة المنورة وقد استولت قريش على معظم أملاكهم وأموالهم. وأوضح مثال على ذلك صهيب الرومي، التاجر الشهير، لما أراد الهجرة لحقت به قريش حتى أدركته خارج مكة، فقال له رجالها: أتيتنا صعلوكاً لا مال لك، وتريد الآن أن تخرج بمالك. لا والله. فما كان منه إلا أن اشترى نفسه منهم بماله كله ليخرج مهاجراً إلى الله ورسوله بنفسه فقط...
وقد أشار المؤرخون إلى أن قريشاً بعد الهجرة عمدت إلى بيوت المهاجرين بما فيها، فاستولت عليها وتقاسمتها وباعتها كما يحلو لها... كما لا ننسى استخدام قريش لأموالها وتجارتها في الاستعداد لحرب المسلمين.
اعتراض القوافل هدف مهم:
وكان هذا العمل من قريش حافزاً مهماً لتحريض النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه المهاجرين على الخروج في سرايا مسلحة بين الحين والحين، في أوقات متقاربة نسبياً وإلى جهات متعددة لاعتراض قوافل التجارة الخارجية لقريش التي تحمل أموالاً كثيرة بينها أموالهم هم...
ومن تلك السرايا: سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في رمضان، بعد ستة أشهر من الهجرة إلى شاطئ البحر، من ناحية العيص في ثلاثين راكباً من المهاجرين، ليعترض عيراً لقريش تحمل تجارتها، فسار حمزة بالسرية في محاذاة الساحل حتى لقي أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب من أهل مكة، ووجود هذا العدد الكبير من القرشيين مع القافلة يدل دلالة واضحة على ضخامتها وأهميتها... إلا أن اللقاء لم يتمخض عن أكثر من إشارات تحذيرية ورسالة تهديد بلغت قريشاً...
ثم بعد شهر وفي شوال أرسل عليه الصلاة والسلام ابن عمه عبيدة بن الحارث في ستين راكباً من المهاجرين، ساروا حتى بلغوا ماءً بأسفل ثنية المرة...
ثم بعد شهر آخر في ذي القعدة بعث عليه السلام خاله سعد بن أبي وقاص في عشرين رجلاً من المهاجرين أيضاً ليعترض عيراً لقريش تحمل تجارتها، فخرج بهم سيراً على الأقدام حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز، فوجد أن العير قد مرت بالأمس، فرجع ولم يلق كيداً.
ثم في شهر صفر من العام الثاني للهجرة أي بعد أقل من ثلاثة أشهر من سرية سعد؛ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه على رأس جماعة من أصحابه ليعترض عيراً لقريش، فسار حتى بلغ ودّان.
ثم في شهر ربيع الأول أي بعد شهر خرج أيضاً عليه السلام بنفسه بعد أن سمع بعير لقريش تحمل تجارتها، عليها أمية بن خلف، فسار بجيشه حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، ولكن العير فاتته.
ثم خرج في جمادى الأولى ـ أي بعد شهرين ـ خرج بنفسه على رأس مائة وخمسين راكباً من المهاجرين ليعترض عيراً لقريش ـ وهذه العبارة المأثورة عن كتاب السيرة، هي القاسم المشترك بين كل تلك السرايا والغزوات ـ فسار بأصحابه حتى بلغ العشيرة من بطن ينبع، ولكن التجارة كانت قد فاتت.
ثم بعد أقل من شهرين في رجب بعث عبد الله بن جحش في ثمانية من المهاجرين فمضوا حتى نزلوا نخلة، فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيباً وأُدْماً وتجارة من تجارة قريش، فهاجموا العير وقتلوا أحد رجالها وأسروا آخرين وهرب الباقي وغنموا القافلة.
ثم في رمضان من العام الثاني كانت غزوة بدر الكبرى، وسببها ـ كما هو معروف ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب زعيم قريش مقبلاً من الشام في عير لقريش عظيمة، فقال لأصحابه: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله يُنفِلْكُمُوها.
فقد قريش للثقة بنفسها في تأمين القوافل:
وقد كانت نتيجة تلك الحملات المتتابعة على التجارة الخارجية لقريش أن فقدوا الثقة بقدرتهم على الاستمرار فيها في ظل تربص المسلمين بهم، فقرروا تغيير خط قوافلهم إلى الشام فسلكوا طريق العراق، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لهم بالمرصاد، فأرسل زيد بن حارثة في جمادى الآخرة من السنة الثالثة في جماعة من المسلمين لاعتراض طريق أبي سفيان، بعد أن استأجر أبو سفيان رجلاً من بني بكر بن وائل ليدلهم على الطريق الجديد، وكان معه فضة كثيرة وهي أكثر تجارتهم، ولكن زيد بن حارثة لقيهم على ماء في الطريق فأصاب تلك العير وما فيها، وهرب الرجال يهيمون في الصحراء.
أهمية التجارة الخارجية.. وحديث القرآن عنها:
ولا نريد الاستطراد أكثر من ذلك في هذه الناحية... إنما يدلنا هذا الصراع المرير مع الكفار حول التجارة الخارجية على أهميتها البالغة في الحياة العربية، وأن من يملك زمامها فهو المسيطر حقاً على الأرض.
ولذلك فلم تكد تمضي السنوات القليلة بعد الهجرة إلا وقد فرض النبي صلى الله عليه وسلم سيطرته على معظم طرق القوافل المتجهة نحو الشام، مما يعني أنه قد أمن للمسلمين في المدينة طرفاً من التجارة مع الخارج، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الحياة الاقتصادية...
ونحن نستشعر ذلك بوضوح في آيات عديدة، مثل قوله تعالى في سورة المزمل: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله)، وقوله تعالى في سورة المائدة: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض... الآية) ومعلوم أن الضرب في الأرض تعبير قرآني عن السفر للتجارة.
بل إن الضرب في الأرض والتجارة الخارجية كان السبب الأساسي في نزول رخصة قصر الصلاة. قال تعالى في سورة النساء: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا). وقد أورد ابن كثير حديثاً مرسلاً عن إبراهيم النخعي قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين. ومن المفيد كذلك أن نذكر أيضاً قوله تعالى في سورة الجمعة: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً) نزل إثر انصراف الحضور في خطبة الجمعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن بلغهم وصول دحية بن خليفة الكلبي، وهو من كبار تجار القوافل المسلمين، بتجارة في عير إلى المدينة.
مقاصد الرعاية النبوية للتجارة الخارجية:
ومن الرعاية النبوية للتجارة الخارجية، أنه عليه الصلاة والسلام اتخذ تلك التجارة لا لتأمين حاجات المسلمين الضرورية فقط؛ بل لتأمين شيء من الرفاهية لهم. أخرج الحاكم وغيره عن ابن سلام قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المربد فرأى عثمان يقود ناقة تحمل دقيق حواري وسمناً وعسلاً، (وفي بعض طرق الحديث أنها من قافلة قدمت إلى المدينة) فقال له: " أنخ "، فأناخ، فدعا فيها بالبركة، ثم دعا صلى الله عليه وسلم ببرمة (قدر كبير) فنصبت على النار وجعل فيها الدقيق والعسل والسمن، ثم عصد حتى نضج أو كاد أن ينضج، ثم أنزله، فقال صلى الله عليه وسلم: " كلوا. هذا شيء تسميه فارس الخبيص ". وروى الفاكهاني في (الأخلاق السنية) ـ كما ينقل ذلك الكتاني ـ أهدى ملك الهند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدايا، منها جرة فيها زنجبيل، فأطعم كل إنسان قطعة قطعة. قال أبو سعيد الخدري: وأطعمني رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعتين... وروى أبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجبنة في تبوك فقيل: هذا طعام تصنعه المجوس ـ وفي رواية من عمل النصارى ـ فدعا بسكين فسمى وقطع. وفي رواية قال: "ضعوا فيها السكين واذكروا اسم الله تعالى وكلوا".
ومن الرعاية النبوية للتجارة الخارجية السماح للحجاج باصطحاب البضائع في موسم الحج مع عدم فساد حجهم. وذلك صريح في قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) ومعلوم أن هذه الآية جاءت رداً على سؤال لهم عن الاتجار في مواسم الحج.
تجار الصحابة يتعاملون مع الخارج:
ومن الرعاية النبوية للتجارة الخارجية، السماح لمثل أبي بكر الصديق ـ وهو من هو في مكانته وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم ـ بالسفر للتجارة إلى بلاد بعيدة. روى ابن ماجة وغيره من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن أبا بكر خرج تاجراً إلى بصرى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته عليه السلام بعام، ومعه نعيمان وسويط بن حرملة. كما سمح صلى الله عليه وسلم ـ فيما يبدو ـ لبعض الرسل الذين بعثوا إلى ملوك البلدان بالاتجار مع تلك البلدان، كحاطب بن أبي بلتعة سفير المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية. وكان حاطب تاجراً يبيع الطعام وغيره.
بل كان من رعايته عليه السلام للتجارة الخارجية؛ السماح لبعض المجاهدين بالتجارة في الغزو. روى ابن ماجة من حديث خارجة بن زيد قال: رأيت رجلاً سأل أبي عن الرجل يغزو ويشتري ويبيع ويتجر في غزوه؟ فقال له: إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك نشتري ونبيع وهو يرانا ولا ينهانا.
ولم يمنع الورع وشدة التدين بعض التجار من الاستمرار في سفرهم ونقل بضائعهم. ترجم في الإصابة لأبي معلق الصحابي الأنصاري فقال: كان تاجراً يتجر بمال له ولغيره ويضرب في الآفاق، وكان ناسكاً ورعاً مجاب الدعوة. وذكر البخاري عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجاراً قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض.
وكلاء مفوضون في استيراد البضائع:
ولا يفوتنا أن ننوه في معرض الحديث عن التجارة الخارجية في ظل السيادة النبوية؛ أن نشير أخيراً إلى عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان يرسلهم للدعوة إلى الله أو للقضاء والفصل بين الناس أو لجمع الزكاة أو لغير ذلك من الأهداف؛ أن كثيراً منهم كان يرسل بالأموال المختلفة من نقد ومتاع وبضائع وسلع إلى المدينة المنورة، فيقوم صلى الله عليه وسلم بتوزيعها على المسلمين... وهذا وإن كان داخلاً ضمن العطايا والمنح والصدقات، إلا أنه وارد من الخارج، إما زكاة وإما تجارة وإما جزية... وهذا الصنف يشمل ما كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن أو البحرين أو عمان أو نجران أو الحبشة أو أطراف الشام.
قال القاضي عياض في (الشفا): فتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب وما دانى ذلك من الشام والعراق، وجبي إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادنه بعض من ملوك الأقاليم فما استأثر بشيء منه ولا مسك منه درهماً، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوى به المسلمين.
حماية التجارة الخارجية:
ونختم كلامنا عن الرعاية النبوية للتجارة الخارجية، بما ذكره المقريزي في (إمتاع الأسماع) عن سبب سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بناحية وادي القرى سنة ست. قال: وسببها أن زيداً خرج في تجارة إلى الشام ومعه بضائع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج عليه دُوَين وادي القرى ناس من بني بدر من فزارة، فضربوه ومن معه حتى ظنوا أنهم قتلوه، وأخذوا ما كان معه، ثم تحامل حتى قدم المدينة، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية بني فزارة، فكان يكمن نهاره ويسير ليله حتى صبحوا القوم فأحاطوا بهم... إن هذه الرواية لخير ما نختم به الحديث عن الاهتمام الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم بتأمين طريق التجارة الخارجية وتشجيع أصحابه عليها.
الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية
تمهيد:
ونقصد هاهنا بالعلاقات الخارجية: الصلات والروابط والاتفاقيات والمعاهدات التي من خلالها تحققت عدة أهداف للنبي صلى الله عليه وسلم، مثل إبلاغ الدعوة وحسن الجوار وتأمين القوافل ونشر الإسلام، كما تحددت من خلالها كذلك صورة العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم وكل من الأمم والممالك المجاورة، من فرس وروم ونصارى عرب وقبط وأحباش وغيرهم.
كما يدخل معنا في الحديث عن الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية الحديث عن مواطني الدولة من غير المسلمين، كاليهود والنصارى، ممن سموا: أهل الذمة.
بالهجرة إلى الحبشة ولدت العلاقات الخارجية:
ولا بد أن نبدأ بالنظر في البدايات الأولى للدعوة أيام مكة قبل الهجرة. فهناك بدأت العلاقات الخارجية مع غير المسلمين تضع بذورها... ففي السنة الخامسة للبعثة النبوية وإثر اشتداد البلاء على المسلمين من قبل قريش؛ أشار النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه بالخروج إلى الحبشة، فخرج منهم أولاً أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، ثم بعد ذلك كثر العدد حتى بلغ ثلاثة وثمانين نفساً، أميرهم ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب، وذلك ولا شك بداية الانطلاق نحو إنشاء صلات للنبي صلى الله عليه وسلم بالعالم الخارجي.
يقول د. محمد رواس قلعجي في كتابه (قراءة جديدة للسيرة النبوية): وفي اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للحبشة بالذات لتكون مهاجر أصحابه دليل على أن رسول الله قد درس الموقف جيداً، وعرف أحوال دول العالم آنذاك... وبذلك يظهر لنا أن رسول الله كان يفكر على مستوى دولة، ويعمل على مستوى دولة قبل أن تكون له دولة... خاصة إذا علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شفع أمره لأصحابه بالهجرة بشهادة طيبة وتزكية راقية لملكها، مما يفتح المجال أمام علاقات وطيدة حسنة.
هذه البدايات القوية للعلاقات الخارجية بالأمم المجاورة كانت خاضعة ولا شك لظروف الدعوة العامة، إلا أننا نرى اهتماماً من النبي صلى الله عليه وسلم بها باستمرار... ومن ذلك أن أباطالب، عم النبي صلى الله عليه وسلم ووالد جعفر أمير المهاجرين إلى الحبشة، أرسل رسالة إلى ملك الحبشة ـ ولعلها كانت بإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم ـ يوصيه خيراً بجعفر وأصحابه. وكانت أبياتاً من الشعر فيها:
تعلّم أبيتَ اللعن أنك ماجد كريم فلا يشقى إليك مُجانب
ونعلم أنّ الله زادك بسطة وأسبابَ خير كلُّها بك لازب
ونجران أيضاً ذات صلة:
ومن نتائج هذه الهجرة الجانبية أن نصارى نجران ـ وهم جيران الحبشة ـ قدم وفد منهم إلى مكة قبل الهجرة ليستكشف أمر هذا النبي الجديد.
ينقل ابن كثير عن ابن إسحاق عند تفسير قوله تعالى: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) قوله: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره، من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم بالدمع... فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب... وأغلظوا لهم القول. فردوا عليهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيراً.
وتلك الصفحة من الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية مع الحبشة ونجران؛ طويت مؤقتاً بشكل جزئي بالانشغال بالهجرة الكبرى إلى المدينة المنورة وما رافق ذلك من أحداث تذهب بالعقول. إلا أن ملف العلاقات الخارجية نشط على جبهة أخرى، وهي جبهة يهود المدينة الذين كادوا ـ لولا سوء تصرفاتهم ونياتهم وتوريط حلفائهم من العرب لهم بالمؤامرات والمكائد ـ كادوا أن يصبحوا جزءاً من الدولة النبوية الناشئة في طيبة.
فلقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم منذ وصوله إلى المدينة على أن يكتب وثيقة سياسية واجتماعية مهمة تتناول موضوعات أساسية في السيادة والمواطنة والحقوق والواجبات على كلٍ من المهاجرين والأنصار واليهود، لتكون الأمور واضحة والصورة جلية والمستقبل أقل احتمالاً للمفاجآت والمنغصات، فكان مما جاء في الوثيقة مما يخص اليهود ـ جيران المدينة ـ: (إن اليهود يتفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته... وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله، وإنه لا تُجَار قريش ولا من نصرها... إلخ). وهي ولا شك قاعدة أساسية لدمج اليهود في مجتمع المدينة.
إلا أننا نرى من تتبع أحداث السيرة أن اليهود قد رفضوا تلك الفرصة التاريخية المهمة، وأبوا إلا الانفصال النفسي والبدني والاجتماعي، مما حدا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى إجلائهم عن المدينة، طائفة بعد طائفة، إجلاءً مؤقتاً إلى خيبر. فأجلى عن المدينة أولاً بني قينقاع، ثم بني النضير، ثم قضى على بني قريظة... وذلك إجراء بدا منه أن العلاقات الخارجية مع هؤلاء اليهود كانت متوترة وسيئة وغير قابلة للإصلاح داخل المجتمع... وقد تابع النبي صلى الله عليه وسلم هذا النهج في علاقته مع اليهود،
فسار إليها أخيراً في خيبر وما حولها حتى أخضعهم لسيطرته تماماً، وأبقاهم كعمال وإجراء في الأرض، لا سلاح بأيديهم ولا سلطان لهم. مع توصية لأصحابه قبيل وفاته أن يجلوهم عن جزيرة العرب قاطبة إجلاءً لا عودة لهم بعده.
بعثات نبوية شتى إلى مختلف جهات العالم:
على أننا نرى أن ملف العلاقات الخارجية فتح على أشُده مرة واحدة عام ستة بعد الهجرة، بعد أن استقرت الأوضاع الداخلية في مجتمع المدينة، إثر تصفية تجمعات اليهود فيها..
وقد كانت العلاقات الخارجية أبرز أعمال هذه السنة، وذلك عندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله إلى ملوك الأرض بكتبه.
فأرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس بمصر، وبعث شجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمْر الغساني ملك تخوم الشام، وبعث عمرو بن العاص إلى ابني الجلندي ملكي عمان، وبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى ملك الروم قيصر، وبعث سَليط بن عمرو إلى هَوذَة بن علي الحنفي وإلى ثمامة بن أثال وهما رئيسا اليمامة، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى ملك الفرس كسرى، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين...
وقد تفاوتت ردود الملوك على رسله وكتبه صلى الله عليه وسلم. يقول المقريزي في (إمتاع الأسماع): فأما المقوقس ملك الإسكندرية فإنه قبّل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى إليه أربع جواري، منهن مارية القبطية التي تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فولدت له ابنه إبراهيم. وأما قيصر واسمه هرقل فإنه قبل أيضاً الكتاب واعترف بالنبوة ثم خاف من قومه فأمسك. وأما الحارث بن أبي شمر الغساني فإنه لما أتاه الكتاب قال: أنا سائر إليه (يعني محارباً) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغه ذلك عنه: " بادَ ملكه ". وأما النجاشي فإنه آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرسل ابنه أو ابن أخيه في ستين من الحبشة، فيقال إنهم غرقوا في البحر. وأما كسرى ملك فارس فإنه مزق الكتاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مزق الله ملكه "، فسلط عليه ابنه شيرويه فقتله. وأما هوذة بن علي الحنفي فإنه أراد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون الأمر له من بعد وفاته وإلا قصده وحاربه، فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم اكفنيه" فمات بعد قليل. وأما المنذر ابن ساوى فإنه أسلم وأسلم أهل البحرين معه.
النتائج الناجحة والثمرات الطيبة:
وبكل المقاييس فقد كانت تلك البعثات موفقة ناجحة، وإن لم يكن التوفيق في إسلام المدعوين واتباعهم كلهم للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ففي إبلاغهم وإقامة الحجة عليهم وإشعارهم بقوة الدين الجديد وعالميته، وتطلعه إلى سائر الآفاق والأمصار والشعوب على أنها مجالات مفتوحة أمامه، شاء من شاء وأبى ومن أبى.
ويبدو أن أطيب العلاقات الخارجية وأنجحها كان مع الحبشة، فقد تضمن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إليه مع عمرو بن أمية الضمري ثلاثة مطالب:
أولها أن يسلم فأسلم.
وثانيها أن يزوجه أم حبيبة المسلمة المهاجرة من مكة إلى الحبشة بعد أن فارقها زوجها وتنصر؛ فزوجه إياها وأصدقها من عنده وجهزها وبعث بها إليه.
وثالثها أن يبعث إليه بمن بقي عنده من أصحابه المهاجرين وأن يحملهم؛ فحملهم في سفينتين أوصلتهم إلى قريب من المدينة المنورة، وكانوا أكثر من سبعين رجلاً وامرأة.
الاعتداء على الرسل لا يغتفر!! :
ولكن أسوأ تلك العلاقات وأقساها كان مع شرحبيل بن عمرو الغساني أمير بصرى الشام من قِبل الروم، فقد كان هذا الأمير موتوراً من المسلمين لتعطل التجارة الخارجية بسبب اعتراضهم طريق القوافل، فلما جاءه رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي، قبض عليه شرحبيل وأوثقه رباطاً، ثم ضرب عنقه دون مراعاة لحرمة الرسل التي لا تقتل. فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن جهز جيشاً ليؤدب ذلك الأمير الغساني الذي بالغ في الإساءة إلى الدولة المسلمة، واستنفر الناس للخروج فيه، فبلغ أفراده ثلاثة آلاف مقاتل ـ وهذا عدد كبير بالنسبة للسرايا ـ ثم عيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمراء للجيش على التتابع، أولهم زيد بن حارثة، وثانيهم جعفر بن أبي طالب، وثالثهم عبد الله بن رواحة. ولما لم يرتض النبي صلى الله عليه وسلم نتيجة هذه السرية (غزوة مؤتة) ـ رغم أنها لم تكن فاشلة تماماً ـ أعاد الكرة ثانية، فجهز بقيادته هو صلى الله عليه وسلم جيشاً أكبر من ذلك عدته ثلاثون ألفاً. ثم أعاد الكرة ثالثة قبيل وفاته عليه السلام عندما جهز جيش أسامة بن زيد بن حارثة ليغزو أرض الشام حيث قتل أبوه رحمه الله. فكان بذلك عليه السلام مضرب المثل في الثأر لرسله والإصرار على إبقاء هيبته في نفوس أعدائه.
وتذكر بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى بعض القبائل كتاباً، فقام كبيرهم بمحوه ثم رقع به دلواً، فلم يتركه النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى أخذ أهله وماله سبياً.
علاقة حسنة مع نجران ووصية طيبة بمصر وغيرها.
ومن الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية مع من حوله، أن نصارى نجران ـ الذين قدم بعضهم قبل الهجرة إلى مكة ـ جاء وفدهم ثانية إلى المدينة، فجادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجادلهم حتى أقام عليهم الحجة، إلا أنهم لم يسلموا، واكتفوا بدفع الجزية، وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل معهم رجلاً من أصحابه يقضي بينهم ويقبض جزيتهم، فأرسل معهم أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة.
ومن قبيل الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى المسلمين ببعض الأمم المجاورة ذات الصلة الحسنة خيراً. فقد روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنكم ستفتحون مصرَ وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً..." وعند الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتركوا الترك ما تركوكم " كما جاء عنه عليه السلام في المجوس " سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ".
المحافظة على حقوق الذميين والمعاهدين:
ويجب أن لا ننسى أن من الرعاية النبوية للعلاقات الخارجية وصيته المؤكدة المكررة بحسن معاملة المعاهدين والذميين والمستأمنين والمستجيرين من أهل الكتاب، الذين يقيمون بين أظهر المسلمين أو يدخلون ديارهم أو يكونون تابعين لحكمهم.وفي هذا القبيل جاء قوله سبحانه: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) وجاء قوله عليه السلام: " من آذى ذمياً أو انتقصه حقه فأنا خصمه يوم القيامة ".
كما جاء الأمر بالإيفاء بالعهود والعقود والمواثيق والمعاهدات المبرمة معهم، قال تعالى: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم إحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين). كما جاء البيان بقربهم من المؤمنين إذا كانوا مسالمين موادعين (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق...الآية).
روى المقريزي في (إمتاع الأسماع) في غزوة خيبر بعد انتهائها فقال: وجعل المسلمون يقعون في حرثهم (اليهود) وبقلهم بعد المساقاة، فشكت يهود ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن يهود شكوا أنكم وقعتم في حظائرهم وقد أَمّناهم على دمائهم وعلى أموالهم التي في أراضيهم، وعاملناهم، وإنه لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها. فكان المسلمون لا يأخذون من بقولهم شيئاً إلا بثمن.
الرعاية النبوية للأفراح واللهو والألعاب
تمهيد:
الفرح والحزن سلوكان بشريان طبيعيان يعبران عن تفاعل الإنسان مع أحداث الحياة حلوها ومرها بطريقة قد تخلتف من عصر إلى عصر أو بيئة إلى بيئة...
وإذا نظرنا إلى الأفراح عموماً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم نجد أنها أخذت حيزاً واضحاً واهتماماً ظاهراً في السماح بها ورعايتها في مناسبات كثيرة، سواء قبل الهجرة في مكة المكرمة أو بعدها في المدينة المنورة... على الرغم مما اتسمت به حياة النبي صلى الله عليه وسلم عموماً من جدية وجهاد وصراع مع الخصوم وتربص من جهة الأعداء وبذل للدماء والأموال والأوقات في سبيل الدعوة إلى الله... لكن مع هذا كله بقي للفرح حظ وافر في حياة المسلمين، يرعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشارك فيه ويندب إليه، ليبقى للحياة طعمها الحلو وصورتها المشرقة.
صورة التدين المشوه مرفوضة:
ولقد كان حرص النبي صلى الله عليه وسلم كبيراً على أن لا تنعكس صورة التدين المقرون بالعبوس والتقطيب والتجهم على حياة المسلمين. تلك الصورة التي رسمها أهل الكتاب من يهود ونصارى حول دينهم حتى أصبحت سمة معروفة وعلامة واضحة. كان عليه الصلاة والسلام يقول محرضاً على صبغ الحياة بصبغة الفرح " لتعلم يهود أن في ديننا فسحة " كما كان عليه السلام يحث أصحابه على اصطحاب البسمة وجعلها وسيلة للتعامل فيما بينهم، فيقول كما يروي الترمذي وابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة". ويقول لأصحابه مرشداً ومعلماً "روّحوا القلب ساعة فساعة" رواه أبو داود عن ابن شهاب والقضاعي عن أنس... إنه لا يريد لأصحابه أن يفقدوا حظهم من الفرح في الحياة.
الصوت الحسن محبوب:
لقد كان عليه السلام يحب الصوت الحسن، بل كان هو نفسه حسن الصوت كشأن باقي الأنبياء. فعن أنس رضي الله عنه قال: "ما بعث الله نبياً قط إلا بعثه حسن الوجه حسن الصوت حتى بعث نبيكم صلى الله عليه وسلم فبعثه".
ومن حبه للصوت الحسن المترنم بالقرآن ما رواه مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير داود" فما كان من أبي موسى إلا أن أجابه: لو علمت بمكانك لَحَبَّرتُه لك تَحبيراً.
ولقد كان عدة من أصحابه مشهورين بحسن الصوت في القرآن، منهم أبو بكر الصديق الذي كاد أن يفتتن المشركون بقراءته، ومنهم عمر بن الخطاب، ومنهم عبد الله بن مسعود وغيرهم، كانوا ـ وعموم الصحابة ـ يتغنون بالقرآن ويحسّنون به أصواتهم، استجابة لقوله عليه السلام فيما يرويه عنه أبو هريرة "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" رواه البخاري، وقوله: "زينوا القرآن بأصواتكم" رواه مسلم.
المؤذن والحادي والأصوات الحسنة:
وإضافة إلى محبة النبي صلى الله عليه وسلم للصوت الحسن في قراءة القرآن الكريم فقد كان يحب الصوت الحسن في الأذان، ولذلك صح عنه أنه أمر عبد الله بن زيد أن يلقن بلالاً كلمات الأذان لينادي بها بصوته القوي الجميل الذي وصفه بقوله: "فإنه أندى منك صوتاً"... كما كان يحب حُداء الإبل ويأذن به. ففي سنن النسائي عن عبد الله بن رواحة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيرٍ له فقال له: "يا ابن رواحة انزل فحرك الركاب"، فقال: يا رسول الله قد تركت ذلك. فقال عمر: اسمع وأطع. قال: فرمى نفسه فقال: اللهم لولا أنت ما اهتدينا. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أنس رضي الله عنه قال: كان أنجشة يحدو بالنساء، وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال، وكان أنجشة حسن الصوت. وكان إذا حدا أسرعت الإبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أنجشة رويدك بالقوارير".
غناء الأعراس والأعياد:
أما الغناء في الأعراس ومناسبات الأفراح كقدوم غائب وحلول نعمة ويوم عيد ونحو ذلك فقد أذن به صلى الله عليه وسلم، بل ودعا إليه أحياناً. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها دخل عليها أبو بكر وعندها جاريتان في أيام مِنَى، تغنيان وتضربان الدف ورسول الله صلى الله عليه وسلم مُسجى بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وقال: "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد".
وروى الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخلت علي جارية لحسان بن ثابت يوم فطر ناشرة شعرها معها دف، فزجرتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعيها يا أم سلمة فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا".
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة ما كان معكم من لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو". وعند أحمد وابن حبان وابن ماجة من حديث عائشة رضي الله عنها: "أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف".
وأخرج النسائي عن عامر بن سعيد قال: دخلت على قرطة بنتِ كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرسي وإذا جوارٍ يتغنين فقلت: أنتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهلُ بدر يفعل هذا عندكم. قال: فاجلس فإن شئت فاسمع منا وإن شئت فاذهب، فقد رخص لنا في اللهو عند العرس.
استقبال الغائب والفرح به:
هذا وقد ورد عند (البيهقي) في الدلائل وأبي بكر المقري في (الشمائل)، أن غلماناً خرجوا لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم بالدف والألحان عند قدومه المدينة مهاجراً، قائلين: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع.
كما جاء مثل ذلك عند عودته من تبوك من فعل الأنصار باستقباله صلى الله عليه وسلم والفرح بعودته سالماً منصوراً. ويؤيده ما ذكره المطرزي في (اليواقيت) عن ابن عباس رضي الله عنهما: لمّا قدم المدينةَ النبيُ صلى الله عليه وسلم استقبلته بنات الأنصار، بأيديهن الدفوف يضربن بها ويقلن:
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار.
وأخرج الترمذي عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت بريدة يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن كنتِ نذرتِ فاضربي وإلا فلا". فجعلتْ تضربُ على رأسه.
وروى أبو الفرج الأصبهاني في كتاب (آداب السماع) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسان بن ثابت وهو بفَناء أطمه (حصنه) ومعه سماطان من أصحابه وجاريته تغنيهم، فانتهى إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: هل عليّ ويحكما إن لعبت من حرج...
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "لا حرج". وروى النسائي عن السائب بن يزيد أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عائشة تعرفين هذه؟". قالت: لا يا نبي الله. قال: "هذه قينة بني فلان، تحبين أن تغنيك، فغنتها". فلما غنت قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد نفخ الشيطان في منخريها".
من أهازيج الفرح وعاداته:
وجاءت الروايات تبين بعض ما كانوا يقولونه في غنائهم من الغزل المباح. ففي (الإصابة) عن جابر عن جدته أم نبيط قالت: أهدينا جارية لنا من بني النجار إلى زوجها، فكنت مع نسوة من بني النجار، ومعي دف أضرب به وأنا أقول:
أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم. قالت: فوقف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما هذا يا أم نبيط؟" فقلت: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، جارية منا من بني النجار نهدينا إلى زوجها. قال: "فتقولين ماذا قالت؟" فأعدت عليه قولي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولي: "ولولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم". وأخرج ابن الأثير في (تاريخه) عن عائشة قالت: أهدينا يتيمة من الأنصار فلما رجعنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما قلتم". قلنا: سلمنا وانصرفنا. قال: "إن الأنصار قوم يعجبهم الغزل. ألا قلتِ يا عائشة: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم".
كما جاءت الروايات الأخرى تبين بعض العادات التي كانت دارجة في الأفراح، ففي سنن البيهقي عن معاذ بن جبل أن المصطفى عليه السلام حضر ملاك رجل من الأنصار لم يسم ـ زاد في رواية العقيلي ـ فخطب صلى الله عليه وسلم وأنكح الأنصاري وقال: "على الألفة والخير والطائر الميمون، دففوا على رأس صاحبكم" فدفف عليه، فجاءت الجواري معهن الأطباق فيها اللوز والسكر فنثر عليهم، فأمسك القوم أيديهم فلم يمدوها إلى الأطباق. فقال عليه السلام: "ألا تنهبون". قالوا: نَهيت عن النهبة. قال: "إنما نهيت عن نُهبة العساكر، أما العرسان فلا أنهاكم عنه". قال معاذ: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاذبهم ويجاذبونه في الانتهاب. وكانت العادة أن يولم العروس يوماً أو يومين أو أكثر من ذلك حتى سبعة أيام أو ثمانية أيام. أخرج أبو يعلى عن أنس قال: "تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام". وأشار البخاري في كتاب النكاح إلى تلك العادة المسنونة فقال: باب حق إجابة الوليمة والدعوة ومن أولم سبعة أيام ونحوه. ولم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً ولا يومين.
تجميل النساء وتزيينهن:
وكذلك لا يفوتنا هنا أن ننقل ما ورد في شأن تجميل النساء للأعراس وتزيينهن. قال ابن إسحاق في (السيرة): لما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حيي بن أخطب بخيبر أو ببعض الطريق، كانت التي جملتها ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان.
ويبدو أنه كانت هناك عدة من النساء يفعلن ذلك ويُعرَفن به. ففي (طبقات ابن سعد) أن شبرة بنت صفوان القرشية كانت ماشطة تقني النساء (تمشط وتجمل) بمكة. وفي (الطبقات) أيضاً عن أم رعلة أنها كانت امرأة ذات لسان وفصاحة فقالت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. ثم قالت: إني امرأة مقنية أَقين النساء وأزينهن لأزواجهن فهل من حوب فأثبط عنه؟ فقال لها: يا أم رعلة قينيهن وزينيهن. وكان المصطفى بها متعجباً.
وعند أبي داود عن عائشة رضي الله عنها في قصة زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فأتتني أم رومان ـ أمها ـ وأنا على أرجوحة فذهب بي وهيأنني وصنّعنني ـ وفي بعض الأحاديث أن أم أيمن هي التي زينتها ـ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبنى بي وأنا بنت تسع.
وقد كانت بعض النساء يشتغلن ببيع العطور. ففي (الإصابة) عن أنس قال: كانت بالمدينة امرأة عطارة تسمى حولاء بنت ثويب. وفيها في ترجمة مليكة والدة السائب بن الأقرع: كانت تبيع العطر. وفي (الاستبصار في أنساب الأنصار) عن الربيع بن معوذ. قالت: كانت أسماء بنت مخربة تبيع العطر بالمدينة.
مغنيات النساء:
هذا وذكرت كتب السيرة النبوية أسماء عدد من المغنيات المعروفات في المجتمع المدني اللواتي كان يعتمد عليهن في الأفراح والمناسبات منهن مغنية اسمها أرنب. جاء ذكرها في (الإصابة) في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سألها لما زفت قريبتها فقال: "فأرسلتِ معها بغناء فإن الأنصار يحبونه؟". قالت: لا. قال: "فأدركيها بأرنب". وقد ذكر كذلك اسم الجاريتين اللتين كانتا تغنيان لعائشة بمحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحداهما حمامة ولعل الأخرى زينب. هذا عدا من سبق اسمها معنا قبل وهي أم نبيط.
الألعاب والمسابقات:
أما الألعاب التي يمكن أن يقال إنها كانت تقام في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم في المناسبات فعديدة، أشهرها رقص الحبشة في المسجد النبوي، وكان عليه السلام يري عائشة أولئك اللاعبين وحرابهم، وهي متكئة على منكبه الشريف، وهم يرقصون ويقولون: محمد عبد صالح. والصبيان حولهم. تقول عائشة: فجئت فوضعت نحري على منكبه فجعلت أنظر إليها (الحبشة) فيقول: "أما شبعت أما شبعت". وقد أثر أن بعض الصحابة أعطاهم عند لعبهم درهمين.
وروى أحمد وابن ماجة عن قيس بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغلس له يوم الفطر قال جابر: التغليس: اللعب. وروى ابن ماجة عن عياض الأشعري أنه شهد عيداً بالأنبار فقال: مالي لا أراكم تغلسون (تلعبون) كما كان يغلس عند النبي صلى الله عليه وسلم... وقد أجرى النبي صلى الله عليه وسلم سباقاً بين الخيل المضمرة والخيل التي لم تضمر، وقد صارع صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد بن هاشم وكان شديد القوة يحسن الصراع وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم، فصرعه عليه السلام.
وكانت الأرجوحة معروفة للعب الصبيان، كما كانت الألعاب المصنوعة من قطن ونحوها معروفة كذلك. ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان صواحبي يلعبن معي، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه فيسريهن إلي فيلعبن معي. وفي رواية أنه سألها: "ما هذا يا عائشة؟ قالت: هذا خيل سليمان". رواه أحمد.
هذا عدا ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم ـ كما يرويه أحمد وأبو داود وغيرهما ـ "أنه سابق عائشة". تقولك خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدّن، فقال للناس: "تقدموا". فتقدموا. ثم قال: "حتى أسابقك" فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى حملت اللحم وبدنت وسمنت، وخرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس: "تقدموا. فقال: (أسابقك) فسبقني فجعل يضحك ويقول: (هذه بتلك).