أحباب الكلتاوية أحباب الكلتاوية
السيرة والشمائل

الرعاية النبوية للشؤون الزراعية والرعي

25 دقائق قراءة 2,406 مشاهدة

لم تكن مكة أرضاً صالحة للزراعة بشكل عام بل اشتهرت بالنشاط التجاري والرعوي أساساً... وساعدها على ذلك موقعها الجغرافي على مفترق طرق القوافل بين اليمن والعراق ونجد والشام

الرعاية النبوية للشؤون الزراعية والرعي

 

الشيخ : عبد الله سالم


الرعاية النبوية للشئون الزراعية

تمهيد:

لم تكن مكة أرضاً صالحة للزراعة بشكل عام بل اشتهرت بالنشاط التجاري والرعوي أساساً... وساعدها على ذلك موقعها الجغرافي على مفترق طرق القوافل بين اليمن والعراق ونجد والشام، وموقعها الديني الهام حيث يقصدها العرب أجمعون للحج، ولقد كانت الجبال القاسية المحيطة بمكة أكبر عامل في انعدام الزراعة فيها... وقد أشارت إلى ذلك الآية الكريمة على لسان إبراهيم عليه السلام: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم}.

وعلى العكس من ذلك، فالمدينة المنورة تقع فوق سهل منبسط ذي تربة زراعية ومناخ أقل حرارة من مناخ مكة، وفي أرضها مياه جوفية تفجرت على شكل ينابيع عدة في نواح مختلفة فيها، لذلك اشتهرت المدينة بالنشاط الزراعي المتركز في الدرجة الأولى في بساتين النخيل وكروم العنب ومزارع البقول والخضراوات المنتشرة، في أطراف المدينة المنورة، وفي قباء، وفي خيبر، وفي بدر، وفي قرى اليهود وغير ذلك.


الرعاية النبوية للزراعة:


وقد ظهرت الرعاية النبوية الشديدة للزراعة كمورد للرزق ومصدر من مصادر الدخل، في أمور عديدة نجملها في النقاط التالية:


امتداح العمل في الزراعة:

أولاً: رفع النبي صلى الله عليه وسلم من شأن العمل في الزراعة واعتبرها من الحرف الكريمة التي تدر المال الحلال النافع لصاحبه، والمستحقة تقديراً من الآخرين، وذلك خلافاً لما كانت عليه العرب عموماً. ففي (الإصابة) روى الخطيب عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع استقبله سعد بن معاذ الأنصاري فقال: ما هذا الذي أرى بيدك؟ فقال: أثر المسحاة أضرب وأنفق على عيالي. فقبّل النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: (هذه يد لا تمسها النار).


بل واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم غرس الأشجار مما يبقى أجره بعد الممات. روى البزار وأبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبع يجري أجرهن للعبد وهو في قبره: مَنْ علّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً أو ورث مصحفاً أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته)...

وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم بشر الأنصارية في نخل لها فقال: (لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو دابة أو طير أو سبع إلا كانت له صدقة). وأخرج أحمد والطبراني عن سويد بن هبيرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خير المال مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة) أي أرض مستصلحة أو زرع مستصلح"). وقال عليه السلام: ( مَنْ غرس ثل نخلات حتى يثمرن وجبت له الجنة).


وقال الحبشي في كتاب (البركة) بعد أن ساق أدلة مستفيضة: ففي هذا فوائد منها دلالته على فضل الزرع، وفيه أن المهاجرين والأنصار كانوا مزارعين، لقوله في حديث الجنة التي تمنى أحد المؤمنين فيها على ربه أن يزرع: إنك لن تجده إلا أنصارياً أو مهاجرياً. وقد أكثر علماء المسلمين من التأليف في علم الفلاحة والزراعة واستخراج المياه من الأرض.


الجنات المفروشات والوصف الجميل للمزروعات:


ثانياً: وإضافة إلى ذلك فقد حفل القرآن الكريم بالإشارة إلى الجنات المعروشات وغير المعروشات والنخيل والأعناب والزيتون والرمان والقمح والتين وغير ذلك في معرض امتنان الله على عباده، قال تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه) وقال: (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون). والآيات في ذلك كثيرة وهي تمتدح شجرة النخيل ذات الطلع النضيد والثمر الهضيم، أو شجرة الزيتون المباركة التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، أو شجرة التين التي أقسم الله بها وبالزيتون، أو سنبلة القمح التي تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة.

وكذلك يجد المتتبع لحديث النبي صلى الله عليه وسلم من الإشادة والإشارة إلى الأرض الطيبة التي تقبل الماء فتنبت الكلأ والعشب الكثير بعد نزول الغيث عليها، كما يجد في أحاديثه تشبيه المؤمن بالنخلة التي دائم ظلها وكثير خيرها، أو تشبيه المؤمن قارئ القرآن بالتفاحة أو الأترجة ذات الرائحة الزكية والطعم الطيب... إلى آخر ما هناك من نصوص قرآنية أو حديثية جعلت محور التدبر والتفكر وضرب الأمثلة وسوق الأدلة مرتبطاً بكثير من مظاهر الحياة الزراعية السائدة، إعلاء وتشريفاً لها.


إحياء الأرض الموات:


ثالثاً: أرسى النبي صلى الله عليه وسلم مبدءاً عاماً مهماً بالنسبة لاستصلاح الأراضي المهملة القابلة وهو مبدأ إحياء الأرض الموات. فقال عليه الصلاة والسلام: (من أحيا أرضاً فله فيها أجر، وما أكله العوافي "الوحوش والسباع والطير والناس" منها فهي له صدقة).

وقال عليه الصلاة والسلام: (من أحيا أرضاً ميتة ثقة بالله واحتساباً كان حقاً على الله تعالى أن يعينه وأن يبارك له).
قال الحبشي: وهذا ندب عام إلى الإحياء، وهو عمارة الأرض لما يريده من زراعة أو غرس أو غيرهما. وقال النووي تعليقاً على جملة هذه الأحاديث: إذا مات الغارس فله ثواب مستمر من حين غرس إلى فناء المغروس.


توفير فرص العمل والاستثمار:


رابعاً: كانت الزراعة أكبر مجال عمل لعامة المهاجرين من غير أصحاب الأموال... فقد أصبح أغلب المهاجرين في المدينة ولا مال لهم ولا أرض، فوسع لهم إخوانهم الأنصار في بساتينهم ليعملوا فيها معهم بلا مقابل لأصحاب الأرض ابتداءً، ثم بعد أن استقرت أحوال المهاجرين عاملهم الأنصار أصحاب الأرض في مقابل أجورهم التي تبلغ قرابة الثلث أو أكثر انتهاء...
وفي هذا المضمار: مضمار تعاون الأنصار والمهاجرين في العمل الزراعي جاءت أحاديث عدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها ما نهى عن تأجير الأرض أول الأمر، بل أمر أصحابها إن عجزوا عن زرعها والعمل فيها بأنفسهم أن يعطوها لمن يزرعها (إذا كانت لأحدكم أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، ولا يُكْرِها بثلث ولا ربع ولا طعام مسمى).


ثم لما استقر وضع المهاجرين أباح عليه السلام تأجير الأرض للزرع، وقد قال ابن عمر: إننا كنا نكري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالربع والثلث. وروى قيس بن مسلم عن أبي جعفر: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزارعون على الثلث والربع. ويروى أن علياً كرم الله وجهه كان يستقي الماء ليهودي (أي في مزرعته) كل دلو بتمرة. ويروى أنه آجر نفسه يسقي نخلاً بشيء من شعير ليلةً حتى أصبح.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه زرع المهاجرين. قال رافع بن خديج: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بني حارثة فرأى زرعاً في أرض ظهير بن رافع فقال: (ما أحسن زرع ظهير). وظهير هذا من البدريين، وكان أكثر أهل المدينة زرعاً.


حل المشاكل ورفع الخلافات:


خامساً: تدخل النبي صلى الله عليه وسلم شخصياً في عدد من المشاكل الناتجة عن الزراعة والعمل فيها.
منها ما رواه مالك أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدته (أتلفت الزرع) فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار (أي حراسة زراعتهم) وما أفسدته بالليل فهو مضمون عليهم (أي على أصحاب الدواب حفظ حيواناتهم بالليل وإمساكها).

ومنها أن خلافاً نشب حول سقي أرض للزبير رضي الله عنه، فقد منعه جاره من مرور الماء في أرضه ليصل إلى زرعه، ورفض ذلك الجار وساطة النبي صلى الله عليه وسلم، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن أمر الزبير بجر الماء في أرض ذلك الرجل ولو بغير رضاه، لما في ذلك من التعنت المقيت. ومنها أيضاً ما كان عليه السلام يشدد فيه من مراعاة حدود الأرض وعدم التعدي على الجيران فيها مما يولد احتكاكاً وخصومات. قال عليه الصلاة والسلام: (لعن الله من غيّر مَنار الأرض). وفي رواية (ملعون من غيّر تُخوم الأرض) والمنار والتخوم: الحدود بين الأرضين.


أ
نتم أعلم بشئون دنياكم:


سادساً: تراجع النبي صلى الله عليه وسلم عن اجتهاد خاص في أمر يتعلق بالزراعة... لما رأى في ذلك من مصالح العباد والأرضين...
فقد نهى أول ما رآهم يؤبرون النخل عن التأبير، اجتهاداً منه صلى الله عليه وسلم، فشاص النخل ذلك ـ العام أي لم يكن ثمره جيداً ـ نتيجة عدم تلقيح النخل، فلما اشتكوا إليه، قال لهم عليه الصلاة والسلام: (أنتم أعلم بشئون دنياكم) وسمح لهم أن يعودوا إلى الأمر المعتاد في الزراعة.


عقد السلم غير مباح:


سابعاً: جوز النبي صلى الله عليه وسلم تبعاً لحاجة المزارعين إلى الأموال للإنفاق على أراضيهم أن يشتري التجار نتاج زراعتهم وثمارهم قبل وجودها، وأن يقبض المزارعون ثمنها معجلاً، وهذا ما يسميه الفقهاء عقد السلم، الذي هو بيع موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة والناس يسلفون في التمر السنتين والثلاث فقال عليه الصلاة والسلام: (من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم). قال الشيخ زكريا الأنصاري: السلم عقد غرر جُوّز للحاجة. وقال مالك: السلم رخصة مستثناة من بيع ما ليس عند بائعه...


خيبر نقطة تحول زراعي في حياة الصحابة:


سابعاً: تعتبر غزوة خيبر وما لحق بها نقطة تحول في سيطرة المسلمين على الأراضي الزراعية فيما حول المدينة المنورة، بل وفي تعديل الوضع الاقتصادي عموماً.


ففي نهاية سنة ست استسلم يهود خيبر لجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن حاصرهم في حصونهم، وكانوا قد ألبوا الأعداء على المسلمين، وجمعوا الجموع لمقاومتهم، فلما استسلموا منهزمين صاغرين، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عوضاً عن أن يجليهم عن خيبر أن يتركهم فيها عمالاً أجراء في الأرض، على النصف مما يخرج من ثمرها، لما لهم من خبرة عريقة في ذلك، ولاتساع أرضهم ومزارعهم واشترط عليهم أن للمسلمين حق إخراجهم من الأراضي الزراعية تلك متى شاءوا...
ومثل ذلك فعل مع يهود فدك جيرانهم: تركهم في الأرض على مثل ما صالح عليه أهل خيبر.
ومثل ذلك فعل أيضاً مع يهود وادي القرى المجاورين أيضاً، عامل الجميع على النصف مما يخرج من الأرض.
وقد استغنى المسلمون بعد خيبر وخيراتها الزراعية. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر. بل إن بعض المهاجرين الذين كانوا يستعينون بثمار إخوانهم الأنصار اكتفوا بما آل إليهم من نصيب ثمار خيبر. ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارها.


الاشراف الزراعي والمتابعة:


وقد عين النبي صلى الله عليه وسلم مراقباً على ثمرات خيبر، يقدرها ويحصيها ويشاطرهم إياها حسب الشرط معهم، وهو عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وقد حاولوا ذات مرة رشوته، ففي الموطأ عن سلمان بن يسار قال: جمعوا (أي اليهود) له (لعبد الله بن رواحة) حلياً من حلي نسائهم فقالوا: هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم. فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر يهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
روى أبو داود عن جابر رضي الله عنه قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه وقلت: إني أريد الخروج إلى خيبر. فقال: "إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً فإن ابتغى منك آية (علامة على الصدق) فضع يدك على ترقوته".
روى أبو داود عن جابر رضي الله عنه قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه وقلت: إني أريد الخروج إلى خيبر. فقال: "إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً فإن ابتغى منك آية (علامة على الصدق) فضع يدك على ترقوته".

وقد ورد في الصحيح عن نافع أن عمر أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر، وكان يعطي أزواجه مائة وسق: ثمانون تمراً، وعشرون شعيراً. وقسم عمر رضي الله عنه أرض خيبر فخير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن من الماء والأرض، أو يمضي لهن (أي ثمراً ورزقاً) فمنهن من اختار الأرض ومنهن من اختار الوسق، وكانت عائشة وحفصة رضي الله عنهما ممن اختار الأرض.


ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة:


ثامناً: مرت فترات في السيرة النبوية كانت فترات حرجة جداً في الدفاع عن الدين والمسلمين وبلادهم، وذلك في أول أمر الدعوة، فألهتهم حال الجهاد عن التفرغ للمزارع والبساتين، ولكنهم بعد استقرار الأمن وزوال الخوف عادوا لإصلاح بساتينهم ورعاية مزارعهم، مراعين عدم التعلق القلبي بها، حتى لا تكون عائقاً لهم عن الجهاد إذا دعاهم الداعي إليه. وقد أشار إلى ذلك حديث أبي أيوب الأنصاري في بيان سبب نزول قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) قال: نزلت فينا معشر الأنصار لما أعزّ الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية.


موقع الزراعة في العبادات:


تاسعاً: كان للزراعة اهتمام خاص في كثير من العبادات والأحكام، مثل الزكاة التي تتعلق بالزروع والثمار، فما أخرجته الأرض مما خرج بنفسه دون سقي وتعب فيه زكاة العشر وما أخرجته بمعالجة وتكلفة وسقي فيه نصف العشر...
وقد فرض الله الزكاة الزروع حين الحصاد فقال تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده). كذلك تعلقت بالزراعة والثمار أحكام في البيع والربا فعدت بعض الزروع كالتمر والقمح والشعير مواد ربوية لا يجوز بيعها بجنسها إلا متماثلة في مجلس العقد أما إذا اختلفت فللمتبايعان الحرية المطلقة في التفاضل ما دام في مجلس العقد.
وكانت كثير من الصدقات التي قدمت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم مزارع وأراضي زراعية تحتاج إلى عمل فيها لتنتج ثمرات طيبة. جاء في تفسير قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) البقرة/
أن أبا طلحة رضي الله عنه قال: يا رسول الله إن أحب مالي إلي بير ماء وإنها صدقة لله ورسوله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "اجعلها في قرابتك".

كذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى وقف بعض أراضيه.
روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر بخيبر أرضاً. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منها فكيف تأمرني به؟ قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" فتصدق بها عمر: أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث. في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضعيف وابن السبيل.. الخ)

 

 

الرعاية النبوية للرعي والحيوانات


تمهيد:


تنتشر المراعي الخضراء بكثرة في عموم الجزيرة العربية، وهي منذ القدم أماكن تجمّع القبائل المتنقلة في الصحراء التي ما تكاد تجد الماء والكلأ حتى تلقي حوله رحالها وتنصب خيامها وتطلق العنان لقطعانها من الأنعام المختلفة، تذهب وتجيء فيه وتملأ أجواء الفضاء بثغائها وخوارها ورغائها...
وقد كانت حرفة الرعي حرفة مشتركة بين جميع قبائل العرب من شمال الجزيرة العربية إلى جنوبها، إضافة إلى ما عرف عن بعضها من اشتغال بالتجارة أو الزراعة.


البداية الأولى:


وانطلاقاً من هذا التصور لحال الجزيرة العربية عموماً، ونظراً للأهمية البالغة للرعي والمراعي والأنعام والحيوان في الحياة الاقتصادية لجزيرة العرب، فإن من المفيد أن نتتبع في السيرة النبوية الرعاية النبوية لهذا الجانب الهام جداً في حياة المسلمين، سواء عندما كانوا في مكة أول الأمر، أم بعد أن استقروا في المدينة آخر الأمر.


ونشير بداية هنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد باشر بنفسه الكريمة رعي الأغنام كعمل اكتسب منه بعض رزقه، وذلك إبان حداثة سنه، بل إنه عليه الصلاة والسلام أشار إلى أن رعي الغنم سنة مضى عليها الأنبياء من قبل، ليتعلموا من سياسة الأغنام وحسن تدبيرها سياسة البشر وحسن التعامل معهم، يقول: (ما من نبي بعثه الله إلا ورعى الغنم. قالوا: وأنت يا رسول الله. قال: وأنا، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة).


الحث على العناية بالأنعام:


ولذلك فنحن نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كما حث أصحابه على الزراعة والتجارة حثهم ـ كلاًّ فيما يحسن أو يتيسر له ـ على اقتناء الماشية عموماً، غنماً كانت أو إبلاً أو خيلاً أو عنزاً. ففي سنن ابن ماجة عن أم هاني رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (اتخذي غنماً فإن فيها بركة). وفي نفس السنن عن عروة البارقي يرفعه قال: (الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة).

كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن ذبح الماشية التي تلد وتتكاثر ويكون فيها لبن، فعن جابر رضي الله عنه قال: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم فعمدت إلى عنز لي لأذبحها فقال: (لا تقطع دَرّاً ولا نسلاً).
وبين عليه الصلاة والسلام أن العناية بالحيوان عموماً والماشية على وجه الخصوص فيها أجر كبير عند الله، فقد سألوه عن الإحسان إلى الحيوانات فقالوا: إن لنا في البهائم لأجراً. قال: (في كل ذات كبد رطبة أجر).
بل أشار عليه السلام إلى أن المسلم إذا اتخذ لنفسه في أيام الفتن وآخر الزمن قطيعاً من الماشية، يبتعد به عن الناس، فقد أحسن الاختيار. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتْبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن).
هذا وقد اقتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الأنعام. ذكر ابن جماعة في (مختصر السيرة) أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من النعم: الناقة التي هاجر عليها من مكة، اشتراها من أبي بكر بأربعمائة درهم، وكان له جمل يقال له الثعلب، وغنم يوم بدر جملاً مهرفاً لأبي جهل، وكانت له عشرون لقحة (ناقة)


العناية النبوية المباشرة بالحيوانات:


بالغابة على بريد من المدينة من طريق الشام يراح إليه صلى الله عليه وسلم كل ليلة بقربتين من ألبانها، وكانت له خمس عشرة لقحة غرار، كان يرعاها يسار مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له سبع لقاح. وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شياه عديدة منها سبعة أعنز ترعاهن أم أيمن، وغيرها عند غيرها.
وكان عليه الصلاة والسلام يباشر بنفسه وسم إبل الصدقة بالعلامة المميزة لها، فعند البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده الميسم يسم به إبل الصدقة.


حقوق الرعي والحمى:


وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس كلهم يباح لهم الرعي حيثما شاءوا، لا يمنع أحد أحداً، فقال: (الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار).
ونهى من كان على ماء فأخذ منه حاجته وفاض فوق حاجته أن يمنع ذلك عن الناس، فيتسبب بتركهم الرعي بسبب منع الماء. فقال: (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا الكلأ)...
ولم يستثن من منع احتكار المراعي والاختصاص بها ـ وهو ما يسمى بالحمى ـ إلا إبل الصدقة وفي هذا الصدد روى البخاري عن الصعب بن جثامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حمى إلا لله ورسوله).
وقد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم البقيع لخيل المسلمين، والبقيع أو النقيع صدر وادي العقيق على عشرين فرسخاً من المدينة المنورة، وهو أخصب الوديان هناك.


متابعة أحوال المراعي:


وكان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم كثيراً لحال المراعي وخصبها وجدبها، فإذا شحت السماء بالمطر أو أمحلت الأرض وجاء الناس يشكون عجل لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالاستسقاء، طلباً للمطر الذي ينبت به المرعى. أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه أن الناس قد قحطوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل رجل من باب المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: يا رسول الله هلكت المواشي، وخشينا الهلاك على أنفسنا، فادع الله أن يسقينا. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً غدقاً مغدقاً عاجلاً غير رائث ... إلى آخر الحديث).


الرفق بالحيوانات:


وقد كان الإحسان إلى الحيوانات والرفق بها ـ أياً كانت ـ ديدن ودأب النبي صلى الله عليه وسلم، حتى رويت عنه في ذلك الأحاديث العجيبة الشأن.
فمن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم شدد على إعطائها حاجتها من العلف أو المرعى. روى أبو داود عن سهل بن عمرو قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: ( اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة ). وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض).
ومن ذلك أنه نهى أن تحمل فوق طاقتها من العمل حتى تكاد تهلك. روى أبو داود عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جرجر (صوّت) وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح سراته (سنامه) وذفراه فسكن، فقال: (من رب هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟) فجاء فتى من الأنصار فقال: هذا لي يا رسول الله. قال: (أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها. فإنه يشكو إليّ أنك تجيعه وتدئبه) أي تتعبه.

ومن ذلك أنه عليه السلام حرم عادة جاهلية كان بعض الأعراب يلجأ إليها في حالة الجوع، فيشق سنام البعير ويأخذ من شحمه ثم يخيطه، أو يقطع طرفاً من كفل الشاة وهو لا يريد ذبحها ويريد الاستفادة منها، ولا يخفى ما في ذلك من العذاب عليها... فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، واعتبر ما يؤخذ من الحيوانات قبل ذبحها ميتة نجسة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أبين من حي فهو كميتته).

ومن ذلك أنه نهى عن اتخاذ الحيوان هدفاً للرمي عليه، لما ينوبه من الخوف المتجدد مع كل نبلة يرمى بها… روى الشيخان أن ابن عمر رضي الله عنهما مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا ؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً...
ومن ذلك أنه نهى عن وسم الحيوانات في وجوهها لما ينالها من تشويه وعذاب وكذلك نهى عن ضربها على وجوهها. روى مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ عليه حمار قد وسم في وجهه فقال: (لعن الله الذي وسمه) وفي رواية لمسلم، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه...


ومن ذلك أنه نهى عن أخذ أفراخ الطيور قبل بلوغها، ونهى كذلك عن إحراق الحيوانات غير المؤذية، روى أبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حمّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة تَعْرِش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من فجع هذه بولدها، ردوا ولدها إليها). ورأى قرية نمل قد حرّقناها فقال: (من حرق هذه) قلنا: نحن. قال: (إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار) .


ومن ذلك اهتمامه بالحيوانات الأليفة كالقطة ونحوها. فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصغي الإناء للهرة حتى تشرب. وأراد أن يشدد النكير على حبس تلك الحيوانات الأليفة دون إطعام فقال: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض).
ومن ذلك نهيه عن التحريش بين الحيوانات وإغراء بعضها ببعض كالكلاب والديكة والقطط وغيرها.


للخيل اهتمام خاص:


وكان للخيل من عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم النصيب الوافي. فقد كانت تمثل آلة الجهاد في سبيل الله، لذلك فقد ورد عنه عليه السلام ما يفيد تشجيعه لتربيتها وادخارها للجهاد والإكثار منها. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر فرجل ربطها وياءً وفخراً ونواءً على أهل الإسلام فهي له وزر، وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر، وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طِوَلَها فاستنت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات).

وقد كان صلى الله عليه وسلم يرعى بنفسه الشريفة تدريب الخيل والمسابقة بينها وتضميرها. روى ابن ماجة في سننه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن تضمر الخيل، وأنه سابق بين الخيل التي ضمرت والتي لم تضمر، فكان يرسل التي ضمرت من الحفياء إلى ثنية الوداع، والتي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق.


حماية الصيد:


وكذلك أفادت بعض الروايات عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بمنع الصيد في بعض النواحي وذلك فيما يبدو لنا رعاية لبقاء الحيوانات وحفاظاً عليها من الانقراض. قال الكتاني: ترجم في الإصابة لضرار بن الأزور الأسدي فقال: يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى منع الصيد من بني أسد.


حماية أموال أصحاب الأنعام:

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العدوان على أموال أصحاب الحيوانات باستهلاك ما ادخرته ضروعها. ففي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذا رأينا إبلاً مصرورة بعضاة الشجرة، فثبنا إليها، فنادانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا إليه فقال: إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو قوتهم ويمنهم بعد الله، أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذُهِب به، أترون ذلك عدلاً ؟ قالوا: لا. قال: فإن هذا كذلك).


الأحكام الشرعية المتعلقة بالأنعام:


وأهم ما يمكن الحديث عنه في موضوع الرعاية النبوية للري والحيوانات. أنه عليه السلام جعل في الأنعام التي ترعى بنفسها دون علف يقدمه صاحبها لها زكاة واجبة وحقاً للفقراء متعلقاً بها، أما التي يعلفها صاحبها وتكلفه مؤنة ذلك فلا وجوب. ومثلها الحيوانات العوامل. روى الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (في كل خمس من الإبل السائمة شاة). وروي عنه أنه قال: (ليس في العوامل والحوامل والبقر المثيرة شيء). ولكن يجب الانتباه إلى أن الزكاة المقررة في الحيوانات استثنى منها ما كان معداً للاستيلاد أو نحوه لقوله عليه السلام لساعي الزكاة: (إياك وكرائم أموالهم) رواه البخاري.
وأجمع كتاب لمقادير الزكاة في الأنعام كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم وقد رواه الإمام أحمد في مسنده.
أما الحيوانات التي لا تتوفر فيها شروط زكاة الأنعام لكنها تتخذ للتجارة فتشملها أحكام زكاة عروض التجارة.
وبعد: فهذه جملة مختصرة من رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لشئون الرعي والحيوانات والمواشي مما يعتبر ضرورياً ومهماً للحياة واقتصادياتها مثل المجتمع البدوي العربي وأمثاله.

 

 

 

اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

السيرة والشمائل

كلمة الشيخ المصري عبد الفتاح الشيخ وذلك بمناسبة المولد النبوي الشريف في الكلتاوية عام 1979م

كان صلى الله عليه وسلم رحيماً ، كان صلى الله عليه وسلم لين الجانب ، كان صلى الله عليه وسلم يطلب المشورة من أصحابه ، ويطلب الرأي من أصحابه ويتدارس معهم الرأي، ويهديه الله، ويوفقه الله، ويأخذ بيده دائما...

13 دقائق
السيرة والشمائل

توقير الأنبياء عليهم السلام وفضلاء البشر

جرى العرف عند كثير من المسلمين إذا عرض ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم, أو أحد الأنبياء السابقين أن لا يذكروه باسمه المجرد وإنما يصدرونه بما يدل على التعظيم والتوقير كقولهم ( سيدنا محمد صلى الله عليه وسل...

45 دقائق
السيرة والشمائل

ردود وتعليقات حول مانشر من إساءة للإسلام ولرسول الله صلى الله عليه وسلم

قال الله تعالى : {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}وقال تعالى :{قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين ب...

35 دقائق