أحباب الكلتاوية أحباب الكلتاوية
الأسرة المسلمـــة

المرأة:حقوق أكبر ، لا مساواة ظالمة (1)

11 دقائق قراءة 1,940 مشاهدة

إن التدبر المتعمق في تفصيلات قضية المرأة لدى التشريع القرآني يكشف عن أن المرأة فيه أكثر حقوقاً وأقل واجبات

المرأة
حقوق أكبر ، لا مساواة ظالمة
(1)

الدكتور محمود أحمد الزين


إن التدبر المتعمق في تفصيلات قضية المرأة لدى التشريع القرآني يكشف عن أن المرأة فيه أكثر حقوقاً وأقل واجبات، وهو أفضل لها من المساواة، وهذا التفضيل يقوم على أساس من العدل والرحمة؛ لأن المرأة أضعف من الرجل، والضعيف يستحق مزيداً من الرعاية والحقوق في منطق القرآن وفي المنطق الإنساني.


وقد راعى التشريع القرآني ـ عند تقسيم الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة ـ ضعفها الناشئ عن رقة الجسم ورقة القلب وغلبة العاطفة، وراعى مع ذلك أنها ـ بحسب خلقتها ـ تحمل العبء الأكبر من مسؤولية بقاء النوع الإنساني، أعني التناسل واستمرار الذرية: فعليها الحمل والولادة والرضاعة ورعاية الأطفال، والرجل لولا الزواج يشاركها المتعة الغريزية، ويتركها لتلك الأعباء، ويضيف إليها عبأً آخر هو العمل ـ في تلك الظروف الصعبة ـ لتنفق على نفسها وعلى أولادها، ثم يحرم طفله من نعمة الأبوة، وحماية الأبوة عند الشدائد والأخطار، مع أنه أقدر الوالدين على النفقة والحماية.


وحتى لا تقع تلك المظالم على المرأة وأطفالها منع التشريع القرآني أي صلة بين الرجل والمرأة تؤدي إلى التناسل دون أن تكون موثقة بعقد وشاهدين ورعاية أهل المرأة، وقد فرق بين الحالتين حتى في الأسماء: فسمى الموثق زواجاً ونكاحاً وحث عليه فقال: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء/3] وسمى الآخر ”زناً“ واعتبره جريمة وحذر منه ومن أخطاره فقال: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} [الإسراء/32] وأوجب أشد العقاب على المشتركين فيه فقال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور/2] هذا قبل أن يتزوجا، ويعرفا ـ بالتجربة الواقعية ـ مسؤولية الأسرة والأطفال، أما بعد ذلك فعليهما الرجم بالحجارة حتى الموت، فحرمان الطفولة من نعمة الأبوة ورمي مسؤولية الرعاية على الطرف الأقل قدرة عليها جريمة عظمى، يزيدها شدة أنها ترتكب في حق أضعف الضعفاء ومن جهة أقرب الناس إليه.


ولا يُقدِّر الإنسان هذا النظام حق قدره إلا حين يرى يتيماً حرم أباه، وشقيت أمه بمشقة السعي إلى الرزق مع ما هي فيه من الضعف، بل إن طفل الزنا مصيبته أشد من اليتيم؛ لأن اليتيم إذا فاته الأب بقي له الجد والإخوة والأعمام وأبناء الأعمام، وإن فاته من هؤلاء النفقة والعون المباشر ـ وهذا لا يقع في المجتمع الإسلامي ـ بقي له الشعور النفسي بصلة القرابة، أما طفل الزنا فهو محروم من الأسرة أصلاً، والحرمان من الأسرة لا يدرك أضراره إلا من اطلع على واقع هذه الفئة من الأطفال، وما يعانونه من أمراض نفسية واجتماعية يضج منها المجتمع الغربي وعلماء النفس والاجتماع فيه، وهذا موجود مع رعاية الحكومات لهم بتهيئة دور الرعاية التي تكفلهم حتى يبلغوا سن الزواج، فما بالنا بحال اللقطاء في البلاد التي لا توجد فيها هذه الرعاية الحكومية، وهي أكثر بلاد الدنيا ؟! حالة الأولاد بلا آباء هي بعض ثمار الإباحية التي يسمونها الحرية الجنسية، ويدعون إليها تحت شعار حرية المرأة أحياناً، فهي في حقيقتها جريمة كبرى يلبسونها اسم الحرية خداعاً للمرأة وتزويراً للحقيقة.


ومسألة قوامة الرجل على المرأة تدور كلها في فلك رعايتها ورعاية أطفالها، كما يظهر إن شاء الله عند استعراضها ورد الشبهات عنها، وليست كما يتوهم دعاة المساواة من الغربيين وأتباعهم، حيث يتصورون من كلمة القوامة رجلاً يحمل السوط بيده، وينهال به على المرأة جلداً لا رحمة فيه ولا هوادة، كما كانوا هم يفعلون قبل أن يتصلوا بالحضارة الإسلامية.


ومسألة القوامة في التشريع القرآني تحمل معنى الحماية والرعاية والإنفاق قبل أي شيء آخر، فهي ـ عند المنصف العاقل ـ من حقوق المرأة عند الرجل، لا من مميزات الرجل على المرأة، حقوق لها عنده ناشئة عن الفوارق الطبيعية التي سبق بيانها، هي من حقوقها على أبيها وجدها وأخيها وعمها قبل الزواج وبعد الطلاق، وهي من حقوقها على زوجها عند الزواج.


والأسرة هي صورة مصغرة من المجتمع ومن الخلايا الأسرية يتكون المجتمع، فكما أنه لا بد في كل مجتمع من حكومة ترعاه، وتردع المخالفين لقوانينه كذلك لا بد للأسرة ممن يقوم بدور الحاكم فيها، يقيم الحقوق، ويمنع المخالفات، حتى المخالفات التي لا تكون ضده، وأحق أفراد الأسرة بذلك أقدرهم على القيام به وبسائر حقوق الأسرة: الكسب والإنفاق والحماية والرعاية والحكم بين أفراد الأسرة.


والمميزات الطبيعية في الرجل ـ قوة الجسم وقوة القلب وغلبة العقل على العاطفة ـ تجعله أجدر بالقوامة دون نزاع بين المنصفين، وكما أنه لا يقال ـ إذا وجدت حكومة ظالمة ـ إن وجود الحكومة في المجتمع خطأ، كذلك لا يقال ـ إذا وجد بعض القوامين الفاسدين ـ إن نظام القوامة فاسد، فالعبرة بالكثير لا بالنادر، والرجل مدفوع بطبعه إلى حسن المعاملة مع أولاده وزوجته إذا كان أصل الاختيار سليماً عند بناء الأسرة.


ولما كانت المرأة هي الخاسر الأكبر، بل الأوحد من بين الطرفين في المعاشرة غير الشرعية كانت جديرة بالحماية ضد الرجل، إذا أراد أن يحصل على شهوته منها ويمضي دون أن يشاركها المسؤولية عن الحمل والولادة والرضاع ورعاية الأولاد، هي جديرة بالحماية، سواء أراد الرجل ذلك منها بموافقتها ـ وهي لا تعرف حقها ولا تقدر خسارتها كما هو شأن المرأة الغربية ـ أم أراده منها بخداعها عن طريق وعود الحب والزواج ـ إذا كانت تعرف تلك الخسارة وتخشى العواقب كما هو شأن المرأة في المجتمعات الشرقية، التي انساقت بعض الشيء مع فكرة الحرية الغربية ـ أم أراده منها بطريق الاغتصاب، وهو ما زال يقع إلى اليوم حتى عند الغربيين، كما تصرح بذلك إحصائياتهم، وتمثله أفلامهم.


هذه الحماية هي مهمة القوَّام عليها ضد من يريد اغتصابها أو خداعها، حماية لها من التهور في العلاقة مع المخادعين، أو في الزواج ممن لا يرعى حقوقها؛ ولذا كان واجباً عليها وحقاً لها أن تتعاون مع القوام عليها، فلا يتم عقد الزواج إلا بإشرافه، سواء قامت هي بالعقد مع موافقته، أو قام هو بالعقد مع موافقتها ـ حسب اختلاف الفقهاء ـ


وحتى الخطوبة لا بد أن تكون تحت رعاية القوَّام، فكثير من المخادعين يتخذون الخطوبة شبكة اصطياد، يصلون بها إلى رغائبهم من المرأة، ثم يهربون، كما يشهد بذلك الواقع في عصرنا الحاضر، وأما ما يدعيه المنساقون وراء فكرة حرية المرأة، ومسالك الغربيين في الزواج من أن الخطوبة فترة للتعارف بين الخطيبين، حتى تكون حياتهما الزوجية أكثر تفاهماً وأكثر دواماً، فهو عند سلامة القصد يمكن أن يحصل بعد العقد قبل الدخول، تحسباً من وقوع معاشرة بينهما، يكون منها ولد يتبرأ منها الرجل إذا شاء. لكن فكرة التفاهم في الخطوبة غير صحيحة لا بميزان الواقع، ولا بميزان المنطق، أما الواقع فيشهد أن كثيراً من الرجال استمتعوا بالخطيبات ثم تركوهن يتجرعن مرارة الإهمال والإعراض، ومنهن من تكرر ذلك عليها حتى وقعت في الأمراض النفسية، فضلاً عن اللواتي حملن حملاً غير شرعي تبرأ منه الخطيب، ويشهد واقع المحاكم بالاحصائيات على وقوع الطلاق كثيراً بنسبة تفوق ما كان في المجتمعات قبل التعود على هذه الخطوبة تفوقاً كبيراً جداً، وأما المنطق فيقول: إن الخطيبين يتظاهر كل منهما في فترة الخطوبة بما يوافق الآخر، وتبقى الحقيقة أو أكثرها في خفاء، لا تظهر إلا بعد الزواج، وهذا أمر مشهود في الواقع أيضاً لمن تأمل حياة أولئك الناس.


وبعض الناس يقول: لا بد من أن يكون للمرأة حريتها في العلاقة مع خطيبها، فالأهل ربما ظلموها فزوجوها ممن لا تريد، أو منعوها ممن تريد، وهذا اعتراض سطحي لا حقيقة له في موازين مصلحة المرأة، فالأهل أحرص الناس على مصلحة بنتهم، ومع ذلك فلو افترضنا صحة فكرتهم فليس الحل في أن تحرم كل النساء حق قوامة الأهل لأجل حالة شاذة من فئة من الأهالي لا يقدرون مصلحة بنتهم، ولا في أن تحرم هذه البنت رعاية أهلها إطلاقاً، وإنما الحل فيما شرعه الله وهو أن تشكو أمرها إلى القاضي، فيزوجها بمن يكافئها، ويمنعهم أن يزوجوها ممن لا تريد.


ومن أشهر الاعتراضات ـ التي ينشرها دعاة حرية المرأة ـ بالمفهوم الغربي للحرية ـ أن الأهل لا يمكن أن يحولوا بين البنت وبين الانزلاق وراء أهل الشهوات المخادعين، فلا فائدة في قوامتهم عليها، إنما الفائدة في تثقيفها وتوعيتها حتى تعرف مصلحتها ، فلا تكون ألعوبة بأيدي الشباب، بل تقيم العلاقة مع من يحبها ويحترمها.


هذا الاعتراض لا يقل عن سابقه سطحية؛ لأن المسألة ليست مسألة علم وثقافة، إنما هي مسألة طبع، فرقة القلب وغلبة الجانب العاطفي تجعل المرأة ـ كما هو مشاهد كثيراً في الواقع ـ تنساق مع وعود الحب والزواج مهما كانت مثقفة، ومهمة الأهل القوامين هي حمايتها من هذا الانسياق إضافة إلى حمايتها من الاغتصاب، على أن الإسلام لا ينكر أثر الثقافة بمعناها الصحيح ”وهو السلوكيات القائمة على الفهم للدين والخلق والعلم“ بل هذا هو الأصل في حماية المرأة من الانزلاق، وأما قوامة الأهل فتكميل ومساعدة، وحماية من الاغتصاب أيضاً، كما هي حماية من الانزلاق، وليست هي كل شيء، ويأتي إن شاء الله بيان بعض ذلك عند الحديث عن الحجاب وعن مكافحة الجريمة.
ومن عجائب الاعتراضات التي يلقيها هؤلاء أنهم يقولون: إن فكرة الحماية هذه تصور المجتمع الإنساني من الرجال كأنه مجتمع ذئاب، لا تكاد المرأة تخرج من بيتها، أو تكشف عن جسمها، أو تكلم رجلاً في أمر من الأمور إلا انقض عليها ليغتصبها، أو ليراودها عن نفسها، ولذلك يرى المسلمون أنها بحاجة إلى حماية الرجال ؟


وجوابنا على ذلك: أن الأمر ليس كما يقولون، فالمجرم يحتاط الناس منه لا لأن كل المجتمع مجرمون، بل لأنه موجود غير معروف، ومجرد وجوده ـ وإن لم يكثر تلك الكثرة الهائلة ـ دعا الحكومات إلى تنظيم الشرطة ونشرهم في كل مكان، فكذلك رعاية الأهل للمرأة حاجة لا بد منها، مادام يوجد بين الرجال من يجرؤ على الاغتصاب، أو تطاوعه نفسه على خداع المرأة.


وكذلك شرع الله الحجاب للمرأة عند لقائها غير المحارم، وشرع إعفاء المرأة من العمل لكسب الرزق إكمالاً لهذه الحماية بستر محاسنها، التي تغري الرجال أن يحاولوا الحصول عليها، وشرع الابتعاد عن الاختلاط قدر الإمكان لتجنب أي فرصة للعدوان عليها بالقوة أو الخداع، وهي مسائل تأتي مناقشتها ـ إن شاء الله تعالى ـ فيما بعد، والمهم هنا أن يلاحظ ما في هذه المسائل من قصد حماية المرأة ورعايتها ورحمتها من جانب الرجل: أباً أو أخاً أو عماً أو زوجاً، وهي المعاني التي تمنح المرأة الطمأنينة والاستقرار اللذين تحلم بهما أول ما تفكر بالرجل، كما يشهد بذلك الواقع الملموس.


وإذا لاحظ الإنسان هذا الأمر ”أعني رعاية المرأة وحمايتها وتخفيف الأعباء عنها“ فإن عقله لا يتساءل لماذا كان الرجل قواماً على المرأة ولم تكن المرأة قوامة عليه؛ لأن القوامة مسؤولية تكليفية، وليست تشريفاً واستعلاءً، والتكاليف توكل إلى من هو أكثر استعداداً لها، والفوارق التي سبق بيانها لا يشك عاقل في أنها تجعل الرجل أنسب لهذه المسؤولية، سواء كان أباً أو زوجاً، وإذا كان لا بد لكل عمل جماعي من قيادة، فالقيادة لا تعطى اعتباطاً وفوضى، وإنما تعطى للأكثر تأهلاً، ولو استوى الرجل والمرأة في كل شيء لكانت غلبة العاطفة عليها عند تعارض العقل والعاطفة ـ في كثير من المواقف ـ كافية لإعطائه القوامة عليها، فكيف ومع ذلك قوة القلب وقوة البدن، ومعه شرط العدالة والرحمة ؟! وإذا كانت هذه الفوارق تمنع المرأة أن تكون قوامة على الأسرة، وهي جزء من المجتمع فهي أحرى أن تمنعها من القوامة على المجتمع كله في الرئاسة أو القضاء ونحوهما.


ترى أيهما أحق بالنقد: هذا النظام الحكيم الذي اختار للقوامة أكثر الطرفين أهلية لها وأقدرهما على رعاية صاحبه ـ وهذا هو معنى تفضيل الرجال على النساء، فقال: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}[النساء/34] أم أولئك الناقدون الذين زعموا الإحسان إلى المرأة فأساؤوا إليها أشد الإساءة باسم الحرية والمساواة.


ولهذه المسألة جوانب أخرى تأتي في مقالات تالية، إن شاء الله تعالى.

اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

الأسرة المسلمـــة

أبناؤنا

للتربية مكانة سامية في حياة الإنسان، بل إن الإنسان يفقد كثيرا من المعاني الإنسانية إذا غاب عنه المربي، من هنا فإن الوقوف على معالم التربية الصحيحة يجعل المربي على بصيرة من أمره وسأقف هنا على بعض المعا...

6 دقائق
الأسرة المسلمـــة

لمحات في المنهج النبوي التربوي

التربية هي تعهّد الإنسان في مراحل حياته حتى يبلغ حد الكمال في أخلاقه وسلوكه وعاطفته. أو هي عملية توفير الفرص الملائمة لنمو الفرد نموّاً متكاملاً في جميع نواحي شخصيته الجسمية والعقلية والعاطفية والاجتم...

18 دقائق
الأسرة المسلمـــة

التلفزيون بين الأمس واليوم

في منتصف القرن الماضي كانت معظم الأسر المحافظة في سوريا وفي حلب بصورة خاصة لا تدخل الهاتف إلى البيوت وإذا اضطرت إليه فقلما كانت النساء ترد عليه أوتستعمله إلا في حالات خاصة ..

3 دقائق