أحباب الكلتاوية أحباب الكلتاوية
الأسرة المسلمـــة

المرأة حقوق أكبر لا مساواة ظالمة (2)

10 دقائق قراءة 1,847 مشاهدة

جميع الناس يتمنون حياة كلها مباهج ومتع يبلغ الإنسان منها ما يريد، رجلاً كان أو امرأة، بكل حرية دون قيود ودون أضرار، ولكن الواقع ليس كذلك

المرأة
حقوق أكبر لا مساواة ظالمة
(2)

الدكتور محمود أحمد الزين


جميع الناس يتمنون حياة كلها مباهج ومتع يبلغ الإنسان منها ما يريد، رجلاً كان أو امرأة، بكل حرية دون قيود ودون أضرار، ولكن الواقع ليس كذلك: فالإنسان يفكر أن يكون أغنى الناس ويجتهد في ذلك، فلا ينال ـ في الغالب ـ إلا أقل مما يطمح فيرضخ للواقع. وكل رجل يتمنى أعجب النساء إليه، وكل امرأة تتمنى أعجب الرجال إليها، وأكثر الرجال والنساء لا ينالون ما يطمحون إليه فيرضخون للواقع، ولو ترك الناس يتزاحمون على الأموال بلا قيود، أو على سائر الشهوات لعمت الفوضى في الدنيا كلها، كالذي يكون في بعض البلاد أيام الثورات قبل أن ينتصر أحد الفريقين.


وكل جماعة وكل أمة تحاول أن تنظم حياتها، وغرض الجميع ـ عندما يكون المشرع نزيهاً، ليس ذا غرض شخصي ـ أن تتاح الفرص بالتساوي أمام الجميع، ويندفع أكبر قدر ممكن من الفساد، وإن أدى ذلك إلى الحد من الحرية في بعض الحالات، وهذا واقع يفرض نفسه. ففي كل قوانين الدنيا أمور ممنوعة في الاقتصاد، أو في العلاقات الاجتماعية، أو استعمال الدواء، أو غير ذلك، وكل من يضع هذه القوانين يقول: إن هذه الممنوعات مرادفها دفع الخصومات والمشاكل والأضرار.


والعلاقة بين الرجل والمرأة واحدة من أهم المسائل التي تحتاج إلى ضبط وتنظيم ـ كما مر بيان بعض ذلك ـ مهما اختلفت الأمم في الشروط، وأقل ما في ذلك هو التراضي. والتراضي وحده يحد الرغائب والمتع، فكثيراً ما يرغب أحد الطرفين في الآخر، ويأباه الآخر كل الإباء، وإذا تجاوزنا التراضي وجدنا أمراً آخر هو: الوفاء للشريك في الحياة الزوجية، فالخيانة الزوجية جريمة خلقية، وجريمة قانونية يعاقب عليها القانون في بلاد العالم المتحضر، وهي تحد من حرية المرأة المتزوجة، ومن حرية الرجل أيضاً، لكن الحد من الحرية في هذه الحالة ضرورة لا بد منها في نظر القوانين؛ لأنها تفتت الأسرة وتقلقها ، وتدمر علاقة الألفة بين الزوجين.


وهكذا يظهر لنا أنه لا بد من تقييد حرية الرجل والمرأة في العلاقة بينهما بقيود تدفع الفساد عنهما، وعن الحياة الإنسانية. هذا مبدأ إنساني واقعي عام.
وإذا كان دفع الفساد هو الأهم في القوانين ـ وإن أدى إلى شيء من تقييد الحرية ـ فلا شك في أن أفضل التشريعات هو الذي يؤمن المصالح الإنسانية، ويدفع عنها أكبر قدر ممكن من الفساد، فلننظر بهذا المنظار إلى الانتقادات التي ينادي بها خصوم التشريع القرآني في مسألة حرية المرأة.


فهذا التشريع في نظرهم قد خنق المرأة خنقاً، فألزمها القعود في البيت، ومنعها عن مخالطة الرجال فقال: {وقرن في بيوتكن} [الأحزاب/33] وخنق جمالها حين تخرج فقال: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} وشوه منظرهن حين يخرجن فأمرهن أن {يدنين عليهن من جلابيبهن}[الأحزاب/59] واعتبر مجرد النظر إليهن ممنوعاً {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور/30] {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور/31] وحتى الخروج للعمل ممنوع، فالعمل للرجل، والحكم على النساء للرجال {الرجال قوامون على النساء} [النساء/34] فأي عدالة وأي حرية بقيت للمرأة ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!‍ وأي مبدأ يقر ذلك ؟‍‍!


ونحب أن نقول لكل منصف: إن القضية ليست قضية شعارات براقة، ولكنها قضية مصالح تكتسب ومفاسد تجتنب، ولولا ذلك لكانت الحرية المطلقة بلا قيود أحق المبادئ بالاتباع، وقد تقدم في المقال السابق: أن الإباحية المتسترة باسم الحرية قد ملأت العالم الغربي بالأطفال المحرومين من الآباء والإخوة والأعمام، ومن الأمهات في كثير من الأحيان، وأن هذه الإباحية تنضح بالأمراض الجسدية فضلاً عن الأمراض الاجتماعية، وأن الرجل يهرب من مسؤولية الأبناء، والمرأة تحملها وحدها في مرحلة الحمل والولادة لزوماَ، وفي مرحلة الإرضاع والرعاية حتى سن الشباب إن لم يطاوعها قلبها بالتنازل عن فلذة كبدها، وأن الإسلام منع أي علاقة بين الرجل والمرأة تؤدي إلى الحمل حماية لها، وتقدم أن الأحق بالحماية هو الجانب الأخسر في العلاقة، وهو المرأة، وأن الأحق بالحماية هو الطرف الأضعف، وهو المرأة أيضاً.


وبقاء المرأة في البيت لرعاية أولادها وزوجها ليس سجناً؛ لأنه يحق لها الخروج ولقاء كل النساء، والرجال المحارم، كما يحق لها أن تخرج إلى أي مكان نظيف، وتتعامل مع الرجال على وجه لا يشكل عليها خطراً في العلاقة مع الرجال، والممنوع هو الخروج الذي يؤدي إلى الاختلاط بالرجال، بحيث يسهل العدوان عليها غصباً أو خداعاً أو انزلاقاً؛ لأن رغائب الرجل تتوجه إليها، ورغائبها تتوجه إلى الرجل، وفي بقائها في البيت عون لها على ذلك وعون للرجل على مباعدة العدوان عليها، بالإضافة إلى أن بقاءها في البيت مقاسمة لزوجها في أعباء الحياة، فهو للأعمال الخارجية، وهي للأعمال الداخلية ـ وما أكثرها ـ وهذه هي عملها الأنسب لها ولأطفالها، أما الخروج من البيت فيكون حسب ما تقتضيه الظروف الملحة.


وإمعاناً في هذه الحماية وفي العدالة بينها وبين زوجها وفي الرحمة بها من أن تضيف إلى مشقة الحمل والولادة والرضاعة وأعمال البيت مشقة العمل الخارجي ـ مع ما هي عليه من رقة الجسم ورقة القلب وغلبة العاطفة ـ أعفاها التشريع القرآني من العمل لكسب الرزق، وأوجب على زوجها أو أبيها، أو أي قائم من القوامين عليها أن ينفق عليها، فحق المرأة في الإسلام هو هذا .
وأما شعار حق المرأة في العمل فهو شعار براق، كسوا به إرهاق المرأة بجمع متاعب العمل الخارجي إلى متاعب عمل البيت ومتاعب الحمل والولادة، كأنهم يقولون: حق المرأة هو كثرة المتاعب، وكل ذي عقل سليم يعلم ”الحقوق مكاسب لا متاعب“.


ولذا قلت: إن حق المرأة في الإسلام هو ترك العمل، وحقها في ترك العمل لا يعني أنها لا تملك شيئاً، وليس لها مال إطلاقاً، فالمرأة في الإسلام ذات ذمة مالية مستقلة كذمة الرجل تماماً، وليس له عليها وصاية في مالها ما دامت سوية التصرف، وكذلك لا يعني حقها في ترك العمل أن تكون ذليلة مهينة عند زوجها بسبب إنفاقه عليها؛ لأن حقها في النفقة واجب عليه لقاء تفرغها له ولأولاده، وليس صدقة عليها وتفضلاً، وهي غير ملزمة بخدمته وخدمتهم، لكن إذا شاءت أن تقوم بشؤونه وشؤونهم في المنزل تطوعاً منها ومودة وتعاوناً مع زوجها ورقة على أولادها فهذا فضل منها، وفي هذه الحالة لا تكون العلاقة علاقة محاسبة على المال بين الطرفين، بل يكون الود هو السائد، والعطف هو الذي يسير الأمور، فيقدم لها الزوج مقابل ذلك التوسعة في العيش أو التوسعة في الهدايا، أما إذا لم تقم بخدمة بيتها فلا يجب لها عنده من الطعام والشراب واللباس إلا قدر الحاجة الأساسية، أي قدر ما تعيش به دون مشقة، ولا حق لها في التوسعة إلا أن يتبرع الزوج بذلك.


وهذا ليس هو الأصل في التعامل الزوجي، إنما يكون في الحالات الطارئة عند الخلاف، وعند تمسك كل منهما بحقه كله، واقتصاره في أداء حقوق شريكه على الواجب فقط، وحالة الود والتعاون والتعاطف هي الأصل كما صرح بذلك القرآن الكريم فقال: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم/21].


وشعار حق المرأة في العمل ولد في المجتمع الغربي حين كانت المرأة لا تجد من ينفق عليها، ولا يحق لها أن تعمل، كما أن شعار مساواة الرجل والمرأة ولد هناك، حيث كانت المرأة تعتبر إنساناً ناقصاً بناء على نظريات أكاديمية أرادوا إلغاءها وإلغاء ما ترتب عليها من معاملة في مجتمعاتهم وقوانينهم.


وحق المرأة في العمل حسب الشريعة القرآنية مضمون حين تحتاج إليه، ولا يكون عندها من يقوم بأمرها فهو حالة استثنائية، أو حين تختار هي أن تعمل ـ دون إلزام ـ وتخدم مجتمعها في مجالات العلم والرقي حتى ميدان الجهاد، كما فعلت الصحابيات @ مع الستر والحشمة ووجود المحارم، لكن على ألا يكون فيه خلوة بالرجال تتعرض من خلالها للعدوان أو الانزلاق، وعلى ألا تكشف لهم مفاتنها فتسوقهم إلى ذلك عمداً أو جهلاً، وهذا يكشف لنا أن مسألة الحجاب ـ من جملة قضية المرأة ـ نوع من الحفاظ عليها وعلى مجتمعها، وهي من حقوقها لا من مميزات الرجل عليها، كما يخبأ الجوهر ولا يعرض على الأنظار خوفاً من السارقين مهما قلوا، فهو حفاظ عليها؛ لأن كشف المفاتن يغري الرجال بها حسب الميل الغريزي إلى الأنثى، فيسعون إلى التمتع بها، ولو كان ذلك يقتصر على طريق الزواج لم تكن هناك مشكلة كبيرة، ولكن الحقيقة التي أثبتها واقع المجتمعات غير الإسلامية وواقع المجتمعات الإسلامية التي انساقت وراءها هو: أن الرجل في الأكثر يحاول أن يحصل على رغائبه منها دون مسؤولية، فتكون المرأة هي الشريك الخاسر، عدا خسارة الطفل نفسه.


أما وسائل منع الحمل ـ التي يزعم المتعصبون للإباحية أنها تحل المشكلة ـ فلو سلمنا لهم أنها تنجح في منع الحمل لكانت بقية الأضرار الصحية والاجتماعية تدعو إلى منع العلاقة الإباحية، ولكن موانع الحمل تفشل كثيراً، وتحول دون الاعتماد عليها موانع كثيرة صحية فيقع الحمل المحذور.


وهناك خسارة لكل امرأة في المجتمع، فالجميلة مرغوبة للجميع يتزاحمون عليها، فيختصمون، وفي الخصومة خسارة المجتمع فوق خسارة تلك المرأة، وتخسر كل امرأة يقل نصيبها من الجمال، حيث لا يرضى بها زوجها فتحرم حبه ورغبته، ويخسر هو بالقلق؛ لأنه لا يستطيع أن يحصل على كل ما يريد من أولئك الجميلات.


من أجل ذلك كله شرع الله تعالى الستر للمرأة فصانها فرداً وصانها نوعاً ـ أي كل النساء ـ وصان أطفالها، وصان الرجال. وقد اعتمد بعض خصوم الإسلام على السفسطة حين قالوا: ولماذا وجب الحجاب على المرأة دون الرجل ؟ أليس هذا ظلماً ؟ نقول لهم: تذكروا أن المرأة هي الخاسر الوحيد في حالة العدوان، والحماية يحتاجها الذي نخشى عليه الخسارة، لا سيما إن كان أضعف من الطرف الآخر معرضاً لعدوانه، والحجاب أسلوب من أساليب الحماية، وإن كان أصل الاعتماد في ذلك على التربية الدينية والخلقية، التي تعلم المرأة ما ينفعها وما يضرها، وتحاسبها ـ كما تحاسب الرجل ـ على خطيئة الزنا أشد الحساب في الدنيا والآخرة. وفرض الحجاب عليها يتناسب مع مهمتها الأساسية، وهي رعاية الأسرة، ولا يتناسب مع مهمة الرجل الأساسية وهي العمل خارج البيت.


ترى أيهما أحق بالانتقاد إذا وزنت الأمور بميزان تأمين المصالح ودفع المفاسد، لا بميزان الشهوات الهوجاء، التي لا تبالي بتدمير الحياة الإنسانية ؟ التشريع الذي يخفف أعباء العمل عن المرأة، ولا يكلفها إلا بما يناسب طبيعتها الرقيقة، ويصونها من العدوان والانزلاق وراء المخادعين الذين يشاركونها المتعة ويتركون لها المتاعب والمسؤوليات أم هؤلاء الناقدون أحق بالانتقاد ؟؟؟ وللحديث بقية تأتي، إن شاء الله.

اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

الأسرة المسلمـــة

أبناؤنا

للتربية مكانة سامية في حياة الإنسان، بل إن الإنسان يفقد كثيرا من المعاني الإنسانية إذا غاب عنه المربي، من هنا فإن الوقوف على معالم التربية الصحيحة يجعل المربي على بصيرة من أمره وسأقف هنا على بعض المعا...

6 دقائق
الأسرة المسلمـــة

لمحات في المنهج النبوي التربوي

التربية هي تعهّد الإنسان في مراحل حياته حتى يبلغ حد الكمال في أخلاقه وسلوكه وعاطفته. أو هي عملية توفير الفرص الملائمة لنمو الفرد نموّاً متكاملاً في جميع نواحي شخصيته الجسمية والعقلية والعاطفية والاجتم...

18 دقائق
الأسرة المسلمـــة

التلفزيون بين الأمس واليوم

في منتصف القرن الماضي كانت معظم الأسر المحافظة في سوريا وفي حلب بصورة خاصة لا تدخل الهاتف إلى البيوت وإذا اضطرت إليه فقلما كانت النساء ترد عليه أوتستعمله إلا في حالات خاصة ..

3 دقائق