أحباب الكلتاوية أحباب الكلتاوية
القرآن والحديث الشريف

أسلوب القرآن الكريم نسيج وحده

3 دقائق قراءة 2,675 مشاهدة

القرآنُ الكريم يؤدّي الفكرةَ ويوضحها كاملةً من جميع نواحيها من دون تكلّف وتقعُّر ،

أسلوب القرآن الكريم نسيج وحده

بقلم الدكتور محمود فجال

                                   


القرآنُ الكريم يؤدّي الفكرةَ ويوضحها كاملةً من جميع نواحيها من دون تكلّف وتقعُّر ، فهو سهلٌ في نظمه وأسلوبِهِ ، ممتنعٌ في محاكاتِه ومجاراتِه ، يحيطُ بالمعنى إحاطةَ السوار بالمعصم ، بدقةٍ متناهيةٍ ، وأسلوبٍ شيّق أخّاذ .
اقرأ معي قولَه - سبحانه - يحكي دعاءَ سيدنا إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ربَّه أن يرغب الناس في بيت الله الحرام ، ويُعَطِّف قلوبَهم على أهله :
﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ ( إبراهيم :37 ) .
تأمل - أيُّها القارئ - كلمةَ « تهوي » مضارع « هَوَى » ، وفكِّر في أن تجعلَ مكانها كلمةً أخرى تُؤَدِّي دورها ، ككلمة « تمـيل » أو « تحبّ » أو غيرهما ، فإنّك لا تجـدُ ؛ لأنّ لفـظةَ « تهوي » خفيفةٌ في نطقها ، لطيفـةٌ في جرسها ، عذبةٌ على السمع ، وأما المضمون فهي تفيدُ معنى الانجذاب ، وتوحي بمعنى السرعة والشوق مع التجدد ، فهي كالحجر المنحدر المسرع في سقوطه منجذباً نحو الأرض ، كقول امرئ القيس :
كجُلمودِ صخرٍ حَطَّهُ السَّيلُ من علِ
وجاء لفظ « الأفئدة » لإرادة أن يكون مسيرُ الناس إلى ذريته عن شوق ومحبة ، حتى كأنّ المسرعَ هو الفؤادُ لا الجسد ، فلما ذكر « الأفئدة » حسـن بيانه بأنهم من الناس ، و « مِن » بيانية ، والمعنى فاجعلْ أناساً يقصدونهم بحبّات القلوب .
وهذا هو المعنى الذي يَحُسُّهُ مَنْ أكرمه الله - عز وجل - وشرَّفه بأن تطأ قدماه تلك الأماكنَ الطاهرة ، وتنظرَ عيناه إلى أماكن نزول الوحي ، وتكتحلَ أجفانُه بالنظر إلى بيت الله الحرام ، وهو يتيه جمالاً ودلالاً .
هذا هو المعنى الذي يفهمه من شرّفه الله - تعالى - ببيته العتيق مناجياً ضارعاً ، أوّاباً خاشعاً لله ربِّ العالمين ، فهو طائرُ الفؤاد ، وقد غلبه الشوق ، ولا يحيط بشعوره وإحساسه عبارة ، ولا يمكن أن تُصوِّر غمرتَه كلمةٌ كما تصوره كلمةُ « تهوِي إليهم » .


فما أعظمَ التأملَ في آيات الله ! وما أحسنَ العيشَ في رحاب كتاب الله !


جعلني الله وإياكم ممن نذروا أوقاتهم لفهم كتابه ،

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

 

اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

القرآن والحديث الشريف

حديث لاعدوى ولاطيرة

حديث (لا عدوى) حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم عن غير واحد من الصحابة، أبي هريرة، وابن عمر، وأنس، وجابر. رضي الله عنهم. وفي أحد ألفاظ البخاري عن أبي هريرة - في نفس الحديث -: وفِرَّ من المجذوم كما تفر من...

4 دقائق
القرآن والحديث الشريف

العرب وأحاديث الفتن والملاحم

حكمة الله في عباده، وسنته في خلقه التدافع ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. [البقرة: 251] وخلق الحق والباطل، وجعل لكلٍّ أتباعًا وأنصارًا ليبلوهم، وجعل الثبات...

193 دقائق
القرآن والحديث الشريف

إعجاز الصورة القرآنية

قوله تعالى: { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } بضع عشرة كلمة ليست في مقام الوصف أو الغزل الذي تكثر فيه الصور الماتعة وتحلو إنما جاءت في مجال العقيدة والت...

4 دقائق