أحباب الكلتاوية أحباب الكلتاوية
العالم الإسلامي

آداب المسجد

12 دقائق قراءة 2,282 مشاهدة

إن محبة المساجد والتعلق بها ووالفرحة برؤية منازلها وقبابها والسرور بعماراتها وكثرتها، والاهتمام بتعظيمها وشئونها كل ذلك من علامات الايمان وامارات اليقين

آداب المسجد

الباحث الشيخ : عبد الله سالم

 

* تعريف وتشريف:

المسجد لغة: مكان السجود.

واصطلاحا كما قال الزركشي : المكان المهيأ للصلوات الخمس..

وأول مسجد وضع على الارض المسجد الحرام بمكة كما قال تعالى:{ إن اول بيت وضع لناس لَلذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين} آل عمران /96 وهو أشرف المساجد على الاطلاق إلى يوم الدين ..

وقد جاء الأمر ببناء المساجد تعظيما لله سبحانه في آيات واحاديث كثيرة منها قوله عز من قائل{ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} النور/36 ،  وفي الصحيحين أن عبيد الله بن مسلم الخولاني سمع عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول عند قول  الناس فيه حين بني مسجد النبي صلى الله عليه وسلم : إنكم أكثرتم ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها) وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لتكن المساجد مجلسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إن الله عز وجل ضمن لمن كانت المساجد بيته الأمنَ والجواز على الصراط يوم القيامة..)

هذا الاهتمام الكبير يعكس المقام الرفيع والمنزلة العالية التي تحتلها المساجد في الاسلام وبين المسلمين... ولعل من ابرز الاهتمام الكثيرة تلك الجملة الوافرة في الآداب المتعلقة بالمساجد مما يفترض في كل مسلم أن يعمل بها ويتخلق وذلك النحو التالي:

 

تعليق القلوب بالمساجد من علامات الإيمان:

 

إن محبة المساجد والتعلق بها ووالفرحة برؤية منازلها وقبابها والسرور بعماراتها وكثرتها، والاهتمام بتعظيمها وشئونها كل ذلك من علامات الايمان وامارات اليقين التي صرحت بها الآية الكريمة:( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) التوبة/18 بل هو من موجبات الرحمة يوم الحساب إذ يُظل عرش الرحمن أناساً تميزوا بمزيد الايمان وحسن العمل منهم كما قال صلى الله عليه وسلم (مما روي في الصحيحين) :( ورجل قلبه معلق بالمساجد)  ، وفوق هذا فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم (أن نشهد لرواد المساجد وعمّارها بالايمان وذلك في قوله:( إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالايمان) رواه الترمذي وابن ماجه.

وبلغ الأمر من الأهمية أن استحب النبي صلى الله عليه وسلم  ان يكون لكل مسلم مسجد في بيته ـ غير المسجد الذي يجمع اهل الحي ـ  ففي سنن أبي داود والترمذي وغيرهما  عن عائشة رضي الله عنها قالت:(أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب) وهذا وإن كان يحمل على المسجد وسط البيوت إلا أنه يحمل أيضا على اتخاذ المساجد ـ إن تيسر ـ في جزء من البيت ليتفرغ فيه المسلم للتعبد خاصة وقد أثر ذلك عن بعض الصحابة وغيرهم.

وتستلزم محبة المساجد: الغيرة عليها والحمية لكرامتها والغضب لتجرؤ بعض السفهاء من اليهود أو الهندوس او المسيحيين او غيرهم على انتهاك حرماتها حينا وهدمها حيناً آخر ، وما حادثة مسجد (البابري) في الهند وصور رعاع الهندوس وهم يهدمونه عنا ببعيد.

 

* إقامة الصلاة.. الهدف الأول للمساجد:

 

من أعظم آداب المسلم المحافظة على الصلوات الخمس في المسجد مع الجماعد فقد ورد الحث على ذلك والتأكيد عليه والتحذير من التهاون فيه لسبب او لآخر ، قال تعالى عن بيوته  التي امر أن تشاد وترفع { يسبح له فيها بالغدو والآصال ، رجال لاتليهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة} النور /36-37 وقال صلى الله عليه وسلم( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة) اخرجه البخاري وقال صلى الله عليه وسلم :( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح) اخرجه البخاري.

قال سعيد بن المسيب: إن لزوار المساجد من عباد الله اوتادا جلساء وهم الملائكة ، فإذا  فقدوهم  سألوا عنهم فإن كانوا مرضى عادوهم وإن  كانوا في حاجة أعانو هم ، ومن الطبيعي ان المداومة على المسجد تجمع مع أداء الصلوات جماعة ـ ذكر الله قراءة القرآن واستماع الدروس ولقاء الأحباب وغير ذلك من الفوائد الدينية والدنيوية الجمة.

 

تنزيه المساجد عما لايليق بها:

 

ويحافظ المسلم بكل ما اوتى من قوة على أن ينزه المساجد عن ان تكون موطنا لما لا يناسبها ، وقد اشار العلماء الى طائفة من تلك الأمور التي لا تناسب المسجد:

فمنها : البصاق والمخاط في المسجد وكذا سائر الفضلات لقوله صلى الله عليه وسلم (البصاق في المسجد خطيئة) رواه احمد والنسائي ، ومن باب أولى سائر النجاسات التي ينبغي على المسلم إبعادها عن المسجد وحيطانه الداخلية والخارجية وساحاته الخاصة ومبانيه الملحقة به.

ومنها : إخراج الريح في المسجد ولو خارج الصلاة لأن المساجد ـ زيادة على كونها مجمع المسلمين ـ مواطن  الملائكة وهي تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم وإيذاء المسلمين والملائكة مناف للآداب الإسلامية.

ومنها :الحيلولة دون دخول المجانين والصبيان والبهائم وكل مالا يعقل او كل من يؤذي إلى داخل المسجد ، وقد ورد في المعجم الكير للطراني عن أبي أمامه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وأصواتكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم).

ومنها: إبعاد الروائح الكريهة عنها وهذه الروائح تشمل رائحة الثوم والبصل والدخان والكراث والبقول والعرق ودورات المياه وروائح الطبخ وكل ما ينفر الناس ويؤذيهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين الثوم والبصل فلا يقربن مصلانا" أخرجه مسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم  يأمر باخراج صاحب ريح الثوم والبصل من المسجد ، بل ندب الناس إلى استبدال ثياب مهنتهم وعملهم إذا جاؤوا الى العيد والجمعة بثوبين نظيفين ، وأمر بتجمير المساجد وتطييبها بين الحين والآخر

ومنها: تنظيفها من الأوساخ كالأتربة والغبار وما يلقيه الناس من مخلفات فتلك أشياء تزال من المسجد ، ولمن فعل ذلك أجر عظيم ، فقد كانت امرأة سوداء تقمّ المسجد أي تنظفه فماتت بليل، فما أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم  بها ، فرآها في المنام في الجنة ، فلما أصبح سأل عنها فأخبر بموتها ، فمضى حتى وقف على قبرها فصلى عليها. أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه ، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتبع غبار المساجد بجريدة.

ومنها : تقليم الأظافر وتنظيفها أو قص الشعر في المسجد، فقد نص مالك رحمة الله على كراهته لحرمة المسجد

ومنها:أن لاتتخذ المساجد منتدى لمجالس اللغو ورفع الصوت وغيبه الناس والوقيعة فيهم ، فقد فعلت مثل ذلك امرأتان في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم ان تقيئا ، فقاءتا دما أسود ولحماً عبيطاً حتى ملأتا طستا. رواه احمد ، وفي مصنف ابن ابي شيبة ان عمر رضي الله عنه سمع رجلا رافعاً صوته في المسجد فقال: أتدري أين أنت؟  بل إن مالكا رحمه الله كره رفع الصوت في المسجد بالعلم وذلك خوفاً من التشويش على المصلين أو الذاكرين.

ومن باب أولى لايجوزأن تستغل المساجد لبعض الحرف كالخياطة وغيرها من الصنائع كما نص عليه الزركشي نقلا عن ابن الصباغ.

 

·      لابأس من تعويد الأبناء الواعين على المساجد:

 

إن النهي الوارد في الحديث عن دخول الصبيان المساجد لايمنع المسلم من تعويد أبنائه الواعين المدركين التردد على المسجد وذلك لأن النهي قصد به الحفاظ على حرمة المساجد من عبث الصبيان وهزلهم وفضلاتهم ، فإذا ما صحب الأب بنيه إلى المسجد وحافظ عليهم وراقبهم امتنع ذلك المحذور ، وحصل تعويد البناء على محبة المساجد وحرمتها وإيلافها، وهو من الضروريات التي ينبغي تربية الأبناء وتعويدهم عليها ، وقد كان أبناء الصحابة كابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن وغيرهم رضي الله عنهم لاينقطعون عن المسجد النبوي الشريف : يحضرون الصلوات ويستمعون الخطب ويحفظون القرآن والحديث.

 

* أدعية الدخول والخروج وأذكار المعتكف:

ومن أدب المسلم في المسجد أنه إذا دخله دخله بهدوء وسكينة ، ذاكرا الله سبحانه بقوله : " اللهم صل على سيدنا محمد ، اللهم افتح لي أبواب رحمتك"رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة ، ثم يعمد بعد ذلك مباشرة  وقبل الجلوس إلى صلاة ركعتين  تحية المسجد ثم يجلس ينتظر  الصلاة بخضوع ومراقبة لله سبحانه فهو في بيته وضيافته، فإما أن يذكر الله او يستغفر ، أو يقرأ القرآن ، أو يطالع كتب العلم أو نحو ذلك ، فكل ذلك عبادة وأي عبادة .. إنه صلاة مأجورة وقربة محببة ، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري :(إن الملائكة تصلي على أحدكم  مادام  في مصلاه الذي صلى فيه مالم يحدث، تقول : اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) أخرجه البخاري وفي رواية :(لايزال أحدكم في صلاة ماكانت الصلاة تحبسه لايمنعه ان ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) أخرجه مسلم.

 ومقتضى اشتغال المسلم بالعبادة والمراقبة طيلة بقائه في المسجد أنه لا يلتفت إلى شيء آخر من غير ذلك الشأن، ولا يدع نفسه تتدخل في شؤون غيره، سواء كان مصلياً أو عاملاً في المسجد أو غير ذلك.. فمن غير اللائق تدخل المصلى في فتح النوافذ او تحريك المراوح،أو ضبط صوت(الميكرفون) أو العبث بأجهزة التكييف أو إطفاء الأنوار، أو غير هذا وذاك، مادام هناك من موظفي المسجد من يقوم نيابة عنه بما يصلح المسجد. إذ أن تدخل المصلين لايكون اولا على وجه واحد متفق عليه غالبا ، كما انهم قد لايحسنون التصرف في بعض الأجهزة أو الأدوات .. وقد رأينا من ذلك في المساجد العجب العجاب  ، وكذلك فإن من مقتضيات الاشتغال بالعبادة في المسجد أن لا يهتم المصلى بمكان بعينه ، او مصحف معين  ، أو حاجة ما فيتصور  انها له دون سواه ، فالمسجد مشاع للجميع وليس لأحد فيه بأكثر مما لغيره فيه ، ومن سبق إلى ما لم يسبق اليه فهو أحق به ، وعلى الذين يرغبون بالصف الأول مثلاً ان يأتوا مبكرين لا أن يتخطوا رقاب المصلين ، فقد نهى عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال للمتأخر المتخطي :(اجلس فقد آذيت وآنيت) اخرجه أبو داود والنسائي.

فإذا أراد المسلم الخروج من المسجد خرج وقلبه مشتاق للعودة اليه ، ويقدم رجله اليسرى في الخروج ويقول :" اللهم صل على سيدنا محمد . اللهم إني أسألك من فضلك". رواه الترمذي وأحمد بن ماجه.

*جيران المسجد.. سدنه مؤتمنون:

يتوجب على جيران المسجد توفير حرمته وتأمين حشمته حتى تكون العلاقة الطيبة بينهم وبينه متبادلة ، فكما أنه يشفع بهم كما جاء في بعض الاثار ،فإن للمسجد عليهم حقاً في عدم إزعاج المصلين فيه بالاصوات العالية خاصة في الأفراح ، أو بالروائح المستقذرة خاصة من المجاري ، او في مواقف السيارات المخصصة للمصلين ، او في مراقبة المسيئين إليه بسرقة بعض أشيائه كأحذية المصلين ونحو ذلك .. فجيران المسجد هم سترته الواقية وسدنته القريبون وأهله الموكلون به، واولى الناس بشئونه وشجونه.. ولهم كذلك على المسجد ان لايكون سببا في مضايقتهم  او إحراجهم في نومهم وراحتهم وخاصة فيما يتعلق برفع صوت المكبرات في غير الاذان... فذلك مما أفتى أهل العلم بكراهته.

 

المسجد حاليا ... وظروف متغيرة:

 

ومن الواجب على المسلم تجاه المسجد مراعاة ظروفه الحالية المختلفة عن أوضاعه السابقة ، فقد كان المسجد في الماضي بلا فرش ولا ابواب ، يستخدم أحيانا للنوم وللاكل وللقضاء وتدبير الجيش واستقبال الوفود ، ولكنه اليوم يختلف في كثير من أموره عما سبق... فهل ياترى لايزال بعضهم يستحسن الصلاة فيه في النعال ؟ أو يرى ان منع النوم فيه وطبخ الطعام في أنحائه مخالف للسنة ؟ او أن إغلاقه بعد الصلوات او ليلاً خوفاً على أملاكه وأمتعته من البدع النكرة ؟ او ان منع غير العلماء المعروفين من الحديث والخطبة أمر لادليل عليه؟‍‍‍‍‍‍‍

إن في المساجد اليوم فرشاً من أحسن الأنواع ، وفيها متاع وأدوات نفيسة تطمح إليها نفوس شريرة ، وإذا تركت دون باب وقفل ونظام وضبط وملاحظة وإدارة أوشك أن يتسلط عليها أصحاب الأهواء أو يبعث بها السفهاء أو يؤول امرها الى الخراب.

 

حسن المعاملة ولين الجانب:

 

ومن آداب المسلم حسن التعامل مع الآخرين  فيه ، حتى إنه ليلين لهم جانبه  ويخفض لهم جناحه ويطيب  لهم كلامه ، كما قال عليه السلام :( لينوا في ايدي إخوانكم ) رواه أحمد ، وكما ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم مثلا من نفسه حينما جاء اعرابي حديث الاسلام ، فبال من ناحية المسجد ، فهم به الصحابة ان يضربوه ، فقال عليه السلام( لا تزرموه دعوه ثم دعا بذَنوب من ماء فصب عليه ، ثم دعا به فقال له : ان هذه المساجد لا تصلح لشيء من أقذار الناس إنما هي للصلاة والذكر وقراءة القرآن) رواه مسلم وأحمد.

وهكذا يكون المسلم إذا نصح أحدا أو استفسر منه عن أمر أو أراد إصلاح مايرى  أنه من مصالح المسجد ... يكون رفيقا هينا لينا اقتداء منه بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم

 

اقرأ أيضًا

مقالات ذات صلة

العالم الإسلامي

شرُّ الخطباءِ مَنْ لا يُنْتَفَعُ بعلمِه

إذا كان الخطيب لا يحاول توضيح حكم شرعي، او حل مشكلة، او معالجة امر فيه صلاح العباد والبلاد، او تتبع أخطاء المجتمع ليدرسها ويبين فسادها متحلياً بالحكمة والدقة من دون إثارة أو تهويل او فتنة، فقد أضاع ال...

2 دقائق
العالم الإسلامي

تأثير الخطبة الصادقة في النفوس عظيم

حينما يكون الخطيب ذا سمت حسن، وخلق رفيع، وعاملاً بعلمه، ومتميزاً في خطبته، ونافعاً لجمهوره، حسن الأداء، يتكلم بكل مفيد، تجد الناس يتزاحمون على حضور الصلاة في مسجده، لسماع خطبته، ويحضرون إلى المسجد في...

2 دقائق
العالم الإسلامي

غزة المجاهدة

مازال العدوان الإسرائيلي متواصلاً على شعبنا في غزة المجاهدة , لا جهاد أكثر تعبيراً عن ملامح الجهاد كجهاد شعب فلسطين ضد من اغتصبوا أرضه وطردوه منها وأقاموا فيها مستوطنات جعلوها حصوناً لهم..بالرغم من جر...

2 دقائق