أحباب الكلتاوية أحباب الكلتاوية
الشيخ ياسين بن عبد الرحمن الحيدري الأويسي رحمه الله
من أعلام الكلتاوية

الشيخ ياسين بن عبد الرحمن الحيدري الأويسي رحمه الله

العائلة الحيدرية الأويسية من العوائل الكبيرة في مدينة حلب وأريافها، فآثارهم في منطقة باب النيرب بمدينة حلب تدل على تاريخهم القديم في هذه المدينة مثل: جامع الطرن...

الشيخ ياسين الأويسي

رحمه الله

1345 - 1440هـ/ 1927 – 2019م


ترجمة الشيخ ياسين ويسي -رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج2 صفحة 433).

العائلة الحيدرية الأويسية من العوائل الكبيرة في مدينة حلب وأريافها، فآثارهم في منطقة باب النيرب بمدينة حلب تدل على تاريخهم القديم في هذه المدينة مثل: جامع الطرنطائية، وزاوية الشيخ حيدر، ومنطقة الحيدرية التي سميت بأسماء ذرية العائلة الحيدرية الأويسية إذ كانت مسكنهم في حلب، ودفن العديد من شيوخهم وأجدادهم في حي باب النيرب.

جاء الشيخ محمد ويس الملقب بالهَمَل يومًا ليدعو العارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان -رضي الله عنه- لبيته في الحيدرية ومعه الشيخ علي عمر المحمد -رحمه الله- وكان وقتها طالبًا في الكلتاوية، فقرعوا باب بيت سيدنا، ففتح الباب وسلما على سيدنا وقبلا يده، ثم دعا الشيخ محمد ويس الهمل سيدنا فاستجاب السيد للدعوة واتفقا على الموعد، وانصرف الداعي (الشيخ الهَمَل) وبقي الشيخ علي واقفًا مع سيدنا -رضي الله عنه-  فقال السيد للشيخ علي: «أنا لا أحب أهل الحجب الذين يكتبون الحُجُب إلا هذا يعني الشيخ الهَمَل فإنه رجل صالح».

وحضر الشيخ علي عمر المحمد الدعوة مع سيدنا وكان في المجلس ضرب دفوف، ومن جملة من كان يدق على الدفوف والد الشيخ ياسين، وأنشد الشيخ ياسين وقتها بعد أن أمره سيدنا بذلك فقال: 

يا إلهي   يا معين     العاجزين              بالنبيِّ الطاهر الهادي الأمين([1])

يسِّر    الأمر   وفرِّج     كربنا               واكفنا يا ربِّ شرَّ الظالمين

والتفت السيد إلى الشيخ علي عمر المحمد وكان قريبًا منه وقال له: أنتم الويسات رفاعية؟ قال له: هكذا يقولون.  فقال السيد -رضي الله عنه-  للشيخ علي عمر المحمد «لأنه حضر السيد أحمد الرفاعي لكن ما أعجبته الدقة».

والشيخ النسّابة محمد الويس) الملقب بالهمل) كان قد جمع أنساب الويسات في كتاب أسماه «الدرر البهية في اﻷنساب اﻷويسية الحيدرية» وطلب من سيدنا التوقيع على صحة النسبة والنسب، فوقع عليه سيدنا -رضي الله عنه- ثم أخذ الشيخ الهمل توقيعات جل علماء حلب.

اسمهوولادته:

 هو الشيخ ياسين ابن الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ حسن ابن الشيخ حيدر الحيدري الأويسي الحسيني.

ولد الشيخ ياسين في قرية حربل-منطقة عزاز- عام 1927م، لكن الأصل كما ذكرنا من مدينة حلب حي باب النيرب إلا أن والده الشيخ عبد الرحمن سكن في قرية حربل كإمام فيها. 

نشأته:

نشأ الشيخ ياسين في بيت علم وطريقة، وربي على حب آل البيت والأولياء، فوالده الشيخ عبد الرحمن إمام وخطيب جامع قرية حربل، فربّى ولده ياسين كما ربّى إخوته على محبّة النبي وصحبه وأهل بيته ومن سار على نهجهم من بعدهم، ووالدته عيوش الأويسي كانت متعلقة بآل البيت وأحباب الله، قال عنها السيد النبهان: «أمك ياشيخ ياسين صادقة في حياتي وبعد مماتي» قال الشيخ ياسين: فعرفت أن أمي ستعيش بعد انتقال سيدنا. وكانت -رحمها الله- تحرص على حضور دروس السيد النبهان.

في هذه البيئة المباركة نشأ الشيخ ياسين فعلّمه والده مبادئ القراءة والكتابة، وقرأ عليه القرآن.

ثم صحب عددًا من علماء منطقته أمثال: الشيخ عبد السلام الحِرْبِلي، والشيخ مصطفى الحَمُو، والشيخ محمد خير المارعي، وغيرهم، ثم أخذ أوراد الطريقة الرفاعية من جده الشيخ عبد الله الحيدري.


البحثعنالمرشد:

ولمّا كان في السادسة عشر من عمره قرأ كتاب «البرهان المؤيّد» للعارف بالله سيدنا الشيخ أحمد الرفاعي-رضي الله عنه-، فعلم أنّ لكلّ وقت مجددًا، يجدد لهذه الأمة أمر دينها، سائرًا على نهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أحواله وأقواله وأفعاله، فراح يبحث عن هذا الرجل، متنقّلًا من شيخ إلى آخر، باحثًا عن صاحب الوقت، فأخذ الطريقة الرفاعيّة من جدّه الشيخ عبد الله الحيدري أكبر شيخ في الويسات يومئذ، وبعد مدة توفي جده وشيخه فعاوده البحث فرأى في المنام الحبيب الأعظم -عليه الصلاة والسّلام- واقفًا في عتبة زاوية والده، فسأله مقسمًا: أقسمت عليك بالله أأنت محمد بن عبد الله؟ فأجابه: نعم. ثمّ كرّر مقسمًا: أأنت محمد رسول الله؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم: نعم. فسأله: من صاحب هذا الوقت؟ فقال - عليه الصلاة والسّلام-: الشيخ محمد النبهان. فذهب إلى العارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان -رضي الله عنه-  وذلك عام 1952م.

قال الشيخ ياسين، رحمه الله: «وأول ما رأيت سيدنا كان هو في الجهة الأخرى من الشارع، فرأيته وأُخِذتُ به وحال بيننا حافلة البلدية وإذ بي أراه أعلى الحافلة  -رضي الله عنه-  فلم تحل الحافلة بيننا.

 جئت إلى السيد -رضي الله عنه-  مع الحاج حسين عبد الحي -رحمه الله- فقال سيدنا: شيخ حسين من هذا رفيقك؟ قال له: سيدي هذا اسمه ياسين، فقال سيدنا: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (يس 1-3) فطرب بها الحاج حسين وقفز من شدة فرحه.

سألت الشيخ ياسين-رحمه الله-كم كان عمرك حين جئت إلى سيدنا؟  

فقال: العمر الذي أمضيته قبل سيدنا رميته وطرحته، لا أذكر منه شيئًا أبدًا، هل عندنا عمر غير العمر الذي فيه سيدنا؟! كببته، لا أريده، أريد سيدنا، كنت أقول له: ياسيدي أنا عاجز عن شكر الله، اشكر الله عني. فيقول لي: أشكر لك الله. قلت له: لو أنني جئت بعد أو قبلك بخمسين سنة فإيش يطلع بيدي! الله بعثني معك فاشكر الله لي، فيقول لي: أشكر لك الله.

الحق يقال: الحقيقة لا تموت لذلك أنا أقول: شيخي ما مات بل ما فارقته أبدًا، وما غاب عني حتى أبحث عن غيره.

 امتنّ علينا بسيدنا -رضي الله عنه-، وسيدنا معنا لا يضيعنا». 

طلبهالعلم:

وجَّهَهُ سيدنا الشيخ محمد النبهان إلى طلب العلم الشرعي، وكان الشيخ ياسين
 متزوّجًا وعنده أربعة أولاد، فانتسب إلى معهد العلوم الشرعية في حيّ الفرافرة بحلب، وتخرج فيه عام 1959م، وكانت الدراسة وقتها مدتها سبع سنوات، كان من شيوخه فيه:

الشيخ محمد أسعد العبجي، والشيخ أبو الخير زين العابدين، والشيخ عبد الرحمن زين العابدين، والشيخ عبد الله سراج الدين، والشيخ أحمد شهيد. رحمهم الله جميعًا.

وكانت له غرفة صغيرة في الكلتاوية يخلو ويدرس فيها، ضمت بعد ذلك إلى بناء المدرسة الكلتاوية القديمة، قال لي، رحمه الله: وكنت أتتبع آثار سيدنا فأحرص على السكن في الغرف التي سكن فيها سيدنا مثل جامع الإسماعيلية والحموي وباب الأحمر وغيرها فقد سكن في غرفة سيدنا في جامع الحموي حوالي خمس سنوات.


الشيخ ياسين الويسي والأستاذ الدكتور محمود فجاَّل (رحمهما الله)

دعوته:

 بعد ذلك كان سيدنا الشيخ محمد النبهان يبعثه إلى القرى ليخطب الجمعة، ويلقي الدروس الشرعيّة، ويبيّن للناس مسائل الحلال والحرام، ثمّ أرسله بعد ذلك إلى بلدة (أبو الظهور (، فأقام مسجدها الكبير تحت إشراف شيخه السيد النبهان، وأقام فيه الشيخ ياسين إمامًا وخطيبًا وداعيًا، فهدى الله على يده كثيرًا من الناس، وانتشر الحجاب الشرعي(تغطية الوجه والكفين) في البلدة وما حولها، وتخرج بمساعيه عدد من طلاب العلم، كما أقام في تلك المنطقة عددا من المساجد تحت توجيه السيد وإشرافه.

وكان اهتمامه بطلاب العلم كبيرًا فقد يسافر مع الواحد منهم إلى حماة أو إلى دمشق ليسجله في معهد ديني يكمل به تحصيله العلمي. 

وكان السيد النبهان يزوره في (أبو الظهور) بين الحين والآخر، فيذكّر الناس، وكلّما استشكل على الشيخ ياسين أمر راجع فيه السيد النبهان، فيوجهه التوجيه الحسن السديد فهو   -رضي الله عنه- مرجعه في دينه ودنياه.

وبذلك تغيّر حال كثير من الناس في تلك البلدة إلى خير بعد سوء، وبقي الشيخ ياسين كذلك حتّى انتقال السيد النبهان، وهو ما يزال في (أبو الظهور) وفق توجيهات سيده وشيخه، يوجّه العامة في حلال الله وحرامه، ويرشد طلبة العلم، ويعلّمهم مما علّمه الله، وهذا أثرمن آثار السيد النبهان رضي الله عنه.

 

حدثني الشيخ ياسين -رحمه الله- قال: «كانت حياتنا مع سيدنا النبهان كلها بالإذن، لا نرفع رجلًا ولا نحرك أخرى ولا نقدم على أي أمر إلا بالإذن منه h، استأذنت سيدنا للذهاب إلى العراق فأذن لي والتقيت بجمع من أصحاب سيدنا وأحبابه هناك، ومرة سألني الشيخ محمد الفياض حين زرته فسألني عن أخبار سيدنا فقلت له: سيدنا قال عنك:» إنك من أهل القلوب» ومن كان من أهل القلوب لا حاجة ليسألني عن سيدنا، فأطرق قليلًا وقال: اللهم نعم يأتيني خبره من السماء.

مع السيدة فاطمة i: 

حدثني الشيخ ياسين -رحمه الله- قال: «صليت المغرب مرة واضطجعت في واد بين أريحا والمعرة وأنا بين النائم واليقظان وإذ بي أرى حرسًا يدخلون إليّ فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن حرس السيدة فاطمة، فقلت: هذه أمي وركضت إليها، فلما وصلت إليها أصبحت كالطفل الصغير ورأيتها i في أبهى صورة فوضعتني في حضنها وأرضعتني الرضعة الأولى فاختلط الحليب بعظمي ولحمي فشعرت به كأنه سيخرج من أظافر قدميّ». 

حجه مع السيد النبهان:

صحب السيد النبهان في رحلة الحج عام1965م، واستمرت الرحلة خمسة وخمسين يومًا، وكان الشيخ ياسين مسؤولًا عن إحدى ناقلات الحجاج، قال لنا -رحمه الله-: «رأيت العجائب والكرامات الكثيرة هناك، وكنت واقفًا بجانب السيد النبهان -رضي الله عنه-  حين وقف أمام حضرة الحبيب الأعظم -صلى الله عليه وسلم- وقال له: ياولي نعمتي أتيت بي إليك.

ورأيتُ أمام الكعبة حين جاء إليه مجموعة من المشايخ من المغرب فجماعة منهم قبلوا يد السيد النبهان وبعضهم قبل أقدامه فبعدما ذهبوا جئت إلى السيد وقلت: سيدي هل هؤلاء فيهم عارفون بالله؟ قال: نعم الذين قبلوا الأقدام عارفون بالله».

سألته، رحمه الله: حدثنا عن كرامات رأيتها للسيد النبهان رضي الله عنه.

فأجاب: «كل خطوة فيها خمسون كرامة فإيش أعدد لك؟! شيء لا يُعد، لا أحد يقدر أن يحصيها ويعدها، فمثلًا: اختلفت أنا والشيخ أديب في مسألة فذهب إلى سيدنا -رضي الله عنه- فقال للشيخ أديب حين دخل إليه قبل أن يسأله: شيخ أديب الحق مع الشيخ ياسين في هذه المسألة، فلما رجع الشيخ لعند الشيخ ياسين عاد حزينًا كيف يشكوه إلى سيدنا! فلما سأله قال له الشيخ ياسين: والله ما أخبرت سيدنا ولا قلت له شيئًا، فقال الشيخ أديب: هذه أعظم».

ومنأخبارهمعسيدناالشيخمحمدالنبهان رضي الله عنه:

قال لي -رحمه الله-: «نزل مرة سيدنا في التويم وأنا أكملت طريقي إلى (أبو الظهور) وحين طلع الصبح رجعت إليه حافيًا دون شعور مني فقلت: سيدي أنا لا أقدر أن أبتعد عنك، فقال لي: خذني معك؛ جسمي هذا لا ينفعك، خذ حقيقتي تستفيد، وحقيقتي موجودة في كل ذرة من ذرات الوجود، إيش هذا الشيخ الذي يحجبه عن تلميذه حفنة تراب!

ومرة قرأت في كتاب سيدنا ابن الفارض:

بل أسيئوا في الهوى أو أحسنوا             كل شيءٍ حسنٌ منكم لدي

فأشكلتْ عليّ أنه كيف يقول هذا عن شيخه الكامل، فلم أنتظر للصباح فذهبت إلى باب بيت سيدنا فوجدته أمام الباب -رضي الله عنه-فقلت: سيدي كيف يقول هذا عن شيخه الكامل؟! فقال: كل ما قاله ابن الفارض في النفس الملهمة، لكنه حينما وصل إلى المطمئنة لم يقل شيئًا».

هذا غيض من فيض من سيرة هذا المحب الصادق الذي فاض قلبه بحب شيخه وآل البيت وأحباب الله. 

أولاده:

رزقه الله بعشرة من الذكور، وسبع إناث، وتخرج في الكلتاوية ثلاثة من أولاده: الشيخ محمود، الشيخ عبد الرحمن، الشيخ عبد الله.

مرضهوانتقاله:

قبل شهر من انتقاله أجريت له عملية في الركبة لالتهاب فيها، ثم ساء وضعه الصحي ففارق الحياة في مستشفى راشد بمدينة دبي، ودفن فيها يوم الأربعاء 3 جمادى الأولى 1440هـ /الموافق 9 كانون الثاني 2019م.


مصادر الترجمة:

الشيخ ياسين ويسي -رحمه الله- لقاء لي معه بتاريخ 31 كانون الثاني 2018م.

الدكتور عثمان العمر، مراسلة كتابية.

أولاد الشيخ ياسين ويسي: محمود، وعبد الله، وعمر، مراسلة كتابية.

صوتيات:

الشيخ ياسين الويسي: الله امتنّ علينا بسيدنا، وسيدنا معنا لايضيعنا.

الشيخ ياسين الويسي: سؤاله رسول الله ﷺ في المنام عن صاحب الوقت.

الشيخ ياسين الويسي: شيخي ما مات.

الشيخ ياسين الويسي: اشكر الله لي يا سيدي، أنا عاجز عن شكر الله.

 

 

 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج 2 صفحة 433).

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 21-4-2022م.

 

 

 

 

 



([1]) من كلمات الإمام محمد الرواس، رحمه الله.

اقرأ أيضًا

تراجم أخرى