أحباب الكلتاوية أحباب الكلتاوية
الشيخ يحيى حمد عبد الله الفياض رحمه الله
من أعلام الكلتاوية

الشيخ يحيى حمد عبد الله الفياض رحمه الله

عالم عامل، وتاجر صادق، علمٌ من أعلام الدوحة النبهانية، جمع بين الدين والدنيا. الشيخ يحيى بن حمد بن عبد الله بن مُلاّ فياض بن مُلاّ مرعي بن عبيد بن حديد بن خلف ب...

 

الشيخ يحيى الفياض

رحمه الله

1358 - 1435هـ/ 1939 – 2014م


ترجمة الشيخ يحيى الفياض -رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج2 صفحة 443).

عالم عامل، وتاجر صادق، علمٌ من أعلام الدوحة النبهانية، جمع بين الدين والدنيا. 

الشيخ يحيى بن حمد بن عبد الله بن مُلاّ فياض بن مُلاّ مرعي بن عبيد بن حديد بن خلف بن فليح بن حيدر الحيدري الكبيسي، وبنو حيدر عشيرة من عشائر كبيسة أصلًا ومسكنًا.

مولده: 

ولد في قرية كبيسة التابعة لمحافظة الأنبار في العراق عام (1358هـ / 1939م).


نشأته وطلب العلم:

تعلم القرآن الكريم في الكتاتيب، والقراءة والكتابة في مدارس الابتدائية، ولأن أسرته أسرة علميّة رغب والده الحاج حمد عبد الله الفياض أن يستمر هذا التراث العظيم في الأسرة فألحق ولده يحيى بالمدرسة الآصفية  في جامع الفلوجة الكبير التي كانت خاضعةً لإدارة العلامة الشيخ عبدالعزيز سالم السامرائي -رحمه الله تعالى- وذلك في عام  1372هـ/1953م، واستمر ينهل من معين علمه مدةً طويلة حتى أكمل تعليمه الثاني عشر، فتخرج فيها بتوفيق الله -عز وجل- فمنحه شيخه في العلم الشيخ عبد العزيز سالم السامرائي -رحمه الله- الإجازة العلمية، لكنه لم يشغل وظيفة حكومية لأنه كان ميسور الحال، فتعلم العلم للعلم فقط لاللوظيفة. 

التاجر الصدوق:

رغب بعدها والده الحاج حمد عبد الله الفياض أن يشاركه عمل التجارة في بغداد، فانقطع عن الدراسة الدينية، ومارس العمل التجاري لأجل أن يمثل فيه التاجر الصدوق، فكان نبراسًا في ذلك السوق أدبًا وتعاملًا وأخلاقًا ونصيحة، ومع ذلك لم يؤثرّ ذلك السوق عليه في استمراره بالطلب والتعلم والاستفسار عن المهام الشرعية وفِي صحبته لأهل العلم والصلاح، فقد جمع بين الدين والدنيا، يؤيده إخوة لَهُ صالحون تربوا على يديه، جعلهم الله تعالى ناهجين منهجه وسائرين بطريقه.

 


صفاته الخَلْقية:

كان -رحمه الله- معتدل القامة، حسن الجسم، أبيض اللون، بهي المنظر، مشرق الوجه، تعلوه البسمة، أبيض مشربٌ بحمرة، أشقر الشعر، حسن الهيئة، جميل المنظر.

صفاته الخلُقِية:

إضافة إلى حسن منظره فقد كان -رحمه الله-حسن الأخلاق، كريم النفس، حسن السيرة، صافي القلب، محبًّا ومحبوبًا، لم يصدر مِنْهُ مايسيء، سمحًا في التعامل مع أهل الدنيا، لم تدخل الدنيا إلى قلبه بل كانت بيده، كثير الصدقة، وكان في بعض الأحيان يلجأ إلى بعض الأغنياء قبل مرضه الأخير للأخذ منهم وإعطائها للفقراء لعدم وجود ما يكفي الفقراء من وارداته، مضيافًا مخلصًا مع أصدقائه؛ لأنه كان يرى خدمة العلماء وطلاب العلم والفقراء تقربًا إلى الله، لا لدنيا يجدها عندهم بل خدمةً لوجه الله تعالى.

سكنه:

سكن -رحمه الله تعالى- مدينة الفلوجة مع والده حمد عبد الله الفياض في بيت واحد وبعدها ابتنى بيتًا له، ثم شاءت الأقدار أن تقع الحرب على العراق فغادر مدينة الفلوجة متوجهًا إلى عمّان - الأردن - فمكث فيها.

 

الشيخ يحيى الفياض مع السيد أحمد بن محمد النبهان (أبي فاروق) في الكلتاوية

سفره إلى حلب وتعلقه بالعارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان h:

يروي لنا ابنه الشيخ صلاح فيقول: «من حين كان عمره لا يتجاوز الرابعة عشرة كان يسافر إلى حلب، يقول، رحمه الله: أراد سيدنا h مرة الخروج إلى قرية التويم، فركب إخواننا وبقيت وحدي لم أركب معهم؛ لصغر سني فذهبوا، وخرجت وحدي ماشيًا على قدمي باكيًا قاصدًا سيدنا h في قرية التويم بعد أن غربت الشمس، وكان سيدنا يصلي بهم صلاة المغرب فبعد أن انتهى من الصلاة قال:  أين يحيى؟ أين يحيى؟ وعاتب أبا عمر الدباغ، وأرسل بعض إخواننا في طلبه فأدركوه في الطريق.

كان ذلك الحب والتعلق سيرته وحياته، يتبع سيدنا النبهان h في كل خطواته حتى ترى تجلي السيد النبهان ظاهرًا على أقواله وأفعاله وحتى على مظهره، كان قدوة لنا أولًا ولإخواننا يرجعون إلى رأيه ومشورته بناءً على أمر سيدنا h.

سمعت من والدي -رحمه الله تعالى- قال: خرجنا من جامع الكلتاوية بعد صلاة العشاء نشيع سيدنا إلى باب داره وإذ سائل يسأل عن الآية الكريمة: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص 13) فبدأ سيدنا يتكلم ويشرحها، وكنا حينها واقفين على درج الكلتاوية المؤدي إلى داره h حتى بدأ التمجيد لصلاة الفجر.

وقال لي أخي الدكتور عبد الله يحيى الفياض: سمعت من والدي يحيى -رحمه الله تعالى- أنه كان بصحبة سيدنا h مع بعض إخواننا خارج الكلتاوية، وفِي طريق عودتهم إلى الكلتاوية كان h ينفق النقود على الفقراء والمحتاجين الموجودين على قارعة الطريق وعند وصولهم إلى باب جامع الكلتاوية قال لي: ياشيخ يحيى بقي عندي مصاري ولا أريد أن أدخل الجامع وهي معي فهل أنت محتاج؟ فقلت له: والله ياسيدي أنا مكتفي -والحمد لله- فأعطاها إلى بعض إخواننا ولَم يبقِ عنده شيئًا من النقود. فقال h: الحمد لله الآن ارتحت ودخلنا الكلتاوية بمعيته.

وقد روى لي أيضًا أخي الدكتور عبد الله يحيى قال: سمعت من ابن سيدنا عبد الله أبو الشيخ يقول: كان سيدنا h يقول لي ولأبي فاروق: إذا سافرتم إلى العراق فلا تنزلوا إلا عند الحاج يحيى الفياض في الفلوجة».

وكتب عنه الشيخ هشام الألوسي في كتاب «السيد النبهان» (وكان قد آخى بينهما سيدنا): «كان الشيخ يحيى حمد الفياض ابن عناية ظاهرة، وكان ابن عمه الحاج جاسم محمّد الفياض تاجرًا مقيمًا في حلب ومن أوائل الذين تعرفوا على سيّدنا محمّد النّبهان h بل من خاصة أصحابه، ويحيى كان كلما انتهت دراسته كل عام في الآصفية يسافر إلى حلب ويمضي أشهر العطلة الصيفية الثلاثة هناك، فتعلق قلبه بسيّدنا h تعلق الرضيع بأمه وكما حدثني عن نفسه فقال: كنت أمشي مرة خلف  سيّدنا h أحمل زنبيلًا وهو يقطف بعض أوراد الحديقة الذابلة بمقص، أجمع فيه ما يقتطف، فقال لي h: ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقوّة﴾ (مريم 12).  

وللشيخ يحيى صحبة طويلة مع سيّدنا h منذ أن رآه أول مرة عام 1953م ولم تنقطع، وقد قال عنه h: «يحيى شمّام، هذا هو يحيى ذاتي، أنظارنا عليه ولن تقع، يحيى ما أخذته الدنيا». نعم لم تأخذه الدنيا؛ بل كانت الدنيا تحت قدميه ومن خلفه، فهو بتفقده للمعوزين، وعونه للسائلين، وإصلاحه بين المتخاصمين، وتشييده للمساجد، ومساعدته لطلبة العلم أثر من آثار سيّدنا h وعينٌ من أعيان الفلوجة، وشخصية محبوبه بين الناس، لا يُمَلُّ مجالسه حديثه، ولا تكاد تلتقي معه إلا ويذكر لك شيئًا من سيرة سيّدنا النّبهان h. 

 دعاني سيّدنا النّبهان h والشيخ يحيى حمد الفياض الكبيسي إلى بيته h فحان وقت الغداء ولم يكن في الدار غيره، فأخذ بنا إلى المطبخ وأوقد ثمّ وضع قِدْرًا فيه «قرنبيطة» حتى إذ جهَز أفرغه في صحنٍ وقدّمه لنا، وأثناء الطعام قال لنا: اشبعوا اشبعوا، وهو في انشراح عظيم ونحن في أسعد لحظات حياتنا.   

 حدثنا الشيخ يحيى حمد الفياض الكبيسي من الفلوجة بالعراق قائلًا: كنت أسمع بالعلامة التي في كتفه h فتمنيت لو رأيتها، فأبصرته ذات يوم يتوضأ فشمّر عن ذراعيه ورفعهما وكأنّه يقول لي: انظر، فإذا بها بسعة وحجم ليرة الذهب الرشادية» انتهى من كتاب «السيد النبهان» ط1 (1: 131) و ط 3 (1: 216)..

(الشيخ يحيى الفياض -رحمه الله- والدكتور محمد فاروق النبهان)


وحدثني عنه صديقه الشيخ حامد صخي قال: «منذُ عرفتُ الشيخ يحيى حمد الفياض -رحمه الله وتغمّده برضوانه آمين- وهو في القمّة دائمًا، مظهر الصلاح والإصلاح، راجح العقل، يزين الأمورَ ويُزّينُها برأيه المُنّور بسيدنا النبهان ومشورته الحكيمة لأنّ سيدنا الكريم أوصى كثيرًا من إخواننا باستشارته فهو مستشار أمين.

أكمل العلوم الشرعية، ثم اختار التجارة ليكون مَثَلًا للتاجر الصدوق، جمع بين الدنيا والآخرة، ولم يلتفت إليهما بل كانت همتُهُ خالقهما سبحانه وتعالى.

 كان مُطاعًا عند التجار، ومحبوبًا لدى العلماء، وكانت كلمتُهُ لا تُرّدُ، يأخذ من الأغنياء بثقة وأمانة ليعطي طلبة العلم والمحتاجين الذين جعل لهم مُرّتبًا شهريًّا يسدّ حاجتهم.

منذ عرفتُهُ عام ١٩٦٨ م وحتى آخر عهدي به في الدنيا لم أرَهُ إِلَّا في طاعة أو قضاء حاجة لأخ، حتى ترى عليه تجليات سيدنا محمد النبهان في كثير من أحواله.

 يُحبّ الضيف، كان مضيافًا يكاد منزله لا يخلو من طارق.

وكان عمّهُ الحاج محمد الفياض -رحمه الله- يطلب منه أن ينشد عنده من المدائح والأناشيد لسيدنا عمر بن الفارض وغيره فلا يرّد له طلبًا، فينشد بصوته الشجي وروحانيته التي يسري بها في معارج مدارج القوم أهل الله.

كنتُ أزوره باستمرار، وخاصة عندما أنوي السفر، فيخرج يودعني ويقول: «رافقك اسمه السلام، ومن رافقه السلام لا يُضام» كان يقولها وكأنّ المتكلّم سيدنا النبهان.

حدثنا يومًا قال: «زرتُ الشيخ أحمد الحارون -رحمه الله- فسألني هل الجبال تنمو؟ فسكتُ لأني لا أعرف الجواب، والجبل هو هو لا نراه يزيد أو ينقص، فقال: «الجبال تنمو لكن نمّوها لتحت، النمّو لا يتوقف ﴿والجبال أوتادًا﴾ (النبأ 7) كما أن الشجر والنبات ينمو لفوق، والإنسان ينمو من فوق وتحت، ثُمَّ يواصل كلامه عن الشيخ أحمد الحارون -رحمه الله- فيقول الشيخ الحارون: الناس يتعجبون من القنبلة الذّرية، كل حجر أو حصوة فيها السالب والمُوجب لو أذن اللهُ تعالى لها لأصبحت كلّها قنابل ذريّة».

كان الشيخ يحيى يحبّ مخالطة الناس، والسهر معهم، فأراد اللهُ تعالى له العزلة عن الخلق فَغَيّبَهُ به عنهم فلم يبقَ فيه بقيةٌ لغير مولاه.

رأيتُهُ في المنام عند مرضه وهو على تلك الحالة فسألتُهُ هل تشعر بزائريك؟ 

فقال لي: نعم أعرفهم وأسمع كل ما يقولون وأعلم ما يدور حولي وحتى خارج حجرتي.

حكى لي الأخ الشيخ الدكتور محمود ناصر حوت قال: زرتُ الشيخ يحيى الفياض في غيبوبته فقالوا له: هذا الشيخ محمود الحوت فالتفتَ إليّ ونظر يريد ان يفتح عينيه ليحدّثني ثُمَّ دمعت عيناه».


(الشيخ حمزة عباس والشيخ يحيى الفياض وجمع من إخوان السيد النبهان في العراق)

وكتب لي عنه الشيخ عبد الله حسين الشامي:

«الحاج يحيى حمد الفياض علم من أعلام الأمة، فهو من العلماء العاملين، ومن التجار الصادقين الذين قال فيهم رسول الله ﷺ: «التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء».

هو واحد من أعلام الدوحة النبهانية، رجل جمع بين الدين والدنيا.

صاحبته سنين عديدة في السفر والحضر فما رأيت ألطف ولا أنظف منه، ظاهره النظافة وباطنه اللطافة.

جواد كريم بلا حدود، ماطلب منه أحد مساعدةً أو تبرعًا لمسجد أو لأي مناسبة دينية وقال: لا. ودائمًا كان يقول لي: يا أخي يا عبد الله! لا أدري أي العمل مقبول عند الله تعالى.  

حاله يذكرك بالله تعالى، وسلوكه يذكرك أنه واحد من المريدين الصادقين لسيدنا النبهان، قدس سره العزيز.

لا نجلس مجلسًا إلا ويذكر لنا قصة أو كلامًا يرويه عن سيدنا  h، فهو محب صادق لسيدنا النبهان h يبرهن على محبته بالاتباع الحقيقي لأقواله وأفعاله، الدنيا في يديه وليس في قلبه.

أذكر مرة دخلت معه للكلتاوية، وزرنا حضرة سيدنا h، وجئنا إلى غرفة سيدي أبي فاروق للاستماع إلى درسٍ من دروس سيدنا المسجلة، ونحن بباب الغرفة وإذ بسيدنا من المسجلة يقول: تفضل ادخل يا حاج يحيى. وهذه كرامة».

كان -رحمه الله تعالى- يجبر خواطر الفقراء، ويتفقد أحوالهم.

 أذكر مرة كنا في تعزية أحد وجهاء الفلوجة، وكان هناك جمع كبير فمررنا بتعزية أخرى فلم يكن لديهم أحد فقال لي: تعال لنجلس عندهم لنجبر خواطرهم وأخذ الناس حينما رأونا يتوافدون عليهم».


(الحاج محمد رحيم والشيخ يحيى الفياض رحمهما الله)

يقول الدكتور عثمان عمر المحمد: «كان الشيخ يحيى الفياض –رحمه الله- شديد الشبه بالشيخ محمد ولي الحلبي التركي، وبينهما صداقة ومحبة، ورابطة قوية، الكرم طبيعته وسجيته، ومجلسة ماتع منور بذكر الله وأحبابه خاصة سيدنا النبهان t. كان إذا زار إنسانًا لا بد وأن يأتي له بهدية، ودعواته في بيته تقدم للملوك فالكرم عنه لاحدود له».

مرضه ووفاته: 

أوقعه المرض فبقي طريح الفراش قرابة خمس سنوات، وفي صبيحة يوم الجمعة 2 رجب 1435هـ ، الموافق 2 أيار 2014م فاضت روحه إلى ربها ودفن في مقبرة سحاب القريبة من مدينة عَمّان.


(الحاج يحيى الفياض وخليل الفياض وابراهيم الفياض)

مصادر الترجمة:   

*كتاب «السيد النبهان».

*الشيخ صلاح يحيى الفياض، والشيخ حامد صخي، والشيخ عبد الله حسين الشامي، والدكتور عثمان عمر المحمد، مراسلة كتابية. 

 

 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج 2 صفحة 443).

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 19-5-2022م.