آخر المواضيع
اخترنا لكم








  الرئيسية    أتباعه وإخوانه   إخوان وأتباع السيد النبهان من العراق
الشيخ عايش جروان الكبيسي رحمه الله



مرات القراءة:301    
أرسل إلى صديق
أبلغ عن مشكلة في هذه المادة

 

الشيخ عايش جَرْوان الكبيسي

1358 - 1437هـ/ 1939 2016م

 

 

ترجمة الشيخ عايش جروان الكبيسي رحمه الله- كما جاءت في كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة 251).

الشيخ المحب، والتاجر الصادق المنفق، المتمثل بمرتبة استدن عليّ، الشيخ عايش بن جروان بن عبد الله الكبيسي.

ولادته وأسرته:

ولد في مدينة كبيسة عام 1939م، وسجل في هوية الأحوال المدنية 1942م.

والده الحاج جروان كان يَعمل بالتجارة، وكان صادقًا صالحًا يبيع الناس بالدّين بالآجل؛ ليساعدهم في متطلبات الحياة، يَتَنَقّل على دابته في القرى القريبة من الفلوجة، فأحبّوهُ وأحبّهم.

أمّا والدته الحاجة حفصة بنت عبد الله الفياض وهي شقيقة الحاج محمد بن عبد الله الفياض، والحاج حمدان، والحاج حمد والد الشيخ يحيى رحمهم الله، لهذا كان الحاج عايش كخاله الحاج حمدان كأنّهُ هو خَلْقًا وخُلُقًا، الحاج حمدان وما أدراك ما الحاج حمدان! ذلك الرجل الذي شهد له سيدنا محمد النبهان -قدس سره- بالولاية فقال: «الحاج حمدان ولي لا يعرف نفسه». وكان سيدنا الكريم يقرأ على روحه الفاتحة كلّما ذكره.

للحاج عايش أخ شقيق واحد هو الشيخ عكلة جروان-رحمه الله- (1932-1988م): ولد في مدينة كبيسة عام 1932م، أدخل مدرستها الابتدائية، ثم التحق بالمدرسة الآصفية الدينية وتخرج فيها، ثم التحق بكلية الإمام الأعظم في بغداد، ونال شهادتها، وكان من أوائل شيوخه الشيخ محمد أمين القاضي والشيخ حامد الملا حويش. دَرّس في معهد الدراسات الإسلامية في منطقة الخالدية، ثم انتقل إلى معهد الدراسات الإسلامية في الفلوجة، فكان من أبرز مدرسيه، وهو وأخوه الحاج عايش من أصحاب العارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان h. انظر «تاريخ علماء الفلوجة والشخصيات العلمية فيها» (95).

وللشيخ عايش عم واحد هو الحاج إبراهيم -رحمه الله-، وكان مُولعًا بالخيل وله إصطبلات متعددة منها إصطبل في مصر.

سأل السيد النبهان h الحاجَ عايش كيف حال عمك إبراهيم وأين هو؟ فقال: سيدي، هو في مصر مع الخيول، فقال سيدنا: «أحبّ الخيل وصاحبَ الخيل والكريم والشجاع».

 

دراسته وعمله:

تحدث هو عن ذلك كما نقل لنا الشيخ حامد صخي فقال: «قال الحاج عايش: كنتُ في المدرسة من الأوائل، وكان طموحي أن أكون محاميًا أكمل القانون لأدافع بالحق عن الناس، كانت المدارس في العراق تنتهي بالخامس الإعدادي (بكالوريا) وتخرّجتُ بمرتبة الأوائل، درجات تؤهلني للدخول إلى الطب والهندسة والقانون وأمثالها، لكن الله تعالى أراد غير ذلك فتقدّمتُ إلى دار المعلمين وتخرجتُ معلم أطفال أشفق عليهم، وأرحمهم، وأنظف ما اتسخ منهم، أدخل الدرس وأحيانًا أضرب التلميذ المقصر بقطعة قماش تُخرج صوتًا قويًا تخيفه ولا تُؤذيه، فإذا بكى أحدهم أجلس أبكي معه وأسترضيه، وفِي اليوم الثاني أجلب الحلوى لكل الصف وأدخل السرور على قلوبهم».

كان معلّمًا في قرية الزغاريد وتسمى (الزغاريت) التابعة لناحية الصقلاوية قرب الفلوجة، أحبّه أهلها وأحبهم، وتخرج من تلاميذه الأطباء والمهندسون وكثير من ضباط الشرطة والجيش الذين كانوا إذا التقوا به قبّلوا يديه.

تقدّم بعدها إلى وزارة الأوقاف فعادلوا شهادته بشهادة الأئمة والخطباء فبنى مسجدًا باسم (الروضة المحمدية) في القرية التي كان فيها مدرسًا، وبقي معهم إمامًا وخطيبًا حتى تقاعد، ولزم خدمة الفقراء وذوي الحاجة وزيارة الأرحام وإخواننا وخدمتهم بنفسه وماله.

كان بينه وبين خادم المسجد إشارة خاصة وعلامة تعني أنْ يصنع طعامًا للضيوف إذا قدموا دون موعد ليجدوا الطعام جاهزًا لكيلا يُعْطيهم فرصة الاعْتذار.

 

(من اليمين: الشيخ عبد العزيز خضر العاني، الدكتور أحمد خضير، الشيخ حامد الصخي، الشيخ عايش جروان)

 

صحبة العارف بالله سيدنا الشيخ محمد النبهان h:

تَعَرّف الحاج عايش على سيّدنا الكريم -قُدّسَ سِرّه- في بداية الستينات مع مواكب العراقيين الذين توافدوا إلى السيد النبهان في حلب، بعدها هام تعلقًا بتلك الشخصية الفذة، فلا تراه إلا رائحًا أو غاديًا إلى حلب الشهباء، قلبُهُ مُعَلّقٌ في الكلتاوية، لايستطيع الفراق، يصنع الحُجَج -الأسباب- للسفر، يقول: كنتُ مشغولًا بالسياسة وكثرة الأوهام ولم أجدْ دوائي إلّا عند سيدنا في رحاب الكلتاوية، ينشرح صدري، وترتاح نفسي، وأحسّ بالطمأنينة.

يقول الشيخ عايش -رحمه الله-: «هَيَّجني الشوق مرة فذهبتُ إلى محطة الباصات في بغداد ومنها إلى دمشق، وأنا أنظم قصيدة بلا وزن ولا قافية، فَسَلّطَ اللهُ تعالى عليّ طفلًا في الباص كان مع عائلته يأتي يضربني، وكلّما حاول أهلُهُ منعَهُ عاد ثانية إلى أن أخذَ عمامتي من على رأسي يلعب بها في الباص، فاضطررتُ أنْ أدخل الكلتاوية بالطاقية فقط، وأحمل قماش العمامة لأني لا أجيد لَفّها، دخلتُ الكلتاوية فوجدتُ سيدنا الكريم جالسًا وحوله جمعٌ من أحبابه، فلّما رآني على تلك الهيئة ابتسمَ فطلبتُ من سيدنا أنْ أقرأ بين يديه قصيدتي التي تحكي قصتي ومنها:

(سبع سنين مَرّتْ عليّ أبيتُ الليل مهمومًا حزينًا، أبيتُ الليل يتبعُهُ نهارٌ خاطر وسواسٌ شرحُهُ جدًا طويل، مشغول بالسياسة سقط فلان، استولى فلان، هذا شغل الغفلاني، جئتكم سيدي النبهان منكم دوائي، أشكو إليكم حالتي فارحموا عايش المسكينا... إلى آخرها)

سمعها سيدنا فَعَمّ المجلسَ بكاءّ عظيم، فقال سيدنا: المعنى صحيح».

 

(من اليمين: الشيخ عايش جروان، الحاج عبد اللطيف عطا أبو نبهان رحمهما الله)

 

من صفاته:

وَرِثَ الحاج عايش من والده مالًا كثيرًا من ديون وغيرها فتصدّق بذلك كله، ثَمّ وصل به الحال يقترض ويعطي حتى قال له الشيخ يحيى الفياض -رحمه الله-: «يا حاج عايش هذه مرتبة محمدية هذه مرتبة نبهانية (اسْتَدِنْ عليّ) نحن لسنا كذلك لا يجوز لك هذا. لكنّه كان يعود ويعود، ويقول: لا أستطيع أنْ أردّ أحدًا».  

تميَّز الشيخ عايش بين إخوانه بالخدمة والتَودّد والإيثار.

وبالتفتّي عَلى الإخوان جُدْ أبدًا* حِسًا ومَعنىً وغُضَّ الطَّرفَ إن عَثرَا

يَتَفَنّن في كُلّ ما يُدْخل السرور إلى قلوب الآخرين، كان يؤثر إخواننا إكْرامًا لسيدنا، يُؤثرهم على نفسه في كلّ شيء حتى بالبشائر من سيدنا الكريم، يسأل لهم قبل أن يسأله لنفسه ويقول: سُروري إدْخال السرور والسعادة إلى قلوب إخواننا. وهذه صفة الأحرار.

تَمَسَّكْ إن ظفرتَ بذيل حُرٍّ* فإنَّ الحُرَّ في الدنيا قليلُ

تَحَمّل الأذى والتزم الإحسان إلى مَنْ أساءَ اليه، وهي صفة ذاتية لازمته طوال حياته، تراهُ يحمل الهدية ويدّق باب من أساء إليه، ويقدّم الاعتذارَ إليه، سأله صديقه الشيخ حامد صخي يومًا لِمَ هذا التواضع الذي يراه البعضُ ضعفًا؟

فقال له: أنا أذهب إليه من أجل راحتي لكي لا يبقى قلبي مشغولًا بزعله، فإذا ارتاح ذهب الهمّ عني، «نَفُّوس بِدها فُوس» وقد أوصاني خالي الحاج محمد الفياض -رحمه الله- فقال: من أساء إليك تستغفر له: اللهم اغفر لي ولأخي ولوالدينا وللمسلمين مئة مرة ستسري إليه ويرتاح، ثم تشتري هدية وتذهب اليه وهذا هو الإحسان، ويقرأ قولَهُ تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران 134).

وامتاز الحاج عايش بصلة الأرحام بل هو السبّاق بمواصلة الأقرباء والغرباء يُشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم.

 قال الشيخ بشير حداد -رحمه الله-:

«يمتاز طائر البجع بوجود كيس جلدي مَرِنٍ يشبه المطاط يقع أسفلَ منقاره الطويل، يستخدمه كمخزن لتخزين عدة كيلو غرامات من الطعام ليأكلها أو يطعمها لصغاره بعد هضمها، وأيضًا يحمل به الماء ويضعه على رؤوس الجبال وممرات الطيور لعلّ طيرًا يروي عطشه فتراه يغدو ويروح لهذه الوظيفة، كذلك الشيخ عايش يشبه ذلك الطائر يروح ويغدو في خدمة الناس، لا لغرض، لا يطلب أجرًا، لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا».

إنّها مرتبة وهبه اللهُ إياها لا يستطيع الكثير تَحَمّلها.

يقول الدكتور عثمان عمر المحمد: (كان الشيخ عايش رحمه الله- مثالًا للكرم والسخاء والإيثار، كنت في زيارة للفلوجة مع أخي الدكتور عبد الحميد جاسم الفياض عام 1980م، فدعانا الشيخ عايش للغداء أو العشاء، فأردت أن أعتذر من أجل ألا أكلفه لكن قال لي أخي الشيخ هشام: إذا اعتذرت يزعل الشيخ عايش،  فوافقت على العشاء ظنًّا مني أن العشاء لا يكلف، فلما دخلنا بيته راح ينشد فرحًا بالضيوف، وإذ به يقدم مائدة لا يقدمها الأثرياء، وهو مسرور فرح مرحب، ولما نوينا العودة أصر أن يذهب معنا إلى الرمادي ولم نعلم سبب ذلك، لكن بعدها اكتشفنا أنه يريد أن يحمل عنا أجرة السيارة التي سوف توصلنا فتخلصنا منه بحيلة كان رحمه الله-لا يزور أحدًا إلا ومعه الهدايا والأعطيات، فكان كرمه ليس له حد، حقًّا إنه تلميذ السيد النبهان).

روى لي المهندس رياض صبحي قال: «أذكر للشيخ عايش حادثة سمعتها منه يقول: كنت أركب بالباص عائدًا إلى الفلوجة في ساعة متأخرة من الليل وقد امتلأ الباص بالركاب، وصعد بعد ذلك جنديان للالتحاق بوحدتهما أو للعودة لبيتهما لا أذكر، وبعد مدة وهم في الطريق وقد سمع أحدهما يقول للآخر: ما عندنا حظ؛ الله غاضب علينا حتى ما لقينا مكانًا نجلس فيه، فقام الشيخ عايش من مكانه وصاح على سائق الباص أنه يريد النزول، وعرض على الجندي الشاكي الجلوس مكانه لكي يقوي إيمانه، ويجعله يحسن الظن بالله، ونزل الشيخ عايش في الطريق المظلم لوحده قاصدًا الفلوجة مشيًا ولكن عناية الله له لم تتركه، فمر شخص من أهل الفلوجة بسيارة مرسيدس حديثة فرآه وعرفه فحمله إلى بيته معززًا مكرمًا جزاءً له من الله على كرم أخلاقه».

كتب لي الدكتور عمر الجبوري: «وقعت حادثة أمام عيني وكنت طرفًا فيها، زارني مرة في محل كنت أعمل فيه في التجارة ومعه مبلغ كبير من الدولارات وطلب مني أن أحولها للدينار العراقي، وقمت بذلك ولما عدت إلى المحل سلمته المال عدًا ونقدًا، فأخرج مبلغًا وأعطانيه، وأقسم عليّ أن آخذه لقاء تعبي، فلم أستطع أن أرفض أمام إلحاحه ورجاء بركته، ولكن ليس هنا بيت القصيد إنما وافق وجود أناس في المحل فوزع لكل واحد منهم مبلغًا مع أنه لا يعرفهم فدهشت لتصرفه وأدركت أن المال والتراب عنده سواء، وكان أحدهم شيعيًّا تعلق به حبًا ودهشة لصنيعه».

وكتب لي الدكتور عادل كعيد: «عرفت من صفات أخينا الحاج عايش:

                كان متواضعًا ليس مع أصغر إخواننا سنًا بل مع سائر الناس مهما كانت صفته ومعتقده.

           كان يوزع حصصًا تموينية على العوائل الفقيرة في أيام الحصار في التسعينات، فقد كان بيته يغص بالنساء الفقيرات يطلبن منه الطحين وغيره، ولا يرد واحدة منهن حتى لم يبق شيئًا لأهله، يحبه كل الناس، فقد كان رحيمًا ورفيقًا بعباد الله.

           كان -رحمه الله- إذا جاءه أحد إخواننا ليستدين منه مبلغًا من المال ولم يتوفر لديه المبلغ المطلوب لا يعتذر لأخينا طالب الدين بل يعطيه موعدًا قريبًا لجلب ما يريد من المال، وما كان هذا الموعد إلا ذهابه إلى أحد معارفه الأغنياء ليستدين المبلغ المطلوب دون علم أخينا ثم يحضره إليه، وما طالب أحدًا بالدين قط.

           كان -رحمه الله- يطربنا بأبيات جميلة بحق سيدنا النبهان تبين علو اعتقاده بالحضرة النبهانية فيرتجز طربًا».

أخوة في الله:

 حدثني صديقه الشيخ حامد صخي قال: «آخى سيّدُنا بينه وبين الأخ الحاج عبد الحميد جرذي -رحمه الله- فما من يوم إلّا ويزوره فيه، فلمّا انتقل الحاج عبد الحميد جرذي إلى جوار الله تعالى بقي يواصل أهله وأولاده ماديًا ومعنويًا، وهكذا الحال مع بقية الاخوة تراهُ برفقة الحاج عبد العزيز محمد خضر العاني -رحمه الله- والأخ الاستاذ محمد حمادي الراوي، والشيخ شريف الراوي، والشيخ عابد صالح، وغيرهم.

شَدَّ الشيخ عايش جروان الرحالَ قاصدًا بيتَ الله الحرام عام 1976م، رافقه في تلك الرحلة كثيرٌ من إخواننا منهم: الشيخ عبد الله حسين الكبيسي، والشيخ صلاح يحيى الفياض، والشيخ عبد المنعم شاكر، والحاج رافع لا بد الراوي، ودعناهم من جامع الصديق في الفلوجة، قال لي الشيخ عايش: نويتُ الحج نيابةً عن سيدنا الكريم -نفعنا الله به-أكمل الحج والعمرةَ بلطافته المعروفة والمميّزة، وعادت بهم قافلةُ الحجيج إلى العراق، قال لي: كنتُ أنتظرُ إشارةً أو بشارةً  فلمّا وصلنا مدينة العزيزة قبل بغداد، والسيارةُ تسيرُ أخَذَتْني سِنَةٌ من النوم، فجاءني سيدُنا مبتسمًا وقالَ لي: «تَقَبّلْنا حجتَكَ» فانتبهتُ مسرورًا ثُمَّ قالَ لي: لماذا في العزيزة؟ إنّه العزُّ بسيدنا هكذا أوّلَها.

ومن طرائف الشيخ عايش في تلك الحجة كما حكى لي قال: تهتُ في مكة المكرمة عن جماعتي في القافلة، فأخذوني في قسم التائهين، فلم أجدْ لَذّةً ولا قربًا أفضل منها لأنّي بقيتُ معهم ثلاثةَ أيام أخدمُ الفقراءَ والمحتاجين ومعي مبلغ من المال أشتري به الدجاج والفاكهة، وأتقرب الى الله تعالى بإطعامهم وخدمتهم.

وكان يقولُ لي: أنا سلوكي في سروري ويرددّ «سُرُوركَ سُرورُي» كلمة قالها له سيدنا في المنام.

يتابع الشيخ حامد فيقول: لَهُ أحوالٌ عجيبةٌ ومواقف نبيلةٌ، ولَهُ فضل وفضائل عليّ لا يتسع الوقتُ لذكرها، وفي مقدمتها: كنتُ ممسكًا بيد سيدنا اليمنى، نمشي من باب الحديد صعودًا إلى الكلتاوية، فلّما وصلنا بين البابين باب الجامع وباب الدار شَمَمْتُ كتف سيدنا فنظر-رضي الله عنه- إليّ وابتسمَ، فقال الحاج عايش: سيدي حامد يُحِبّك، قال سيّدُنا: «أحَبّهُ اللهُ الذي أحَبّني لأجْلِه» كان معنا الشيخ أيوب الفياض -رحمه الله- وجمع من إخواننا وذلك عام 1973م، أهداني الحاج عايش قطعة قماش تشبه المنديل كان سيدنا الكريم يُنَشّف بها وجهه الشريف بعد الوضوء، كلّما شَمّمْتُها أجدُ ريحَ يوسف.

ومن لطائفه ما ذكره لنا الأخ الشيخ صلاح مخلف: أن الحاج عايش جروان أعد أضحية يضحيها عن سيدنا النبهان قدس سره العزيز قبل أيام من العيد فكان يطعمها اللوز والجوز وأرقى الحلوى إكرامًا لسيدنا. هنيئًا للحاج عايش هذه المحبة، وهنيئًا له هذه الأضحية.

وصفَهُ الشيخ أيوب الفياض -رحمه الله- فقال: «الحاج عايش صاحب المهمات الصعبة أرٍسِلْ حكيمًا ولا تُوصِهِ». وذلك بعد أنْ أرسله إلى سيدنا فأتَمّ المهمةَ على أحسن الوجوه، وجاء الشيخ أيوب بالبشرى ولإخواننا بالبشائر، فقال فيه أخونا الفاضل الشيخ هشام الألوسي حفظه الله: «أيا طيرَ البشائر يالّلي بالحب طاير».

عرفتُ الحاج عايش عند زيارة سيدنا الكريم قُدّسَ سِرّه للعراق عام 1968م، وازدادت أخوتي به يومًا بعد يوم فهو صاحب الفضائل والمعروف، والسبّاق للمكارم يؤثر على نفسه، لقد غمرني بفضله ولن أستطيع مكافأته أبدًا، وهنا أذكر موقفًا نبيلًا لهذا النبهاني المحب الفاني، قصدني شخصٌ ما زال حيًّا يطلبُ مني قرضًا مبلغ  ستمئة دينار عام 1975م وكان في حينه كبيرًا يمكن به شراء بيتين للسكن، وكنتُ فقيرًا لا أملك شيئًا ولم أكن متزوجًا ولا بيت عندي، فاستضافه الشيخ عايش في بيته ثلاثة أيام واستقرض له المبلغ الذي طلبه وأعطاه إياه بحضوري، قال لي: اللهم اشهد أَنِّي عملتُ هذا إكرامًا لأخي حامد من أجل عيون سيدي النبهان.

أخونا الشيخ عايش جروان من طرائفه أنه كان يقول: إذا أقول لكم على عيني قد لا يليق فبصري ضعيف، وإذا قلتُ لكم: على رأسي فأنتم أطهر مني وأجلّ. يقولها بصدق المحب كلّ هذا إجْلالًا لمقام سيدنا الكريم وإكرامًا لإخواننا».

 

وفاته:

أقعده المرض حتى انتقل إلى رحمة الله تعالى في مدينة السليمانية بعد معاناة طويلة، وشيع إلى مثواه الأخير مساء يوم 2 رمضان 1437هـ، الموافق 19حزيران 2016م.

رحل إلى مولاه طيّب النفس، سليم القلب، أجمع الناس على صلاحه وولايته، وصدق القائل:

سيذكرني قومي إذا جدّ جِدّهم* وفي الليلة الظلماء يفتقد البدرُ

رحمك الله أبا محمد وأعلى منزلتك بمعيّة سيدنا محمد النبهان في مقعد صدق عند مليك مقتدر، رحمك اللهُ ابا البشائر والشيم والمكارم.

رثاؤه:

كتب في رثائه الشيخ هشام الألوسي:

أي سادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فإنني أتقدم لأصحاب وأحباب سيدنا بأحر التعازي بفقد أخينا الغالي الشيخ عايش جروان الكبيسي. رحمه الله، آنسه الله بالحبيب.

إنه الشيخ اللطيف الودود عايش جروان عبد الله الكبيسي طير البشائر كما ورد في نشيد بلهجة عراقية:

يا رَايْحين  لحلب  حِبّي معاكم  راح     خُذوا عيوني وكَلْبي وآني كِسِير آجناحْ

أيا طير  البشاير  يا الّلي  بالحب  طايرْ     مَشطوف  عقله  طايرْ  لجنة   الأرواح

كان كثير الأسفار إلى حلب، ينفرد بنا واحدًا واحدًا يقول: بيني وبينك لا تخبر سأسافر فهل لديك طلب عند سيدنا أو سؤال؟

ويوم سفره يكون أكثر إخواننا قد اطلعوا، فإذا غادر حمل القلوب الهائمة معه يدعون له بالتيسير، ويترقبون عودته، حتى إذا رجع أذاع بما رأى أو سمع من حضرة الحبيب -رضي الله عنه- فيدخل السرور على قلوبنا، ويثري مجالس أنسنا بالجديد عنه رضي الله عنه.

وهو من لا يجاريه منا أحد بِنِيّاته التي يخفيها أو يبديها تجاه الحبيب ومحبيه وخدمتهم ومواساتهم.

زارني ليلًا في بيت الدرج الذي كنت أقيم فيه بجامع الفلوجة الكبير، وهو متعب مرهق، فنام على ظهره بجبته وعمامته ولم يخلع حذاءه إلى قبيل الفجر.

فقلت: إلى متى تبقى على حالتك هذه تحرق نفسك؟!

وقد حصلت مشكلة لصاحبه الشيخ عبد الحميد جرذي مع آخر فتعذر حلها، وهكذا كان وصفه لا يهنأ وهناك مهموم من محبي الحبيب حتى يزول همه.

وهو إنسان محبوب من سائر الخلق داخل الفلوجة وخارجها، لا يرد ذكره على لسان إلا بخير.

دَيْدَنه الخدمة وإدخال السرور على المهمومين والفقراء، والدنيا في يده وتحت قدميه، وقد توفي والده -رحمه الله-وترك ديونًا له عند الناس تؤلف ثروة، وكما أخبرني أنه أمسك سجل الديون التي ورثها يقلب صفحة فأخرى ويكتب: «واصل عن طريق المسامحة» فلم يبق منها شيء مع أنه في غاية العوز.

يطلب منه أهله أحيانًا أن يجلب لهم شيئًا من الخضار والخبز فيعود بعد الظهر تاركًا خرجه في مكان ثم يعتذر لأهله بعذر دون أن يقول لهم: ليس عندي ما أشتري به.

ومع هذا فهو لا يرد سائلًا بل يستدين ويعطي ويقضي حوائج الناس، وقد أمضى حياته على هذه الحالة وأخواله من آل الفياض الكرام أوفوا ما عليه مرتين، ثم باع بيته فشرى له الشيخان المحبان حامد صخي نجم الجنابي وصهره الشيخ صلاح يحيى الفياض قصرًا مجاورًا لجامع الحضرة المحمدية فأصبح دار ضيافة ومأوى ذوي الفاقة ولكن ذلك القصر المؤثث لو قال له هشام: اخرج من بيتك لأسكنَ فيه لن يتوقف بل سيقول أمهلني أيامًا حتى أستأجر بيتًا أنتقل اليه.

كان أكثر سيره داخل المدينة في خدمة العباد على قدميه حتى تتهرأ جواربه يسير ويوزع الحلوى على الكبار والصغار أينما حل أو نزل.

والشيخ عايش -الذي قال عنه سيدنا الحبيب: «عايش له في قلبي منزلة» - إذا رأيته حسبته بهلولًا أو مجذوبًا وهو صحيح بهلول القلب سليم الفطرة مجذوب إلى الحبيب وبالحبيب مع كونه نادرة في ذكائه وأدائه، كما أنه رحيم بلغت به الرحمة حدًا مدهشًا حتى بالجمادات.

أذكر مرة أنه رافق جمعًا من إخواننا في سفرة إلى هيت لحضور حفل مولد، ومدينة هيت تبعد عن الفلوجة مئة كليومترًا، والسيارة تتسع لثمانية عشر، فركب فيها خمسة وعشرون أثناء عودتهم ومنذ أن خرجوا من هيت حتى وصلوا مشارف الفلوجة والشيخ عايش يبكي فقيل: ما يبكيك؟ قال: «أبكي على السيارة فاحطة» أي مثقلة.

تلك شذرات من سيرة رجل رباه حبيبنا سيدنا النبهان -رضي الله عنه-، ومآثره كثيرة تتطلب كتابًا، ولا أظن أحدًا عرفه إلا ويحفظ عنه شيئًا.

كنت أعتقد أنه مجاب الدعوة، ويوم كنا نبني جامع الحضرة المحمدية قلت له وأنا أمشي معه ليلًا بين الجامع الكبير والشارع العام: يا شيخ عايش أريد منك أن تدعو لي الله أن يرزقني غدًا عشرة آلاف دينار لمواصلة العمل، وإذا لم يأتني المبلغ غدًا سأقول عنك: لست وليًا ولا صاحب كرامات!

فتركني مسرعًا وأنا أنظر إليه كأنه طير مذبوح يرف جناحاه يرفع يديه ويتضرع، ولما كان اليوم التالي جاءتني عشرة آلاف دينار تبرعًا من الحاج حمود ذياب الكبيسي -رحمه الله تعالى- كدفعة أولى من أربعين ألفًا.

نجم هوى وما هوى* بدر خفى وما خفى

عنوان يعكس ذكره* قصص المحبة والوفا

وكأن سائر حاله* يسعى بزمزم والصفا

وهيامه في حلب* ما زاغ عنها أو غفا

رحمك الله يا أخانا.

لقد كنت بيننا علمًا وركنًا عظيمًا.

آنسك الله بقرب الحبيب وجواره، وإنا على فقدك لمحزونون، وإنا لله وإنا إليه راجعون. (هشام عبد الكريم الألوسي، بغداد، الرابع من رمضان، 1437هـ).

ورثاه الدكتور محمود ناصر حوت فقال:

إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إن العين لتدمع، وإن القلب ليوجع، ولا نقول ما يسخط الرب، إنا على فراقك يا أبا محمد لمحزونون.

أيها الفقيد العزيز: جلّ فقدك عن البكاء، وعز فراقك عن العزاء والرثاء، فلا الكلمات البليغة وافية بحقك ولا الزفرات الحرَّى مجدية بفقدك.

أنت عايش في القلوب وإن وافتك منيتك، وأنت حي في النفوس وإن غيبتك أقدارك.

كريم الأصل والمحتد، سخي اليد والنفس، شهد لك مربيك ومؤسسك على مكارم الأخلاق سيدنا وقرة عيوننا بأنك (لا تحب الدنيا) فأبشر أبا محمد بهذه الشهادة؛ فلست إلا محبًّا عاشقًا والهًا منذ اكتحلت عيناك بغرة الدهر وشمس المعارف السيد النبهان رضي الله عنه.

سلامٌ عليك سلامًا لا لقاء بعده في دار الفناء، فاذكرنا عندهم في دار البقاء.

(أخوك محمود ناصر حوت)

ورثاه الدكتور عبد السميع الأنيس فقال:

«وفاة رجل صالح»

«لقد فقد العراق والعالم الإسلامي الرجل البركة، الصالح، التقي، النقي، الحاج عايش جروان الكبيسي، رحمه الله تعالى.

فقد عرفت الفقيد قبل ستة وثلاثين عامًا في مدينة الفلوجة الجريحة الصابرة من مدن العراق فعرفت فيه الصلاح والتقوى والتواضع والصفات التي قلما تجدها في دنيا الناس.

كان -رحمه الله- آية من الآيات في قضاء حوائج الناس، والسعي البالغ في عونهم، ومساعدتهم.

متميزًا جدًا في إدخال السرور على أصحاب القلوب الحزينة، والنفوس المرهقة، وكان يملك حسًا نادرًا في كشف حزنهم وآلامهم.

هو البلسم للجروح الغائرة، مسعفًا بكل ما أوتي من قوة وجاه أصحاب الحاجات، والمصائب العارضة أو الدائمة.

وكان يتميز بسلامة الصدر، وطهارة القلب، رجل صدق وأخلاق عالية لا أظن أنه آذى أحدًا، أو تكلم على أحد، لا تصريحًا ولا تلميحًا.

وكان -رحمه الله- عابدًا، خاشعًا، بكاء في مجالس الذكر والعلم، غضيض الطرف، لا تفارق البسمة محياه في أشد الظروف». اهـ..

وكتب في رثائه الشيخ محمد شيخ جمال شاكر:

 ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب 23).

هكذا يترجل رجل من أهل الله تعالى ملتحقًا بالرفيق الأعلى، يرحل الحاج عايش جروان -رحمه الله- تعالى بعيدًا عن فلوجته وعن عالم الدنيا.

رجل الفقراء والمساكين، رجل التواضع والخلق، رجل الأدب والمواقف الحسنة وما أكثرها! ولكل من يعرفه موقف جميل معه، كما كنتَ كريمًا سخيًّا في كل شيء، يعاملك الله تعالى بالكرم والعطاء فيختم الله تعالى لك بمكارم جسام، يطهرك الله تعالى بالابتلاءات وما أكثرها!، ينقيك ويرقيك بالمرض ومعاناته، ومن ثم تُهَجّر وتقاسي الغربة فترحل شهيدًا غريبًا وتُمْنح الانتقال في شهر الله شهر رمضان وبديار الغربة تدفن فأي كرم وعطاء هذا!

نعم الكل ترحل ولكن لحسن الخواتم مراتب، أقول اعتقادي: يا عمي يا حاج عايش أنت أهل لهذا، نعم هذا ما أعتقده فيك، ولسيرتك ومسيرتك شواهد كثيرة.

رحمك الله يا أبا محمد، رحمك الله يا راعي الفقراء، رحمك الله يا صاحب الأرامل والمساكين، رحمك الله يا حاج عايش، وأعلى نزلك، وجعلك قرة عين لسيدنا محمد وسيدنا النبهان وأنزلك منزلًا هو يكرمك به على مقدار كرمه وحسن ضيافته.

والله لقد أوجع قلبي خبر انتقالك. وإن العين لتدمع وان القلب ليحزن وانا على فراقك لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لله وإنا اليه راجعون.

 

مصادر الترجمة:

           الدكتور عمان عمر المحمد، والشيخ هشام الألوسي، والدكتور محمود ناصر حوت، والشيخ حامد صخي، والدكتور عادل كعيد، والمهندس رياض صبحي، والدكتور عمر الجبوري، والشيخ صلاح مخلف، والشيخ محمد جمال شاكر، مراسلة كتابية.

           الدكتور عبد السميع الأنيس (نشر على صفحته في مواقع التواصل). 

 

ملف مسموع:

من حوار مع الشيخ عايش وحديثه عن سيدنا النبهان.

 

 انظر كتاب «الدرر الحسان في تراجم أصحاب السيد النبهان» (ج1 صفحة246)

نشر في موقع أحباب الكلتاوية بتاريخ 2-9-2021م.